أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 36

الموضوع: البوصلة .. رواية جديدة .

  1. #1
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    البوصلة .. رواية جديدة .

    بسم الله الرحمن الرحيم
    رواية البوصلة
    عبد الغني خلف الله الربيع
    الحلقة الأولي


    كل الأشياء تتمرد علي ذاتها ..الصورة القديمة داخل الإطار..قوارير العطر الفارغة والذكريات ..لا شيء يبقي علي حاله .. ثمة تحولات خطيرة تزوّر تاريخ الإنسان وكما الوردة تبدو رائعة فجر كل يوم فإن لونها البنفسجي يتباعد عند الظهيرة .. لكن ما يدعوني للجزم بخطأ هذا الاعتقاد هو صورتك يا (أمل ) التي لا تزال توجع هذا الجزء من قلبي مثل نتوءات من الحصى واللهب ..نعم هو ذا أسمها ..وقفت أمامي في ذلك الصباح الفاتر لأمنحها بطاقة هويه ..فقد كان يتحتم عليها أن تحصل علي هوية قبل أن تجلس لإمتحانات الدخول للجامعة ..نقبت في تاريخها وسألتها عن شجرة العائلة التي تفاقمت أرومتها عبر أجيال سحيقة لتهدي إليّ ذلك التوتر الهائل ..أمل الشيخ البغدادي عثمان..الشيخ البغدادي إ سم واحد ..هكذا كانت توضح لي بعض الأشياء التي تعتقد بأنها علي جانب من الأهمية وهي تحرك أصابعها وتمسد سطح حقيبة يدها ..وطغي الطابع الرسمي علي المقابلة … أسألها وتوضح لي بعض الجوانب المتعلقة بأسرتها ..لم يكن بوسعي أن أمنع نفسي من إصطناع الأسئلة والتظاهر بأن هنالك ضرورة لكل ذلك التدقيق وفي الواقع كنت وأنا أؤدي واجبي لا أملّ التطلع نحو سمرة لونها والتوغل في بحار عينيها ..كنت أسأل وهي توضح كتلميذة نجيبه ..ولكن ما لم تستطع أن توضحه لي ..هو ذلك الإرتباك الذي يزلزل كياني و هذا العرق الذيّ تكور تحت أجفاني وفوق أرنبة أنفي.. ولماذا هي رائعة لهذا الحد .؟ أحقآ هو إ سم واحد ؟..إذن نحن بحاجة لإسم رابع ..ما هو اسم جدك لأبيك ..؟ ترددت برهة واضطرب وجهها وجاش بإيماءات لا قبل لي بها ..تسمرت عيناي في عينيها لدرجة أنني نسيت أصل السؤال ..مكاوي ..الأمين مكاوي ..صوت الرجل الذي حضر معها وقد أسعفنا من التمادي أكثر في تهويمات لا تتناسب وأصل السؤال
    ..مكاااوي ..يااه..كدت أنسي إسم واحد من أهم أجدادي.. السيد مكاوي الأمين مكاوي ..كم أنا غبيه .. قالت ذلك وهي تضحك باتجاهه ..أنت إذن من أسرة الشيخ البغدادي المعروفه..؟ بالطبع ..بالطبع أنا منها ..
    لم يكن الشاهد الذي حضر معها معنيآ بمجريات التحقق فقد كان يهاتف شخصآ ما بهاتفه النقال ..ولم أكن بحاجة لتوجيه أي أسئلة إليه.. وهكذا إنتهت المقابله..وطلبت منهما الإتصال لاحقآ لإستلام الهوية ولم يفتها أن تأخذ رقم هاتفي معها ..الشيء الذي ضاعف من إرتباكي فكتبت الرقمين الأول والثاني باللغة الإنجليزية وبقية الرقم بالعربي وأعادتهما عليّ بالإنجليزية ..
    لم تكن أمل أول طالبة تمثل أمامي تطلب منحها هويه ولكنها علي أية حال لن تكون الأخيرة ..بيد أنها قد ذهبت إلي سبيلها ..نامت أصابعها في باطن كفي كعصافير صغيرة وأنا أودعهما وقوفآ..و باخت في الممر الضيق فرقعات حذائها كالضربات الموجعة في ظاهر الكف ..لقد ذهبت ..نعم ذهبت وكان لا بد أن تذهب ..مثل هذه الأحداث اليومية محتومة ومقدرة سلفآ ..أن تمضي إلي سبيلها وتبقي أنت حيث كنت ..نتيجة منطقية لا تقبل التأويل ..أن تبقي ولا تذهب إرهاص ضد طبيعة الأشياء.

