أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: أحلام والأكسح

  1. #1
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي أحلام والأكسح

    أحلام والأكسح
    .. وأضحى حاله مفتونا بأحلام، مسكونا بأطيافها حتى النخاع. كانت خياله الذي لا يبرحه في الغدو والآصال، والعشي والأسحار. عشق وافتتان فاق عشق المجنون وغيلان.. هذا ما يحدث به نفسه على الدوام.. ترى حقا بهية المطلع كغرة القمر في الليالي الداجية، أو كمن قال فيها بشار الأعمى:
    جنية إنسية أو.. بين ذاك أجل أمرا
    يعرف في قرار نفسه أن العين بصيرة واليد قصيرة، فضلا عن عيب واضح اختاره بمحض إرادته.. وما حاجتها ليد مشلولة عالقة في جثة آدمية كسيحة، أثخن جروحها النوم؟ وما العمل لمن يبحث عن ذرة ضائعة في مجرة نائية؟ توسل بلغط كثير حتى أصاب العي منه اللسان.. خنفساء تزغرد على الدوام في ركن مظلم.. ديك رومي جبان، عاجز عن مضاهاة الطير حين تغدو خماصا وتروح بطانا. كان الأكسح ، من حين لآخر، يستعيد وعيه ويمتثل في خنوع أمام صوابه.. يقر في انكسار بأن الذرة بعيدة المنال، ولم تبق في نفسه من باقية غير صداها الباهت، ينشط بين الفينة والأخرى ويشحن لسانه بالهذيان. أما هي فتزهو في برجها العاجي ممتشقة أسياف البهاء والفتنة. تربأ بنفسها أن تداعب يمينها سواعد من خشب. وما العمل وقد عاودته أحلامه، وتسرب سناها الواخز إلى أعماق جوانحه ؟ رفع رأسه إلى فوق وبدا في حال المذنب الناسك، يبتهل في خلوة عسى أن تمطر السماء ذهبا وفضة!!
    ما فتئ ينظر إليها من بعيد وقد دخل في شوط من الهذيان والرغاء، مترقبا أن يجود الثغر الباسم، وتومئ العين الحوراء بدنو أجل الوصال..
    كان يبدو لها قزما بالغ الحد في القزمية! وأنى لقزم زهد في الحركة والكد أن يسبح في الفضاء وتداعب يمناه خد العذراء؟ معدود من عالم الجنون من يطمع في أحضان العذراء ويدير ظهره لمعارك الحياة في غباء، مؤثرا درب التقاعس الطوعي المزمن.
    جثم على ركبتيه وجعل يهذي وينوح، والأحلام الوردية الزاهية ترمقه من عليائها.. كان يفعل فعل المخبول محترقا من شوق، ثملا من هيام.. يا أحلامي وهوائي.. ويا مائي وخبز يومي.. انتشليني من دنيا الضياع، وقيني شر السباع والضباع.. ضميني إلى صدرك الحاني.. أدفئي الجسم المقرور.. ضمدي القروح والجراح، واسقيني ماء سلسبيلا كمعتق الراح.. لا تخذليني هيا يا سالبة الألباب وقاهرة الرقاب... انفثي في أركان بيتي من سحرك الفياض.. حتى إذا أفقت انفتحت عيناي على أكوام من ذهب وقناطير من فضة!!
    من على برجها أطلقت ضحكة.. تغنت بصوت جهوري رائق: تريث أيها الجريح.. لا تبالغ في احتساء كؤوس الوهم.. اخلع ثوب الانفعال واترك عقيم الجدال، بعد حين سنرسم الهدف ونربط الاتصال. وبغتة انتفضت وبسطت جناحيها محلقة في الأجواء...
    تسمر في مكانه مترقبا، يشرئب بعنقه إلى قمة البرج العاجي. حاول أن يحلق في إثرها، شرع ينط بدون جدوى، بيد أن ابتسامتها التي أشرقت من كبد السماء أعادت السكينة و الدفء إلى نفسه المرتجة. ولكن، ما بالها تلازم هودجها العاجي من جديد وتغرق في الضحك الصاخب؟! خمد في مكانه مستسلما لإبر الخزي والشماتة تخز كبرياءه.. لم يطق هذا الموقف المر فأعاد الكرة صارخا...
