أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 17 من 17

الموضوع: نزيف القناديل *رواية*

  1. #11
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    آثر بدر نهج هذا النوع من الحوار ليتسنى له بعد ذلك أن يجس النبض ويسبر الأغوار مجنبا نفسه مغبة الانسياق مع كل تيار جارف قد يلقي به في مزالق التهلكة، هو في غنى عنها اللحظة، ولكن إلى حين.. إلى حين تعلق وصية الأم.. حين يفرض مبدأ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" نفسه، ثم التفت إليه بعينين شبه زائغتين وقد اكتفى بأن ردد في خاطره.."يعلم الله ما تنطوي عليه نفسك وما يتحرك في وعاء دماغك". كان الشاب منهمكا في تصفح كتابه حين داهمه بدر بسؤال ثان:
    ـ وما رأيك في الببغاء الثاني؟
    رفع الشاب رأسه مبقيا على سبابته تفصل بين دفتي الكتاب وأجاب:
    ـ لا أخفي عنك سرا فقد كان الضابط فضوليا بعض الوقت، لكن سداد رأيك وصلابة موقفك وأنت تقرع الحجة بالحجة أهزأ من شطحاته وأكثر عبثا بها.. فما أخطأ السبيل من أسماك بدرا!
    لم يجد الفتى من فائدة في التعليق على هذا الإطراء الموضوع في حكم المشبوه، فتوجه إلى جليسه مستفسرا بعد أن أثنى على نبل عواطفه كما يقتضي أدب الحديث:
    ـ وما اسم حضرتك أنت؟
    ـ أنا فيليب كوستي طالب في ليسي ليوطي في كازا!
    ـ أنت تقيم إذن في مدينة الدار البيضاء؟
    ـ لا، حاليا نقيم في تادلة.. ولكن لا أبرح الدار البيضاء إلا لماما لما لدي فيها من مآرب!
    وحين سأله بدر عن طبيعة المآرب اغتنمها الآخر مناسبة فتحدث بإسهاب عن نشاطه في الحزب الشيوعي وارتباطه بنقابة الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب.. وازداد بدر يقينا وهو يختلس النظر إلى الكتاب الذي يضعه فيليب على ركبتيه فيقرأ على الغلاف"نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس. بيد أن اسم تادلة الذي جرى على لسانه بعثر كل أوراقه، وكان له وقع خاص في نفسه. وفي لهفة انتفضت لها جوارحه، كمن تفاجئه بكسرة خبز وهو في ذروة السغب والظمأ، ردد متسائلا في همس وهو يتفرس في محاوره بعينين منزعجتين:
    ـ تادلة؟ ألست من أقرباء السيد كوستي بائع قطع الغيار في الكانتنات؟
    رد فيليب مزهوا:
    ـ إنه أبي! فهل تعرفه يا هذا؟ (وأومأ ببنانه صوب الشيخ الناقم) وذاك الرجل غريمك يقيم هو الآخر في تادلة، ألم تسمع به هناك؟ إنه يدعى السيد باطيش صاحب ماكينة الدوم في "زمكيل"!
    اشمأز بدر من ذكر الغريم فلم يعره اهتماما ثم أجاب برزانة مشوبة بالحذر:
    ـ ومن في تادلة جميعها لا يعرف السيد كوستي التاجر والمقاول وصاحب الضيعة الحمراء..؟!
    وقاطعه فيليب معددا بعض ممتلكات أبيه: ولنا كذلك ضيعات في آيت علي ومجاط ، أما الضيعة الحمراء فهي مقر سكنانا..
    لازم الفتى بعض الصمت ساخرا من لسان محاوره المتعالي، وأشاح بوجهه صوب النافذة عن يمينه كأنما يروم تعليق الحديث والتلميح إلى الرغبة عنه، أدرك ذلك فيليب وتنبه إليه بحكم فراسته فآثر تكسير الصمت ليعيد إلى نفسه الاطمئنان ويجنبها مذلة الصد، فقال:
    ـ آن لك أن تأخذ قسطا من الراحة، فالرحلة متعبة والحديث لا ينتهي..
    جعل بدر يسبح ببصره في هذا الفضاء المترامي ونسائم الأصيل المحملة بأريج الحقول تنساب غبر زجاج النافذة فتداعب أنفه وسائر حواسه. ابتهج من ظلال الأدواح السامقة، والتلال الشامخة تبسط أرديتها السمراء هنا وهناك حتى لامست الصخور الصلدة الناتئة وأطفأت وهجها. ولاحت صوادح الطير سابحة في الأجواء كأنما تعبر عن فرحة أسير فك عقاله.. ما تزال الراحلة تجد في سيرها وقد اجتازت عوائق المنعرجات، وبدا الطريق مستويا تحاصره ضيعات المعمرين من كل اتجاه؛ فهذه ضيعة المعمر لوفراني التي لا يحدها النظر وقد انتصب منزلها ذو السقف القرميدي الأحمر وسط مزارع القمح والحنطة، وتلك جهة اليمين ضيعة "شارل" وقد بدت في شساعتها كبحر تسبح في أعاليه آلة حصاد تلتهم السنابل التهاما ولا يظهر منها سوى مقصورتها المربعة ، وهذا القطيع من البقر الهولندي الحلوب منبثا في الأرجاء يلس التبن والقش وبقايا الجذوع هادئا مطمئنا.. ما فتئ بدر يتملى عبر الزجاج في فردوسه شبه المفقود، فيعوج بنظراته على حقل يانع محاذ للطريق الرئيسي وقد اشتغلت في مركزه وجنباته رشاشات المياه، والمعمرة سالينا تتجول في أنحاء روضها العطر على صهوة حصانها. تفاجأ الركاب بالسائق يكبح جماح الحافلة على حين غرة فاسحا المجال لفلاحة مسنة تجوز الطريق، ما تزال تهرول وراء أتانها المحملة يقلل ماء مجلوب من بئر نائية.. ظل بدر مشدودا إليها عبر النافذة المشرعة، حتى إذا انحرفت جهة كوخ منتصب هناك في الأحراش عند قدم الجبل رجع إلى وضعه العادي، وضحك من ثقل الهمِ حتى اغرورقت عيناه!! في هذه اللحظة استفاق فيليب على سعلة كثغاء شاة مبحوحة ندت عن الشيخ باطيش، رفع عينيه إلى ما وراء النوافذ وهتف بغير إرادة مخاطبا بدرا السكران بغير سكر: ها هي ذي ضيعتنا! وذاك منزلنا، أنظر.. حول بدر بصره إلى حيث أشار الآخر وكانت نظراته تعكس كل معاني الخزي والنقمة، فماذا يرى؟ إقامة الضيعة الحمراء رابضة هناك ولا يكاد يرى منها إلا بعض نوافذها المشرعة وسقفها المزدان بالأجور الأحمر وسط لفيف من أشجار الليمون والزيتون والتفاح والتوت والإجاص، والكل تحصن بسياج من سوامق الصفصاف والسنديان المنتصبة في شموخ كأنها المردة..
    وجه بصره نحو محدثه ونطق في صمت مرير: تلك مزرعة لوفراني تحاذيها ضيعة شارل وحقل المعمرة سالينا، وهذه مزرعتكم وهذا مغناكم، فقد رأيت! وبآيت علي ومجاط ضيعات لكم وقد سمعت، ولكن مالي ألفاك كالحمار يحمل أسفارا؟ وإلا فما رأي ماركس وكتابه ذاك؟ وما قول نقابتكم في هذا الجشع السافر؟ (لنا هذا وهذه وتلك وهذا..) ومن أين لكم هذا؟ عجيب والله أمركم، وأغرب ما فيه لغزكم المحير! ثم تحرر من بحر خواطره وخرق حجاب وجومه مستفسرا:
    ـ ولم لا تختزل الطريق وتستأذن السائق بالنزول؟
    قال فيليب:
    ـ بل أفضل أن أزور والدي أولا فنطمئن على بعضنا كما اعتدنا، وفي المساء نروح إلى الضيعة على متن سيارتنا الخاصة..
