أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الأوباش ...........قصة بقلم بوفاتح سبقاق

  1. #1
    الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    العمر : 51
    المشاركات : 83
    المواضيع : 26
    الردود : 83
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي الأوباش ...........قصة بقلم بوفاتح سبقاق

    عندما رمى الليل بجناحيه على المدينة ، كانت ضاحيتنا تدافع عن نفسها ببعض أعمدة الإنارة المشردة على طول الطريق الرئيسي .
    وقفت ذلك المساء أتأمل فصول هذه المعركة غير المتكافئة وبدا أن المشهد يحظى بمتابعة أغلب سكان الحي حيث اجتمعوا في زواياه المختلفة ، يتسامرون حول إشكالية تعاقب الليل والنهار ولمحت عن بعد ، صالح يتخذ موقعا إستراتيجيا غير مألوف وعيناه تقدحان شرا وكأنه متأهب لشيء ما ، يبدو أنه سيتحالف مع أعمدة الإنارة ضد الظلام .

    وفجأة دلفت إلى الزقاق سيارة فخمة مرسلة بضوء ساطع ، ساهم في تراجع بعض جنود الظلام إلى الأزقة الفرعية ، توقفت الشبح في مكانها المعتاد ونزل منها وبش محترم ودخل بسرعة إلى البيت المجاور ، في هذه اللحظة نهض صالح من مكانه وتوسط منتصف الطريق واتكأ على عمود إنارة مائل وصرخ في وجوهنا

    - هل أعجبكم المشهد؟وهل ما زلتم تفضلون رؤية القمر؟

    التزم الجميع بالصمت بما فيهم أنا ، لم يجرؤ أحدنا على التعقيب فنحن فئات بسيطة وحتى المثقفون لم يحركوا ساكنا

    لأن المثقف بطبعه جبان ،وفيما كنا نتجرع مرارة الهزيمة للمرة الألف إذ بسيارة أخرى تكسر حاجز الصمت ، سعدنا

    بذلك لأن صالح أطلق سراحنا من سجن نظراته وتأمل الزائر الجديد .

    لاحظت بأن لوحة الترقيم مكتوبة بالطباشير ، قد يكون صاحبها معلما ، يا له من إستنتاج غبي ، لن يستطيع مربي

    الأجيال شراء حتى عجلة هذه السيارة ، نزل الوبش السامي ومشى بخطوات ثابتة نحو الهدف وعندما وصل فتحت له إحداهن ثم نظرت إلينا بتأفف وأغلقت في وجوهنا الباب بقوة ، كان صالح هو المتأثر الوحيد بهذه اللفتة السيئة .

    نظرنا إلى بعضنا البعض وتوجهنا مرة واحدة نحو صالح الذي ظهرت عليه ملامح الارتياح

    - يجب أن نحرق السيارات ثم نهجم عليهم ، هذا ما قاله وبش صعلوك

    - ما تقوله هو التهور بعينه ، دعونا ندرس الأمر بروية وتأن وتريث ، هذا ما قاله أستاذ أدب عربي متقاعد

    - نحن بحاجة إلى مواقف وليس تكوين جمل ، أضاف صالح

    - نعم، هذا ما قلته أنا بكل صعوبة .

    - يجب علينا أن نكتب عريضة إلى السلطات المختصة ونشعرها بما نحن فيه من مهانة وعار وأكيد سيجدون لنا حلا. أضاف الأستاذ

    علت على وجوههم علامات الاستحسان ، ما عدا واحد منهم عندما اقترب من الضوء عرفت بأنه وبش سام متقاعد ، حدق

    فينا مليا ثم قال

    - عجيبا أمركم إنكم تنتقدون أشياء ترغبون فيها ، من فيكم لا يرغب في قضاء سهرة حمراء في بيت هذه المرأة وبناتها ،دعوها تؤمن قوتها ، إنها تمارس أقدم مهنة في التاريخ.

    - وحدك ترغب في الدخول إليها إنها خطر على أخلاقيات الحي.

