أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 20

الموضوع: محرقـــة السنيـــن

  1. #1
    الصورة الرمزية لمى ناصر أديبة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : زنبقة الروح
    العمر : 35
    المشاركات : 1,415
    المواضيع : 37
    الردود : 1415
    المعدل اليومي : 0.27

    افتراضي محرقـــة السنيـــن

    أناخت نهارها , ليسقط في وعيها بحدة أرعبها ماض ليس ببعيد . لوهلة داهمتها فكرة : لو أنه ينفصل عن كينونتها , يحمل أيامه بكل ما احتوت ويمعن سفرا في اللاشيء
    وحين أفاقت تحسسته يمتد في عروق حاضرها , ويبني عرائش لغدها.
    حاولت أن تكون هادئة , جلست باسترخاء على مقعد طويل , وكما لو أنها حاولت أن تبعد عن نفسها تهمة , حدَّثت ذاتها : إن أي حوار صامتٍ داخلها , أو مسموع , تسمعه هي وتعيه الجدران والمقاعد أكثر مما سيعيه هو , وعلى كلٍ ؛ فما هي فيه ليس محاكمة أو تراكمات من لحظات ندم تتكوم إلى أن صارت جدارا يهددها بالسقوط.
    ضمت يديها إلى صدرها , وأراحت هامتها عليهما , واعترفت - بصدق مرير - بأن شيئا ما , ربما كان في جحيم الكآبة قد شق كينونتها إلى شقين ,
    ابتسمت بذهول للغة التي تحدث بها نفسها , وبدت لها كل حياتها كابتسامتها , بلا معنى.

    تفاجئها الصغيرة وهي تشد طرف ثوبها , تصلب إحساسها بالعبث . هي الآن مع صغيرتها تبتسم بحلاوة لها , ترفعها عن الأرض .. تحملها عاليا...عاليا...تضحك , تقول لها :

    ليذهب العالم إلى الجحيم أنا وأنت سنصنع محرقة عظيمة , ومن خلال الدخان الكثيف وألسنة النار , طفح وجهه , بدا طيبا حنونا, أجفلت للصورة المعلقة بين أهدابها همست لروحها , أجل طيب ، ولكنه غبي ! , ما أصعب أن تعاشر رجلا غبيا !! .

    أنزلت الصغيرة , وضعتها على الأرض , دموعها تنساب كما لو أنها انتظرت هذه اللحظة منذ أمد بعيد , لكن المحرقة بين أهدابها ما تزال تنفث دخانها , ووجهه امتلأ بسواد الدخان , حتى غامت ملامح الطيبة فيه.

    جرس الهاتف أراحها لحظة , أحست بها تحمل من الهوج ما يكفي لحسم الأمر دون أن يكون بمقدورها أن تتاكد أنها ستتحمل النتائج, ودت لو تكون أفكارها مجرد زوبعة مهما امتدت ؛ فهي بلا شك راحلة , لكنها في قرارة نفسها كانت تعي تماما أنها ليست كذلك.

    أغمضت عينيها ، وجاء ذلك الوجه من المحرقة , كانا معا , يستمتعان بمشاهدة التلفاز , بينما أنامله راحت تعبث بشعرها, أريد كوب ماء.

    لم تفهم أو بالأصح أرادت أن لا تفهم ! , قالت مازحة :
    وأنا كذلك أريد , أحضر كوبين بدلا من واحد , لم ترق له الممازحة, بدا متجهما , قامت...أحضرت الماء, جلست في ركن بعيد,كان من السخف أن تدع أنامله تداعب شعرها ثانية.

    ....يغيب الوجه,بصعوبة ترغمه على الغياب, لا تريد أن تستحضر مهاترات كثيرة كهذه . هي فقط تريد أن تؤكد لذاتها وللمرة الألف أنها ليست زوبعة وتذهب رغم وعيها
    ذلك ؛ بل واقع يتحدى كينونتها , والتي تصر أن تبقي أناها في نظر نفسها امرأة لها من الكبرياء ما للرجال من صلف في إصدار الأوامر .
    وبلغة المثقفة علق في رأسها سؤال : لماذا عليَّ ان أغيب إذا أراد هو أن يكون حاضرا ؟ , وبدت لها سلسة تنازلاتها حبلا خشنا منتنا يلتف حول عنقها ! .