    توجهت نحو مكتب الباشكاتب مامون لآخذ منه كشف التنقلات الذي صدر ذاك الصباح لأعرف كيف مضت الأمور بالنسبة لأبناء دفعتي ..أما بالنسبة لي فقد أخطرني جناب المقدم أزهري بأنني باق في موقعي ..وجدته منكبآ علي بعض الملفات وقد أدار شريطآ غنائيآ تنسرب منه كلمات حانيه.. هذا ما كنت أفتقده بالضبط ..دعوت نفسي علي كوب من الشاي وطلبت منه الملف ..قام من مقعده وهو يدندن بكلمات تلكم الأغنيه ..كان المغني يردد بإنفعال واضح ..(حبيب القلب بالدنيا ..يضيع فكيف ألقاه ) ..كل يبحث عن ليلاه ..إلا مامون ..دائمآ منشرح الصدر منفتح الأسارير..وقلّما تجده يشكو من شيء برغم السنوات الأربعين التي تثقل كاهله ..يرتدي القمصان المخططه ويصفف شعره كصبي يافع ..وعندما تسأله عن عمره الحقيقي يجيبك بأنه لا يزال في سن الثلاثين ..وعليك أن تصدقه فيما ذهب إليه لأن الملفات الرسمية تعطيه عبر شهادة تسنين مهترئة هذا الحق ..هذا الأربعيني الثلاثيني لا بد أنه قد إكتشف دون غيره سر هذا التألق الدائم ..إنها محبة الناس اللامتناهية له وذاك الصفاء الوريف الذي يتدثر به ..وهو لغز محير ..فلا أحد يعرف من أين أتي لهذه المدينة الصغيرة ..فهو لا يغادرها أبدآ ولا يطلب إجازه وإن طلبها فإنه يمضيها وحيدآ داخل منزله الكائن عند الطرف الغربي للبلده ..وعندما زرته لأول مرة أدهشتني بساطة الغرفه ورومانسيتها ..هنالك سرير واحد مصنوع من (النيكل ) ومنضدة عريضة تكومت فوقها مجموعة من الكتب والصحف القديمة وثمة شيء يشبه (ألبوم الصور ) قرب الوسادة الوحيدة سرعان ما دسه تحتها وأنا أتهيأ للجلوس ..إرتبك ارتباكآ مروّعآ عندما وجدني أمامه وأنا داخل الغرفة تمامآ فقد تعمدت إقتحامه بتلك الزيارة المفاجئه التي لم يكن مهيئآ لها ..نعم لا أحد يعلم عنه الكثير وكل ما يمكن الإستفادة من تلميحاته عندما تظلله لحظة حبور عارمه ضحكته المموسقة والتي غالبآ ما تتخللها عبارة ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..فماذا يمكن أن تكون الكنينه هذه يا تري وفي أي مكان هي ؟ !..طلبني جناب المقدم في مكتبه وقدمني لرجل تبدو عليه سيماء الأهميه وكانا قد إنخرطا في ضحك متواصل قبل دخولي إليهما ..وقف الرجل وبقايا قهقهاته لا تزال عالقة بشاربه الكث ..الوجيه إسماعيل..رجل أعمال كبير وصديق عزيز وهو من أبناء هذه المدينه نشأ وترعرع فيها ثم أخذته المقادير إلي الخرطوم ولندن وفرانكفورت وأعادته ثانية مباشرة إلي هنا ..وهو ينوي الإستقرار وبناء حفنة من المصانع ..( حفنة من المصانع.؟) طارق يحدث نفسه وقد سرح بعيدآ ببصره حيث والده الذي يعمل في (خراطة العناقريب) يظل منكفئاً في تؤدة وصبر ودون كلل أوملل
    طوال اليوم وهو يعالج الأخشاب المستعصية ولكن ليس علي والده الأوسطي كمبال ..إذ لا تستطيع أعتاها الصمود بين يديه الذهبيتين لدقائق معدودات ..بيد أنه قد علمنا وربانا أحسن تربيه.. زوّج (البنيات) ، وأشقائي علي وعمار تخرجا من طب الخرطوم وموسي مهندس كهربائي ..ولم يستمع طارق لبقية تفاصيل تاريخ الوجيه إسماعيل وعندما عاد لهما وجد المقدم أزهري قد وصل إلي نقطة ..والسيد إسماعيل من أسرة عريقه وكبيره.. نصفها إستقر في الخرطوم والنصف الآخر تشبث بالأرض هنا ..وفي تلك اللحظه دخل( المراسله) وهمس في أذنه بان شخصآ ما يطلبه في التلفون ..بالإذن سيادتك أرد علي التلفون .كادت السماعة تسقط من يدي ..طارق يواصل السرد ..عندما غمرني صوتها الرقيق وكأنه نفحة من الفردوس ..
    - عفوآ لإزعاجك جناب النقيب طارق ..نسيت أن أسألك عن موعد إستلام الجنسيه ..
    - لن يكون بوسعك يا آنسه أمل ذلك علي الأقل قبل خمسة أيام..
    - كم ..كم ..كم ..!؟ ..(صرخت بصوت فيه شيء من الرفض والعتاب والتتابع) ..كنت قد توقعت أن يكون لديّ عندك خاطر تحرص عليه ولكن يبدو ..
    - أبدآ ..أبدآ وحياتك يا..
    - أسمع .. أنا حأقفل( الموبايل )لأنو مرتضي رجع للعربيه ..وهكذا انقطع الإتصال بيننا..فوقفت لبضعة دقائق مسمّرآ في مكاني لا أكاد أعي شيئآ .
    [/cr]

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثانية
    إنه (بصله ..بصله الأرعن كالعاده يا جنابو ..وماذا فعل هذا المصيبه ؟..مشاجره وتسبيب الأذي ..وهو أيضآ مصاب بجرح غائر في جبهته ..وماذا حدث بالضبط ..هنا تدخل فيصل صديق (بصله ) ورفيقه الذي يتبعه كظله ..في الواقغ تشاجر مع شخص لا نعرفه بعد أن قام بمعاكسة فتاة كانت تسير بقربه وقد اتضح فيما بعد أنها شقيقته هكذا إذن يا بصله صرت (دون جوان ) علي ( آخر الزمن )..ومع ذلك له ألف حق ..من منا لا يأسره الجمال ..بيد أننا نعبر عن إعجابنا به بطريقة لا تخلو من التهذيب والضغط علي المشاعر ..لو أننا نترك مشاعرنا علي سجيتها تعترف بما يجول في خواطرها دون حواجز ..لو أننا نطرح جانبآ ذلك السلوك المتمدين ونقول لمن نحب ..كل ما نريد .. بيد أننا نتلفع بقيود مثل الوضع الإجتماعي وطبيعة العمل ..والجمال يغزونا في عقر دارنا في الأماكن العامه وفي كل مكان ..يأخذ بتلابيبنا ويضغط علينا بلا هواده ..ولا نلقى سوي السلوك الحضاري والوعي العام وبضعة قشور كالثقافه والفكر ..وعندما يجن الليل وتسهدنا أطياف الجميلات نبحث عن تلك الترهات لتحمينا فلا نعثر لها علي أثر ..لو كنت مثل (بصله الأرعن ) جوّال بين الناس والأسواق والبيوت يقول لمن يحب بعفويته المحببه ( أنا أحبك يا فلانه أو أنا أحترمك يا فلان وعندما يسألوه لماذا يا (بصله ) لا يتردد في التصريح برأيه ..يقول لمن يعشق ..لأنك لذيذه وفنانه ولمن يكره لأنك (حوامه وقطيمه) ..قلبه علي طرف لسانه ولعل هذا ما جعله ضيفاً دائماً علي الحرا سه وذاك كان سبب العلاقه الوطيدة التي ربطتني به ..وكلما أواجه بقضية غامضة أو تختلط علي الأشياء أرسل في طلبه وما هي إلا ساعات وتكون كل المعلومات أمامي .
    *******
    ..أمل مكاوي ..أمل مكاووووي ..أيتها الصادحة بأحزاني، المسافرة في عروقي ..من أين جئت ولماذا ؟..وأنت لا تشبهين تضاريس هذه المدينة الصغيرة حيث الليل والنهار والملل ..الصباح والمساء واللاشيء ..أنت لا تشبهين هذا الحر القائظ ولا الغبار ..أمل مكاوي.. لا لا هذا كثير عليّ ..هذه النعومة والإشراق وتلك الهينمات علي الخدين قريبآ من العينين لعلك لم تنامي جيدآ ليلة البارحه ..لا لا هذا كثير عليّ ..و(بعدين ..بعدين يا طارق ) ..إثبت يا رجل وكن رابض الجأش قوي الجانب ولا تضعف ..إن كانت قد أعجبتك تقدم للبيت الكبير واطلب يدها ..وهناك ربما تسنح لك رؤية الشيخ عثمان المكاوي ..شيخ في الثمانين من العمر ومنذ عشرين عامآ لم يره أحد .. يقولون أنه بكامل صحته كثور ..متوقد الذهن كحدأه ..ولسبب لا يعلمه أحد اعتزل الناس ، والمحظوظ من يسمع صوته عبر الهاتف ..كل ما بوسعك عمله وأنت تشتري من مملكته التي تغطي كل شيء هنا أو تبيع أن تتعامل مع محاميه وإبنه الأكبر الشيخ البغدادي والد (أمل ) ..وهكذا يا أملي.. أسوار عاليه وأجواء غامضه تفصل بيننا ..إذن علي أن أطرح هذه ( البطانية اللعينة جانبآ وأنام ..وهل نمت ؟ لا أظن ذلك ..وفجأة يمزق السكون الكثيف جرس الهاتف ..لعله (النوبتجي) يزف إليّ نبأ ورود بلاغ هام.. فالساعة تقريبآ الثانية صباحآ ..وجاء صوتها ناعسآ وهامسآ ..
    • أظنني أيقظتك من النوم ..لا أدري فقد خطر لي ..
    - أمل ..معقول .. أظنني قفزت أو اصطدمت بالمنضدة ..بكل شيء أمامي وصرت أتخبط في الظلام باتجاه مفتاح النور ..سقطت أشياء صغيرة وأخري كبيره مثل كوب اللبن وسطل الماء ..وسادت روحي والغرفة علي السواء فوضي عارمة ..التهدم والتشتت ورعود وبروق عبرت المدي وأطاحت بسقف الغرفة ووجدت نفسي مثل جزع شجرة عملاقة تمردت علي جذورها وحلقت في سماء الأبد أو ربما هي أضواء النيون المستوحشة فوق جدار البهو الخارجي وقد وشحتها سحابة عريضة من الجنادب ..أم أنها الإغماءة والسفر في عيون المستحيل ..أمل مكاوي.. ؟مستحيل..مس ..تا ..حيل ..
    - خطر لي أن أسمع صوتك في هذه الساعة المتأخره ..مجنونه ..مش؟
    - لا طبعآ .. أبدآ ..أبدآ ..أنا سعيد بسماع صوتك ..
    - حتي وأنا أقطع عليك نومه عملاقه فيما أظن ..
    - حتي وأنت ..وهربت الكلمات من فمي ولم أعد قادرآ علي إتمام جملة واحدة ..أمل تكلمني ..بيد أنها لم تقل أي شيء حتي الآن ..هل أصرخ في وجهها وأقول لها أنا ..ماذا؟يا أمل ..ماذا أقول يا ..؟وبعد وقت ليس بالقصير استعدت ذاكرتي وعلمت من أنا ومع من أتكلم.
    وثرثرنا قليلآ في مواضيع عامه وكأن كل واحد منا يضن علي صاحبه بلحظة صدق فيرتاح ..فماذا لو صرخت بأعلي صوتي في وجه هذه الصبية وقلت لها ..ماذا بوسعي أن أقول لها ..بربك قل لي ....وعندما وضعت السماعه ..ساد الغرفة صمت مريب لم ينتشلني منه سوي صوت آذان الفجر .

