أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: قبض الريح - قصة قصيرة ، بقلم : د . محمد أيوب

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 283
    المواضيع : 68
    الردود : 283
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي قبض الريح - قصة قصيرة ، بقلم : د . محمد أيوب

    قبض الريح
    قصة قصيرة
    بقلم : د. محمد أيوب
    ملاحظة قبل البداية : " الحياة عنكبوت ضخم يحيطنا بخيوطه التي ينسجها حولنا ، يدخلنا إلى بيته دون وعي منا ، لنخرج منه ضد رغبتنا " م . أ
    كان يقضي وقته متجولا بين خيوط بيت العنكبوت باحثا عن فكرة هنا أو موقف هناك ، يخلو إلى نفسه مع الكلمة والحرف ، يقرأ ويكتب ، يتابع ويستطلع ، يحاول أن يسبح في فضاء كوني واسع تمنحه إياه هذه الخيوط العنكبوتية ، وفجأة سمع نقرة خفيفة ، فتح نافذته ، لم ير شيئاً ، ولم يشأ أن يكون متطفلا أو أن يكون البادئ بالكلام ، لم يسأل عن الطارق ، أغلق نافذته بهدوء وتجاهل الأمر وكأنه لم يكن ، ولكن النافذة ظلت تلاحقه باستمرار ، ظل على هذه الحال فترة طويلة ، وذات ليلة دفعه حب الاستطلاع إلى فتح النافذة وإلقاء التحية على الطارق الذي لا يعرفه :
    - مساء الخير !
    - مساء الفل !
    - ممكن نتعرف ؟
    - اسمي غزالة .
    - ولكني لست ظبيا ! أنا إنسان أنتمي إلى عالم البشر ولكني أحب مشاهدة الغزلان ، ولا أحب أن آكل لحمها لأنني ضد أن يذبح كائن جميل كالغزال ولو كنت سأحصل منه على المسك .
    سألت : وأنت ، ما اسمك ؟
    قلت : محمد !
    - وماذا تعمل ؟ هل أنت كاتب؟
    - قلت : وكيف عرفت ؟
    - خمنت ذلك من أسلوبك ، فيم تكتب ؟
    - أتخصص في مجال الأدب .
    - من أي البلاد أنت ؟
    - قلت : من بلاد قريبة بعيدة ! أو كما يقول فريد الأطرش : " قدام عيني وبعيد علي ... ولا أريد أن أكمل ، لا أريد أن أقول مع فريد : مقسوم لغيري وهو ليَّ ، أنا من فلسطين أجمل بلاد العالم وأقربها إلى الله .
    تساءلت : وأنت ؟
    - أنا من قطر عربي يحب فلسطين ويضحي من أجلها .
    قلت : عرفته .. إنها بلدي التي انحدر منها أجدادي ، بلدي التي ما زلت أهواها ، وأهوى فلسطين وأهوى كل بلاد العرب .
    قالت : لهذه الدرجة تحب بلدي ؟
    قلت : هواي جنوبي ومزاجي جنوبي .
    سألتها عن عائلتها ، ذكرت اسم العائلة دون تردد ، أخبرتني عن أسرتها ، وقالت : هناك من يختبئ وراء أسماء وهمية !
    قلت : لا أحب الأسماء الوهمية ، أنا لا أجيد فن الكذب ، أحب الوضوح ، ليس هناك ما هو أجمل من الوضوح .
    طلبت منها رقم هاتفها بعد أن استمتعت بقراءة بعض كتاباتها التي طلبت رأيي فيها ، أعطتني رقم الهاتف دون تردد ، كنت أريد التأكد من أنني أواجه الحقيقة ولا أواجه وهما.