    صور تتدافع في مخيلتها , صور مكللة بالغيم والضباب والدخان , ولكن لها حضورها القاسي .. بوضوحه يوم زفافها , يوم تحديها لكل العيون الغبية المستطلعة , تلك العيون
    التي لم تفهم أن الحب يخرج من حساب السنين , كان يكبرها بنحو عشرين سنة , وله من زوجته المتوفاة اربعة أولاد وتدافعوا كلهم إلى مخيلتها , وأحست بفيض من إحساس غامض بوهن حين أطل وجه الصغيرة معفرا بالشقاوة.

    أراحت بصرها على لوحة تحتل مساحة واسعة من الجدار , أمعنت النظر فيها دون ان تميز بين الخطوط والألوان , مضت ساعة والألوان ما زالت مختلطة ببعضها .

    احتوتها المدرسة في صباح اليوم التالي , ارتدت ثيابها بعناية , هواجس الأمس اختفت تحت وطاة الشرح المتواصل وتصحيح الأوراق ، وحكايا المعلمات التي لا تنتهي , لكنها في لحظة لم يخطفها الشرح أو الحكايا عادت إلى نفسها أحست - أو لعلها أرادت ذلك - بأن المدرسة عبء على حياتها , وأن لها ضلعا فيما يحدث من خلاف بينهما , تهيأ لها لو أنها كرست كل حياتها لبيتها ؛ لكان ذلك مدعاة لأن تنال مزيدا من الاهتمام ,كانت الفكرة مباغتة , وأدركت بعد لحظات أنها فكرة غبية .
    العمل جزء من أناها , وأيقنت يائسة أن المشكلة ليست هنا
    أحست بالاضطراب , خربشت بالقلم على أوراق الطالبات..ابتسمت بوجوههن , كيف يمكنني أن أقنعه
    بالكف عن مناداتي لتنظيف حذائه...!

    أغمضت عينيها , المحرقة بدخانها الكثيف ابتلعت الصورة , صوت الصغيرة يندس بين الدخان , يملأ روحها..آه ما أجمل أن نكون معا أنا وأنت فقط .

    أفاقت على صوت الجرس يعلن بدء الاستراحة اجتمعت مع زميلاتها على المائدة .. أكلت بشراهة ، وضحكت كثيرا لكل تعليق أو نكتة قالتها إحداهن , وكانت تسعل إذ تضحك
    فدخان المحرقة كان يملأ الأجواء من حولها !
    تتوق الرُّوح إلى أن تكون في مكانٍ أعظم
    تظلُّ تهفو لمسكنها تهفو كثيرا !

  2. #2
    الصورة الرمزية عبدالله المحمدي أديب
    تاريخ التسجيل : Oct 2005
    المشاركات : 2,148
    المواضيع : 51
    الردود : 2148
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي

    هكذا كانت طفولتها تتوارى أمام
    وهج حروفك .. هكذا كانت تتيمم
    بقائها وتبحث عن نقائها ولكنها
    لم تجد مايمكن أن تسميها طفولة
    فتركت بعض حروفها هنا علها
    تدلها يوما عن مكانها ..

    لمى ...
    شكرا لقلم هذا بوحه ولفكر هذا
    أفقه ... شكرا لتلك الملاءات
    الزهرية التي تغطي السواد
    بدواخلنا المتقطنة ..
    هكذا أعتقد ..