    - كلكم تتسللون إلى بيتها بعد منتصف الليل ، إنها منفعة كبرى لنا ، هذه الطريق والإنارة بفضل تدخلها لدى بعض

    معارفها،ما انتظرناه سنوات تحقق في ثوان ، لاحظوا معي يا أخوتي إن إيجابياتها أكثر من سلبياتها ، فهي مكسب حضاري يجب الحفاظ عليه ، إنها بحق عاهرة محترمة .

    - كفاك تشدقا ، كل أهل الحي يعرفون ماضيك ولم يبق لك سوى هذا اللسان السليط .

    رد عليه صالح بكل نرفزة

    - دعوكم منه ، إنه بقايا رجل مات منذ ألف قرن ، أعرف شخصا مهما ونزيها ، أقترح أن نذهب إليه ونعرض عليه مشكلتنا وسيجد لنا حلا صائبا وهذا بحكم علاقاته ونفوذه ، إنه صديق الطفولة ولن يخيب ظني .

    - فكرة الحاج علي سديدة، من يذهب معنا غدا؟ سأل صالح رفع صاحب نظرية العاهرة المحترمة يده والتحقت به أنا بعد تردد كبير

    - إذا اللقاء غدا على الساعة العاشرة صباحا بمقهى الحي وسنذهب نحن الأربعة إلى هذا الرجل النزيه.

    قضيت تلك الليلة أفكر في مستقبل الحي ، ورأيت في ما يرى النائم أن منزل المرأة المشكل تحول إلى دار للثقافة وبأنني أبيع تذاكر الدخول للعرض الذي ستقوم به السيدة الفاضلة في حين كانت ابنتها بلباس محتشم توزع صكوك الغفران ، أما أفراد الحي فكانوا يشرفون على استقبال الأوباش الراقية.

    نهضت متأخرا ذلك الصباح وأسرعت نحو صالح الذي وجدته بانتظاري رفقة الثنائي المتناقض، استأجرنا سيارة نقلتنا

    مباشرة إلى مقر حكومي هام .

    لم يطل انتظارنا طويلا حيث جاءنا وبش الاستقبال وأعلمنا بان الرجل المهم مستعد لاستقبالنا ، وما أن وطأت أقدامنا

    السجادة التقليدية حتى صعقت أنا وصالح في مكاننا في حين كان صاحب النظرية الغريبة مسرورا أما الحاج علي فلم

    يلاحظ شيئا.

    لم يكن الرجل المهم سوى أحد الأوباش السامية التي كانت تتردد على المنزل المشبوه .

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    بوفاتح الرائع...

    احيانا اقول بأن القصة القصيرة تبقى سلاح ذو حدين ، فمن خلالها يمكن تحديد ثوابت الذات ، ومبادئها ، ومن خلالها ايضا يمكن رصد حالة من الحلات داخل الاجتماع ، واذبتها باسطر قليلة ، وجهد اقل ، وصور عميقة ، ومن خلال هذا العمل لاحظت وجود تنويع في الطرح ، سواء أكان موضوعيا ، ام محل جدل ونقاش ، لكنه استطاع من رصد حالات عديدة ، ضمن عمل قصير ، وبلغة واضحة ، تتبنى الرمزية السطحية احيانا ، لكنها في رؤيتها الاجمالية تبدو لي واضحة تماما ، ومن خلال تعقيبي ها اردت ان القي الضوء على بعض الحالات التي ذكرت ضمن الحالة الاصل في النص ، فما يتعلق بالمثقف كونه جبانا ، ربما هذه الصفة اتت جراء واقع شرقي فيه المثقف عاجز التحدث والنطق بما يجوب في ذهنه ، وعاجز عن الرفض ، وقول اللا ، حتى لو كان الامر على حساب شخصيته ، لكن مع ذلك لايمكن ان نعمم صفة الجبن على المثقف ،هذا ما اثارني اكثر في النص ، مع انه طرح موضوعات اخرى ضصمن الاطار الاجتماعي ، وحتى الموروث الشعبي ، لكن دائما هنا حالات نرصدها ونركز عليها لاننا نرى بانها تستحق ان تؤشر اكثر من غيرها.

    محبتي
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    العمر : 51
    المشاركات : 83
    المواضيع : 26
    الردود : 83
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    تحياتي جوتيار

    حاولت من خلال نص الأوباش أن أرصد أكبر عينة من المجتمع

    بخصوص موقف المثقف و الذي يعتبر هنا الرواي

    فإنه بالتأكيد يعكس فئة من المثقفين

    و جبن المثقف حسب ما أراه ليس في إنعدام الشجاعة

    بل المثقف أو المتعلم يفكر كثيرا و يعمل حسابات كثيرة ليتخد القرار

    في حين أن الجاهل لا يتأخر عن الإقدام مهما كانت العواقب


    و الدليل أن أكبر رجال الأعمال في مجتمعاتنا هم الجهلة

    و أكبر فئة تحكم هم الجهلة ..

    طبعا تبقى هناك إستثناءات

    مع السلامة

    من بوفاتح سبقاق

  4. #4

  5. #5
    الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    العمر : 51
    المشاركات : 83
    المواضيع : 26
    الردود : 83
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    حاولت من خلال نص الأوباش أن أرصد أكبر عينة من المجتمع

    بخصوص موقف المثقف و الذي يعتبر هنا الرواي

    فإنه بالتأكيد يعكس فئة من المثقفين

    و جبن المثقف حسب ما أراه ليس في إنعدام الشجاعة

    بل المثقف أو المتعلم يفكر كثيرا و يعمل حسابات كثيرة ليتخد القرار

    في حين أن الجاهل لا يتأخر عن الإقدام مهما كانت العواقب


    و الدليل أن أكبر رجال الأعمال في مجتمعاتنا هم الجهلة

    و أكبر فئة تحكم هم الجهلة ..

    طبعا تبقى هناك إستثناءات

    مع السلامة

    من بوفاتح سبقاق

  6. #6
    الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    العمر : 51
    المشاركات : 83
    المواضيع : 26
    الردود : 83
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي الألبوم الإنتقامي ..... بقلم بوفاتح سبقاق