    وقاطعه صدى صوتها زاجرا مزمجرا: أرهف السمع أيها العاشق المغفل، القاصر المستعجل.. عهدي باللبيب أن يرى حصينا رزينا، يعالج شائكات الحلول بمنظار العقل.. يعدُ لغده وافر السلاح والعتاد.. لئن أغواك الطمع في أن تظفر بدفء أحضاني الوثيرة فأرهف السمع وامضغ في تأن شروط الهدف المرسوم.. بادر من ساعتك في نسج جناحين منيعين.. تبث الريشة تلو الريشة على جلد سميك حتى... وإن عجزت، ولا محالة عاجز، اسع في تشييد سلم فاره يضاهي الجبل طولا.. ومن دون ذلك يعز على الأحلام العذراء أن تقتات على لحوم شاة عجفاء كسحاء.. وما في متناول العذراء أن تبرح السماء وتلامس الغبراء.. أمسك بشروط الهدف المرسوم، كدأبه إذ يمسك بتلابيب الأوهام، ودسه في طاقيته..
    نصل نعليه تأهبا للفرار، ولكن صداها تناهى إلى أذنيه فعدل عن... رفع رأسه ليفاجأ بالقد المجنح يمثل أمامه، ولكن تعكسه مرايا أنيقة.. وتنهل الأسياف من ثغرها الوضاء تخترق زجاج المرايا، وتهشم جدار الدماغ... إياك والأنا الهوجاء والتعلق بأركان الكهوف الصماء، فجميعها مثبطات تميت الحس، تطفئ شعلة الضمير وتدر المرء عبدا حقيرا كلاَ على مولاه، وهل له من خاتمة إلا أن يقبر جثمانه في مزابل التاريخ..
    غص الريق في حلقه، حاول الاندفاع إلى الأمام، ولكن المرايا تعود فتنتصب أمامه حواجز تحول دون الانفلات. وتتحرر عقدة لسانه، فيصيح ملء عقيرته:..أي معذبتي ومحرضتي! ما باليد من حيلة كل السبل أمامي موصدة الأبواب.. لا مفاتيح لدي.. لم يجد اعتصامي..من هنا أعلن تمردي وعصياني إن لم تجودي.. من غيهب هذا الكهف البارد أتأهب ـ أنا المجنون ـ للهجوم على قلاع السادة المستبدين بالمفاتيح.. ومن يدري، فقد يشفع لي جنوني عندهم فأظفر بنزر من رضاهم.. باركي خطاي أيها النور المستعصي على العبيد مثلي.. فكي الحبال عن عنق عاشق ولهان.. افتديني بقيراط من بهائك، وبادري بعتق رقبة مؤمنة!
    لوحت أحلام بجناحيها من وراء الحجاب الحصين.. دمدمت كفعل الريح العاتية...
    وفي حال من الذعر والانهيار يخضع ويركع مستسلما للقذائف ترمي صدره... اعلم أيها العاشق الولهان.. يا من فاق عشقه المجنون وغيلان، أن ليس للهوى المنبثق عن مجنون من مصب سوى بحر الهاوية.. فثمة القروش والزواحف والوحوش الكواسر...
    وتلفعت أحلام بوجومها المعهود، وطفق الأكسح يضرب بطاقيته على الأرض.. يهذي ويرغي كأنما يلتمس من حور عينيها شفاعة... وتعالجه السيوف البواتر فيحني رأسه يصغي لقصف الرعود ووقع السيوف... كفاك تمايلا مع إيقاع نحيبك ورغائك، ونغمة أحزانك وأوزارك.. ليس من مفر إلا أن توافق على بنود الهدف المرسوم.. وإن عزمت فشمر على ساعد الجد.. احفر بأظافرك في نتوء الصخر حتى تستوفي قيمة المهر، حينئذ أبارك لك الحظ السعيد وأقول: هيت لك... وإلا، فنكص على عقبيك ولذ بحظيرة أوهامك ومذبح أهوائك، وعدَ نفسك من ساعتك فارسا من فرسان الجحيم. رفع رأسه حسيرا كظيما، ولم يلف للمرايا من أثر. تلاشى الزجاج كالفقاقيع.. تشابكت السبل أمامه، فسار يخبط خبط عشواء. أفاق من سكرته مرهقا فوجد نفسه في تيهاء موحشة، منفردا مثل ظبي جنح عن القطيع وتاه في مفاوز الموت. شرع يبحث عن بنود الهدف المرسوم في سائر جيوبه.. لا فائدة تذكر.. إنها انفلتت من طي طاقيته المنسية في معترك الأحلام..
    *فرسان الجحيم*
    محمد غالــــــــــمي
    قصبة تادلة في 09 ـ 01ـ 20007