    قال ذلك ولاح في عينيه اهتمام كأنما تعبران عن رغبة ملحة، ثم ما لبث أن تحرر لسانه من أسر التردد فاستطرد مفتعلا ابتسامة: وددت لو أتشرف بمقابلتك يوما فنواصل الحديث ونتبادل الرأي والمشورة.. أسعدني الجلوس إلى جانبك والاستئناس برجاحة عقلك وصريح قولك، أنا الذي لم أتخذ من بني جلدتي خلا ولا ندا، ولكن الصدفة خير من ألف ميعاد، فهل تمانع في أن نضرب موعدا للقاء؟
    لم يكن بدر يتوقع هذا الطلب وإن آنس من الشاب قربا لاعتبارات استخلصها وهو يجس النبض ، فانتهى بألا خطر منه يحدق، وأغلب الظن أن انتماءه النقابي وكتاب "نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس الذي لا يفتأ يقلب صفحاته من حين لآخر، وأباه الشهير بالسيد كوستي في قلب حي الكانتنات، كل ذلك قمين بجعل فيليب في منأى عن الشبهات.. كان بدر يستعيد هذه الهواجس حين جذبته المساكن والبنايات متناثرات، الأمر الذي ملك عليه نفسه وجوارحه فعجل في الرد من دون حسم:
    ـ سوف نبث في الأمر ونقرر حين نصل..

  2. #12
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    أحس بدر بلذة عارمة انفعلت لها نفسه وخفق فؤاده حين لاح أمام ناظريه وجه الحياة النائمة وراء نهر أم الربيع المنساب، شعر بشوق جرفه نحو دنياه الفسيحة الأرجاء، نحو منشأ الصبا بأفراحه وأتراحه وملتقى آله وأخدانه. كانت سطوح الدور ـ كما يعاينها جميع الركاب ـ متلاصقة والدروب ضيقة تستقيم وتنحرف ثم تعلو وتنخفض وهي تعزف نغمتها الرتيبة وتجتر طقوسها المعهودة وتكتوي بلظى عزلتها. وفيما وراء ذلك السور العتيق ـ سور القصبة الإسماعيلية ـ بدا حي الكانتنات في كامل أبهته وأوج نخوته، شوارعه الرحبة تمتد في نظام متناسق وقد اصطفت على جنباتها سامقات النخيل فأضفت باخضرار جريدها حلة زاهية على المكان. وتلك المغاني كما تلوح من وراء الزجاج تكللها تيجان من قرميد أحمر وأخضر وتحفها أسوار من إسمنت تدلى منها اللبلاب والياسمين، وبين هذا وذاك لاحت مئذنة شاهقة في قلب المدينة، وغير بعيد عنها مئذنتان أثريتان قامتا بين أسوار القصبة الإسماعيلية.
    غير بعيد عن متجر السيد كوستي بائع قطع الغيار وقف بدر وفيليب ـ وكانت الحافلة قد وصلت نقطة النهاية بعد لأي ـ واندمجا في حديث ثنائي. كان فيليب يتكلم والبشاشة تعلو محياه، وقد بدا بقامته المائلة إلى قصر ممتلئ الجسم بض اليدين، ازدان وجهه الأبيض بعينين عسليتين وأنف قرمزي، ولحيته السوداء المشذبة بعناية تغطي سائر الوجه ولم يبد أثر لشفتيه اللتين غرقتا في شعر اللحية الكثيفة والشارب الكث، وآية ذلك كله شعر أسود ناعم انسدل حتى وارى قذاله. وأما بدر فقد أسند ظهره إلى عمود كهربائي وشبك ذراعيه إلى صدره وحقيبته الجلدية بين ساقيه. كان زيه حقا مواتيا بشرته المائلة إلى سمرة، إذ أخذ يرفل في قميص صيفي أبيض شفاف أبانت فرجته عن شعيرات تناثرت في صدره، وسروال أزرق داكن وحداء أسود لامع. كان شعره الفاحم متموجا لصلابة شعيراته وقد مشطه إلى خلف فلاح من الوجه الحالم عينان سوداوان اتسعت حدقتاهما. كان الجو في هذه اللحظة لطيفا تتخلله من حين لآخر نسائم ساخنة تندر بليلة ليلاء، وجعل الظل يزحف رويدا رويدا حتى كاد يغطي واجهات المتاجر والمخابز والحانات وصالونات الحلاقة والخياطة وأبراج الكنيسة منذرا بالغروب. قال فيليب وقد ارتسمت على وجهه سمات الاطمئنان:
    ـ اتفقنا إذن، سوف نلتقي يوم الأحد في بار مدام جورج!
    اضطرب بدر فعلا لهذا الموعد أول الأمر اضطرابا شديدا حتى كاد يلغيه، فهو لم يعتد أصلا الدخول إلى البارات، لذلك اضطرب خاطره لا رغبة عن الموعد وصاحبه بل أراد أن يبقى كل تواصل لمحض الصدف، ولكن لأمر ما رد وهو يمد يده مودعا:
    ـ فليكن بعد غد السبت..
    **تحرك بدر في بطء يقطع الشارع الطويل حتى انتهى عند مقر قيادة الحاكم "لاكومب". جد في مشيه وهو يعبر الطريق الإسفلتي الترب إلى حي سيدي بوكيل.. صادف في طريقه وجوها كثيرة من معارفه وجيرانه في الحي، وأبرزهم الحسين الدباغ يقود دراجته العتيقة ويحمل على مؤخرتها ما أعد من جلود غنم مدبوغة، وعرضها على بعض زبائنه النصارى في حي الكانتنات. وصل الفتى إلى زنيقة اليهود وانعطف عن يسار أفضى به إلى ساحة السوق، وكانت فسيحة ترباء شبه فارغة إلا من حلقة شعبية أمها سكان الحي والأحياء المجاورة لتزجية الوقت. كانت الحركة والنشاط يحتدان في الساحة طيلة يوم الإثنين فيكتظ السوق عن آخره بما يعرض في كل أنحائه من ضروب السلع، تغزوه جحافل البدو الرحل من القرى والدواوير المجاورة لبيع سمن أو زرع أو شاة، ومن ثم ابتياع ما يكفي لمدة أسبوع من سكر وشاي وشموع، ولا يهدأ فيه تيار السابلة إلا قبيل الغروب. اصطفت في جنبات الساحة المستطيلة خربات من قصدير وحوانيت أعدت أصلا كمتاجر للتبضع، وفي الجانب الآخر أقيم المسجد الأعظم تعلوه صومعته السامقة المشرفة على سطوح دور حي سيدي بوكيل والزرايب وأكواخ حي المرس ومغاني الكانتنات الأنيقة. حول بدر بصره إلى ما وراء ساحة السوق غربا مجيلا إياه في الأزقة الضيقة ودروبها الملتوية التربى، وهذه البيوت المتلاصقة في غير نظام وقد تناسلت كالجراد وتفطرت بعض حيطانها المشرفة على الوادي، وبين الحي والوادي جثا ضريح سيدي بوكيل أبيض كالحمامة، تعلوه قبة مستديرة تطل على النهر وقد ازدان قطرها بثلاث كويرات نحاسية شدت إلى بعضها في هيئة عمودية. لم تلبث عينا الفتى أن استقرتا في ساحة العنطيز، تلك الضفة التي فوق رمالها عبث وتسلى ولها، وفي أغوار النهر المنساب سبح وغطس ومن على قمة تلك الحصيدة أو الربوة الشاهقة قفز فأثارت حركاته البهلوانية، قبل أن ينغمس في أعماق النهر، إعجاب خلانه ورفاق طفولته.. ومن كمثل "دينا" اليهودية الوديعة والجارة بالجنب، حاز السبق في الإعجاب؟ تذكر وهو يتملى في هذه المعالم الخالدة ما تجرعه من مرارة في سبيل دينا!