  3. #3
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثالثة
    إستدعاني المقدم أزهري وأخبرني بأننا مدعوون لشرب قدح من القهوة مع الوجيه إسماعيل بمنزله بالحي الشرقي من المدينه..وأمام البوابة الفخمه تلقفنا ببشاشة لا تصدق ..وقد لاحظت وأنا أتوغل في السراديب وكأن المنزل قد كان مهجورآ لبعض الوقت بالرغم من سيماء الأناقة التي تبدو علي المباني وقد غطت النباتات المتسلقة المكان وطغت علي بعض الشجيرات الصغيرة وآكام الورد ..وكان ثمة عمال يروحون ويغدون في حركة نشطة ..منهم من يعيد طلاء الجدران ومنهم من يراجع توصيلات الكهرباء ..وقد جثمت في باحة المنزل صناديق كبيرة يبدو أنها تحوي الأثاثات ..أثاثات جديدة . .ومن بين هذا الركام أطل علينا وجه رائع لفتاة وقورة ..أنيقة ..مترفة ..وواثقة من نفسها وهي تدفع أمامها خادمة صغيرة وقد أشارت عليها بوضع القهوة في ركن غير بعيد من المكان الذي كنا نقف بالقرب منه ..
    • السلام عليكم ..قالت وهي تفرد يدها وإبتسامة ودودة تضيء وجهها ..
    إبنتنا الدكتوره ندي ..واحدة من الطيور العائده التي ستنضم قريبآ لمستشفي البلد كطبيبة نساء وولاده ..وسوف تلحق بنا في طائرة الثلاثاء والدتها مني وإبني هشام المتخرج حديثآ من كلية الهندسه ..
    سلمت الدكتورة ندي وأنصرفت وقد لاحظت أن المقدم أزهري إضطرب إضطرابآ شديدآ لدرجة أن(الكاب ) ومفاتيح العربة قد سقطوا من يده ..وكان يود رد التحية بأحسن منها غير أنه فشل في إخفاء دهشته من حجم الوسامة التي شكلت الدكتوره ندي ..كانت من النوع الذيّ يعطيك الإحساس بأنك تعرفه منذ أمد بعيد ..وأنه صديق حميم أخذته منك سنين طويلة من الغياب وحين تلتقيه من جديد تخاف منه وتفترض بينك وبين نفسك أن أشياء وحواجز قد قامت بينكما وأن ثمة أناساً آخرين قد صادروا منك تلك الحميمية التي بنتها دواخلك بدأب وإخلاص شديدين وأن التفاصيل الحلوة والدقيقة حصيلة تلك الأيام قد ذهبت أدراج الرياح وقد تشعر ببعض الشجاعة إذ يرتفع (ترمومتر) العواطف لديك بتأثير اللقاء المفاجيء غير المتوقع إلي مائة درجة أو تزيد وتكتشف أنه لدي الطرف الآخر قد تجمد في مكانه أو دون ذلك بكثير ..فتأسف للصورة القديمة بحيويتها الماضية وقد سقطت من علي جدار الذاكرة وتهشمت ..وتتمني لو أنك لم تلتقيه أصلآ حتي يبقي ذلك الوميض الرائع في الذاكرة يذكرك بصديقك الغائب منذ ذاك الحين ..وكانت الدكتورة ندي مفرطة في بشاشتها للدرجة التي تجعلك تتمني لو أنك تغمض عينيك وتجدها وقد ذابت في ثناياك ..بيد أنها سلمت كهطول المطر وغادرت كلألاء البرق ..وما بين إطلالتها وانسحابها طاشت في عقل كل منا تراجيديا من الألم والأمل ..ولم يضع الوجيه إسماعيل وقتآ وهو يصحبنا نحو منضدة القهوة ..فحكي لنا تاريخ حياته وحياة أسرته بتفاصيل دقيقة وممله وبينما نحن نعود لمخفر الشرطة رسخت في أعماقي ما قاله عن ماضي والده (كان الوالد رحمه الله يعمل مديرآ لأعمال مكاوي عثمان المكاوي الجد .)
    *******
    غادرت أمل إلي الخرطوم لحضور مناسبة عرس إبنة عمها ملاذ ..فغادرتنا المدينة إذ غادرت ..وعجبت كيف استطاعت صبية صغيرة كأمل أن تختصر المكان والمجال وقوانين الجغرافيا ..فبعد أن كانت مدينتنا الوادعة في وجودها خضراء متالقة ..فسيحة وكثيرة الثراء ..باذخة الأناقة .. تحولت فجأة بمجرد قراءتي للوريقة التي بعثت بها إليّ مع الخادمة إلي مدينة بلا طعم ..تكلست في سمائها تلك الأنسام الرقيقة وصمتت في زواياها الموسيقي ..لماذا يا أمل ؟..لماذا أنا من دون بقية الخلق من يتحمل أوجاعك ونزواتك ..تسافرين وتغيبين كما تشائين ..تأخذينني في أحاديث طويلة لا تنتهي ..ليوم أو يومين وأظل مصلوبآ لأسبوع كامل والصوت الدافيء لا يجيء لا يجيء ..فلا أملك سوي أن أتمزق ولا أجد سبيلآ للنسيان ..كما تشائين يا أمل كما تشائين

