أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تمثال الملكة

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 165
    المواضيع : 37
    الردود : 165
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي تمثال الملكة

    تمثال الملكة
    ملكته صارت ملك يديه , بتاجها , بأساورها , بعقود الذهب المتلألئة على صدرها , سطعت في فضائه فأغمض عينيه حذر الموت من شدة الفرح , وحين فتح عينيه لم يجدها , هربت , تبخرت , أخذت الذهب ,وتركت له تاجا من الخرز الرخيص , وحلتها البيضاء الموشاة بخيوط الأحلام.
    نظر حوله , لم يجد لها أثرا , ضاعت , نعم ضاعت ملكته التي أفنى كل ما جمع من المال طوال حياته ليصوغ لها حليا تليق بمقامها , هربت من بين يديه كطيف , كشعاع نور , كومضة برق , أضاءت ما حوله برهة, ثم تركته يتخبط في ظلام مبين .
    أقسم على الانتقام , لكنها حين غادرته أخذت معها قلبه , وما تركت له سوى حقد مدمر في صدره , أين يبحث عنها؟ كيف يبحث ؟ لماذا هربت؟ من أعانها على الهرب ؟ هل يبحث عاقل عن نور تبدد؟
    معرض الفن التشكيلي الذي تتخذه المدينة عيدا لها يدنو , يوما بعد يوم يقفز فوق أوراق الروزنامة, لابد من الاستعداد له , لابد من تقديم عمل بعمق جراحه , عمل يرضي شعوره بالتفوق على كل من عرفهم ومن تعرف اليهم , ذلك الشعور ما يزال حبيس نفسه , لم يعترف به أحد , لا بد أن يقدم للمعرض فنا متميزا , عملا يسحب اعترافهم بتميزه وذكائه رغما عنهم .
    حمل أدواته وراح يبحث , جاب شوارع مدينته , مشط بيوتها , طاف بالقرى المجاورة, لم يعثر على ما يثلج فؤاده , رحل بعيدا الى حيث تسقط الشمس خلف خط الماء , وقف يتأمل : قرص النار ينطفئ في أفق البحر ويترك الأرض نهبا للظلام , أعجبه المشهد , ترك الماء والرمل , وحبا فوق سفوح الجبال بحثا عن ضالته .
    هناك رآها , صفق فرحا ورقص , طاف بها , دار حولها متأملا تفاصيلها, مستكشفا قدرته , كتلة من الصخر الأصم تشكل جزءا من جبل , تحيطها شجيرات حراجية يكسوها زهر أصفر فاقع , يرسل عبقا حادا واخزا , تحمله الريح إلى مسافات كالخيال , تتخللها أشواك أقسى من أحقاده , على قدميها تنبت الدفلى , تجود بزهرها الوردي والأبيض , تنضح مرارة تبعد عنها أسراب النحل والفراشات والأحلام , من حولها صخور تعلوها صخور تعلو صخورا , توقف مشدوها معقود اللسان : هذا فوق ما كنت أبحث عنه , هذه بغيتي.
    رفاقهم يصنعون تماثيلهم من الجص أو الرخام , بعضهم يستخدم الخشب وهش الحجارة , أما هو فقد جعل هذه الربوة مادته , أنزل حقيبته عن ظهره , فرد عدته ليبدأ العمل , هذا الرأس العنيد لا بد أن يذعن لأدواته , وهذا الخصر الترابي المترهل سيستأصله من شأفته , دنا ليخترق سياج الزهر .. وخزته الأشواك الحادة , حاول إزالتها , استعصت , سأل بعض الحطابين من سكان القرية , أجابوه بأن للجبل قانون يحميه , وأعراف لا يمكن تخطيها , عاد لنفسه , أيعجز عن ترويض ربوة وهو الجبار؟ دنا مرة أخرى , اجتث بعضا من أعواد الدفلى , جندلها على التراب , مجردا الربوة من زينتها , ظل يعمل حتى سال العرق غزيرا من كل جسده , وراح يكف على الأرض لينعجن مع ترابها , شعر بالظمأ , قصد أقرب نبع , اغترف غرفة ملء كفيه ماء قراحا ,و رفعها إلى فمه ... مرارة الدفلى الممتزجة بعرق كفيه انتقلت مع الماء إلى حلقه , مج ما شرب وعاد إلى مقره يقتله الظمأ.
    مرة أخرى رجع إليها , الدفلى سياج مر يصعب لمسه , ترك منبت الدفلى ودار حول الصخرة من جديد , اعتلاها عابرا إحدى الثغرات الضعيفة , ووقف على قمتها , شامخا فاتح الصدر كالصقر , راح يتأملها من عليائه بفخر: والآن؟ أما وقفت فوقك ؟ أما صرت تحتي ؟ ما الذي يمنعك من أزميلي ؟
    راح ينقر الصخر بهدوء وصنعة, هذا الرأس العنيد لا بد أن أجعله نسخة من ذاك الذي ضاع , ليتناسب مع التاج الذي أحتفظ به لمليكتي , قاومي ما شئت أن تقاومي فصبري طويل , وأشواكك هناك في الأسفل , لا تستطيع الدفاع عنك , استسلمي , لا بد أن تستسلمي , لأصنع منك عملا فنيا لم تعرف له بلادي مثيلا من قبل .
    الضربات الأولى صدتها صلادة الصخرة , بدل مكانه , أعمل ازميله فوقع على جيب ترابي رخو , نزح ترابه فرحا وانتقل خطوة أخرى , وضع ازميله على جزء أقل قسوة , راح ينحت فيه وينحت , حتى تشكل لديه ما يشبه الوجه , ضربة قوية سددها إلى المنتصف , إلى حيث يفترض أن يكون الأنف , وهو مغرم بتحطيم الأنوف , ضربته هشمت الصخر الهش فتناثر شظايا , انزلقت على السفح واستقرت بين الأشواك .
    الفنان لا يعرف اليأس , رأسه العنيد المعبأ بوهج الشمس يدعوه للمثابرة ,خيال ملكته الهاربة يرغمه على الصبر, المعرض الموعود ينتظر ليعلن مولد أمجاده , رسم للملكة رأسا جديدا , بدأه بشعر طويل معقود للخلف كذيل الفرس , ثم راح يجهد لرسم عينين خفراوين تشيحان غنجا , كان يضرب , وتردد الوديان صدى وقع الحديد فيخالها ترقص معه, تخيل خصرا دقيقا لدنا يتثنى تحت هبات النسيم كأماليد الدفلى , واستدرك ,لا , ليست ملكتي دفلى , ملكتي قصب سكر , وسأل نفسه , هل أكسر أنفها الآن ؟ أم أنتظر حتى النهاية ؟ فلأجرب الآن , ربما تحطم هذا النموذج كسابقه فتضيع جهودي سدى .
    أطال التفكير ثم استقر رأيه , سأتركها هكذا , تفرح بشموخها حتى النهاية , ثم أحطم كبرياءها بتؤدة , مستخدما ذكائي , بحيث أجعلها هي نفسها لا تدرك ما جرى لها , سأستعمل الرقة واللطف في غايتي , وهذه غايتي .
    كان يحدث نفسه بصوت عال ويضحك , ثم يضحك , سمعته الملكة , كان قد رسم لها عينين خاليتين من الكحل وأذنين بلا أقراط , وعنقا عاريا من الجواهر , اشتعلت غضبا , وراحت أطرافها ترتجف ,أتنتقم بي من خيباتك الماضيات ؟ هكذا اذا؟
    انكسر النتوء الذي كان يقف فوقه , فانهار معه وجه الملكة , وانهارت معه أحلامه باجتياح معرض سنوي , كان يطمح للبروز فيه كأهم فنان أنجبته تلك الأرض القفراء , هوى جسده فوق الأشواك الحادة , فراحت تنهش لحمه وتتلمظ بدمائه , وتكومت فوقه حجارة أنقضت ظهره ,هرع الرفاق لنجدته , حملوه إلى المشفى غائبا عن الوعي , ليرقد هناك , على سرير أبيض , مثخنا بالجراح .
    كانت المدينة ترقص مبتهجة بمعرضها , الذي خلا من صورة الملكة , ومن اسم نحاتها , بينما كانت الربوة تستقبل الشمس بوجهها الضاحك , وقد ملأت أمطار نيسان تجاويفها , وغطت ركام الجزء المنهار منها , فسقت بذوراكامنة , لتنبت نباتات حراجية جديدة , ذات أشواك حادة.

