أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 15

الموضوع: عندما يموت كل شيء

  1. #1
    الصورة الرمزية راضي الضميري أديب
    تاريخ التسجيل : Feb 2007
    المشاركات : 2,891
    المواضيع : 147
    الردود : 2891
    المعدل اليومي : 0.60

    افتراضي عندما يموت كل شيء

    اقترب منه و بدأ يهمس في أذنيه :
    - لعلك لم تعرف بعد كيف تطوي صفحة الماضي ، هل أدلك على طريق أفضل من تلك التي ما زالت تراود أفكارك ، فأنا هنا لهذا الغرض ، إذا كنت موافقًا على ما سأقوله لك فقط أشر لي بيدك تلك التي لم تتقطع شرايينها عند آخر محاولة فاشلة قمت بها لوضع حد لمعضلة وجودك فوق هذا الكوكب.
    توقف قليلًا ليرى ردة فعله لكنه عاد وتابع كلامه:
    - نعم وجودك معضلة يحتاج إلى حل سريع ، يحتاج إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لتكييف وضع هذا الكوكب مع إشكالية وجودك ، فالهواء الذي تستنشقه يكلفهم كثيرًا ، وها أنت ترى أن ثقب الأوزون لم يعد يحتمل كل هذا الهراء والصياح وهم يعتبرون أنك ومن هم على شاكلتك من الأسباب الرئيسية لهذه الكارثة التي ستفتك يومًا ما بهذا الكوكب ، ولا أخفيك فقد بلغ تذمرهم منك حدًا لا يمكنك أن تتخيله ، وهم لديهم رغبة بل أمنية كبيرة في رؤيتك خارج هذا القطار الذي يسمى الحياة وأنا مضطر لأن أزعجك بهذا الكلام ، فهم من طلبوا مني أن أنقله إليك حرفيًا.
    سكت هنيهة ثم نظر في عينيه وتابع قائلاً :
    - إذا كنت تفهم ما أعني أشر لي بعيونك ، فكما أرى أنت لا تستطيع أن تحرك كلتا يديك ، لا بأس ، لحظة واحدة توقف ، قلت لك أشر لي بعينيك ، لا تبكِ ، أنا أقدر ظروفك ، لكن أرجوك لا أريد أن أرى دموعك ، بعدما أذهب افعل ما تشاء ، فقلبي لا يحتمل رؤية هذه المواقف التراجيدية ، وكما قلت لكِ أشر بعيونك ، أو ، لا لا انتظر ، بعينك اليمنى ، يبدو أن عينك الأخرى قد ذهبت و انتهت هي أيضًا ، حسنًا سنعتمد على اليمنى في حوارنا ، اسمعني جيدًا منذ آخر لقاء بيننا قلت لك أن لا تفعل ما فعلته ، فهذا العالم بات الوجود فيه يرتكز على عنصر القوة المتمثل بالمال ، فوزن مالك يساوي قوة شخصيتك وسطوتك وحياتك ، لكنك لم تنتبه إلى ما قلت ، مما دفعني إلى التفكير أن ما فعلته كان تكفيرًا عن الخطايا والذنوب اتجاه من أعطيتهم كل ما تملك أو ربما لشدة حبك لهم ، ولعلك في لحظة ضعف ظننت أنك تقوم بعمل نبيل لكنك نسيت أن العمل النبيل يحتاج أيضًا إلى من يحميه حتى يضمن له الاستمرار خصوصًا إذا كان هذا العمل فريدًا من نوعه بمعنى أنه لا يمكن أن يتكرر في ظروف عادية ، إنه استثناء ، والاستثناء غالبًا ما يترك آثارًا مدمرة إذا لم يكن منسجمًا مع واقعه ، وما فعلته كان غريبًا بل كان أحمقًا ، لذلك اسمع مني ما سأقوله لك ، هناك طريقة واحدة لإنهاء هذه المشكلة وأنا مكلف من قبلهم لإبلاغك بها ، وأرجو أن تعذرني فأتعابي دفعوها لي ، لذلك فأنا الآن أمثلهم هم ، لا أنت .
    تراجع إلى الوراء قليلًا ليريح ظهره من كثرة الانحناء ثم اقترب منه :
    - يقولون لك إن أفضل طريقة لإنهاء هذا الوضع هو أن توافق على إعادة ملء استمارة بوليصة التأمين على حياتك تلك التي قمت بإلغائها قبل أسبوعين - وهي ما زالت بحوزتي - فهم يعتقدون أن مجال التوبة بالنسبة لك قد فات أوانه مع كل ما فعلته في حياتك ، لذلك أعد ملء تلك الورقة وأوصي لهم بـــ ... عفوًا هل تسمعني أشر لي بعينك اليمنى حتى أكمل ... يا إلهي يبدو أنه قد سقط في غيبوبة أخرى .
    اندفع نحو الباب وهو يصيح :
    - أيها الطبيب تعال وأنظر ماذا حصل له ، لقد كنت أكلمه وفجأة توقف عن الحديث ، ويبدو أنه قد أغميّ عليه ، أفحصه يا سيدي أريد أن أعرف ما إذا كان حيّا أم لا ؟
    دخل الطبيب إلى الغرفة مسرعًا :
    - ماذا وجدت يا سيدي ، هل ما زال حيًا ، أريد أن أعرف أرجوك ؟
    أغمض الطبيب عينيه ووضع الغطاء على رأسه ثم ذهب مسرعًا
    - حسنًا أخبرهم وأنا سأنتظر هنا ، لكن لا تطل الغياب .
    اقترب منه ليتأكد من موته ، ثمّ تناول حقيبته وهو يتمتم :
    - في لحظة ينتهي كل شيء ، يبدو أنه قد فارق الحياة ، عليّ الآن أن أجهز الأوراق قبل أن يأتوا إليّ ويطاردوني بأسئلتهم ، ماذا قال وماذا فعل ، وهل وقع أم لم يوقع ... أين هي الأوراق اللعينة .. أين ذهبت آه ها هي ، يا إلهي هذه الحقيبة الملعونة دائمًا ما تعيق عملي ، غدًا سأشتري واحدة أخرى وأحرق هذه ، أين ذهب القلم ها هو نعم لنبدأ الآن .
    بسم الله الرحمن الرحيم ، أنا الم ....
    لكن رنينًا غاضبًا قطع حبل أفكاره ، التقط السماعة بعصبية :
    -آلو من هذا الذي يتصل ، نعم أيها الطبيب ، ماذا تريد يا سيدي ، ستبقيه على الأجهزة ريثما ننتهي من العمل ، لم أفهم أي عمل تقصد ؟ نعم ، هل هو من قال ذلك ، نعم... سيأتي إليّ بعد قليل ماذا ...لكن هل هذا الأمر مضمون ، نعم أعلم أن هذا مستشفى خاص ولا يحق لأحد أن يدخل غرفته إلا بإذن خاص ، لكن ... ماذا .. ؟ هو سيشرح لي ، مفهوم .. مفهوم ، سأنتظر شكرًا لك.
    رمى الأوراق التي بين يديه جانبًا وطلب كوبًا كبيرًا من القهوة وجلس ينتظر وصوله ، وهو يحرك يديه خلف رأسه وظهره كمن يحاول أن يعيد النشاط إلى جسد ستموت فيه بعد قليل أشياء كثيرة .