    وكما للسعادة وجوهآ لا تخطؤها العين كذلك التعاسة ..فقد سألني المقدم أزهري ما بك يا طارق ..وسألني الوجيه إسماعيل ..مابك يا رجل وسألتني الدكتورة ندي ..هل تشعر بشيء ..؟ كذلك سألني الحلاق والخباز والمضمون والطاهية ..فهل أقول لهم أن صبية لا تعرف حتي اليوم كيف تمشط شعرها فتدع خصلاتها للريح يفعل بها ما يشاء وأنها تضحك بصوت يماثل رقرقة الماء في الهضاب البعيدة وأنها فوضوية وساحرة ولا تذاكر دروسها كما ينبغي.. قد أورثتني الأسقام والأمراض ..بأن سافرت لحضور حفل زفاف ولعلها الآن في أوج سعادتها ولم تدرك رأسها الصغيرة بأن في سفرها عذابي ..هل أقول لهم وأزيد ..أم أكتفي بأن أحدث كل واحد منهم بأسباب لا تمت للحقيقة بصله ..كأن أقول لهذا إنها الملاريا اللعينة والحمي ..نعم الحمي التي تصهرني دون هوادة أم أغمغم كتلميذ راسب في كل المواد ..أو أتذرع بالإرهاق البسيط ؟ ربما من الأفضل لي أن أكتفي بهمهمات تبعثرها شفاه يابسة ثم ألوذ بالصمت ..أمل مكااااوي ..سامحك الله


