أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 13

الموضوع: هذا الشاب أخي

  1. #1
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي هذا الشاب أخي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    هذا الشاب أخي..
    أجل هو أخي ورب البيت

    هو هو الصبي الذي كبرت معه تحت سماء فيها من طائرات الاحتلال أكثر مما فيها من الطيور والسحب. هو هو الفتى الذي سابقته مرارا في الحارة الضيقة ، وأقدامنا الحافية تغوص في الطين البارد.. ليس لأننا قذرون ولا لأن أمنا لا تهتم بنظافتنا وصحتنا، بل لأنها -مع عملها ليلا ونهارا- لم تستطع بعد كسب ما يزيد عن ثمن رغيفين حتى تشتري لنا أرخص حذاء.

    أجل.. هذا الشاب هو أخي.. أخي الذي لطالما نمت ويدي تقبض على يده في بيتنا لأنني أخشى العتمة، وأمي لم تكن تشعل لي ضوءا في الليل لأنها لم تكن تملك هذا الضوء.

    كنت وإياه ننام معا في بيتنا وأمنا معنا ، وكذلك معنا ابنتا خالي ..

    خالي الذي ذبحه اليهود لأنه كان يحمل فأسه ذاهبا إلى حقله ..
    لأنهم كانوا يريدون أن يصبح الحقل لهم ، وألا يعود خالي إليه ..
    لكنه عاد ، ولأنه عاد إلى حقله فقد استحق الذبح

    كنا جميعا ننام متجاورين في بيتنا لأن بيتنا هذا كان حجرة صغيرة في قبو منزل نصف متهدم
    غرفة واحدة هي كل البيت وفيها كل مرافقه، عدا مطبخا لأننا لم نملك يوما ثمن أدواته ولم نجد يوما ما نطبخه فيه. وعدا غرفة ضيوف لأنه ليس ثمة أرائك لدينا نضعها فيها وليس ثمة من يأتينا.
    وعدا غرفة جلوس لأننا ما كنا نملك أريكة أو كرسيا أو تلفازا أو حتى حشية صغيرة.

    كان بيتنا ملاءة كبيرة ممزقة تطويها أمي كل صباح كي نجد شيئا في الليلة القادمة يخفف عن أجسادنا الصغيرة لذعة البرد وقسوة الحصى الذي كان يفترش بيتنا من أقصاه إلى أقصاه.

    وكان بيتنا نافذة ضيقة صغيرة في أعلى الجدار.. يخبرني أخي هذا أنني متى كبرت سأستطيع أن أطل منها لأرى جدار البيت المجاور لنا

    كان بيتنا قفزتين مني أنا الصغيرة.. وأربع خطوات حزينة تخطوها أمي المتعبة عند عودتها لتتوضأ من كوز الماء الموضوع في زاوية البيت

    كان بيتنا صندوقا صغيرا، كلما خرجت أمي لشقائها اليومي هرعنا – أناوهذا الشاب حين كان طفلا – إليه لنخرج صورة رجل تشي ثيابه بفقره، وإن كنا حينها نراه غنيا لأننا لم نكن نرتدي إلا بقايا ثياب

    وبجواره امرأة جميلة تشبه أمنا كثيرا، لكن الفرق بينهما أن عينيها تضحكان، أما أمنا فلها عين دامعة أبدا، وأخرى مغمضة أبدا لأن – كما حكت لي ابنة خالي الكبرى- يهوديا صفعها عليها حين حاولت أن تنقذ خالي من القتل،
    وحين سال نور عينها على اليد القذرة قهقهت اليد ساخرة:
    تكفيك عين واحدة لتقتلي نفسك عليه بكاء

    و المرأة في الصورة أيضا تختلف عن أمنا بابتسامتها التي يغمرها نور الفرح، أما بسمة أمي فميتة تتمنى لو تبعث فينا الحياة!!