  2. #2

  3. #3
    الصورة الرمزية راضي الضميري أديب
    تاريخ التسجيل : Feb 2007
    المشاركات : 2,891
    المواضيع : 147
    الردود : 2891
    المعدل اليومي : 0.60

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسنية تدركيت مشاهدة المشاركة
    قصة مؤثرة جدا وغاية في العمق
    اسال الله لك دوما هذا التألق والإبداع
    أختك في الله حسنية
    أختي العزيزة حسنية

    أشكرك على هذا المرور الطيب أيتها الطيبة ، ولقد قرأت لكِ كثيرًا ومنك تعلمت الكثير يا صاحبة القلب الكبير.

    تقديري واحترامي

  4. #4
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    راضي الضميري...

    رؤية عميقة للواقع العياني ، بصورته الاجتماعية ، وبذهاب قيمه الانسانية ، وكيف ان الاصل في الاشياء اصبح المال ، والمصلحوية ،بغض النظر عن قيمة الانسان كموجود حقيقي مسخر له ما في السماوات والارض ، النص يحمل رؤية عميقة وتحتاج الى وقفة اطول اكيد.

    دم بخير
    محبتي
    جوتيار

  5. #5
    الصورة الرمزية راضي الضميري أديب
    تاريخ التسجيل : Feb 2007
    المشاركات : 2,891
    المواضيع : 147
    الردود : 2891
    المعدل اليومي : 0.60

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
    راضي الضميري...
    رؤية عميقة للواقع العياني ، بصورته الاجتماعية ، وبذهاب قيمه الانسانية ، وكيف ان الاصل في الاشياء اصبح المال ، والمصلحوية ،بغض النظر عن قيمة الانسان كموجود حقيقي مسخر له ما في السماوات والارض ، النص يحمل رؤية عميقة وتحتاج الى وقفة اطول اكيد.
    دم بخير
    محبتي
    جوتيار
    العزيز جو

    هذا هو الواقع الذي نعيشه وربما يكون أسوأ على صورته الحقيقية .