    ** وهذا الغاب الملتف بأشجار الصفصاف يجذب بصره جذبا فيثير فيه إحساسا كادت نفسه تنفطر من جراء إيلامه.."يا إلهي، هل أنت محاسب مخلوقك الضعيف على كبوات صباه وأفراسه؟" ومهما يكن فقد أثار منظر الغاب في نفسه ذكريات ما فتئت تربض في وعيه الباطن كالبركان لا يلبث يثور مهما طال به الرقاد.. حلقت حوله أطياف الأيام الخوالي وذكر فيما ذكر يوم شخص دور العريس بينما تقمصت دينا دور العروس، وكيف شيعه أترابه الشياطين في زفة انطلقت من جنب الوادي إلى ضريح سيدي بوكيل، وأطلقوا حناجرهم على السجية بغناء طفولي برئ وأهازيج شعبية من موروث حيهم ـ حي سيدي بوكيل طبعا ـ ثم انتصبوا وراء السور مشغلين آذانهم، حتى إذا خلا الجو لسلطان زمانه انقض على فريسته مجسدا دوره الرجولي في عبث الصبيان، وكاد يصيب الهدف لولا صياح الصبية المحتد ومقاومتها الشديدة. والحق إن هذه الزلة كلفته أبهظ الأثمان؛ إذ ما نزل عليه من العقاب في بيت أبويه كان أفدح وأفظع، على جسده الذي زخرفه السوط حينا وبطنه الذي بات على الطوى آونة إلا من كسرة خبز وجرعة ماء لا تبل غلة، وقد ألقي به في المربط فكان رابع البغلين والحمار وراء حائط ربضت خلفه النعاج. وإن ينس فلن ينسى غداة ألقى به أبوه في جوف"الطارمة" مخزن الحبوب فقضى يومه في ظلمة كجوف كهف حتى كادت رائحة الشعير الحائل تخنق أنفاسه، وأما الحشرات السارحة في كثبان القمح فلم تشفع له هي الأخرى زلته، إذ أذاقته فنونا من اللسع قضت مضجعه.. ولم يمض غير شهر على حادث دينا حتى عاود عبثه الطفولي، وكان الضحية هذه المرة حيزون ولد رحمة اليهودية الشقيق الأصغر لدينا، فقد اختلى وصحبه به في ساحة العنطيز وأصروا على ختانه كما زين لهم خيالهم القاصر، فنزعوا تبانه وباشر بدر مهمته مجسدا دور خالي إسماعيل الحلاق، بيد أن هذا الأخير كان يستعمل مقصا كبيرا من القصدير السميك كلما استدعي لختان صبية الحي، بينما استعمل بدر قطعة من حديد صدئة أحدثت جرحا غائرا في قلفة اليهودي فولى إلى بيت دويه ينزف دما...واستعاد من الذكريات ما كانت في إبانها مضحكة مسلية وأمست مع مر الزمان مخجلة مبكية، ذكر وهو سيد الفرقة وزعيمها بلا منازع يوم كان يشرف على طابور العصر كما كان يسميه، يحافظ على نظام جنوده، من صفوة رفاقه وخلانه، ويحرص على كبح جماح كل متنطع خرق الحدود فيه.. فهذا عمر ينتظر دوره على أحر من الجمر فتراه مشرئبا بعنقه نحو باب خربة كانت مأوى للعنطيز الأحمق فهجرها، حتى إذا لاح له شبح يهم بالخروج تقدم في رغبة جامحة، فانجحر من دون أن يمهل المسكينة حتى تسترد أنفاسها! كان الله في عونك يا حمارة عمي بوشتى!.. غير أن بدرا الذي أبت نفسه خوض غمار اللعبة القذرة ما لبث يتألم وهو يستعيد المهمة التي أناط نفسه بها وتجشم أتعابها من دون أن يعي تبعاتها. ألم يكن حريصا على ضبط نظام الطابور؟ ألم يتصدى يوما لحميدو الكسلان الذي ركب رأسه عصر يوم وتعجل دوره متجاوزا "حقوق" الرقاب المتلهفة؟ بلى وقد حدث هذا وكان، ولكن كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف الدهر والأوان.. وقف بدر يتملى شاخص البصر إلى الضفة الأخرى للوادي وقرص الشمس ينغرس في الأفق البعيد رويدا .. كان بعض صغار الفرنسيين يحجون إلى الربوة كل يوم أحد على دراجاتهم أو صهوات خيولهم من مساكنهم المحيطة ببناية السد، فيصطفون جنبا إلى جنب يتسلون بصيد السمك وفي أيديهم قصبات الخيزران، وآخرون آثروا القنص فصوبوا بنادقهم إلى الأرانب الراتعة في البراري المحاذية.. لم يكن أبناء حي سيدي بوكيل في الضفة المقابلة يأبهون للباسهم الأنيق، ولا تثيرهم وسائل ترفيههم الحديثة بقدر ما أثارهم وأحرجهم ما انطبع في نفوسهم من كون أولئك مجرد غرباء سقطوا بالمظلات وجاءوا ليسرقوا منهم الضفة والوادي، ذلك ما أشعرهم بدونية ممضة أكلت قلوبهم ونغصت عليهم سويعات اللهو والعبث، لذلك لم يلفوا من وسيلة يثأرون بها لأنفسهم سوى أن يعكروا هم كذلك على الدخيل صفة المتعة ويسلبوهم لذة الصيد والقنص.. أذن فيهم الزعيم بدر بصفارته العاجية فتركوا ما هم فيه من غطس في الماء وتراشق بالرمال وصيد العصافير، وأمسك كل واحد بحجرة تنفيذا للأوامر ثم جعلوا يقذفون بها قذفة رجل واحد إلى عرض المياه القريبة من الربوة فينزعج السمك ويفر، وتضيق صدور النصارى شماتة وغيظا ولم يتورعوا بدافع عصبية مقيتة جبلوا عليها في إثارة حفيظة أبناء الحي، فجعلوا يرددون جميعا في لهجة محلية ملتوية أدرك الآخرون رسالتها: " يا أولاد الزبالة.. يا وكالين النخالة وشرابين الغسالة" وفاضت نفس مراهق نصراني آخر حنقا فصوب بندقيته إلى الجمع بالضفة المقابلة وتصيب رصاصة طائشة يد أعز خلان بدر فتتسبب في بتر إصبعه، وينتفض باقي الرفاق كالعصافير المذعورة فيولون من الباغي فرارا بجلودهم صوب ضريح سيدي بوكيل يحتمون به.. دمعت عينا بدر فأوقف هذا الشريط وهو يسرح ببصره في عرض مياه النهر، ولم يبق للشمس في هذه اللحظة من أثر سوى تلك الأشعة الدامية التي تلوح في الآفاق النائية وقد عفرت بأديمها الوردي أديم الغيوم البيض ولبس الكون رداء أسمر.. بدت له الربوة والضفة والوادي ومن خلفه الضريح والحي وسائر الأهالي ليثا معطوب الساق من عضة ذئب غدار، وبدون شعور همس في خشوع.. لا تحزن أيها السقيم فسوف ينمو شعرك ويكبر وتعافى الساق وتجبر.. ولست في ريب من مناعتك فهي وحدها كفيلة برأب الصدع، وحينئذ ستتربع على عرش العرين شامخا مهاب الجانب.. سوف تكسر بنابك من غلوا جناحيك وتبقر بطون من راموا إذلالك، أنت الذي تأبى الإذلال وتأنف العيش دون ذرى الجبال.. فلا عاش رعديد آثر تركيعك واستباح إهانتك. في هذه اللحظة أتاه شخص من خلف فأوقف تيار أحلامه إذ أطبق على سائر رأسه بساعديه وغشي على بصره بكفيه، أخذ بدر يمرر أنامله على ظهر الكفين المطبقتين حتى إذا لامس الأصابع قاده خنصر مبتور إلى تحديد هوية صاحبه، إذ ليس في معارفه وأهله من بتر أصبعه سوى ولد المخزني فصاح على التو وقد أسعفه حدسه: عرفتك! أنت؟ حسام؟ على وجه السرعة أزال حسام يديه عن وجه بدر وشرع في عناقه وتقبيله مرددا في نفس الوقت: طابت عودتك.. والله لقد وطأت الحي أهلا .. ثم انطلقا متشابكي الأيدي نحو الدرب وهما يجوزان ساحة السوق عرضا. والحق إن بدرا كان لحسام خلا حميما وصديقا طيبا عزيزا، وظل على مودته حريصا، لم يحل يوما اختلافهما في الطبع دون تجدر أواصر الصداقة بينهما، تلك الصداقة التي نسجت تلابيبها في مدرسة النصارى المختلطة بالجهة الخلفية لساحة السوق، التحما وهما غلامان يافعان حتى استويا شابين ناضجين. كانا يسيران وقد توازى قدهما حتى ليخالهما الناظر توأمين، عطفا نحو رأس الدرب وحسام ممسك بحقيبة صديقه غير أن منظرا مفاجئا شدهما وأثار فيهما غريزة حب الاستطلاع..