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    المبدع غالمي ....
    من المعيش اليومي الحياتي ، نهلت مادة النص ، فحملت فيه وعليه من اسقاطات الواقع العياني ، فرسمت لنا لوحة حيالة ولكن بحلة شابتها رمزية بسيطة ، دالة وعميقة ومستفزة ، فكانت الصورة هنا تبحث في وضوحها عن متامل دقيق ، لاستخراج الماهية من تسلسل لالحدث فيها ، وكذلك من تناغم الحوار الدال والمفضي والمسهب احيانا في النص ، جمعت بين اشكال الحياة ، واردت غرس بذوز التحدي ، والاصرار من اجل الوصول الى الهدف رغم استحالته نظريا .
    نص بيدع

    محبتي
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية سحر الليالي أديبة
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    الدولة : الحبيبة كــويت
    العمر : 34
    المشاركات : 10,148
    المواضيع : 309
    الردود : 10148
    المعدل اليومي : 1.91

    افتراضي


    الفاضل " محمد الغالمي "

    قصة قرأتها بـ شغف ..!
    رائعة وأكثر ..!

    سلمت ودمت بـ إبداع

    لك خالص تقديري

  4. #4
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.91

    افتراضي

    أخي الفاضل ..
    نص أبدعت فيه باستخدام الرمزية حيث يستطيع المتلقي أن يترجمها إلى أكثر من صورة ..
    فهي الفرد المتواكل ، الذي يحلم دون أن يعمل ، ينتظر أن يأتيه الفرج دون السعي إليه .
    كما أنها ممكن أن تنطبق على واقعنا السياسي ، ننتظر النصر ودحر العدو بالأماني والأحلام ..
    إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، ولن يأتي الرزق بالأحلام ودون سعي ..
    والشعوب الراضخة الحالمة لن تنال ما تحلم به من عيش كريم أو استقلال بالحلم وانتظار السماء أن تفتح لهم بالدعاء فقط دون العمل ..

    أتت القصة بسرد مشوق وتصوير جميل ..

    تحيتي أخي الكريم .
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  5. #5
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    المبدع غالمي ....
    من المعيش اليومي الحياتي ، نهلت مادة النص ، فحملت فيه وعليه من اسقاطات الواقع العياني ، فرسمت لنا لوحة حيالة ولكن بحلة شابتها رمزية بسيطة ، دالة وعميقة ومستفزة ، فكانت الصورة هنا تبحث في وضوحها عن متامل دقيق ، لاستخراج الماهية من تسلسل لالحدث فيها ، وكذلك من تناغم الحوار الدال والمفضي والمسهب احيانا في النص ، جمعت بين اشكال الحياة ، واردت غرس بذوز التحدي ، والاصرار من اجل الوصول الى الهدف رغم استحالته نظريا .
    نص بيدع
    محبتي
    جوتيار
    العزيز جوتيار.. تحليلك الدقيق ورؤيتك العميقة لجوهر الأشياء وأحكامك الصائبة تبقى جميعا محط تقدير..
    تحياتي وتقديري

  6. #6
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سحر الليالي مشاهدة المشاركة
    الفاضل " محمد الغالمي "
    قصة قرأتها بـ شغف ..!
    رائعة وأكثر ..!
    سلمت ودمت بـ إبداع
    لك خالص تقديري
    الفاضلة سحر.. أجدني دوما معتزا بردودك المشجعة.. فشكرا على المرور الجميل الذي أثلج الصدر..

المواضيع المتشابهه

  1. أحلامُ بُوْحِــــي
    بواسطة زاهية في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 16-08-2008, 10:52 AM
  2. أحلام يقظة
    بواسطة نهى فريد في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 01-03-2006, 05:40 PM
  3. أحلام يمنية
    بواسطة أميره(زرقاء اليمامة) في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 01-03-2005, 10:55 AM
  4. أحلام ورديه
    بواسطة أحمد الردادي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 20-01-2005, 08:06 AM
  5. الركض خلف أحلام وردية
    بواسطة كمال عوض في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 10-11-2004, 08:35 PM