    -ماذا حدث يا فيصل ؟ حدثني بدون لف أو دوران ..
    - بصراحه بصراحه يا جنابو ..الحصل أنو مفتش التعاون وصل أول أمبارح ..ودعا ناس الحي الغربي في النادي عشان يكوّنو ليهم جمعيه تعاونيه شنو كده أغراض ..
    - متعددة الأغراض ..وبعدين حصل شنو ..
    - أها الناس إتلملمت الأعمي شايل المكسر ..قام مفتش التعاون خطب فيهم وإتكلم عن فوائد التعاون والتعاون كويس ..
    - وبعدين يا فيصل خش طوالي في الموضوع..
    - ما تصبر شويه يا جنابو ..قام يا سيدي اللمنتي ليك المفتش قال لينا لو في زول عندو سؤال يتفضل ..قامت سميره الأميره سميره الخطيره ..سميره الرايقه المهذبه ست البنات ..س
    - يا فيصل بطل الثرثره ووريني الحصل شنو أو إتفضل أطلع بره ..
    - لكن سميره ما ختت كلام ..المفتش إتلخم ..نان ما قمره عديل وعلي التوب الأخضر.. الخلوق دي كلها سكتت التقول صبت فيها مطره ..
    - لا إله إلا الله ..
    - محمد رسول الله ..خلاصة الكلام ..أنا كنت قاعد قريب من صف النسوان ..قدامي تلاته أولاد أغراب ..سمعت واحد فيهم قال لزملاتو ..الوقت مناسب لتنفيذ التعليمات ..وقام من محلو خطف المكرفون من سميره وقال ناس التعاون حراميه أكلو قروش الطاحونه ..وقام دفر سميره لغاية ما إترتحت ..والعكاكيز إشتغلت ..وشي بالكراسي ..والنور قطع والإجتماع إتفرتق ..
    - التعليمات !!؟ ..تعليمات منو ؟
    نامت المدينة وفي ذاكرتها دوّي ما حدث لمفتش التعاون وهي لا تكاد تفهم شيئآ ..وكانت الشرطة أكثر حيرة من غيرها ..فبعد أن سيطرت علي الموقف ونقلت المصابين للمستشفي بحثت عن الرجال الثلاثه الذين تسببوا في الشغب ولم تعثر لهم علي أثر ..وظلت كلمة(تعليمات ) ترن في أذن طارق يقلبها في ذهنه وهو يتقلب علي فراشه ..
    تري من تكون سميرة هذه التي يلقبونها هنا بالأميره ..إنها رئيسة شعبة اللغة الإنجليزية بمدرسة البنات ..عاشت طفولتها بالخرطوم حتي الجامعه وكانت لا تأتي إلي هنا إلا في العطلات فقط لزيارة بقية العائله ..تحس وأنت تراها لأول مره إحساسآ غريبآ هو مزيج من الدهشة والإنبهار والإعجاب المدمر وتتمني لو أنها تمت لك بصلة ما حتي تجدها أمامك كل يوم ..مطلقه من مليونير خرطومي تعرفت عليه من خلال شقيقته الطالبة في كلية الآداب بتلك الجامعة العريقه ..وكانت هي قد نالت درجة الماجستير وتم إعتمادها في ذاك العام كمعيدة بالجامعة في مادة اللغة الإنجليزية تخصص شعر إنجليزي. و مادة اللغة الإنجليزيه بصفة عامه وكانت لها رؤيتها الخاصة بها حول الشعر والشعراء ..إنها تعتقد فيما سمعت .. بأن الشاعر والقصيدة يتآمران علي المتلقي ويوقعانه في مصيدة المشاعر الغامضة والمشوشه وأن المتلقي يعايش القصيدة بإحساس صادق بينما الشاعر ليس سوي صانع للأكاذيب الجميله ..الشاعر من وجهة نظرها هو مهندس القصيدة والمتلقي هو الساكن الجديد للقصيده ، يسكنها وتسكنه ..وسرعان ما ذاعت شهرتها في الجامعة ..وكانت أينما ذهبت يتحلق حولها الطلبة والطالبات ..وهي مدافعة قوية عن حقوق المرأة وتحفظ عن ظهر قلب كل النصوص المتعلقة بذلك إن كان علي صعيد المعاهدات الدولية أو كان علي صعيد القوانين المحليه وهي تؤمن بأن المرأة السودانية ضحية لمجتمع ساهم بشكل أساسي في جعلها متواضعة وخجولة ولا تعرف كيف تعبر عن نفسها واحتياجاتها النفسية والعاطفية ولا تمارس الرياضة فيؤثر ذلك علي بنيتها الجسمانية والجماليه فهي لذلك تطالب بساحات وميادين خاصه بالمرأة فقط بعدد ما يتوافر للرجال .. وهي تعتقد أن الرجل في كل الأحوال مغرور وأناني ..وعندما تزوجت شقيق تلميذتها الثري الأنيق إعتقدت خطأ أن مظهره الخارجي يعكس إنسانآ متفردآ في فهمه للحياة..بيد أنها إكتشفت بعد شهر واحد من زواجهما بأنه ليس سوي دعّي أجوف ..فطلبت منه الطلاق فلم يتردد في تطليقها بعد أن إكتشف هو أيضآ بأن هذه المرأة أكبر فيلسوفة في القرن العشرين وهو لا يطلب سوي زوجة تطيعه في كل شيء ، تصنع له الطعام وتغسل له جواربه وتعيد أزرار قمصانه إلي موقعها كل صباح ومن ثمّ تنتظره آخر النهار وقد أعادت ترتيب المنزل وأطلقت شيئآ من البخور ..بعد أن تكون قد جهزت وجبة الغداء ..إنه لا يريد زوجة تنكب ليل نهار فوق الكتب وتدفن نفسها في ثنايا المراجع وتقول له وهي منهمكة في القراءة ..الأكل جاهز في الثلاجه ..helpyourself))..لذلك طلقها بمجرد أن طلبت منه ذلك ..فما كان منها إلا أن حزمت حقائبها وغادرت الخرطوم نهائيآ لتعيش في هذه المدينة كمعلمة لللغة الإنجليزية وقد وهبت نفسها ووقتها لقضايا المواطنين هنا ..لذلك لم يكن مستغربآ أن تحظي بمحبة وتقدير الجميع ..ولكن ..تعليمات من ؟ النقيب طارق وقد عاد من تأملاته في شخصية سميره وبدأ يفكر من جديد حول حادثة مفتش التعاون ..أحيانا يصرفه عن التفكير فيما حدث خيال أمل ..يوشوشه بكلام لذيذ ..كلام يتمني أن يسمعه منها ..بيد أنها تبخل عليه بمثل هذا الذي يريد ويبدو أن الهدوء الذي يميز تلك المدينة يخفي في إهابه الكثير من الأحداث الصغيرة والمفاجآت فقد قطع عليه تأملاته شيخ وقور ليبلغه هو شخصيآ بلاغآ جنائيآ لا يستطيع إيداعه مكتب البلاغات ..رحب به طارق وأجلسه قريبآ منه وطلب منه أن يقص عليه الحكايه ..تردد الرجل برهة وبعد مقدمات طويله دخل إلي لب القضيه ..قال له : عدت إلي منزلي بعد صلاة الفجر وفوق عتبة الدار وجدت كومة من الملابس منسية هناك.. أخذتها إلي الداخل وقد خمنت أن شخصآ ما قد جلس فوق الدرج ليلتقط أنفاسه ونسيّ حاجياته وهو يغادر وقبل أن أتوغل تمامآ داخل منزلي شعرت أن ثمة شيء يتحرك من بين ثنايا الملابس .. ناولتها لزوجتي وعكفنا سويآ علي إستجلاء الموضوع ، وفوجئنا بطفل حديث الولادة وقد أصابه البرد والعطش والوهن وكأنه يحاول أن يصرخ فلا يغادر صوته فمه ..