  3. #13
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    لم يغب سر هذا المشهد عن بال بدر، درى كنهه ولزم مكانه هادئا رزينا شابك الذراعين إلى صدره مرسلا من عينيه نظرات ساخرة، في حين راح حسام يشرئب بعنقه مهتما حتى هوت الحقيبة من يده واندفع خطوة إلى الأمام كمن يتأهب للكر لولا أن أمسك بدر بتلابيب قميصه الأصفر.. كن ثلاث بنات يسرن في خيلاء، رافلات في فساتين حريرية شفافة انحصرت عند الركبتين وراوحت بين أزرق وأحمر وأسود. كانت طلعتهن البهية تنم حقا عن رفاه ونعمة، تتقدمهن فتاة تجد في المشي مهرولة بنعلين مرقعين كشفا عن قدمين متشققتين من خلف، وقد دلت ملاءتها الرثة التي لفت جسما شبه نحيف أنها لا تمت بصلة لعالمهن المتميز. لا ريب في أن وجهتهن كانت أول بيت قائم يسار الدرب غير بعيد عن حانوت خالي إسماعيل الحلاق وخالي سلمان السفناج. ما يزال بدر وصاحبه يتعقبان بأعينهما خطواتهن في اهتمام.. وصدقت الفراسة ولم تجانب الظنون صوابا، طرقت قائدتهن الباب ودلفن تباعا.. ضحك بدر في نفسه وهمس بازدراء لصق أذن مرافقه التائه: غريب أمر هذا الزمان الأعرج! أمسى بيت الوزانية محجا للمسلمة والنصرانية واليهودية! والحق إن حسام لا يعرف من أمر الوزانية فتيلا، وإن كان يراها جالسة فوق عتبة الدار من حين لآخر كلما يمم شطر الدرب، تكالبت عليه الظنون وانتابته الوساوس فبادر مستفسرا:
    ـ ومن تكون الوزانية هذه؟ أليست خياطة، وهؤلاء الفتيات في عداد زبائنها؟
    كان بدر ينتظر أن يثير حسام موضوع من اهتزت لرؤيتها جوانحه ، ولكن لا شيء من ذلك حصل ربما أجفل الملسوع متعمدا لسبب خفي.. حسام ـ كعهد صديقه به ـ فتى وسيم ثائر ولا شيء يطفئ لظى ثورته سوى أن يرى سهام عينيه تخرق صدور عذارى الدخيل.. حسام خبير في إغراق أشباه نادين في لجة من هوى خادع واهم، ولكن يبقى لذات الفستان الأسود رأي آخر، فرد متهكما:
    ـ لم يجد هؤلاء سوى الوزانية تفصل وتخيط! ما أغرب ظنونك! وهل تعرف من أمر الزائرات شيئا؟
    والحق يقال إن حسام كان يعرف أن من بين الحسناوات واحدة انتفضت لها جوارحه وخفق فؤاده حين مد عنقه يستطلع وكبح بدر زمام اندفاعه، وقال هامسا في أذنه: ذات الفستان الأحمر هي نادين بنت ماريوس صاحب البار، وليست ذات الفستان الأزرق سوى مونيكا بنت الحزان في زنيقة اليهود، (وأضاف وهو ينظر إلى عيني صديقه ليرى ما سيتركه القول الفصل في نفسه وعلى سحنته من الأثر) ولعل من تزهو في ثوبها الأسود الشفاف هي أحلام بنت الفتاك ترجمان الحاكم لاكومب!
    كان لذكر أحلام وقع كالسهم في نفس حسام فابتلع ريقه ودارى دهشته وتساءل:
    ـ وما الداعي لمجيئهن إلى دار الوزانية؟
    لم تخف على بدر خافية على الرغم من غيابه عن الدرب طيلة أيام الدراسة، كانت أخبار حسام وأحلام ودقائق خصوصياتهما، فضلا عن حربه الضروس على بنات الدخيل من فصيلة نادين، جميعها تأتيه عبر البريد من الدار البيضاء إلى فاس، إذ بها يتسلى ليلا من عناء تحصيله وفيها يجد عزاء لغربته. أدرك بحدسه أن انفعال صديقه من ذكر أحلام يخفي أمرا عجبا، فعجل بالرد ساخرا مشفقا:
    ـ وهل جئن لشيء غير قراءة الطالع؟
    قال حسام وعيناه لم تحيدا عن الباب حيث يتوارى الهدف الموجع:
    ـ قراءة الطالع؟ الوزانية إذن قارئة فنجان؟
    ـ بل فناجين وأكف ورمال وما يشتهي المظلوم والمجنون والمغبون.. يا للعجب أنت بمنزلة واحد من أبناء الدرب ولم تفقه من أمر المرأة سرا!
    كان حسام فعلا مدمنا على زيارة الدرب منذ ارتبط ببدر واتخذه صديقا حميما، كان يجد في مجلسه اطمئنانا وفي قربه أنسا وكلما ضاقت أنفاسه أو توترت أعصابه طار إلى رفيق دربه يسأل الحلول ويلتمس العزاء وينشد السلوى. إنه ملاذه الذي إليه يهرع وظله الذي به يتفيأ، وهو الحبيب إلى قلبه المطلع على خزائن نفسه وخبايا مكنونه ماعدا سرا يضمر آلاما مبرحة؛ آلام الخلع الكامنة في النفس كالجمرة. أليس حسام خليع أحلام وطريد جنانها؟ حقا سقطت في شراكه واقتنصها كما اقتنص أخوات لها من قبل ولبت نداء عواطفه، وازدادت الألفة تماسكا والعواطف التهابا لما وجدا نفسيهما غريبين يلتمسان المعرفة بإحدى ثانويات الدار البيضاء، بيد أن نزقه وطيشه غيرا وجهة المركب وأمسى من يومه مكتويا بلسعات الهجر..
    عاد حسام يحمل الحقيبة التي سقطت أرضا حين باغته المشهد وسأل:
    ـ ومن تكون الرابعة التي كانت تتقدمهم:
    ـ إنها فطوش بنت الحوات..
    وفي اندهاش تساءل حسام:
    ـ أخت عمر؟
    أجاب بدر في حسرة:
    ـ فعلا هي بحدها وحذافيرها.. ألا قاتل الله الفقر..
    استأنف الشابان مشوارهما صوب الدرب بيد أن حيرة حسام وما يعتمل في صدره من الاضطراب أوعزا إليه أن يختلس نظرة إلى باب الوزانية.. تأكد لبدر أن مرافقه أسكره الهول فخاطبه في هدوء يطبعه الجد والرزانة:
    ـ سوف أنتظرك مساء الليلة بدارنا.. سوف نتناول وجبة العشاء والرفاق سويا..
    وتسلم بدر حقيبته وصافح صديقه مودعا فواصل السير نحو الدار في خطى وئيدة وأذان اغرب يغمر الأجواء.. كان يجيل النظر في البيوت المبلطة بالجير الأبيض وقد تلاصقت جدرانها القائمة في خط متواز مع الحائط المشرف على الروضة التي امتلأت عن آخرها بالقبور..

  4. #14
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    أمسى الدرب في هذه اللحظة خاليا إلا من صبية يركضون عابثين ويلاحق بعضهم البعض، وعند نهاية السور انتصب شخصان يتحادثان تارة ويستطلعان آونة مترقبين في اهتمام.. وما إن وصل بدر إلى بيت دويه وهمَ بالطرق على الباب حتى أخذت السواعد تلوح من بعيد، ولكن دون جدوى، واضطر أحد الواقفين لرفع صوته بالنداء.. تأكد بدر من مصدر النداء وهوية المهتمين فولى ملبيا النداء..