    وفجأة اختفت تلك الغزالة كما ظهرت فجأة ، تركتني مشدوها ومشدودا إلى خيوط بيت العنكبوت الذي لا يتيح لي أن أفلت منها ، غابت غزالة عني على غير موعد ودون سابق إنذار ، ترى هل أنا مستيقظ ؟ أم أنني غفوت قليلا ، فتحت عينيّ على وسعهما لأتأكد مما إذا كنت مستيقظا أم لا ، آثار تلك الغزالة ما زالت أمامي حروفها التي مازالت أمامي تؤكد أن الحروف هي التي جمعت بيننا ، دققت النظر في بيت العنكبوت علني أجدها ولكنها ذهبت ، قلت في نفسي هي الوهم لا أكثر ولا أقل ، طيف زارني فجأة وتركني دون إشارة إلى لقاء آخر ، رأيت رقم الهاتف الذي كنت قد كتبته على ورقة أمامي ، هل هذا الرقم حقيقي يا ترى أم أنه وهم آخر ؟ هل كنت أحلم ؟ أمسكت هاتفي النقال وكتبت أرقامها ، ضغطت بلطف وتردد خشية أن أزعجها ، رد علي من الطرف الآخر صوت ناعس حالم ، كأن سنة من النوم ألمت بصاحبته ، هي الحقيقة إذن ! لم أكن أحلم ، كنت مستيقظا وبكامل وعيي ، كانت قد أخبرتني عن عمرها ، أخبرتها عن عمري وقلت لها إنني لن اتركها ترى صورتي حتى لا تخاف منها فأنا رجل عجوز وهي في عمر ابنتي ، أنا الخريف وهي الربيع ، فهل يمكن للخريف أن يلتقي بالربيع إلا إذا وصل بينهما الشتاء أو الصيف كما تصل المفصلة بين الباب وحلقه ؟ أنا الماضي والحاضر ، وهي الحاضر والمستقبل ، أنا وهي قطبا مغناطيس لا يلتقيان ولا يفترقان ، يكمل كل منهما الآخر ، الشباب في حاجة إلى حكمة الشيوخ ، والشيوخ بحاجة إلى حماس الشباب وحيويتهم ، هو التكامل إذن .
    وبينما كنت أتجول في فضاءات بيت العنكبوت أحاول التخلص من خيوطه التي تزداد التفافا حول جسدي ، لاحت لي عن بعد مهرة عفية جامحة ، حاولت امتطاء صهوتها فجمحت بي وأنا المجرب ، كادت تلقيني أرضا لولا أنني تشبثت بها تشبث الطفل بأمه ، أو تشبث الغريق يتلك القشة الصغيرة التي يتوهم أن فيها نجاته من الغرق ، كانت مهرة غاضبة ، تجتاحها أحزان عاتية تقض مضجعها ، ترى الوحوش من حولها فتنفر وتقفز مبتعدة عنها ، دققت النظر فيها فرأيت فيها غزالة التي تركتني دون سابق إنذار ، هذه أنت ؟ قال لها ، وأردف : لم تركتني مع وساوسي ، لقد اعتقدت أنك كنت وهما !
    قالت : أنا الحقيقة ، ولكني أملك أكثر من بعد ، لست واهما وأنا لست وهما تراءى لك !
    قلت : كوني وهما أو كوني حقيقة .. كوني واقعا أو كوني خيالا ، كوني سرابا أو كوني ماء يرتوي منه الظمآن ، حتى لو كنت سرابا فإنه السراب الذي يوهم العطشان بقرب الارتواء ، كوني ما تشائين ، ولكن لا تدعي الأحزان تسد منافذ روحك ، فالبشر يعيشون على الأمل ويتخطون حواجز الأحزان ويتناسون الهموم التي تخلفها الآلام وراءها .
    تسربت مهرتي من بين يدي فوجدتني أقبض الريح بين أصابعي ، وكلما رأيتها ، وكلما تسربت إلى مسام عقلي وخرجت منها ازددت تعلقا بها ، ترى : هل عدت مراهقا من جديد ، وهل العقل يمر بفترة مراهقة ، أعتقد أن لا ! ولكن كيف تتعلق أيها العقل أو أيها القلب بغزالة لم تقابلها ولا مرة في حياتك ، كيف تعشقها من خلال حروفها النارية المتوهجة؟ أنا لا أعشق الوهم ، هي حقيقة متجسدة بشحمها ولحمها أمامي ؛ لم أرها نعم ، ولكنها تسكن خلايا عقلي وجسدي ، أفكارها قريبة من أفكاري على الرغم من الفارق الزمني بيننا .