دهشنا من شدة المفاجأة التي كان وقعها علينا عظيمآ وأسرعت زوجتي لتأتي بشيء من الحليب تجرعه الطفل بتلهف ينم عن مدي ما يكابده من ظمأ وجوع ..وشيئآ فشيئآ عادت الدماء لوجهه من جديد ونام بين ذراعي زوجتي في اطمئنان وسعادة لا تخطؤها العين ..زوجتي المحرومة من أبنائها المبعثرين في أوروبا والخليج بذرت بين حنايا الطفل كلما اختزنته من حنان طوال سنين عديدة ووسدته صدرها وضلوعها وكأنها أمه الحقيقية وعندما قلت لها سأذهب لأبلغ الشرطه بما حدث بكت بكاءآ مرآ ورجتني ألاّ أفعل ولكن مسؤوليتي تحتم عليّ أن أفعل ..أمرت السائق بتجهيز العربة والكلام هنا لطارق وتوجهت مع ذلك الرجل نحو منزله وكانت أكثر من مفاجأة بإنتظارنا ..إذ تلقتنا الزوجة لدي الباب والفرح يلون وجهها الطيب ..قالت لنا : لقد رضع الطفل ..حضرت فتاة تبحث عن عمل وعندما طلبت منها أن ترضعه لي وافقت وسرعان ما التقم الطفل حلمة ثديها وراح يرضع بدأب شديد ..كانت الزوجة سعيدة بما أنجزت وطلبت مني أن أدع الطفل وشأنه فالخادمة الجديدة سترضعه لها ..دعه لنا يا جناب الضابط يؤنس وحشتنا بعد أن سافر الأولاد في بلاد الله الواسعه ..طمأنتها بأنني لن آخذه منها وطلبت من تلك الصبية أن تتبعني ، وفي غرفة مجاوره سألتها بحزم وإيجاز شديدين ..هل أنت أمه ..في البداية فوجئت بسؤالي بيد أنها سرعان ما استعادت هدوءها من جديد ..لكنها صمتت ولم تنبس ببنت شفه ..أعدت عليها السؤال بشيء من الخشونة والتهديد فجاوبتني دموعها التي انهمرت بغزاره ..من فعل بك هذا ؟ تماسكت قليلآ وهمست في حياء شديد ..إنه إبن السيد .. السيد الذي أعمل عنده …أي سيد ؟ ..(صمت)..أنت إذن لا تريدين الإفصاح عنه ؟ ..لن أتكلم مهما فعلتم بي .. هل علم أحد من أهلك بالأمر ؟ لا ..لا أحد يعلم ..أين منزلكم ؟ ..إنه خارج المدينه ..وتعلم أسرتي أنني أعمل مع السيد في البيت الكبير ..ومن ثمّ عدت من جديد للرجل وزوجته وأخبرتهما أنه بإمكانهما الإحتفاظ بالطفل دون خوف ..وكانت فرحة الزوجة عظيمة ..وأخذت معي الزوج ليوقع لي علي بعض الأوراق ريثما يعود لمنزله من جديد .عدت إلي منزلي وكنت بصدد القيام صبيحة الغد بمامورية هامه لذلك قررت أن آوي إلي فراشي مبكرآ تلكم الليله ..بيد أنني لم أنم ..حاولت بكل ما أملك من خدع وأساليب أستدرج بها النوم بلا فائده وعوضآ عن ذلك فاجأتني ذكريات قديمة ..منها ما أعادني إلي طفولتي ومنها ما أعادني إلي أيام كلية البوليس ومحطات في حياتي هنا وهناك عن بدايات أحزاني وهزائمي وحبيباتي ..حبيباتي ..؟! (أين حبيبات عينيك ..؟..عشت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ) ..هل تذكر عاتكه ؟ إلتقيتها في القطار السريع المتوجه نحو الخرطوم ..كان كل شيء يضج بالزعيق والغبار إلا عيناها ……كانتا كبحيرتين ساكنتين .. تناولت منها حقيبة يدها وساعدتها علي صعود القطار وأفسحت لها مجالآ حيث كنت تجلس والآخرون .. يا للرقة والحياء والوسامة .. والدها كان يعمل بالجزيره وكانت في طريقها لقضاء بعض الوقت مع جدتها بأمدرمان ..كنت تسأل وهي تجاوب بما يشبه الهمس .. أها ..آآها وعندما طلبت منها أن تعطيك عنوانها إعتذرت في تواضع جم وقالت إنها تفضل أن تأخذ هي عنواني ..قلت لها وأنا أضعها داخل عربة أجره .. سأنتظر خطابآ منك يا عاتكه .. وبعد بضعة أيام حمل لي البريد رسالة منها تتكون من بضعة أسطر .. أنا مخطوبه وأحب خطيبي وأتمني لك السعادة في مقبل أيامك .. آه يا ولد .. دائمآ تواجه بالرفض وإلا كيف يكون الرفض إذن ..( أين حبيبات عينيك .؟ عشت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ) ..هل تذكر أنسام ..كانت تكتب الشعر والشعر يكتبها.. فما أعجب من قصيدة تكتب قصيدة ومن شعر يكتب شعرآ ..قالت لك خطيبي يعذبني .. وأنت ألا تعذبينني ..؟ قالت لك نسيني خطيبي الغائب منذ ثلاث سنوات ..فهو لا يكلف نفسه مشقة الكتابة إليّ ..وأنت ألم تنس أن ..ماذا ..؟ لا يا ولد ..يكفيك أنك عشت عصر أنسام وأن عينيك إكتحلتا بذلك السحر الآسر .. بيد أن الخطيب الغائب عاد فجأة وبسرعة غير مسبوقة تمت مراسم العرس وكأن العريس قد إكتشف عندما عاد أي جوهرة يمتلك ..لذلك أخذها وغادرا البلاد علي جناح السرعة ..يكفيك يا هذا أنك إلتقيت ذات يوم أنسام وسبحت في بحار عينيها بالساعات الطوال ..(أين حبيبات عينيك ..؟ عشت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق )..هل تذكر شروق تلك البرجوازية الصغيره ..قال لك صديقك والذي هو في الواقع إبن عمها ..مجنون من يتقدم لخطبة شروق .. من أين له تلبية طلباتها التي لا تنتهي ..فإذا كان والدها الميسور الحال ينفق بلا حدود علي وحيدته ..فماذا يفعل ضابط محدود الدخل مثلك .. ولكنك أحببتها بجنون ..وقد أعطتك أسرتها الضوء الأخضر ..فهيا تقدم يا ولد ..وكنت سأتقدم لولا وريقة صغيرة تركتها لي فوق مقعد عربتي تقول لي فيها إنها علي وشك الإرتباط بمن تحب وهي تخشي إن أنا تقدمت لطلب يدها أن تقبلني أسرتها.. أما هي فسوف ترفض بكل تأكيد .. ساعتها ستسوء الأجواء بينها ووالدها الذي تحبه من أعماقها ولن تسمح لأي كائن كان أن يكدر صفو العلاقة بينهما .. هكذا إذن.. رفض وتهديد .. وكثيرآ ما تواجه بالرفض يا ولد ..( أين حبيبات عينيك ..؟ عشت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ..) ..هل تذكر سلافه ساحرة الوجنات ..ولبني الخائنة ..المخادعة وسكيني بعيونها الجديده ..( بل أين حبيبات عينيك ؟ عشت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق .)
    *******