    هتف أحدهما مغتبطا مادا ذراعيه لاحتضان الضيف الرفيق:
    ـ يا سبحان الله! لقد تنبأت لمقدمك وأخبرت هذا الواقف بجانبي.. سله ينبئك يا بدر(والتفت إلى زميله ) لماذا أنت صامت يا عصام؟ أما قلت لك إنني ظللت طوال اليوم أمط شفتي وأغرس فيهما أسناني؟ (وحول وجهه إلى الضيف الرفيق وأفرج عن ساعديه استعدادا لعناقه فصاح).. والله يا بدر لقد خيم علي هول حضور الغائب...
    رد عصام وهو يتأهب بدوره لتحية صديقه العائد:
    ـ إي والله لحق.. لقد صدقت فراستك يا غالي!
    وجعل الشمل يلتئم من جديد، وليس غريبا أن تدمع العيون ويطفح التأثر في الوجوه من حرارة اللقاء.. حقا تباينت الأفكار واختلفت الطباع ولكن اندمجت المشاعر واتحدت الأفئدة فكانت مجمعا للمحبة والصفاء. توجه الفقيه الغالي إلى بدر وخاطبه بلهجة لا تخلو من عتاب:
    ـ لو عرفت ما خلق غيابك في الدرب من طفرة وفي الأفئدة من شوق لأشفقت من حالنا ولو ببريد يريح خواطرنا (واستطرد في استنكار هزلي) هل أنساك فينا رفاق فاس يا فاسي؟
    وأضاف عصام في لهجة لا تعدم تعريضا وقد التفت إلى الغالي كأنما يذكره: ورفاق الدار البيضاء يا هذا!
    رد بدر وقد بدا في ضحكته كالمستعطف:
    ـ معاذ الله يا عمي يا غالي.. لو عرفت أنت كذلك حدة الظرف العصيب الذي حتَم علي الغياب لبكيت لحالي (والتفت إلى الآخر مزيحا الغطاء عن تعريضه) لا يا عصام لا تسئ الظن بحسام وأحلام فكلاهما يسبح في بحر الهم والوهم..
    لم يكن غياب بدر عن مدينته ودربه ومجمع رفقته يتعدى الشهر، بيد أن ظروفا سياسية وعلمية فرضت عليه حالة الاستثناء وقيدت رحلته إلى دويه ومنبته.. وحمد الله في النهاية أن توج الغيبة بما أحرز من توفيق في مساره الدراسي؛ عاد الفتى متوجا بشهادة الباكالوريا من ثانوية مولاي إدريس بفاس وشهادة تقدير من إدارة القرويين.. وعلم عصام والغالي بالخبر السعيد فتوالى العناق والتقبيل عربونا للمحبة والتقدير.. وما يزال الفقيه الغالي يردد.. هنيئا لنا جميعا يا بدر.. إنه لفوز مظفر وشرف لنا جميعا.. فلا تؤجل حفل النجاح..
    ابتسم بدر وقال في أدب: ستبدأ مراسيم الحفل من ليلتنا هذه.. أنتما مدعوان لحفل عشاء بدارنا.. اتصلا بالأخ عمر..
    واستأذن بالانصراف فانصرف مذكرا بموعد اللقاء...
    قامت غرفة بدر في الواجهة الشرقية على سطح دار دويه ولا يفصلها عن نهاية الدرب سوى دار رحمة اليهودية، والداران كلتاهما تشرفان على روضة الأموات المنسية. عسعس الليل وغشي الدرب وما يحيط به ظلام دامس تكسره أضواء النجوم المزهرة في السماء، ولاح الضوء خافتا من النافذتين المشرعتين على الطريق الفاصل بين الدار وسور الروضة. في هذه اللحظة أقبل الصحاب جميعا فصعدوا الدرج إلى الغرفة في أمان ماعدا واحدا مرق إلى فناء الدار ليجابه ظلمة حالكة لم يهتد معها إلى عتبة المصعد المفضي إلى السطح، فقبع في مكانه درءا لخطر زلة أو اصطدام، وجرى لسانه في صوت مهموس بما تيسر من كتاب الله الحكيم.. وسرعان ما انفرجت الأزمة وخفت المحنة بإقبال سادس الرفاق متأخرا كالعادة وأنتشل الفقيه من جوف الظلام. فرشت أرض الغرفة الفسيحة بحصائر من أصيل الدوم، وعلى جنباتها بسطت الزرابي المزركشة والوسائد الصوفية، وعلى المائدة المستديرة في الوسط وضع طبق محاط بشرائح الخبز. وعلى طاولة في إحدى الزوايا صفت ضروب من الكتب وصنوف من المجلات. إنها مأوى بدر ومقر إقامته بلا جدال، أعدت له بعيدا عن إقامة الأسرة وإسطبل البهائم في الطابق السفلي، لا يلجها أبوه ولا أمه إلا بعد استئذان وبالأحرى أخته صغيرة الأسرة ووحيدتها. إنها ملتقى الأنداد وملاذهم الذي إليه يهرعون إذا عز الملاذ، كانت جلساتهم تطفح بسديد الرأي وعبثه وحلو النكتة وسافلها، وجرت العادة بأن تفتح الجلسات بما يقدم من شهي الطعام. إنها عادة متأصلة في سائر الدار، دأبت عليها السيدة حليمة أم بدر حتى اشتهرت في أوساط جيرانها ومعارفها بالسيدة الكريمة المؤمنة؛ لا تبخل على طارق باب أو مستجد عابر سبيل بما تيسر من عطائها وما ملكت يمينها، حتى رحمة اليهودية الجارة بالجنب تصلها العطايا مدرارا، وما أكثر العطايا من قمح إبان حصده ودرسه ولبن بعد دره . ولا غرابة إذا اعترف رفاق بدر بأنهم مدينون للسيدة الكريمة، مدينون لليد التي تسخو وتجود واللسان الحلو الذي يوقع في آذانهم أنغاما تنبع عطفا وأمومة.. وانهمك الصحاب في تناول ما قدم من طعام، فقال عمر وهو آخذ في مضغ اللحم بشراهة جرت عليه الأنظار ساخرة:
    ـ عجبت ولله لرجل يلتهم اللحم والبطاطس ولم يستطع الاهتداء إلى العتبة المؤدية إلى ساحة الغنيمة هذه!
    فطن الفقيه الغالي لهذا التعريض المكشوف ورد في أدب:
    ـ كثر الله خيرك وزاد من أمثالك..
    وتمادى عمر في التحرش على سبيل الإثارة فلغط:
    ـ أنا صاحب الفضل عليك ومخرجك من الظلام إلى النور..!
    واكتفى الفقيه بأن ردد في صوت مهموس: أعود بالله من الشيطان الرجيم وحسبي الله ونعم الوكيل..


  5. #15
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    ألقى عمر بعظم بعد أن عراه عن آخر وامتص ما بجوفه، وانقض كالهر على عنقود من عنب أسود فراح يزدرد حباته في لهفة ونهم ثم قال:
    ـ يعلم الله ما خلفه فراقك من ألم في نفوسنا.. يا ما أعمانا الشوق لغيابك يا أخي بدر!
    جعل حميدو الحلاق يدس يده في طبق الفواكه، والتفت إلى بدر بوجه شاحب وفم اتسع فضاهى فم ضفدعة بعدما تحرر من وجومه الذي فرضه الطبق الدسم وقال ساخرا كأنما يرد على غريمه:
    ـ هل في نفسك ألم الفراق أم ألم الجوع الذي ظل يفتك بأمعائك؟ وهل حقا أعماك شوق بدر أم شوق اللحم الذي تفترسه بلا هوادة؟
    لم يجد عمر من بد سوى أن يدفع عن نفسه الإهانة، فرد وقد تناثر العنب من فمه شظايا:
    ـ بورك فيك يا بن الخيمة الكبيرة، خيمة الخدم والحشم! خير لك أن تغلق فمك.. أما قلت لك مرارا إنه لا أحد مطلع على قهرتكم سواي؟ وهل تنكر أنكم تصبحون في كوخكم الحقير على القهوة الكحلاء وخبز الشعير؟ أما شكوت إلي مرارا وقلت إن العدس والباذنجان ألهبا أمعاءك؟.. أرحنا من نتانة فمك لا أراحك الله، وعوض الباذنجان وتين النصارى باللحم والعنب..