    لكننا ما كنا نهرع للصورة لنرى المرأة التي تشبه أمي، بل لنتأمل الرجل معا وننظر: هل كبر أخي وصار يشبهه أم ليس بعد؟

    كان المطر يهطل غزيرا ملونا بظلمة الليل، لكنه لم يخدع الطفل –الذي عرفتموه شابا– عن أنين الدمع على خدي أمه، ففتح عينيه صامتا ومضى ينصت لصوت أمه يبتهل إلى الله أن يكبر صالحا مؤمنا كأبيه ويكون لها عونا وقرة عين

    وكبر أخي
    كبر مذ ذاك اليوم
    صار يجلس إلى رجال الحي وفتيانه بعد أن كنا متلازمين
    وصار يلتقط منهم أسرار صناعاتهم بصمت ويتعلم.. لطالما تعلم أخي بصمت ودأب مذ علم أن الغالية دامعة العينين تنتظر اليوم الذي تستند فيه إلى ساعده المفتول

    أما أنا فعلمت كل هذا منه حين عاتبته فألححت في العتاب والبكاء لأنه لا يكاد يفرغ لي
    فإذا بنا نكبر معا..

    وأبي.. أبي الذي كنا نبحث عن ملامحه في وجه أخي كل يوم
    بنى بيتا صغيرا بساعديه ، وحمل أمنا إليه عروسا شابة

    وبعد عامين قضاهما يصلح الأرض حول البيت جاء الصهاينة من وراء البحر
    جاؤوا ليقولوا أن البيت الذي بناه بيتهم
    وأن الأرض التي ورثها عن أبيه أرضهم
    وأن حتى زوجه ملك لهم

    فلما حاول أن ينقذ عائلته الصغيرة ذبحوه أمام زوجه وبين يديها

    وكان أخي يحلم أنه حين يكبر سيعيد لأمي الأرض والبيت الصغير
    وسيمسح دمعها ويرسم على شفتيها بسمة سعيدة كبسمة صاحبة الصورة

    لكنه كان يصمت طويلا إثر أحلامه هذه..
    ويبدو لعيني الصغيرتين حائرا حزينا.. ولم أكن أدري لم؟!
    مرة قالت لي ابنة خالي:
    سيعيد لأمك كل الماضي الجميل..
    لكنه لن يستطيع يوما أن يعيد لها أباه.. ولا أخاها

    يومها كبرت سنينا.. لأنني يومها فحسب أدركت معنى الموت

    أجل.. هذا الشاب أخي
    أخي الذي كبرت معه
    الذي كان يغني لي أهازيج لست أدري من أين يحفظها
    ويقرأ لي عند الفجر قرآنا، ليسمعه مني عند الغروب

    هذا الشاب هو بكل تفاصيله أخي

    أخي الذي عمل –حين صار رجلا عمره اثنا عشرة سنة– في نقل الحجارة للبناء
    كنا نظنه يومها خرج ليلعب، لكنه عاد بأربعة أرغفة كبيرة مستديرة جميلة وجسد محمر من أثر الجهد والشمس.. يومها جلس يراقبنا بفرح وكل منا تمسك بيدها لأول مرة رغيفا كاملا لها وحدها
    لكن أمي أجبرته كارها أن يأخذ نص رغيفها، وجعلت كلا منا تحتفظ بنصف رغيف للغد .. ما أكثر ما جاء به الغد !

    وذهب أخي ليعود في يومه الثاني بثلاثة أرغفة ما أن حملتها عنه حتى دار على عقبيه وغادر مسرعا ثم لم يعد حتى أظلمت السماء، فلقيته أمي في عتمة بيتنا بالعتاب
    وفي الصباح علمنا أنه لم يكن مع رفاقه لاعبا بل عمل حتى جاء لأمي بثوب خير من الذي ظلت تلبسه مذ وعيت عليها حتى كنت أظنه بعضا من جسدها
    فرحنا جميعنا يومها، لكن أمي بكت كما لم أرها تبكي من قبل ومزجت دمعها بالدعاء لهذا الشاب الذي وقف محتارا لا يدري كيف يمسح عن وجهها الحزين دمعا لم يكن ينتظره

    هذا الشاب والله أخي ..
    أخي الذي حين بلغ الثامنة عشر لم يكن يحلم بالجامعة، ولم تنهل عليه الهدايا لاجتيازه الشهادة الثانوية.. لكنه جاء إلينا باسما وضمني وأمي إلى صدره ثم أخذنا معه

    صار لنا بيت.. بيت ليست حدوده ملاءة.. وصندوقا فيه صورة.. ونافذة
    بيت ذو حجرتين كفتا أخي حياءه من ابنتي خالي الصبيتين
    فراش كبير في إحدى الحجرتين
    وحصير أخضر جميل في الأخرى

    صارت الحجرة الكبيرة للفتيات
    وصار هذا الشاب يأتي في المساء ليأكل لقمة أو لقمتين ثم يتوسد جانب الحصير الأخضر وينام حتى الفجر

    هذا الشاب أخذني معه إلى السوق -الذي لم أذهب إليه قط من قبل- واشترى لي ولابنتي خالي قماشا لتصنع كل منا لها ثوبا جديدا

    وعدنا سعيدين إلى بيتنا الصغير..
    لكننا لم نجد الحصير، ولا الفراش الكبير ، ولا أمي وابنتي خالي
    وجدنا فقط ركاما وبقايا حريق

    أنا رأيته..
    رأيت هذا الشاب يعتصر بين يديه بقايا جسد أمي الممزق
    أنا رأيته يبكي!

    حرمه صاروخ إسرائيلي حاقد من دعاء أمي كل فجر
    ومن لقمة تصنعها له حين يعود من عمله متعبا مورم الساعدين
    ومن صورة الرجل الذي كبره ليحمل ملامحه

    احترقت الصورة ، لكنني أذكر وجه الرجل فيها
    إنه هو هو وجه هذا الشاب
    وهذا الشاب والله أخي

    إيه يا شياطين الإنس
    إيه يا أمريكا ويا إسرائيل
    إيه يا من تريدون أن تمحى غزة من الوجود

    هذا الإرهابي أخي!

    أخي الذي ظل يشتري لنا بعرق جبينه أربعة أرغفة كل يوم
    فحرمتموه بحقدكم ما بقي له من هذه الدنيا
    حرمتموه ثلاثة أفواه حبيبة فأحرقتم ما بقي من صبره
    وصار يشتري كل يوم رغيفا.. وثلاث رصاصات

    إيه.. هذا الإرهابي أخي الذي.. حرمتموني إياه



    إليكم هذه الإرهابية







    _ _ _ _ _ _
    هامش ..
    معذرة إذ استأثرت بصورة الشهيد محمود رحمه الله ..
    لكنما كل قسامي أخي
    (( و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ))

    ( لوحة .. فحسب )

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.84

    افتراضي

    الضبابية...

    ضبابية المكان تلوح في النص ، حيث هذا يصبح الموت والقتل والدم ، من مكونات الشخصية الانسانية منذ بدء ولاته الى حتفه ، توظيف جميل لماهية التحول الانساني ، عبر سلسلة من التغيرات البيئية النفسية الاجتماعية السياسية ، والنتيجة واحدة سواء هنا ام هناك هو اراقة الدم.

    دمت بالق محبتي
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.98

    افتراضي


    أيتها الضبابية ..
    قتلتني كلماتك ..
    اختنقت بالدمع ..
    لا أجد ما اقول هنا ..
    فقط أصمت بعد كلمة واحدة ..