    تكررت زيارات غزالة لي ، كانت تأتيني كالطيف ، مرة على شكل غزالة ، وأخرى على شكل مهرة ، وثالثة تأتيني إنسانا من لحم ودم يملأ فراغ روحي وتعزف على أوتار قلبي فيرتعش هذا القلب رعشة الفرح ، رعشة قلب أم فقدت وليدها لتعثر عليه بعد طول غياب فتتعلق به بشغف ومتعة ، أصبحت غزالتي جزءا من كياني ، تملأ الفضاء من حولي ، تغمرني بوهج يجعل من قلبي شمسا مشرقة بالآمال العذاب ، يا إلهي ما أجمل أن تشعر أنك محط اهتمام إنسان رائع كل هذه الروعة .
    اتفق معها على لقاء قريب ، تواعدا فيما بينهما ، ظل يتخيل شكل غزالته أو مهرته وهل هي غزالة أو مهرة ، ليس ذلك مهما على كل حال ، المهم أن موعد اللقاء بات قريبا ، أعد أمتعته واستعد للسفر ، كان السفر متعبا ، ولكن لقاء غزالة يجعل كل أنواع التعب تهون في سبيل ذلك ، وبعد طول اشتياق ، اشتياق المريض إلى الشفاء ، فقد كانت بلسم روحه ، حدد معها مكان اللقاء ، وهناك رآها .. صمت قلبه لحظة ثم دق بسرعة .. إنها أجمل مما كنت أتصور ، ضمها إليه بشوق قبلها بين عينيها ، توجها إلى المكان الذي ينزل فيه ، جلست بجانبه ، شعر بدفء جسدها يسري في أوصاله ، كانت تبعث فيه شحنة من الدفء اللذيذ ، أمسك يدها ولثمها بشفتيه ، قال : كم انتظرت هذا اللقاء أيتها الحبيبة .
    تأوهت حين سمعت وجيب قلبه الذي وشى به وفضح مكنون نفسه ، حاول أن يسكت هذا القلب لكنه لم يفلح ، فقد ظل يخفق ويجري كأنه طفل ترك أمه ليلهو في حديقة رائعة الجمال ، طوقها بذراعه ، قبلها في وجنتيها أكثر من مرة ، لثم شفتيها ، ذاق طعم الشهد ، مسه تيار دغدغ مشاعره ، احتضنها بلطف ، ضمها إلى صدره ومالت بهما الدنيا في قبلة لا أحلى ولا أعذب منها ، جذبهما السرير إليه ، فطوقها بذراعيه، ولكنه استيقظ من خدر عواطفه: لا ، لن أدنس بكارتها ، لن ألوث طهارتها .
    افترشها فكانت أكثر اتساعا من الوطن من محيطه إلى خليجه ، ولم تكن أقل اتساعا من الكون ، كانت كل ذلك في وقت واحد ، كانت أرضه وسماءه ، كانت الدفء الذي يسري في عروقه ، قالها بلهجة ظافرة منتصرة : وجدته يا جلجامش ! وجدت ما فكرت أنك حصلت عليه وأضعته ، لقد عرفت سر الخلود أيها الباحث عن حياة أبدية وعن سر الخلود ، إنه يكمن هنا ، على صدر هذه الأنثى التي تتسع لتصبح أكبر من الوطن ولا تضيق لتصبح أصغر من الكون ، إنها سر الخلود ونبع الحياة الذي لا ينضب ، إنها المرأة .. الأم والوطن ، الأرض والعطاء ، الأخت والابنة ، الزوجة والحبيبة ، الصديقة والعشيقة ، نبع سعادتنا الفياض ومصدر الحياة وتعاقب الأجيال ، دمت لي يا مهرتي الأصيلة نبعا لا ينضب .

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    دكتور......
    نص يحمل سمة الديناميكية ، بحيث يخلق برمزيته الايحائية الدالة ،النظرة العميقة لمجريات الحدص القصصي ، والواقعي معا ، فيمتزجان ليشكلا وقفة ذهنية موجعة للانسان ،هنا مكمن العلة،وأصل المحنة التي يتقاسمها البشرية اجمع ، حيث تتوالى الانكسارات دون توقف ،ويبقى الانسان يعانيها مرتين ذاتياً(شعوريا) وواقعياً فيصبح بعدها تائها ، يرغمه ضياع الحقيقة على الانقياد لمؤثرات خارجية وداخلية ، وهي في كل اصنافها تكون ضمن حلقة مفرغة لقيمه الانسانية .

    محبتي
    جوتيار

  3. #3
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 283
    المواضيع : 68
    الردود : 283
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    دكتور......
    نص يحمل سمة الديناميكية ، بحيث يخلق برمزيته الايحائية الدالة ،النظرة العميقة لمجريات الحدص القصصي ، والواقعي معا ، فيمتزجان ليشكلا وقفة ذهنية موجعة للانسان ،هنا مكمن العلة،وأصل المحنة التي يتقاسمها البشرية اجمع ، حيث تتوالى الانكسارات دون توقف ،ويبقى الانسان يعانيها مرتين ذاتياً(شعوريا) وواقعياً فيصبح بعدها تائها ، يرغمه ضياع الحقيقة على الانقياد لمؤثرات خارجية وداخلية ، وهي في كل اصنافها تكون ضمن حلقة مفرغة لقيمه الانسانية .
    محبتي
    جوتيار
    أخي العزيز جوتيار
    على الرغم من حالات الضياع المتكررة فإننا نحاول النهوض من الركام كما ينهض طائر العنقاء من الرماد ، وتظل المرأة رمزا للعطاء المتواصل ، فهل يوجد في الدنيا ما هو أجمل من العطاء والبذل؟
    تحياتي
    محمد أيوب

  4. #4
    أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2007
    الدولة : سيرتـا
    العمر : 42
    المشاركات : 3,843
    المواضيع : 82
    الردود : 3843
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي

    د/ محمد أيوب

    قصة جميلة حملت في طياتها مداليل كثيرة ... رمزية و ايحائية
    اعتمدت فلسفة سر البقاء كطريق يقودها رغم ضبابيته و اشكالية الضياع إلى أفق تقف على خطه امرأة
    فكانت هي الوجود و الحل لمعضلة التساؤل
    راقني أسلوبك كثيرا و بحق معالجة الفكرة كانت رائعة
    تقديري و اعجابي

    اكليل من الزهر يغلف قلبك
    هشــــــــام
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 283
    المواضيع : 68
    الردود : 283
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام عزاس مشاهدة المشاركة
    د/ محمد أيوب
    قصة جميلة حملت في طياتها مداليل كثيرة ... رمزية و ايحائية
    اعتمدت فلسفة سر البقاء كطريق يقودها رغم ضبابيته و اشكالية الضياع إلى أفق تقف على خطه امرأة
    فكانت هي الوجود و الحل لمعضلة التساؤل
    راقني أسلوبك كثيرا و بحق معالجة الفكرة كانت رائعة
    تقديري و اعجابي
    اكليل من الزهر يغلف قلبك
    هشــــــــام
    أخي العزيز هشام
    شكرا لك على هذا اللطف الغامر ، فقد أسرتني بكرمك ولطفك .
    أخوكم
    محمد أيوب

المواضيع المتشابهه

  1. قبض الريح - قصة قصيرة ، بقلم : د . محمد أيوب
    بواسطة د . محمد أيوب في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 06-06-2013, 08:59 PM
  2. خالد - قصة قصيرة ، بقلم : د . محمد أيوب
    بواسطة د . محمد أيوب في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-11-2006, 11:34 AM
  3. شجرة الزيتون - قصة قصيرة ، بقلم : د . محمد أيوب
    بواسطة د . محمد أيوب في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 03-11-2006, 12:04 PM
  4. العريس قصة قصيرة ، بقلم : موشي سميلانسكي - ترجمة : د . محمد أيوب
    بواسطة د . محمد أيوب في المنتدى الشِّعْرُ الأَجنَبِيُّ وَالمُتَرْجَمُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 15-09-2006, 11:33 PM
  5. الوحش - قصة قصيرة ، بقلم : محمد أيوب
    بواسطة د . محمد أيوب في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 30-07-2006, 04:25 PM