    كاد عصام وحسام ينفجران من الضحك ما خلا بدرا الذي انشغل والفقيه الغالي في حديث ثنائي، ولم يعرا اهتماما للسجال المعهود بين عمر وحميدو على الدوام.. في هذه الأثناء اربد وجه بدر وارتسمت على أجفانه سمات الجد والوقار كأنما يؤذن بإيقاف اللجاج الهازل. كان ذلك فرصة للسيد الغالي كي يسمع صوته، فتوجه إلى المتبارزين عن يمينه والمتفرجين عن يساره، وقد ضرب كفا بأخرى حتى كادت طاقيته البيضاء تسقط لولا أن أرجعها بمنشة من الدوم ما فتئ يطرد بها الحر، فقال:
    ـ وحدوا الله يا إخوة واسمعوا أتابكم الله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" فردد الحاضرون "صدق الله العظيم" .. أخونا بدر عاد اليوم مظفرا من عاصمة العلم!.. فما أجدرنا اللحظة بأن نعوضه تعب السفر بلذيذ السمر.. إنه والله لأشد حماسا ولهفة لسماع ما جد من أحوال حينا! أعفوه ـ عفاكم الله ـ من الإحراج بهجين الكلام وسافل اللجاج، ورددوا معي "اللهم أدم عليه موفور العز والظفر واجعل فوزه وشاحا يزين صدورنا.. وهذه النعمة التي شملنا بها ـ والفضل للسيدة الكريمة ـ جعلها اللهم حسنات تمطر أجداده الراقدين هناك في الروضة الجارة.." والفقيه حين يرفع أكفه بالدعاء يغمض عينيه ويبدو كمن يتهيأ للبكاء، فيجعله ذلك عرضة للتفكه والتندر. وصدرت أولى ردود الفعل الاستهجاني من عمر، لقد أثاره هذا المظهر فأوحى إليه عالمه الخاص أن يندمج في ضحك مهموس وعيناه الذابلتان لا تبرحان الفقيه.. وأما حميدو فقد أسند مرفقه على وسادة واضعا كفه على خذه ومدد ساقيه النحيلتين حتى لامستا رجلي عصام، فقال:
    ـ لشد ما برع لسانك في ترنيم الأدعيات يا شيخنا! (والتفت إلى عصام وحسام مومئا إلى عمر في غمز مكشوف).. وباسم هذا المسكين المحروم زد لسان فقيهنا ترنيما حلوا عذبا حتى تبقى النعم في بطوننا دافقة..
    كف عمر عن ضحكه ولم يتأخر في صد الهجوم فخاطب غريمه:
    ـ أما كفاك ما لكت من لحم طير وغنم؟ لم يبق لك ما تطمع فيه سوى لحوم البغال الجاثية في المربط أسفل.. لا ريب في أن الجان الذي أصابك بمسه قاطن في مطبخكم! أنت صريع المطبخ إذن! ( وحول عينيه ناحية القوم وهتف ملء حنجرته.. أغيثوا الرجل واحملوه على وجه السرعة إلى الفقيه المجنون بالزرايب ليصرعه.. وإذا اقتضى الحال فإلى بويا عمر مارستان المجانين التقليدي في قلعة السراغنة.. انظروا إلى الجوعان يهذي بلا حسيب ولا رقيب كلما انتابته نوبة من مس الجوع..
    كاد عصام يختنق من شدة الضحك فغير مجرى الحديث الهزلي العابث وتساءل مستنكرا كأنما يرد على الفقيه الغالي:
    ـ ماذا جد في حينا غير المآسي المطردة نمسي عليها ونصبح ونتجرع كؤوسها المرة زعافا!
    تدخل عمر وكان في هذه اللحظة مكبا على لوحة من خشب يقص عليها مخدر الحشيش ويهرسه فيحيله دقيقا، وقد عكس ضوء الفانوس الشاحب وجهه العريض المنتفخ الخدين، فأضاف:
    ـ فعلا لا جديد يذكر إلا ما كان من موت أحمد الخضار شنقا في غياب أهله! ووادي أم الربيع الذي ابتلع روسي ولد الباترون باطيش..
    تغيرت ملامح بدر لدى سماعه اسم "باطيش" وتساءل مستقصيا عن الحادث الأول:
    ـ ولم فعل أحمد الخضار في نفسه هذه الفعلة النكراء؟ أب لستة ينتحر؟ يا لفداحة الأمر ويا لهول المأساة!
    قال عمي الغالي والمنشة تتحرك في قبضة يده:
    ـ إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور...
    ولم يتأخر عمر في التعقيب فاستطرد:
    ـ شاع في درب سيدي بوكيل بأن فضله ورأس ماله أقبرا في بيت رابحة أم السنان القوادة في حي بو ذراع.. ولما عجز عن دفع الضائقة عمل عساسا في حي الكانتنات، بيد أنه طرد قبل أن ينهي أسبوعا، إذ ضبطه مبارك الشرطي نائما أكثر من مرة.. لجأ إلى مكينة الدوم يسأل عملا، لكن الباترون باطيش رده على أعقابه لتقدمه في السن.. وحصل ما حصل!..

  6. #16
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    استوى عصام في جلسته وقد شعر بوخز الإبر يجرح مشاعره، وأخذ العبوس ينتشر كالغيم الداكن على صفحة وجهه فقال:
    ـ كل ما عرفناه من المآسي طيلة غيابك يهون يا بدر، وليس أهون منه ما تجرعناه، إنه أقوى من أن تحتمله الضمائر الحية اليقظة!
    ردد بدر في خاطره مستغربا "أقوى من أن تحتمله الضمائر الحية!" فكر في أن يطلب من حسام تدوين كل النقط الحساسة التي أثيرت ـ وما تزال تثار ـ في محضر خاص لتدرج في جدول أعمال لاحق، بيد أنه تريث مرجئا ذلك إلى نهاية الجلسة، فتساءل والاهتمام باد على محياه:
    ـ أية مصيبة تجرعتم في غيابي يا عصام؟
    ـ بل مصائب قوم يا بدر!
    كان عصام عصر ذلك اليوم الصيفي القائظ عائدا إلى بيت أهله بعد فترة استجمام بالوادي، فأثاره مشاهد غريبة عطلت حركة رجليه ولبد في مكانه يتابع أطوار مشهد لا يخلو من مسحة تراجيدية.. طوابير من أشباح إنسية انتظم فيها الرجال والنساء والعجائز من ساكنة بوذراع والزرايب وسيدي بوكيل ودوار المرس.. يحملون الأقداح والقدور في انتظار نصيبهم من الحساء أو الرغيف والأرز والسكر.. وزحف إلى عين المكان جيوش من البدو على ظهور بغالهم وأتنهم. كانوا أشد لهفة لانتشال بعض الفتات من حق مغصوب سحق الجفاف في قراهم الزرع والضرع. واستطرد عصام وقد رفع رأسه إلى بدر الهائم.. كانت الطوابير كمائن لاصطياد من يعتبرهم الحاكم مارقين وساخني الرؤوس. خمسة رؤوس تلقفتهم يد الشرطي سرحان من فعل وشاية المدعو علاف النادل بقهوة الجبلي وحادة القوادة بحي الزرايب.. اقتيد الضحايا إلى مقر الحاكم وسلموا إلى حلاق خاص سارع إلى جز شعرهم بشفرات غير حادة ودهن رؤوسهم الصلعاء بمادة القطران، ومن تم قام سرحان والشيخ عزام بتطويفهم في حي الكانتنات ثم اقتيدوا بعد ذلك إلى زنازين انفرادية بالسجن المحلي.. وزاد في إيذاء مشاعري منظر رجل ضبط مندسا في الصف يبغي مضاعفة نصيبه من المؤونة إلا أن يدا سوداء هوت على عنقه كالحدأة وانتشلته من الطابور في جذبة هوى على إثرها أرضا وهوت عليه أقدام سرحان وعزام بالرفس واللكم.. بعيد هذه الصولة توجه الشرطي في زهو وخيلاء إلى من لا يزالون ينتظرون أدوارهم، وكان عددهم يزيد عن الثلاثين تم تصنيفهم في زمرة المغضوب عليهم بوشاية من علاف. وسرحان الشرطي طويل القامة، ذا جسم نحيل وسحنة سوداء تبرق فيها عينان لاحت منهما شرارة من نار، وكشف فمه عن أسنان متهالكة نخر جلها السوس، فقال بلهجة عنيفة "خبروا يا كلاب هل هذي وجوهكم أم أقنعة استعرتموها؟ كيف سولت لكم نفوسكم الخبيثة التي سينخرها السرطان، أن تعصوا أوامر السيد لاكومب ولي أمركم المطاع وخادم فرنسا المطيع؟ ما سر امتناعكم عن رعاية خنازير الحاكم والسهر على إطعامها وتنظيفها؟ هل نسيتم خير فرنسا يا وجوه الشر؟ (وصاح ملء عقيرته والقائد وزبانيته يميدون برؤوسهم مزهوين)..أجل، فرنسا التي خذلتم ممثلها وجئتم مطأطئي الرؤوس تسألون من أرزاقها ما تملئون به بطونكم الضامرة! أين نخوتكم التي أبنتم عنها حين امتنعتم عن المشاركة في أشغال إزالة الحجارة من ضيعات القائد صالح والترجمان الفتاك وتشجيرها؟ لم دستم على تلك النخوة البلهاء وجئتم تتوسلون من فرنسا الطعام بلا حياء؟ فرنسا يا قوم نضب ما على موائدها من العلف.. وأيسر ما تكفرون به عن عصيانكم أن تردوا الاعتبار لسيادة الحاكم والقائد والترجمان، والشروع من الآن في إنجاز ما يوكل إليكم من الأشغال إلى أجل غير مسمى.. واقتيد القوم إلى مقر الحاكم، ومن ثم شحنوا كما تشحن الماشية في عربة تجرها البغال تحت لفح الحر..