    للتثبيت ...............
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  4. #4
    الصورة الرمزية يسرى علي آل فنه شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    الدولة : سلطنة عمان
    المشاركات : 2,428
    المواضيع : 109
    الردود : 2428
    المعدل اليومي : 0.43

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الضبابية مشاهدة المشاركة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    هذا الشاب أخي..
    أجل هو أخي ورب البيت
    هو هو الصبي الذي كبرت معه تحت سماء فيها من طائرات الاحتلال أكثر مما فيها من الطيور والسحب. هو هو الفتى الذي سابقته مرارا في الحارة الضيقة ، وأقدامنا الحافية تغوص في الطين البارد.. ليس لأننا قذرون ولا لأن أمنا لا تهتم بنظافتنا وصحتنا، بل لأنها -مع عملها ليلا ونهارا- لم تستطع بعد كسب ما يزيد عن ثمن رغيفين حتى تشتري لنا أرخص حذاء.
    أجل.. هذا الشاب هو أخي.. أخي الذي لطالما نمت ويدي تقبض على يده في بيتنا لأنني أخشى العتمة، وأمي لم تكن تشعل لي ضوءا في الليل لأنها لم تكن تملك هذا الضوء.
    كنت وإياه ننام معا في بيتنا وأمنا معنا ، وكذلك معنا ابنتا خالي ..
    خالي الذي ذبحه اليهود لأنه كان يحمل فأسه ذاهبا إلى حقله ..
    لأنهم كانوا يريدون أن يصبح الحقل لهم ، وألا يعود خالي إليه ..
    لكنه عاد ، ولأنه عاد إلى حقله فقد استحق الذبح
    كنا جميعا ننام متجاورين في بيتنا لأن بيتنا هذا كان حجرة صغيرة في قبو منزل نصف متهدم
    غرفة واحدة هي كل البيت وفيها كل مرافقه، عدا مطبخا لأننا لم نملك يوما ثمن أدواته ولم نجد يوما ما نطبخه فيه. وعدا غرفة ضيوف لأنه ليس ثمة أرائك لدينا نضعها فيها وليس ثمة من يأتينا.
    وعدا غرفة جلوس لأننا ما كنا نملك أريكة أو كرسيا أو تلفازا أو حتى حشية صغيرة.
    كان بيتنا ملاءة كبيرة ممزقة تطويها أمي كل صباح كي نجد شيئا في الليلة القادمة يخفف عن أجسادنا الصغيرة لذعة البرد وقسوة الحصى الذي كان يفترش بيتنا من أقصاه إلى أقصاه.
    وكان بيتنا نافذة ضيقة صغيرة في أعلى الجدار.. يخبرني أخي هذا أنني متى كبرت سأستطيع أن أطل منها لأرى جدار البيت المجاور لنا
    كان بيتنا قفزتين مني أنا الصغيرة.. وأربع خطوات حزينة تخطوها أمي المتعبة عند عودتها لتتوضأ من كوز الماء الموضوع في زاوية البيت
    كان بيتنا صندوقا صغيرا، كلما خرجت أمي لشقائها اليومي هرعنا – أناوهذا الشاب حين كان طفلا – إليه لنخرج صورة رجل تشي ثيابه بفقره، وإن كنا حينها نراه غنيا لأننا لم نكن نرتدي إلا بقايا ثياب
    وبجواره امرأة جميلة تشبه أمنا كثيرا، لكن الفرق بينهما أن عينيها تضحكان، أما أمنا فلها عين دامعة أبدا، وأخرى مغمضة أبدا لأن – كما حكت لي ابنة خالي الكبرى- يهوديا صفعها عليها حين حاولت أن تنقذ خالي من القتل،
    وحين سال نور عينها على اليد القذرة قهقهت اليد ساخرة:
    تكفيك عين واحدة لتقتلي نفسك عليه بكاء
    و المرأة في الصورة أيضا تختلف عن أمنا بابتسامتها التي يغمرها نور الفرح، أما بسمة أمي فميتة تتمنى لو تبعث فينا الحياة!!
    لكننا ما كنا نهرع للصورة لنرى المرأة التي تشبه أمي، بل لنتأمل الرجل معا وننظر: هل كبر أخي وصار يشبهه أم ليس بعد؟
    كان المطر يهطل غزيرا ملونا بظلمة الليل، لكنه لم يخدع الطفل –الذي عرفتموه شابا– عن أنين الدمع على خدي أمه، ففتح عينيه صامتا ومضى ينصت لصوت أمه يبتهل إلى الله أن يكبر صالحا مؤمنا كأبيه ويكون لها عونا وقرة عين
    وكبر أخي
    كبر مذ ذاك اليوم
    صار يجلس إلى رجال الحي وفتيانه بعد أن كنا متلازمين
    وصار يلتقط منهم أسرار صناعاتهم بصمت ويتعلم.. لطالما تعلم أخي بصمت ودأب مذ علم أن الغالية دامعة العينين تنتظر اليوم الذي تستند فيه إلى ساعده المفتول
    أما أنا فعلمت كل هذا منه حين عاتبته فألححت في العتاب والبكاء لأنه لا يكاد يفرغ لي
    فإذا بنا نكبر معا..
    وأبي.. أبي الذي كنا نبحث عن ملامحه في وجه أخي كل يوم
    بنى بيتا صغيرا بساعديه ، وحمل أمنا إليه عروسا شابة
    وبعد عامين قضاهما يصلح الأرض حول البيت جاء الصهاينة من وراء البحر
    جاؤوا ليقولوا أن البيت الذي بناه بيتهم
    وأن الأرض التي ورثها عن أبيه أرضهم
    وأن حتى زوجه ملك لهم
    فلما حاول أن ينقذ عائلته الصغيرة ذبحوه أمام زوجه وبين يديها
    وكان أخي يحلم أنه حين يكبر سيعيد لأمي الأرض والبيت الصغير
    وسيمسح دمعها ويرسم على شفتيها بسمة سعيدة كبسمة صاحبة الصورة
    لكنه كان يصمت طويلا إثر أحلامه هذه..
    ويبدو لعيني الصغيرتين حائرا حزينا.. ولم أكن أدري لم؟!
    مرة قالت لي ابنة خالي:
    سيعيد لأمك كل الماضي الجميل..
    لكنه لن يستطيع يوما أن يعيد لها أباه.. ولا أخاها
    يومها كبرت سنينا.. لأنني يومها فحسب أدركت معنى الموت
    أجل.. هذا الشاب أخي
    أخي الذي كبرت معه
    الذي كان يغني لي أهازيج لست أدري من أين يحفظها
    ويقرأ لي عند الفجر قرآنا، ليسمعه مني عند الغروب
    هذا الشاب هو بكل تفاصيله أخي
    أخي الذي عمل –حين صار رجلا عمره اثنا عشرة سنة– في نقل الحجارة للبناء
    كنا نظنه يومها خرج ليلعب، لكنه عاد بأربعة أرغفة كبيرة مستديرة جميلة وجسد محمر من أثر الجهد والشمس.. يومها جلس يراقبنا بفرح وكل منا تمسك بيدها لأول مرة رغيفا كاملا لها وحدها
    لكن أمي أجبرته كارها أن يأخذ نص رغيفها، وجعلت كلا منا تحتفظ بنصف رغيف للغد .. ما أكثر ما جاء به الغد !
    وذهب أخي ليعود في يومه الثاني بثلاثة أرغفة ما أن حملتها عنه حتى دار على عقبيه وغادر مسرعا ثم لم يعد حتى أظلمت السماء، فلقيته أمي في عتمة بيتنا بالعتاب
    وفي الصباح علمنا أنه لم يكن مع رفاقه لاعبا بل عمل حتى جاء لأمي بثوب خير من الذي ظلت تلبسه مذ وعيت عليها حتى كنت أظنه بعضا من جسدها
    فرحنا جميعنا يومها، لكن أمي بكت كما لم أرها تبكي من قبل ومزجت دمعها بالدعاء لهذا الشاب الذي وقف محتارا لا يدري كيف يمسح عن وجهها الحزين دمعا لم يكن ينتظره
    هذا الشاب والله أخي ..
    أخي الذي حين بلغ الثامنة عشر لم يكن يحلم بالجامعة، ولم تنهل عليه الهدايا لاجتيازه الشهادة الثانوية.. لكنه جاء إلينا باسما وضمني وأمي إلى صدره ثم أخذنا معه
    صار لنا بيت.. بيت ليست حدوده ملاءة.. وصندوقا فيه صورة.. ونافذة
    بيت ذو حجرتين كفتا أخي حياءه من ابنتي خالي الصبيتين
    فراش كبير في إحدى الحجرتين
    وحصير أخضر جميل في الأخرى
    صارت الحجرة الكبيرة للفتيات
    وصار هذا الشاب يأتي في المساء ليأكل لقمة أو لقمتين ثم يتوسد جانب الحصير الأخضر وينام حتى الفجر
    هذا الشاب أخذني معه إلى السوق -الذي لم أذهب إليه قط من قبل- واشترى لي ولابنتي خالي قماشا لتصنع كل منا لها ثوبا جديدا
    وعدنا سعيدين إلى بيتنا الصغير..
    لكننا لم نجد الحصير، ولا الفراش الكبير ، ولا أمي وابنتي خالي
    وجدنا فقط ركاما وبقايا حريق
    أنا رأيته..
    رأيت هذا الشاب يعتصر بين يديه بقايا جسد أمي الممزق
    أنا رأيته يبكي!
    حرمه صاروخ إسرائيلي حاقد من دعاء أمي كل فجر
    ومن لقمة تصنعها له حين يعود من عمله متعبا مورم الساعدين
    ومن صورة الرجل الذي كبره ليحمل ملامحه
    احترقت الصورة ، لكنني أذكر وجه الرجل فيها
    إنه هو هو وجه هذا الشاب
    وهذا الشاب والله أخي
    إيه يا شياطين الإنس
    إيه يا أمريكا ويا إسرائيل
    إيه يا من تريدون أن تمحى غزة من الوجود
    هذا الإرهابي أخي!
    أخي الذي ظل يشتري لنا بعرق جبينه أربعة أرغفة كل يوم
    فحرمتموه بحقدكم ما بقي له من هذه الدنيا
    حرمتموه ثلاثة أفواه حبيبة فأحرقتم ما بقي من صبره
    وصار يشتري كل يوم رغيفا.. وثلاث رصاصات
    إيه.. هذا الإرهابي أخي الذي.. حرمتموني إياه
    إليكم هذه الإرهابية