  3. #3
    الصورة الرمزية لمى ناصر أديبة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : زنبقة الروح
    العمر : 35
    المشاركات : 1,415
    المواضيع : 37
    الردود : 1415
    المعدل اليومي : 0.27

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله المحمدي مشاهدة المشاركة
    هكذا كانت طفولتها تتوارى أمام

    وهج حروفك .. هكذا كانت تتيمم
    بقائها وتبحث عن نقائها ولكنها
    لم تجد مايمكن أن تسميها طفولة
    فتركت بعض حروفها هنا علها
    تدلها يوما عن مكانها ..
    لمى ...
    شكرا لقلم هذا بوحه ولفكر هذا
    أفقه ... شكرا لتلك الملاءات
    الزهرية التي تغطي السواد
    بدواخلنا المتقطنة ..

    هكذا أعتقد ..
    سعدت بمرورك أيها الكريم

    على تعب السنين ... كن بخير أيها الندي.

  4. #4
    في ذمة الله
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    المشاركات : 2,240
    المواضيع : 61
    الردود : 2240
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    الأستاذة لمى ناصر

    تتبعت الخيط القصصي ..في هذا النص فوجدت ان الحبكة قد أطرت مضمونه ..

    سلمت ِ..وسلم مدادك ِ

    محبتي
    الفكـرة ُ..العالـية ُ..
    لا تحتاجُ.. لصوتٍٍ..عـال ٍ..

  5. #5
    الصورة الرمزية لمى ناصر أديبة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : زنبقة الروح
    العمر : 35
    المشاركات : 1,415
    المواضيع : 37
    الردود : 1415
    المعدل اليومي : 0.27

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ثائر الحيالي مشاهدة المشاركة
    الأستاذة لمى ناصر

    تتبعت الخيط القصصي ..في هذا النص فوجدت ان الحبكة قد أطرت مضمونه ..

    سلمت ِ..وسلم مدادك ِ

    محبتي
    شكرا لك أستاذي

    على هذا التتبع...أرجو ان يكون ماتعا في عالم القص والسرد

    شكرا لك...تحياتي.

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    الإبنة العزيزة لمي ..فاتنة هي حروفك وهذا النص الذي يتدفق واقعية مفرحة ويغادر دواته ليعانق الناس والأشياء وحتي واجهات البيوت .. سلمت لنا .

  7. #7

  8. #8

  9. #9
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.85

    افتراضي

    قصة متداولة ، تكررت بأساليب عدة ، لكنك باسلوبك جعلتها مختلفة تماما ..
    طريقة الإلتفافية في السرد والارتداد إلى الماضي في لحظة الحاضر لإلقاء المزيد من الحطب في تلك المحرقة ، والتي
    لا تحرق إلا هي ولا يختنق بها إلا هي ، ولا تحاصر إلا هي في لحظات اليأس والاكتئاب ، ولكن أبدا لا تستطيع التخلص منها ..
    مشكلة نفسية اجتماعية تخبطت فيها البطلة ما بين التوق للحرية ومابين القيد الذي لا تستطيع كسره لأسباب اجتماعية
    لها قوانينها ولها ثوابتها وموروثاتها في حالة من التردد والقهر والضعف ..

    أسلوب أقرب للنثر في سرديته لكنه جميل ، أرجحنا بين سحب الدخان ودموع البطلة ، وبين صراعاتها النفسية ..

    الأديبة لمى ناصر ..
    لا شك ستكون لك مكانتك كأديبة هنا كما في أماكن أخرى ..

    لك باقة تحايا وطاقة ورد .
    ودي .
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  10. #10
    الصورة الرمزية لمى ناصر أديبة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : زنبقة الروح
    العمر : 35
    المشاركات : 1,415
    المواضيع : 37
    الردود : 1415
    المعدل اليومي : 0.27

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالغني خلف الله مشاهدة المشاركة
    الإبنة العزيزة لمى ..فاتنة هي حروفك وهذا النص الذي يتدفق واقعية مفرحة ويغادر دواته ليعانق الناس والأشياء وحتى واجهات البيوت .. سلمت لنا .
    وسلم لي طيب مرورك والدي الفاضل

    سعدت بــ دخولك عالم الحيرة والحرية.

    شكرا لك.

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة