أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: نسمة أسكتت نبض الفؤاد

  1. #1
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي نسمة أسكتت نبض الفؤاد

    نسمة أوقفت نبض الفؤاد
    انكفأ على نفسه، وأقعى داسا رأسه بين ذراعيه كحال مهموم جالس على إسفلت ساخن.. كان قبيل ذلك مشمولا بأنس خادمه مفعما حبورا بجميل وعوده.. ظل برهة على هذه الحال في انتظار جديد الأخبار.. من يلج باب الغرفة التي نزل بها يحسبها تحفة من تحف الفنادق المصنفة ضلت السبيل ـ عن وعي ـ في مجاهل هذا المركب السجني الرهيب.. فيها ما تشتهي النفس من راحة البدن ومكيفات المزاج ولحم البشر الحي الطازج.. لم ينقصه من نعيم الحياة المألوفة سوى أن يحلق في الأجواء الرحبة صقرا حالما يرد المنتزهات والأودية.. يسعى لاهيا ـ بلا حدود ولا قيود ـ بين أسراب الغيد الأتراب.. واصل خياله التحليق في سماء الماضي القريب يحصي غزواته ويعد فتوحاته .. ازداد فؤاد وفي فمه ملعقة من ذهب.. نشأ بين دويه بيضة يخاف عليها من الهرس. الحاج عماد يدرك بأن البيضة فاسدة ورغم ذلك تبقى بالنسبة إليه ماسة لامعة وزمردة مشرقة، منها يستمد بصر عينيه ونبض قلبه.. لا ضير إذا أجهز فؤاد على كراسة المعرفة في المهد وألقى ببرازه في منابعها، ولا ضرر إن هو زهد في ممتلكات أبيه وإدارة شأنها.. وضع الصقر لنفسه شريعة ورسم لجناحيه مجالا يحلق في سمائه، وديرا يرابط على قمته. توالت إنجازاته في مواخير العهر.. وبلا هوادة غرس مخالبه في الأرانب والظباء غير مستثن ثيبا ولا عذراء.. ومزيته في كل ذلك أن طرح فوق كتفيه بردة الشرف، وشح صدره بقلادة العزة، وضع على هامته إكليل النخوة.. كان يحلو له ـ وهو في ميعة مجالسه المحمومة ـ أن ينكأ جرح ضحيته مفتخرا بأصوله معتدا بشرف آله.. صاح ليلة في وجه شاة سمينة بعد أن قضى منها وطرا، وتبجَح في أنانية هوجاء.. ( أنت في مستنقع أرضي آسن ونسمة في فلك سماوي طاهر.. وما أوسع الشقة بين الأرض والسماء!) على هذا الأساس كان يربأ بنفسه أن تمس دويه ـ وبالأحرى نسمة أخته ـ شعرة من إهانة أو بذرة من إساءة.. روى محطاته النضالية في سبيل الشرف وبسطها بفخر واعتزاز أمام مؤنسه قيدوم السجناء حارس الجناح رقم واحد.. فذاك مدير معهد يراسل الحاج عماد مستفسرا عن دواعي غياب نسمة؟. وفي رمشة عين حط فؤاد بالنيابة يحمل جوابا جاهزا...!! لم يجد المسئول سوى أن أخرج من جيبه منديلا وجفف سائر وجهه من أثر البصاق.. وما العمل؟ إنه فؤاد ولد الحاج عماد!.. وميلودة شرطية المرور توقف أخته في عرض الشارع بحجة خرق الضوء الأحمر.. ويقفز فؤاد من باب السيارة كالفهد، وبدل أن يمدها بأوراق السيارة مد إلى خدها كفا تجيد فن الصفع.. ولعله ختم الوجبة برشة بللت وجهها لعابا.. امتطى سيارته رباعية الدفع وانطلقت نسمة كالسهم .. أما هي فظلت ترمقه وتحك خدها.. دست يدها المرتجفة في جيبها بحثا عن خرقة ولم تجد لها من أثر.. فكرت مليا فأمسكت بتلابيب بزتها العسكرية ومالت برأسها تجفف وجهها من ذيول المهانة.. وما العمل؟ إنه فؤاد ولد الحاج عماد!.. وتبقى صولته في حيه الراقي أم الإنجازات وتاج الفتوحات.. ضحيته محكوم عليه بالإعدام مسبقا ما دام مقيدا في لائحة من اجتذبتهم رائحة أخته نسمة وأصروا على استنشاق عبير الشرف ولو عن بعد.. امتطى صهوة سيارته وترصد ضحيته.. وفي رمشة عين سواه تحت العجلات قربانا للشرف! ذهل خادمه الحارس وبدا كأنه غير مقتنع بردة الفعل الشنيع .. وبلهجة معاتبة لا تخلو من توسل تساءل في حضرة فؤاد..( لو كظمت الغيظ وكنت به رحيما لفعلت خيرا يا فؤاد) وانتفض فؤاد كالطير الذبيح.. أكون رحيما؟ حقا، وفي أمور أخرى، ولكن أن يساوم الشرف فتلك الطعنة القاتلة.. لو كانت بيدي آلة تعبيد الطرق لسويته مع الإسفلت فيكون عبرة لكل من سولت له نفسه أن يظن بنسمة الظنون.. لكل من غاب عنه أن نسمة رمز العفة.. أميرة الأبكار وتقوم الليل بالصلاة والأذكار! إنها الغيرة والشرف إنها النخوة ( ولمس بسبابته أرنبة أنفه) النخوة هنا.. العزة هنا يا أخي.. وسايره الحارس.. النخوة هناك.. النخوة هناك..