  2. #2
    الصورة الرمزية إبراهيم الحسيني قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Apr 2009
    الدولة : المنصورة - مصر
    العمر : 35
    المشاركات : 46
    المواضيع : 6
    الردود : 46
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    الفاضلة أ / ابتسام

    كم يعجز قلمي عن التعبير عن اعجابي بتلك المعزوفة الأوبرالية...
    وكأني أراه بالفعل..وأسمعه يضحك..ويغلي..وأتخيل شعوره وهو يسمع أصوات الاحتفالات راقدا عاجزا في سريره في المستشفى...

    رغم الاكثار من السرد الوصفي الا انني أراها قصة قصيرة رائعة فنيا ، أخذت القارئ في جو نفسي متحد مفعم بالصور الجميلة وانعكاسات بين مشاعره ومرآة الواقع بين صخر وأشواك وزهور واحتفالات...

    قد يكون الانحناء أمام العواصف واجبا لإصلاح ما هدمته وإلا خسرنا أنفسنا وخسر المجتمع اصلاح ما دمرته العاصفة...

    بعد قراءتي لنصكم الجميل أحسست برابط شعوري بن قصتكم وقصتي ( علبة كانز )..ربما لحديثك عن رجل يصارع الحياة...لو أسمع رأيكم في ذك أكون شاكرا...

    لا أملك الا أن أحييكم وأنثر عليكم تقديري واحترامي...

  3. #3
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 165
    المواضيع : 37
    الردود : 165
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    مرحبا بك أخي الكريم
    نعم هناك خيط حريري رفيع يجمع بين ملكتي وعلبة كنز
    البطلان فيهما يعيشان خيالا .. وهما..
    في قصتك علبة معدنية .. هي حقيقة ملموسة ذات جلبة ولو أنها فارغة الا من رذاذ يلوث الأحذية
    وفي قصتي أوهام في أوهام
    ولا حقائق
    شكرا لمرورك الكريم

المواضيع المتشابهه

  1. ** وداعاً أيَّتُها المَلِكَةْ..!!
    بواسطة مصطفى السنجاري في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 40
    آخر مشاركة: 10-05-2016, 08:50 PM
  2. الملكةُ والسحرُ الأسود
    بواسطة د. نجلاء طمان في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 14-01-2016, 06:41 AM
  3. برفقة الملكة ..!
    بواسطة علي أحمد معشي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 09-02-2014, 11:49 AM
  4. تكوين الملكة الإعرابية عند الطالب
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّحوُ والصَّرْفُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 15-09-2013, 04:31 PM
  5. الملكة هى امى للقاصة المصرية جلاء عزت الطيرى
    بواسطة جلاء الطيرى في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 13-04-2006, 09:14 PM