    لم يكن حسام غائبا عن سيناريو حدث مماثل نسجت خيوطه على مرأى منه، ولعب فيه سرحان دوره الجنوني المعتاد، فأوحى إليه الحشيش المقصوص، والذي كان عمر من حين لآخر يزوده به، بأن يعيد أطوار المشهد الرهيب كما عاينه، فتحرر من ربقة صمته وقال:
    ـ ما روعني وأنا بصدد الخروج من حديقة مغنى الحاكم، سوى منظر سرحان الشرطي وقد أطبق بكلتا يديه على عنق غلام يافع ثم أوقعه أرضا بركلة عنيفة وشرع في رفسه بلا هوادة!.. وعرفت فيما بعد بواسطة أبي، أن الغلام المنكل به لم يفر لحظة رؤيته الشرطي سرحان يجوب الشارع في جولة روتينية على متن دراجته الهوائية..!
    بدت سمات الانزعاج ترخي ظلالها على وجه بدر وتوجه إلى عصام مخاطبا:
    ـ وماذا حصل للرجل الذي ضبط مندسا في الصف بعد التنكيل به؟
    أجاب عصام متأسفا:
    ـ حمل مباشرة على ظهر حمار إلى مستوصف النصارى بالقصبة.. إنه عمي سلمان السفناج في الحي!
    راح بدر يتساءل في أسى مكين ونبرة مؤلمة مستعيدا مرددا في ذات الوقت ما جاء على لسان سرحان: "أين نخوتكم التي أبنتم عنها؟ لم دستم تلك النخوة العوجاء وجئتم بلا حياء تتوسلون الطعام من فرنسا؟" وابتسم ابتسامة من أثقل الهم قلبه، وتضاعف إحساسه بالألم الباطني كالمنشار يحسك أمعاءه، فأضاف كأنما يقر بواقع مخزي: كل ذلك العذاب المهين لإزالة الحجارة من ضيعات القائد صالح والترجمان الفتاك، وإطعام خنازير الحاكم وتنظيف مرابطها..! (واستطرد والرفاق ينصتون مهتمين إلا عمر الذي انشغل بالحشيش المقصوص يزيل ما علق به من الشوائب برأس سكين).. تالله لمن المؤسف أن نستطيب الطعام ونحن معرضون كل الإعراض عن التفكير بالجياع الذين يعجزون عن سد الرمق بمثل عشر الأعشار مما نستطيع! أين القوم المنكل بهم من نخوتنا وغيرتنا على الجوع يا إخوة؟
    انتفض حميدو الحلاق من مكانه وقال معرضا بعمر المنهمك في أخذ نفس من السبسي المملوء كيفا:
    ـ مصائب قوم عند قوم فوائد يا أخي يا بدر!
    فقه عمر على التو ما يرمي إليه الآخر فنطق:
    ـ يا ما أزعجنا نقيق هذه الضفدعة يا رب! (واستطرد وقد نفخ في فوهة السبسي بعدما قذف بالرماد جانبا) خلنا أن عام الجوع ولى منذ خمس سنوات!
    قال بدر محتجا:
    ـ ولماذا حكم على المنبوذين والمهمشين في حي سيدي بوكيل والزرايب وبوذراع بأن يؤدوا ضريبة الجوع من سواعدهم وعلى حساب أعراضهم؟ كل ذلك والحاكم متماد في بطشه وسرحان في وعيده وتوعده، وكأن ما ألحقه بالقوم من مذلة لم يشف له الغليل.. يا ويلهم يفعلون ذلك وكأنهم يبتهجون بإحياء ذكرى "عام الحلبة"

  7. #17
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    وعام الحلبة واحد من السنوات العجاف، وفي عز الحرب الثانية التي ظلت تسحق العالم بلا هوادة.. أجل تسرب لهيب الحرب الظلوم، وشحت السماء، وأمسى حي سيدي بوكيل وما جاوره فريسة لطاعون المرض والجوع.. نفذ ما تبقى من مخزون القمح والشعير من بيوت المعوزين، حتى متوسطو الحال من ساكنة الدرب داهم مطابخهم مارد الجوع، ولم يبق فيها مدا واحدا من دقيق.. انفردت في الحي عائلة السيد عبد الحميد الراضي والد بدر.. حقا سمح له وضعه ـ كموظف بإدارة الأملاك المخزنية ـ أن يقتني بعض الفدادين بثمن بخس، سومة فرضها زمن المجاعة وشرارة الحرب، ولم يجد مالكوها من وسيلة لرأب صدع الجوع سوى عرضها للبيع بأفدح الأثمان، بعد أن أطلقوا سراح حميرهم وبغالهم الهلكى من جوع..
    رفع عمر رأسه وبدت عيناه محمرتان، وهو لا يكف عن الضحك من فرط ما علف من مخدر"الكيف" فقال:
    ـ أبعد الله عنا رياح الحلبة يا بدر.. (والتفت ناحية حميدو وركز فيه نظرات، فقه الآخر أنها تلوح لماض أغبر أسود، وتضمر استفزازا وشماتة أفدح وأمض، فلهج).. كان الله في عونك يا حلاق، أنت أولى برفع أكف الضراعة لإبعاد شبح الحلبة..
    قال الفقيه الغالي:
    ـ كيف كانت أحوال ساكنة الدرب في عام الحلبة؟
    رد عمر كالمتأسف:
    ـ لم ننس يا غالي طاحونة الموت التي ابتلعت نصفهم.. بالغوا في أكل الحلبة حتى نبضت دماؤهم..
    وأضاف بدر:
    ـ ومن تداعيات الحرب والجدب استشرى مرض حمى لعين حصد أرواح الصبية والشيوخ..
    آثر عمر صرف الحديث عن مساره الجاد كعادته حين يروم سبيل الدعابة، فقال:
    ـ ما عرف الفرنسيون والله للحلبة طعما! أذكر يوم كنت الساعد الأيمن لأبي شفاه الله، طيلة أعوام الحرب، وكنا نعرض الأسماك على الزبائن في حي الكانتنات.. هل تتصورون كيف كانت خياشيمي تنتعش بأريج ما تعبق به الأجواء؟.. غير بعيد عن مخبزة المعمر كورسيل، وبار ريجينا، وماريوس ومسيو جورج، تعبق روائح الخبز والحلويات الزكية.. ناهيك عن أريج العطر والسجائر والخمور! والحق أقول بألا رائحة للحلبة تذكر.. ولا مرأى لمريض يتأوه من حمى حارة قاتلة..