    وقف الإمام على المنبر وبدأ بما تعود المصلون على سماعه كمقدمة لأي خطبة جمعة و كان من المتوقع أن يتحدث عن ضرورة الإحسان لعابري السبيل أو صلة الرحم وغيرها من المواعظ التي يحفظها الجميع عن ظهر قلب فمن النادر أن يخرج الإمام عن هذه المواضيع و إن حدث العكس فقد يكون
    الأمر مرتبطا بذكرى ثورة نوفمبر أو تعليمة حكومية يتم شرحها على المنابر ، الحكومة تمنع إستعمال المساجد لأغراض سياسية ولكنها تبيح لنفسها ما
    ما تمنعه و لكن الإمام هذه المرة قطع روابطه مع الحكومة وفضل التخندق مع
    الشعب ، كانت خطبة نارية تتحدث عن ظاهرة الدعارة التي تفاقمت في الحي القديم وضرورة الوقوف أمام هذا المنكر العظيم ، لأول مرة يسمع الناس عن دعوة فعلية تحث على تغيير المنكر بالأيدي و تتفادى التركيز على القلب فقط الإندهاش أضحى سيد الموقف وقد تصور البعض أن الإمام فقد عقله ليتحدى
    الحكومة على المباشر أو أن الأمر مجرد سيناريو مفتعل لإسقاط بعض رموز المعارضة ، كانت كل نبراته صادقة ود موعه ألهبت النفوس وهكذا تحول المصلون الى مؤمنين من الطراز الرفيع يعيشون واقعا يتعارض مع شعائر دينهم ويتعين تغييره وما إن أتم الإمام الصلاة حتى تهاطل عليه المؤيدون
    لمسعاه فخرج الجميع يهللون ويكبرون وكانت مفاجأتهم كبيرة عندما وجودوا قوات مكافحة الشغب في إنتظارهم ،فطلب الإمام من مناصريه التوجه مباشرة نحو الحي القديم للقضاء على المنكر ،لم يستغرب أحد لحضور رجال الأمن فالخطبة كانت عبر مكبرات الصوت والمسجد في حد ذاته لا يخلو من بعض المخبرين .
    كانت الدروب القديمة ممرا آمنا للإمام ومريديه و إكتفى رجال الشرطة بمالمراقبة عن بعد وما إن وصل الغاضبون الى بيوت الدعارة حتى شرعوا في تكسير الأبواب وطرد النساء اللواتي وجدنا في حالة تلبس مع زبائن لم يعرفوا أن الخطبة كانت مخصصة لسلوكاتهم المشينة ، الدروب لا تفرق بين الأخيار و
    الأشرار فقد ساعدت بعض العاهرات على الهروب ، في حين أضرم بعض الشبان النار في المساكن التي أضحت ركاما وكان بعض الأطفال يسرقون كل ما يجدونه في طريقهم من أمتعة وأجهزة ، لم تتدخل قوات مكافحة الشغب و لكن
    قام بعض رجال الأمن بإلتقاط صورا عن بعد ومن الواضح أن الإمام كان
    النجم الذي سيظهر في كل المشاهد ولكن المحتجين لم يكونوا منشغلين إلا بتدمير البيوت وضرب المومسات وطرد هواة ومدمني ممارسة الجنس وكانت أغلبيتهم من شباب الخدمة الوطنية والتجار الذين يقصدون المدينة.
    كان فعلا خليطا غريبا يعكس بحق تدهور القيم وشيوع الفاحشة ، إنتهت الأحداث
    بعد العصر بقليل ، وهرع الى مكان المواجهة الفضوليون الذين غابوا عن صلاة
    الجمعة ذلك اليوم و بعض سكان الأحياء المجاورة الذين إنبهروا بما حدث أضحى الإمام بطلا قوميا محليا لدى أهل المدينة ، في حين أعتبر مجرد شخص
    خارج عن القانون من طرف السلطات.
    كانت صلاة المغرب المحك الحقيقي لمعرفة مخلفات ونتائج الإنتفاضة كما سماها بعضهم ، ولكن المفاجأة أن كل صانعي الأحداث غابوا عنها ولم يحضر سوى الشيوخ وبعض الذين لم يأتوا سوى لرؤية الإمام و مناصريه.
    ركعات سريعة غاب عنها الخشوع وحضر الخوف من رد فعل الدولة التي طالما أكدت على أنها ستضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه المساس بأمن الأشخاص والممتلكات ، وتساءل الكثير من المهتمين بالموضوع عن مدى مشروعية إعتبار العاهرات ضمن الأشخاص أو أن بيوتهن ممتلكات يتعين
    حمايتها وطبعا شكك المواطنون في مشروعية نفس الدولة التي تضرب بيد من طين على كبار رجالات المافيا السياسية والإقتصادية التي تحكم البلد وتمتص دماء المقهورين.
    تم إقتياد الإمام في نفس المساء الى مكتب محافظ الشرطة ،هذا الأخير تعمد حسن
    إستقباله ، لأنه يعرف بكل بساطة وزن و قيمة الرجل في المدينة فهو الآن الأب الروحي للأحداث وسوء معاملته ستؤدي حتما الى تفاقم الأزمة وعليه طلب منه تهدئة الأوضاع مع وعد بإيجاد حل عاجل للأزمة التي عصفت بمدينة جنوبية هادئة، وكان الإمام في مستوى الحدث ولكنه طالب بإتخاد إجراءات سريعة للقضاء نهائيا على بؤر الفساد.
    كانت خطبة الجمعة الموالية مسالمة جدا وتعمد الأمام الثائر تهدئة النفوس وتكلم كثيرا عن التحكم في الأعصاب وضرورة إحترام أولي الأمر وطلب من أهل الحي إعطاء مهلة للسلطات لتنفيذ إلتزاماتها وهكذا عاد الهدوء وعمت السكينة
    ولم تقع أي أحداث إضافية .
    تغيير المنكر ، وقعت المفاجأة التي لم تكن في الحسبانبعد ثلاث أسابيع من
    توفي الإمام بمرض غريب و غير متوقع وفقد الحي بطله الذي قهر الفساد لقد كانت جنازة مهيبة حضرها جمع غفير تطلب إستنفار السلطات الأمنية لتنظيمها وتفادي إنحرافها عن مسارها الطبيعي الذي يجب أن لا يحيد عن المقبرة.
    بعد أيام أصبح محافظ الشرطة دون كيشوت محلي يطارد طواحين هواء بشرية بالإعتماد على الصور التذكارية التي تم إلتقاطها للثائرين وهكذا بدأت عملية القبض على كل من ظهرت وجوههم أو ملامحهم وأطرف ما حدث أن رجلا تم القبض عليه لأن صورة حماره ظهرت ضمن الألبوم الإنتقامي ، كان قرارا
    إنفراديا مجنونا لم يتم التفكير في عواقبه ، فقد هرب الكثير من الشباب الى المدن الشمالية وإنخرطوا في الجماعات المناهضة للدولة ولكن الإمام بقي في الذاكرة الشعبية كرمز للشرف و الصمود من أجل الحق.