    _ _ _ _ _ _
    هامش ..
    معذرة إذ استأثرت بصورة الشهيد محمود رحمه الله ..
    لكنما كل قسامي أخي
    ********
    رحمه الله وأكرمه بمحبته وقربه

    غموض

    كنت أقرأ وأبكي بحرقة رغم إدراكي بأن هذا الحزن ليس جديداً على القلب لكن ثمة حرف

    يعرف كيف يغسلنا من تبلد مشاعرنا فيا ليت للهوان الذي يشوه وجه حياتنا مايغسله ،

    ولقسوة البشر مايوقفها عند حد.

    عميق تقديري لكِ واعجابي بكتاباتك المميزة.
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

  5. #5
    الصورة الرمزية نادية بوغرارة شاعرة
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    المشاركات : 20,304
    المواضيع : 328
    الردود : 20304
    المعدل اليومي : 4.31

    افتراضي

    ضبابية على كل حاقد ناكر حاحد ،
    واضحة جلية لكل ثائر متيقظ ،
    سيدتي الضبابية ، زيدينا ، أفيقينا ، أنيرينا .
    تقديري لمل جادت به قريحتك ،
    ورحم الله الشهداء
    http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=57594

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2007
    الدولة : سيرتـا
    العمر : 41
    المشاركات : 3,843
    المواضيع : 82
    الردود : 3843
    المعدل اليومي : 0.86

    افتراضي

    الفاضلة / الضبابية

    نص خطته الأنامل بوجع ... فزلزل الألم الذي كاد أن يغفو بنفوسنا ليعيد إليه كامل صحوه و فطنته
    نص أدمع القلب قبل العين ...
    أكاد أشم رائحة الأرغفة ... ما أصدق احساسكِ فأنا لم أقرأ هنا مجرد حروف ...
    تقديري و احترامي

    اكليل من الزهر يغلف قلبك
    هشـــــــام
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7
    الصورة الرمزية مروة عبدالله قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 3,215
    المواضيع : 74
    الردود : 3215
    المعدل اليومي : 0.68

    افتراضي

    الضبابية
    ...

    ستبقى فلسطين حرة أبية
    بوجود شعبها البطل
    الذي لا يأبي شئ

    الضبابية
    ..


    كلمات عانقتنا و أخذتنا
    إلى هناك إلى فلسطين
    حيث للعزة وجود
    و للجهاد أجمل حضور
    محبتي للجمال المتناثر من بين
    أناملكِ هنا

  8. #8
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    الفاضلة جوتيار تمر

    هو قدر جعلهم على الثغور ، وجعل أنفاسنا مضمخة بالذكرى والألم
    بعيدون هم عن صدورنا لتضمهم
    وبعيدون عن عيوننا لتحتضن عيونهم

    لكنهم غير بعيدون عن الدعاء لهم

    فأكثروا لهم من الدعاء ..
    هم يعدون للقاء العدو سلاحهم
    ونحن يجب أن نعد له الدعاء بظهر الغيب والصدقات والقيام والصيام

    معذرة جويتار إن جنحت بعيدا
    لكنك ذكرتني بالدم المراق أنهارا
    فغص القلم

    لك الشكر وخالص الود

  9. #9
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    الفاضلة وفاء خضر

    ومن منا لايموت ألف مرة كلما طالع خذلاننا لهم
    ونصرتهم لربهم ولـ لا إله إلا الله

    طيب الله قلبك بمسك الجنة
    وجزيت الخير

    تحياتي وكل الود

  10. #10
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2003
    المشاركات : 662
    المواضيع : 83
    الردود : 662
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    الفاضلة يسرى

    رحمه الله ورحم كل مسلم ومسلمة عمل لله فأخلص العمل

    لعلنا يجب أن نعيش تفاصيل حياتهم
    وأدق دقائق المعاناة
    وإن كان ذلك شبه مستحيل لأننا فعليا لسنا هناك

    لكننا إن لم نشعر بمقدسات انتهكت حرمتها
    وبإخوان لنا في الله لا في الدم ولا النسب .. في الله .. تستباح دماؤهم
    فلن ننهض يوما

    هم لم ينتظرونا يوما ، فنحن مجرد أسباب .. وهم ينظرون إلى مسبب الأسباب سبحانه
    لكننا يجب أن نتحرك .. لأجلنا لا لأجلهم

    لنا إسلامنا يا أخية يظهرنا من شوائب هذه الدنيا
    ويمنحنا من القوة ما نرد به الظلم والبغي عن إخواننا
    لنا إسلامنا
    وليس لنا سواه

    ولك مني خالص الشكر

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. أنا الشّاب العربيّ
    بواسطة مفيدة السكراني في المنتدى مَدْرَسَةُ الوَاحَةِ الأَدَبِيَّةِ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 15-05-2011, 10:45 PM
  2. بين الشاب و الأشيب
    بواسطة أنس الحجّار في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 06-01-2011, 05:10 PM
  3. حوار مع الشاب الظريف حصريا على قناة الواحة
    بواسطة خالد علي الناصر في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 29-04-2006, 04:59 PM
  4. لماذا .. أيها الشاب ...؟؟؟
    بواسطة ابو دعاء في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19-02-2003, 03:57 AM