    ورام إثارة من في المجلس فتمادى في غيه واستهتاره، وإن كان لا يقصد إلا لبسط بعض الأنس والفرجة احتفاء بعودة قنديل الجماعة المظفر وشرع يملأ السبسي ويضحك كما أوحى إليه عالم الكيف، فواصل).. والله لم تعرف الحلبة لبطوننا مسلكا.. كنا طيلة تلك السنة السوداء نعيش كالنصارى في بيتنا! لم تكن مائدتنا تخلو من خبز لامع كالذهب.. ناهيك عن الجبن والكوكا كولا ومصبرات الزيتون والمربى!
    قاطعه عصام وخاطبه بلهجة الساخر المتكلم:
    ـ ولكننا ما اعتدنا أن نشم فيك سوى رائحة الحوت التي آذت منا النفوس الأنوف!
    نزلت هذه اللهجة بردا وسلاما على حميدو، وشفت منه الغليل؛ كيف لا، وهو الفتى الذي عانت أسرته ما عانت طيلة سنوات الحرب والحلبة؟ فقد أودت الحمى اللعينة بجده وأصغر إخوته.. وما يزال الاصفرار يلازم سحنته.. ألم يستفزه عمر ملوحا بضحكه الماكر؟ لذلك قال معرضا كأنما يخاطب عصام، بعد أن وجد ذريعة ليشفي غليله:
    ـ رائحة الحوت النتن و(البكاك) اللعين؛ ذلك الطعم ذي السر المكين!!
    تحرر الغالي من وجومه وتساءل:
    ـ ما سر هذا البكاك يا أخانا؟
    أجاب حميدو ضاحكا مشفقا:
    ـ خير لك ألا تعرف طبيعة (البكاك) يا شيخنا! فلو عرفت السر ما بقي في بطنك مرق ولا لحم وعنب!
    آثر الفقيه الصمت ليجنب سمعه ما لا يطيقه من سافل القول ورديء الكلام.. ولكن عمر طاب له أن يحول اتجاه سهم الاستخفاف والإثارة إلى الفقيه، فخاطبه:
    ـ لم تسأل عن أحوال الدرب زمن الحلبة وتتستر عن أحوالك؟ (وصمت كمن ينتظر جوابا على سؤاله، لكن بدون جدوى، فأخذ نفسا من الكيف واستطرد).. ولكنك كنت في مأمن من الحلبة بلا ريب! ألم تقل لنا يوم عدت من زاوية سيدي الزوين إن الطلبة كان لهم هناك نصيبهم من الفطائر والثريد؟ (وصمت برهة ثم واصل) ولكن الفضل لشيخ القبيلة الذي انتشلكم من براثين الحلبة!
    أجاب الفقيه إجابة ضج لها الرفاق ضحكا:
    ـ زن كلامك يا لئيم.. فكلامنا لفظ مفيد كاستقم..
    تحرك بدر من مكانه وبش في وجه الفقيه، فخاطبه متحمسا:
    ـ لقد هيجت أشجاني يا غالي! فما أكثر ما كنت أستعذب هذا المطلع من الألفية، لما كان الشيخ سيدي أحمد الفاسي يخوض في شرح ابن عقيل! ثم أهاب بعمي الغالي أن يردد وإياه هذا المقطع سويا، فجعلا ينشدان والأكف توقع في هدوء ونغمة تساير إيقاع المنظومة:
    كلامنا لفظ مفيد كاستقم ** واسم وفعل ثم حرف الكلم
    واحده: كلمة والقول عم ** وكلمة بها كلام قد يــــــؤم
    اندمج عمر كغيره بسائر جوارحه، وأسعفه المخدر فراح يميد برأسه مغمضا عينيه كمن دخل في نوبة تخشع، حتى إذا كف الرفيقان عن الإنشاد اندفع مبديا إعجابه:
    ـ تالله ما كنت أحسب أن شيوخ القرويين وسيدي الزوين يعلمونكم ويحفظونكم مثل هذه الأمداح النبوية!
    لحسن حظه لم يسمعه إلا عصام وإلا غدا أضحوكة حميدو والغالي، فاقترب منه وهمس في أذنه: احذر أن يسمعوك.. هذا نحو وليس مدحا..
    كان ذلك سيكون مسك ختام جلستهم، ولكن بدرا يحمل من الهموم ما لا تستطيع طرائف عمر، ولا نوادر حميدو أن تخفف من عبئها أو تحد من غلوائها.. هموم من وحي الجلسة جديرة بأن تشغل باله وتحظى بأولوية بارزة في جدول الأعمال المرتقب.. راحت الصور البغيضة محملة برموز الشر وأمراء الاستكبار تتلاحق أمام ناظريه كوميض برق يؤذي الأبصار.. أول ما عنَ في أفق الخيال الباطرون باطيش.. وتوجه إلى الجلوس مخاطبا، واضعا إياهم أمام واقع مر وحقيقة دامية عاش أطوارها في الحافلة.. حز في نفسه ـ كما حز في نفوس خلانه إذ عرفوا الحقيقة الدامية والنبأ المشين ـ أن يتجرأ الباطرون وينشر غسيل كراهيته على امرأة ذنبها أن رضيعها لم يكف عن الصياح داخل الحافلة.. ورجع عمر إلى عين الصواب ينهل منها، فأشار منفعلا:
    ـ كل عماله وخدمه في معمل الشموع، وماكينة الدوم في زمكيل يكتوون بنيران تسلطه واستغلاله.. شغل متواصل من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، وبأجر لا يفي بحاجة البطن.. ناهيكم عن الإذلال والعسف وسلاطة اللسان..
    أشار بدر إلى حسام بأن يفتتح القائمة بإدراج اسم الباطرون، وتحت لقب مشفر.. واستجاب حسام متحفزا، وانكب يدون.. فتوالت على لسان بدر أسماء الرؤوس، والأهداف المنتقاة؛ سرحان الشرطي والشيخ عزام.. والترجمان الفتاك والقائد صالح، أو المعلم طالح كما اقتضت لغة التشفير.. وأرجؤوا أمر النادل علاف وحادة القوادة إلى جدول أعمال لاحق. وقبل فض الجلسة أصر بدر على وضع برنامج استعجالي، والحرص على تفعيله من الغد.. فطرح بعض الحلول التي من شأنها أن تخفف من وهج الضائقة عن أسر من حكم عليهم سرحان بالأعمال الشاقة في ضيعات رموز الشر وسيئي الذكر، وزرع بصيص من بسمة في وجوه أطفالهم..
    واستهل حسام قائمة البرنامج المستعجل بإدراج أسرة خالي سلمان السفناج، طريح الفراش من تداعيات ما ذاق من سلخ على يد سرحان وعزام... وانصرفوا تباعا حتى لفظهم آخر درج إلى الفناء. في هذه الأثناء قال عمر مستفزا الغالي:
    ـ ألا تذكر؟ ها هنا وجدتك لابدا كمن حاصره عدو فلزم مكانه مستسلما..
    واكتفى الغالي بأن ردد كما فعل لحظة الحادث: أكثر الله خيرك وزاد من أمثالك.. لا أجد إلا أن أدعو لك بالعفو والتوبة النصوح..
    ـ أتوب مماذا يا عمي؟
    ـ من مخدر الكيف.. من هذه البلية التي تحيلك أحيانا إلى ضبع من حيث لا تدري..وانبرى يعظ ويتلو من كتاب الله.. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..صدق ربي العظيم..

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. أَضْوَاءُ القَنَادِيلِ
    بواسطة فتحي علي المنيصير في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 16-04-2018, 05:11 PM
  2. بكاء القناديل
    بواسطة على درويش في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 19-09-2004, 01:54 AM
  3. دمع القناديل
    بواسطة الاسطورة في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 18-09-2004, 03:52 PM
  4. نور القناديل
    بواسطة بن عمر غاني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 14-09-2004, 03:44 PM
  5. عري القناديل
    بواسطة عبدالكريم الكيلاني في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-09-2004, 10:11 AM