  7. #7
    الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق أديب
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    العمر : 51
    المشاركات : 83
    المواضيع : 26
    الردود : 83
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي الألبوم الإنتقامي ..... بقلم بوفاتح سبقاق

    وقف الإمام على المنبر وبدأ بما تعود المصلون على سماعه كمقدمة لأي خطبة جمعة و كان من المتوقع أن يتحدث عن ضرورة الإحسان لعابري السبيل أو صلة الرحم وغيرها من المواعظ التي يحفظها الجميع عن ظهر قلب فمن النادر أن يخرج الإمام عن هذه المواضيع و إن حدث العكس فقد يكون
    الأمر مرتبطا بذكرى ثورة نوفمبر أو تعليمة حكومية يتم شرحها على المنابر ، الحكومة تمنع إستعمال المساجد لأغراض سياسية ولكنها تبيح لنفسها ما
    ما تمنعه و لكن الإمام هذه المرة قطع روابطه مع الحكومة وفضل التخندق مع
    الشعب ، كانت خطبة نارية تتحدث عن ظاهرة الدعارة التي تفاقمت في الحي القديم وضرورة الوقوف أمام هذا المنكر العظيم ، لأول مرة يسمع الناس عن دعوة فعلية تحث على تغيير المنكر بالأيدي و تتفادى التركيز على القلب فقط الإندهاش أضحى سيد الموقف وقد تصور البعض أن الإمام فقد عقله ليتحدى
    الحكومة على المباشر أو أن الأمر مجرد سيناريو مفتعل لإسقاط بعض رموز المعارضة ، كانت كل نبراته صادقة ود موعه ألهبت النفوس وهكذا تحول المصلون الى مؤمنين من الطراز الرفيع يعيشون واقعا يتعارض مع شعائر دينهم ويتعين تغييره وما إن أتم الإمام الصلاة حتى تهاطل عليه المؤيدون
    لمسعاه فخرج الجميع يهللون ويكبرون وكانت مفاجأتهم كبيرة عندما وجودوا قوات مكافحة الشغب في إنتظارهم ،فطلب الإمام من مناصريه التوجه مباشرة نحو الحي القديم للقضاء على المنكر ،لم يستغرب أحد لحضور رجال الأمن فالخطبة كانت عبر مكبرات الصوت والمسجد في حد ذاته لا يخلو من بعض المخبرين .
    كانت الدروب القديمة ممرا آمنا للإمام ومريديه و إكتفى رجال الشرطة بمالمراقبة عن بعد وما إن وصل الغاضبون الى بيوت الدعارة حتى شرعوا في تكسير الأبواب وطرد النساء اللواتي وجدنا في حالة تلبس مع زبائن لم يعرفوا أن الخطبة كانت مخصصة لسلوكاتهم المشينة ، الدروب لا تفرق بين الأخيار و
    الأشرار فقد ساعدت بعض العاهرات على الهروب ، في حين أضرم بعض الشبان النار في المساكن التي أضحت ركاما وكان بعض الأطفال يسرقون كل ما يجدونه في طريقهم من أمتعة وأجهزة ، لم تتدخل قوات مكافحة الشغب و لكن
    قام بعض رجال الأمن بإلتقاط صورا عن بعد ومن الواضح أن الإمام كان
    النجم الذي سيظهر في كل المشاهد ولكن المحتجين لم يكونوا منشغلين إلا بتدمير البيوت وضرب المومسات وطرد هواة ومدمني ممارسة الجنس وكانت أغلبيتهم من شباب الخدمة الوطنية والتجار الذين يقصدون المدينة.
    كان فعلا خليطا غريبا يعكس بحق تدهور القيم وشيوع الفاحشة ، إنتهت الأحداث
    بعد العصر بقليل ، وهرع الى مكان المواجهة الفضوليون الذين غابوا عن صلاة
    الجمعة ذلك اليوم و بعض سكان الأحياء المجاورة الذين إنبهروا بما حدث أضحى الإمام بطلا قوميا محليا لدى أهل المدينة ، في حين أعتبر مجرد شخص
    خارج عن القانون من طرف السلطات.
    كانت صلاة المغرب المحك الحقيقي لمعرفة مخلفات ونتائج الإنتفاضة كما سماها بعضهم ، ولكن المفاجأة أن كل صانعي الأحداث غابوا عنها ولم يحضر سوى الشيوخ وبعض الذين لم يأتوا سوى لرؤية الإمام و مناصريه.
    ركعات سريعة غاب عنها الخشوع وحضر الخوف من رد فعل الدولة التي طالما أكدت على أنها ستضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه المساس بأمن الأشخاص والممتلكات ، وتساءل الكثير من المهتمين بالموضوع عن مدى مشروعية إعتبار العاهرات ضمن الأشخاص أو أن بيوتهن ممتلكات يتعين
    حمايتها وطبعا شكك المواطنون في مشروعية نفس الدولة التي تضرب بيد من طين على كبار رجالات المافيا السياسية والإقتصادية التي تحكم البلد وتمتص دماء المقهورين.
    تم إقتياد الإمام في نفس المساء الى مكتب محافظ الشرطة ،هذا الأخير تعمد حسن
    إستقباله ، لأنه يعرف بكل بساطة وزن و قيمة الرجل في المدينة فهو الآن الأب الروحي للأحداث وسوء معاملته ستؤدي حتما الى تفاقم الأزمة وعليه طلب منه تهدئة الأوضاع مع وعد بإيجاد حل عاجل للأزمة التي عصفت بمدينة جنوبية هادئة، وكان الإمام في مستوى الحدث ولكنه طالب بإتخاد إجراءات سريعة للقضاء نهائيا على بؤر الفساد.
    كانت خطبة الجمعة الموالية مسالمة جدا وتعمد الأمام الثائر تهدئة النفوس وتكلم كثيرا عن التحكم في الأعصاب وضرورة إحترام أولي الأمر وطلب من أهل الحي إعطاء مهلة للسلطات لتنفيذ إلتزاماتها وهكذا عاد الهدوء وعمت السكينة
    ولم تقع أي أحداث إضافية .
    تغيير المنكر ، وقعت المفاجأة التي لم تكن في الحسبانبعد ثلاث أسابيع من
    توفي الإمام بمرض غريب و غير متوقع وفقد الحي بطله الذي قهر الفساد لقد كانت جنازة مهيبة حضرها جمع غفير تطلب إستنفار السلطات الأمنية لتنظيمها وتفادي إنحرافها عن مسارها الطبيعي الذي يجب أن لا يحيد عن المقبرة.
    بعد أيام أصبح محافظ الشرطة دون كيشوت محلي يطارد طواحين هواء بشرية بالإعتماد على الصور التذكارية التي تم إلتقاطها للثائرين وهكذا بدأت عملية القبض على كل من ظهرت وجوههم أو ملامحهم وأطرف ما حدث أن رجلا تم القبض عليه لأن صورة حماره ظهرت ضمن الألبوم الإنتقامي ، كان قرارا
    إنفراديا مجنونا لم يتم التفكير في عواقبه ، فقد هرب الكثير من الشباب الى المدن الشمالية وإنخرطوا في الجماعات المناهضة للدولة ولكن الإمام بقي في الذاكرة الشعبية كرمز للشرف و الصمود من أجل الحق.

المواضيع المتشابهه

  1. خيانة زوجية ... قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 30-04-2019, 07:27 AM
  2. إعترافات رجل مهم ....قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 04-12-2015, 10:57 PM
  3. الشبكة ....قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 10-02-2015, 05:51 PM
  4. الوفد المرافق له...قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 06-09-2014, 01:52 PM
  5. الوفد المرافق له .... قصة بقلم بوفاتح سبقاق
    بواسطة بوفاتح سبقاق في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05-07-2008, 10:38 PM