  4. #4
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    المبدع عبد الغني خلف الله
    استمتعت كثيرا بهذه المروية الرائعة بأسلوبها السلس الشيق وسأتابع حلقاتها بشغف

    تقديري

  5. #5
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    أشكرك علي مرورك المفرح يا ابنتي وعذراً لهذا التوقف القسري ولك ولكل الرائعين بهذا المنتدي الرائع أواصل ..

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الرابعة
    طلب مني المقدم أزهري أن أنضم إليه لنذهب إلي المطار لنكون في إستقبال أسرة الوجيه إسماعيل ..وعند مفترق الطريق المؤدي إلي المطار تقابلنا مع الوجيه إسماعيل وكانت تركب معه إبنته الدكتوره ندي وعلي ظهر العربه لمحت بصله الأرعن وفيصل ..هكذا هما بصله وفيصل ..بإمكانهما القفز فوق أي عربة متحركة دون أن يسألا حتي إلي أين ..فليس وراءهما شيء يفعلانه سوي التجوال ونقل الأخبار وإطلاق التعليقات المرحة علي جميع مواطني المدينه بلا استثناء والحق يقال ..لا يدخران وسعآ في بذل طاقتهما البدنية والذهنية في مساعدة كل من يطلب المساعده وهما يشكلان حضورآ كثيفآ في دار الرياضة الصغيرة ومن ثمّ يعطيان المكان نكهة خاصة فيها المرح وأحيانآ يثيران التوتر فيطردهما الحكم إلي خارج الملعب ويوقع عليهما الإتحاد عقوبة الحرمان من حضور المباريات ولكنه يعود وبعد حين فيرفع عنهما العقوبه عندما يكتشف أن الدار بدونهما ساكنه .. ممله ..عديمة الحيويه ..وهما من ينصب (الصيوان ) ويجهز المكان في مناسبات الأفراح والأتراح و في نفير البناء و قيادة الهتاف والزعيق والتصفيق عندما يزور المدينة مسئول كبير ..أين يقيمان ؟ ..ليس لهما مكان محدد ..فكل منازل البلد مفتوحة وجاهزة لإستقبالهم ولا تتورع الصبايا في الظهور أمامهما بدون ثوب ..فالكل يسلم بهما كأمر واقع مثل الربوة المطلة علي المدينه وشجرة الحراز العملاقة وسط السوق ..لذلك رحب بهما الوجيه إسماعيل عندما هما بالركوب في ظهر العربه فلا أقل من مساعدتهم له في تحميل الحقائب وإنزالها وإعادة ترتيب المنزل بالصورة التي تنال رضاء المدام وقد يعلم الوجيه إسماعيل قبل غيره كم هي ساخره وحاده عندما يتعلق الأمر بنظافة المنزل وترتيبه ..لذلك بذلت الدكتوره ندي مع الخادمه أقصي ما يستطيعان من جهد لإعطاء المنزل الضخم لمسة من الجمال والأناقه ..نثرتا المزهريات هنا وهناك ونضختا شيئآ من عطر الورد والبخور في بهو المنزل وغرفه الكثيره .
    ترجل الجميع أمام بوابة الجناح المخصص لإستقبال القادمين بالمطار المتواضع وظلت أنظار المستقبلين تقرأ الأفق الغربي بحثآ عن أثر للطائره ..وكان بصله أول من نبه لنقطة الضوء الصغيرة التي بدأت في الظهور ..وهو يتقافز في فرح طفولي عارم ..
    تأخرت المدام في النزول إنتظارآ لتدافع المسافرين الذين أرهقتهم المواعيد المؤجله لأكثر من مره مما أضّطرهم للمبيت في مطار الخرطوم ..وأخيرآ أطلت مني وهي تتشامخ كأميره ..وكانت بحق الأكثر أناقة ووسامة من بين جميع القادمات في تلك الرحله ومن خلفها ظهر المهندس هشام وهو يلوح لوالده وشقيقته الدكتوره ندي بأشواق وحب ..وكانت الدكتوره ندي قد حضرت وهي لمّا تزال ترتدي (الروب ) الأبيض الشيء الذي يرجح إحتمال أن يكون الوجيه إسماعيل قد إصطحبها معه من المستشفي مباشرة ..وقد كان طارق يتابع من طرف خفي الإرتباك والتوتر اللذين يسيطران علي المقدم أزهري وقد وجد نفسه وهو يقف علي بعد خطوات من الدكتوره ندي تغمره لمسة رقيقة من عطرها المنساب مع الهواء الطلق في الفناء الواسع أمام المدرج ..
    أخذ المهندس هاشم والده بالأحضان وهو يتمتم ( إزيك يا عم ..كيفك ؟) ..إن لأبناء الذوات هؤلاء عجائب لا يفهمها النقيب طارق ..فالأب ينادي إبنته بال(ماما ) والولد يقول لأبيه يا عمي والزوجه تنادي الزوج ب (يا بابا )..اين (يمّا) ..و(يابا ) ..إنهما أكثر حميمية وواقعيه ..أما المدام فقد إكتفت بتحية مستقبليها بإيماءة صغيرة وأفردت يدها للوجيه إسماعيل تسلم عليه و كانت تمسك بيدها الأخري فيما يبدو لوحة عملاقة داخل إطار فخم تجسد صورة أسد ولبوة وهما يتعاركان مع بقرة وحشية تناضل بشراسة من أجل البقاء ..وكاد بصله أن يسقطها أرضآ وهو يسارع بحملها عنها فانتهرته بصوت عال أطار صوابه ..كانت تبدو رائعه وجميله مع قدر كبير من الأنفة والكبرياء ولا يدري المقدم أزهري لماذا تذكر في تلك اللحظة بطلة الرواية المعروفه ( المرأة أصلها أفعي ).
    *******
    ذهبت إلي منزل الباشكاتب أعوده إذ تغيب عن العمل بضعة أيام وأنا أشعر تجاهه بنوع من المسئوليه ..فلا أحد يهتم به في عزلته تلك ..وجدته في حالة يرثي لها من التعب والأعياء وبدأ لي وكأنه شيخ في السبعين من العمر ..قلت له مداعبآ ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..ولم أكن أدري أن مزاحي معه سيحوله إلي تلك الحاله المفاجئه من الإرتعاش والهذيان بمجرد نطقي لذاك الاسم ..( عمي لا ..يابا الرشيد ..سهام لا ..سهام ..) ومن ثمّ راح فيما يشبه الإغماءة القصيره ..فكرت في نقله للمستشفي بيد أنه أفاق بعد ثوان وعاد طبيعيآ ..( جنابو ..أهلآ وسهلآ ) ..كفاره يا بشكوت أفندي ..ما نمشي المستشفي أحسن ..لا لا ..أنا كويس ..كويس والله العظيم ..وشنو الحكايه ؟ يابا الرشيد وسهام ..إنتفض في ذعر لا تخطئه العين ..معقول وأنا صاحبك ..ما توريني الحاصل شنو ..إنت منو وجيت من وين يا مامون ؟ أرجوك تصارحني بكل حاجه وأعدك بالمحافظه علي أسرارك مهما كانت ..رانت علينا لحظة صمت قاتله و ..في الحقيقه أنا كذبت عليكم فيما يتعلق بشخصيتي وإسمي وحاجات كتيره يا جنابو ..خمستاشر سنه وأنا أحمل إسمآ غير إسمي وأعيش واقعآ مهنيآ لا صلة لي به وكل ما حولي مزور وزائف مع سبق الإصرار والترصد وعلاقتي مقطوعة تمامآ مع أسرتي ..الوالد والوالده وأخواتي وأخواني وكل ناس حلتنا بعد ما زوّرت إسمي ووظيفتي وكل شيء يخصني ..أصابني نوع من الذهول وانعقد لساني من المفاجأه ..يعني إنت ما ..أيوه ..إسمي الحقيقي كمال وأنا خريج بيطره من إحدي الجامعات المصرية وبعد التخرج تقدمت لخطبة إبنة عمي سهام ..لكن عمي فضل تزويجها لإبن شقيقه لأمه وأبيه ورفضني لأن والدي شقيقه لأبيه فقط ..ولأشياء ومشاكل قديمة صاحبت زواج جدي من والدة أبي كزوجة ثانية ضد رغبة أسرته وبالطبع والدته الزوجه الأولي ..هذه المواويل المتكرره منذ روميو وجوليت غيرت مجري حياتي وأحالتني إلي متشرد كما تري بنفسك ..لكن سهام شيء آخر ..سهام حياتي ..عمري ..طفولتي وذكرياتي ..نشأنا وترعرنا في ( حوش ) واحد ..كنا لا نفترق أبدآ ..نذهب إلي النهر ونسبح كصديقين حميمين ونستلقي فوق من الأطفال الصغار ..فنشأت ثنائيات هنا وهناك..فاطمه والطيب..وكنا نحن من أوجد ذلك التقليد ومن ثمّ أصبحت كل واحدة من أولئك الآنسات الصغيرات دائرة محرمة علي من تنتمي إليه ولعل ذلك كان واحداً من أسباب الشجار اليومي لا سيما عندما يحضر طفل جديد إلي دنيانا لا يعلم بأن ثمة إرتباطات قد توطدت ..وهكذا ضاعت سهام وإلي الأبد ..كان هاجسي وأنا في الثانوي وطموحي وأنا في الغربة طالبآ بكلية البيطره ..يعني إنت إسمك كمال وليس ..؟! نعم يا جنابو إسمي كمال الحاج عمر وأنا من ..( تردد وحيره ) ..من وين يا كمال ؟ ,,وخرجت من عنده وأنا لا أكاد أصدق ماسمعت ..وقد أخبرني أنه وفي ليلة زفاف سهام المغلوبة علي أمرها ..إنسل خارجآ تحت جنح الظلام وغادر القرية بعد أن ترك رسالة قصيرة لوالده ووالدته تقول ( أعفوا عني ولا تكلفوا نفسكم عناء البحث عني وسأعود بإذن الله العلي القدير ) . . خمستاشر سنه يا كمال ..معقول ده يحصل ؟ وكان عليّ أن أتصرف بسرعه وهذا ما فعلته بالضبط .