    وعلى الرغم مما حازه الحارس من النذالة استغرب لهذا المخلوق غريب الأطوار.. ولطالما رثى في نفسه لحال هذه العملة ذات الوجهين المتناقضين!!
    رفع فؤاد رأسه من فوق ذراعيه المتشابكتين، ونهض يمسح على عينيه كمن استفاق من نوم عميق.. جلس على حاشية السرير الأنيق.. تناول جهاز التحكم عن بعد من فوق مجلات نسائية على خوان برونزي لامع.. شغل التلفاز المثبت فوق الجدار أمامه، وأشعل آخر سيجارة ثم دعك العلبة في طي راحته وألقى بها في سلة مهملات.. كان يحادث نفسه في نخوة المعتز بنفسه ويهمس.. لا يهم إن أمضى الصقر شهرا أو بعض الشهر مادام يحيا زمنه الاستثنائي في عرين داخل قفص من ذهب.. أشعل صهريج الحمام الكهربائي واستلقى شابكا يديه خلف مؤخرة رأسه.. في هذه اللحظة أنهى خادمه الحارس مهامه بالجناح رقم واحد بعد أن فض نزاعا بين ثلة من السجناء، كل واحد يسعى لأن يحوز الأسبقية في المرحاض.. انتصب في باحة السجن يرقب واسترعته سيارة ترمق ببطء من خلف السور الأمامي مما يلي الباب الرئيسي.. اشرأب بعنقه وتأكد من هوية صاحبها.. رقص طربا وهرول لا يلوي على شيء ناحية مكتب المدير.. ابتهج المسئول للطلعة الميمونة وتأهب لاستقبال الوافد.. كان الحاج عماد قد غادر السيارة وجاء يمشي الخيلاء، تياها في جلبابه الحريري الأسود الأنيق وطربوشه الأحمر العريق، وفي إثره سائقه الخاص يحمل قفتين مملوءتين عن آخرهما.. احتد العناق بين عماد والمدير، واطمأن الرجل على فلذة كبده وقرة عينه فولى الأدبار، في حين عاد المدير إلى مكتبه مغتبطا بالقفة وما جمعت عليه من لحم وفطائر، وفواكه وخمر وسجائر..
    خاض فؤاد يصفف على طاولة زجاجية ما أخرجه من جوف قفته.. انبهر الحارس المؤنس من هذا الخير الدافق.. لحم وفطائر، وفواكه وخمر وسجائر!! ربت على كتف فؤاد وهمس مبتسما: ليتك تدري من ستكون الليلة شمعة عرينك وزينة قفصك في هذا الغاب الموحش!.. التفت فؤاد وابتسم كأنما يترقب خبرا سارا.. واستأنف الحارس.. ظبية تنبض فتوة وتقطر طراوة! تساءل فؤاد كأنما تأثر لحال السجينة الجديدة.. ما جنايتها أيها الحارس؟ وباستهانة أجاب.. ضبطتها شرطة الأخلاق متلبسة مع خليلها في حديقة عمومية.. وفي عز النهار!
    تشفى فؤاد وفي ذات الوقت هزته نشوة عارمة وزفر كمن يتنفس الصعداء.. يا لجديد الأخبار!
    قاطعه الحارس.. إنها تنتظر وما عليك إلا الضغط على الزر.. اندفع فؤاد متحمسا وصاح.. خير البر عاجله.. ماذا تنتظر يا حارس؟ تناول سيجارة رفيعة وبرح الغرفة يسعى في أعقاب الطريدة. لم يستغرق غيابه سوى بضع دقائق، ولى بعدها مصحوبا بالأمانة.. شرع فؤاد يصب الشراب وهو في أوج انشراحه.. ازداد نبض قلبه حين سمع حفيف خطوات تقترب من باب غرفته شيئا فشيئا.. استوى في مجلسه بأن وضع رجلا على أخرى وانتظر متعاليا متعجرفا أن يفتح الباب.. ومن دون استئذان دلف الحارس يقود الظبية مسرورا بصنيعه.. فتح فؤاد عينيه على سعتهما.. فغر فاه وسال ريق أبيض من حافة شفته.. بدا حاله كمن حقن ببنج مسكن من اضطراب عصبي.. سرت في جسمه رعدة.. فقدت عيناه بريقهما وغشيهما ضباب أسود تراءت فيه نسمة في وضع لا تحسد عليه!!
    فرسان الجحيم
    قصبة تادلة في 24-02- 200

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    المبدع غالمي....
    عند تامل جغرافية النص ، نجد بانها تدور في فلك حركي دائري ، يوعز بانصياع الانسان لماهية وجوده العبثي ، وقد تشعر بانبساط الكيان في حلقة الوجود السردية ، وسط هياج النص و تجليه، فترتسم خصال لا إنسانية عابثة ، تنسى بأن حلقة الحياة لاتتوقف عنده فقط ، انما هي دائرية قد تصيب ذاته او من هم قريبين من ذاته ، هذه الحتمية التي الصقت بدورة الحياة ، لم تأخذها حقها من الاهتمام الانساني ،للنص وجوه متعددة تعمل على استنطاق الدلالي و تفاعلها و نزقها اللامرئي ، الختمة جاءت مستفيضة ،وموحية جدا.

    محبتي لك
    جوتيار

  3. #3
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    المبدع غالمي....
    عند تامل جغرافية النص ، نجد بانها تدور في فلك حركي دائري ، يوعز بانصياع الانسان لماهية وجوده العبثي ، وقد تشعر بانبساط الكيان في حلقة الوجود السردية ، وسط هياج النص و تجليه، فترتسم خصال لا إنسانية عابثة ، تنسى بأن حلقة الحياة لاتتوقف عنده فقط ، انما هي دائرية قد تصيب ذاته او من هم قريبين من ذاته ، هذه الحتمية التي الصقت بدورة الحياة ، لم تأخذها حقها من الاهتمام الانساني ،للنص وجوه متعددة تعمل على استنطاق الدلالي و تفاعلها و نزقها اللامرئي ، الختمة جاءت مستفيضة ،وموحية جدا.
    محبتي لك
    جوتيار
    الفاضل جوتيار..
    عن أية حتمية الصقت بدورة الحياة تتحدث يا أخي؟!
    لربما قد بدا لي أن رأيك النقدي ينحو غالبا منحى الشمولية والعموم..
    ومهما يكن يبقى مرورك ورأيك موضع تقدير واحترام..

المواضيع المتشابهه

  1. لماذا يُعاني الفؤادُ النَّوى
    بواسطة زاهية في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 44
    آخر مشاركة: 23-07-2010, 06:51 PM
  2. ريحان الفؤادِ
    بواسطة د.جمال مرسي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 26
    آخر مشاركة: 28-02-2006, 02:22 AM
  3. أشجان الفؤاد
    بواسطة ينابيع السبيعي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 13-01-2006, 08:02 PM
  4. خَفَقَ الفُؤَادُ ...
    بواسطة بندر الصاعدي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 22-08-2005, 08:27 AM
  5. عندما يتوقف الفؤاد
    بواسطة ريان الشققي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 19-09-2003, 10:16 PM