    يا إلهي لو تعلم كم تمنيت أن يحلل أحد ما هذا النص فيخبرني هل كتبت قصة أو شيء ما شبيه بالقصة أو ماذا بالضبط ؟

    أحيانًا تحتاج إلى أن تكتب كل ما يجول بخاطرك ، لكن من يا ترى يدلك على الطريق الصحيح .

    وجودك يسعدني أيها العزيز جوتيار تمر

    تقديري واحترامي

  6. #6
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.33

    افتراضي

    لا نزال نبحث عن الإنسان الذي يسكن أعماقنا ... وأضعناه ... ذات لحظة تشوه



    \


    ياحسرة على العباد .
    الإنسان : موقف

  7. #7
    الصورة الرمزية مروة عبدالله قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 3,215
    المواضيع : 74
    الردود : 3215
    المعدل اليومي : 0.66

    افتراضي

    هم هكذا البشر
    يسيرون في دروبٍ ويتركون ما بداخلهم
    من نقاء وطهر

    النقي .. راضي الضميري

    كتبت هنا كأنكَ تكتب ما بداخلنا
    فطبت بلا ألم

    محبتى

  8. #8
    الصورة الرمزية سحر الليالي أديبة
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    الدولة : الحبيبة كــويت
    العمر : 34
    المشاركات : 10,148
    المواضيع : 309
    الردود : 10148
    المعدل اليومي : 1.91

    افتراضي

    رائع اخي راضي ..
    سعدت بقراءة ابداعك
    سلمت وبإنتظار جديدك دوما
    تقبل خالص تقديري وتراتيل ورد

  9. #9
    الصورة الرمزية ابراهيم السكوري أديب
    تاريخ التسجيل : May 2008
    الدولة : المغرب
    العمر : 39
    المشاركات : 350
    المواضيع : 25
    الردود : 350
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي رضي الله عنك يا راضي

    سلام الله عليك أيها الأديب الرائع...
    شكرا لك على إبداعك المتميز.. لغة ، أسلوبا، و بناء حكائيا...جميلة هذه التقنية السردية : حوار في اتجاه واحد ..خطاب ..؟ أوامر..؟ سلطة..؟ رأي واحد..؟...==== اختصار للمجتمع العربي
    أرى في النص رمزية كبيرة ..غموضا.. وعمقا يحتاج إلى صبر أغواره..
    هنا خيوط عنكبوتية ..مبهمة ..تحتاج إلى قارئ قارئ....
    *** نونت يا أخي " أحمقا" وهي من المممنوعات من الصرف ( صفة على وزن أفعل مؤنثها فعلاء)
    عمل موفق أخي ـــــــــــــ أهنئك

    مع تحياتي
    المتفائل: ابراهيم ــــــــ المغرب

  10. #10
    أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2007
    الدولة : سيرتـا
    العمر : 42
    المشاركات : 3,843
    المواضيع : 82
    الردود : 3843
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي

    المبدع الجميل / راضي

    نصك في نظري الشخصي طبعا قصة اعتمدت الحكي من منظور واحد يعكس فئة من المجتمع و الواقع المعاش و ليس المجتمع ككل ... لأن هناك من يزال يحفظ للإنسان مكانته و قيمته كآدمي .
    الأسلوب جميل و الطريقة التي عولج بها النص افترضت أن ينتهج ذلك السبيل أو الخطاب الذي يعكس صورا اجنماعية قائمة على المصلحة و طريقة فكر باتت منتشرة بكثرة حيث الإعتناء بالماديات طغى على كل ما هو جميل و إنساني ... و كذا لحظة الضعف التي يغتنمها القريب قبل البعيد لينهش في لحم أخيه
    النص عالج الفكرة بامتياز و أظن أنه لو كتب بطريقة أخرى لما كان صداه في نفسية المتلقي هكذا ...
    عبر النص عن العنوان فعلا ... عندما يموت كل شيء ... يموت بالفعل كل شيء ... ضميرا كان أو احساسا
    هذه فكرتي البسيطة عن النص رغم أنه يحتاج فعلا لوقفة أكبر فاعذر عدم تخصصي أخي الكريم .

    دمت كما عهدتك ...

    اكليل من الزهر يغلف قلبك
    هشـــام
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. ضاع كل شيء … ضاع كل شيء…
    بواسطة محمد رامي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 16-09-2014, 03:30 PM
  2. عندما يموت الراعي ( من يوميات حمل وديع)
    بواسطة محمد نديم في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 25-10-2013, 02:35 AM
  3. حين يكونُ كلّ شيءٍ يسيرُ إليكِ
    بواسطة احسان مصطفى في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 14-03-2007, 08:08 PM
  4. من كلّ شيء...!
    بواسطة نهى شعبان في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 03-02-2007, 09:12 PM
  5. جميلة .. رغم كلّ شيء
    بواسطة نور الجندلي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 16-09-2006, 09:49 PM