    طارت الكنينه بأجنحة الريح في ذلك الصباح المشرق إثر تلقيها نبأ العثور علي مكان الدكتور كمال أو الباشكاتب المزّور مامون ..وصارت تدق أبواب سكان القرية الواحد تلو الآخر ( يا خالتي آمنه ..دكتور كمال لقوه ..دكتور كمال عايش ..يا ناس.. أخوي كمال عايش ..هوي يا الحبان ..كمال أخوي عايش ) ..وكان صراخها يختلط بالبكاء والهياج ..وكنت تجد من بنات الأسره من تخرج لملاقاتها خارج المنزل حتي دون أن تضع شيئآ من الثياب عليها تأخذها بالأحضان وتبادلها البكاء والنحيب .. لعلها دموع الفرح سالت مدرارآ علي تلك الوجوه المتعبة وجوه ناس (الحله) وجوه العمات والخالات ..أما والده الحاج الرشيد فقد إلتزم الصمت التام وقد إبتلع مشاعره المتفجرة وشعر أنه سيبكي لو فتح فمه بكلمة واحده ..لذلك كان يكتفي بمصافحة المهنئين وهو يرتجف من شدة التأثر دون أن ينبث ببنت شفه ..وكانت ردة فعل والدته أقصوصة سارت بها الركبان ..فقد إعتزلت الحلو والمر منذ رحيل كمال ..وتمددت الأمراض فوقها تنهش بقايا جسدها النحيل وظلت حبيسة غرفتها وسريرها خمسة أعوام كاملة ..بعد أن يئست تمامآ من عودة كمال ..ولكن ما أن وصلها الخبر حتي نهضت تحجل إلي فناء الدار بل وإلي الشارع وهي تبكي وتولول ( جيبوا لي ولدي ..جيبوا لي ضناي ) ..وطرق الخبر مسامع إبنة عمه سهام ..فأغمي عليها وعكفت شقيقاتها يضعن شيئآ من العطر وبعض الماء بين عينيها وعلي رأسها ..بيد أنها همدت تمامآ ..ولولا ذلك الأنين الخافت الذي ينبعث من بين ثنايا شفتيها وترديدها لإسم كمال لاعتقد الجميع أنها فارقت الحياه ..لقد رضخت سهام لمشيئة والدها وتزوجت من إبن عمها ولكنها عادت وأحالت حياته إلي جحيم لا يطاق ..فطلقها بالثلاثه ولم يمض شهر واحد علي زواجهما ..ولو أن كمال كان قد صبر قليلآ ..لكانت من نصيبه .
    نحرت الذبائح واستعادت سهام وعيها وتماثلت للشفاء من هول المفاجأة التي كادت أن تقضي عليها ..وتساءل الناس عن تلكم المدينة البعيدة التي إستقر بها كمال وقد أسعدهم نبأ وقوعها علي خارطة السكه حديد ..وشرع الحاج الرشيد في تجهيز نفسه للسفر وقد قرر أن يصطحب معه الكنينة لعلمه التام بمدي الحب الذي كان يكنه لها كمال وهي طفلة لم تتعد الخامسة حين تركهم وغادر البلده ..آه يا كمال لو تعلم مقدار الحب الذي يكنه لك أهلك لما فكرت في الرحيل بعيدآ عنهم والإنزواء في ذلك الركن القصي من الكون ..خمسة عشرة عامآ يا دكتور وأنت تعيش بشخصيتين ..خمسة عشرة عامآ وأنت تعايش الغربة وتتعاطي الحزن والإنكسار ..أي إنسان أنت يا كمال ..ألهذا الحد غالية عندك سهام ..وهل يعني فقد إمرأة نهاية الكون يا رجل ..لا لا يا عزيزي كمال ..لست وحدك من فجعته الأيام بفقده إمرأه ..ولكنهم صمدوا كرجال أقوياء لا تهزهم الأحداث ..ضمدوا جراحاتهم وواصلوا رحلة البحث عن أخريات ..ولكن سهام شيء آخر يا جنابو طارق ..سهام هي حياتي ..روحي وثمرة فؤادي ..فماذا تبقي لديّ بعد أن أخذوها مني ..ووالدك وأمك والكنينه ..أليس لهم
    مكان في ضميرك ياكمال ..؟!!

  7. #7
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الخامسة
    حضرت إليّ بمكتبي الأستاذه سميره لإستكمال بعض الإجراءات فيما يتعلق بحادثة الإعتداء التي تعرضت لها لدي إجتماع التعاون ..وكانت آثار جرح صغير لا تزال بادية للعيان فوق وجنتها اليمني ..قلت لها مداعبآ لو كنت في مكانك لطلبت من الجاني جرحآ صغيرآ علي الجانب الأيسر من وجهك ..لقد أضاف لك ذلك الجرح الصغير جمالآ لا مثيل له وكأن من قام به إخصائي جراحة تجميل وليس مجرمآ ..ضحكت من أعماقها وقالت لي أنت تبالغ يا طارق ..وهذه ليست المرة الأولي التي أسمع منك فيها مثل هذا الإطراء ..هل تحبني أم ماذا ؟..ما الذي يجعلك تغتنم كل شاردة وواردة بتذكيري بأني جميلة وأنيقه ..لقد بدأت أشك في أنك ربما لاحظت أنني أذبل وأتهدم بفعل الزمن والظروف وتحاول منحي بعض المعنويات ..لكن لا يهمك ..فسوف يبقي ذلك الجرح وسامآ أعتز به كمدافع حقيقي عن الناس الغلابة والمحرومين ..ولا أظنك لا تعلم حتي اليوم المحرض علي إفشال الجمعية العمومية للتعاون .. ألا تقولون أن الدافع للجريمة حين يكتشف تكون ملابسات القضية قد بانت ..ها .. من هو صاحب المصلحة الحقيقية في عدم قيام كناتين تعاون بهذه المدينه ؟ولماذا يفتح شخص واحد ثلاثين بقالة في شتي أنحاء المدينة وجميعها تحمل إسم البغدادي ..مرات واحة البغدادي أو مركز أغذية البغدادي ..أليس هذا هو الإحتكار بعينه ..هل تذكر أحداث الشغب التي وقعت الشهر الماضي عندما إختفي الكبريت فجأة وصار الباعة الصغار يبيعونك عودآ واحدآ أو إثنين من أعواد الثقاب بخمسين جنيهآ .. لماذا في كل شهر تختفي سلعة واحدة دون سواها ..هذه الأيام مثلآ لا يوجد معجون أسنان بالبلد ..لماذا ؟ ..قلت لها مهلآ يا أستاذه هل ستتحول معلمة اللغة الإنجليزية الساحره إلي محقق ..عدنا للغزل يا طارق أنت تربكني حقآ والكل يعلم قصتك الجديده مع الأميرة الصغيره صاحبة الحسب والنسب وتعلقك بها ..إن بصله قد أخبر الناس والأشجار وربما الحجاره بأن إحدي بنات البغدادي قد حضرت إليك بالمكتب بصحبة شقيقها وأنك عطلت دولاب العمل لحين مغادرتهما ..لم أكن مهيأ لمثل هذه الملاحظة لذلك تلعثمت لدرجة الغباء ولاحظت هي ذلك أيضآ ..ليس صحيحآ يا سميره ليس صحيحآ ولو أنها حضرت كأي مواطنة لإستخراج شهادة جنسيه ..ولقد قمت بما يمليه عليّ الواجب و..هل هي جميلة كما يشاع ..؟ نعم بكل تأكيد .. بل هي فاتنة حقآ ..وأنا إذ أصارحك بهذا أضعك في مكانة أسمي منها .. أنت صديقتي الوحيدة في هذه المدينة يا سميره ومعك لا أحتاج للتكلف والكذب والنفاق ..إنك كصديقة حميمة أجمل وأغلي لأن الصداقة تعني أن تعطي ولا تأخذ بينما الحب هو في الواقع أخذ وعطاء ..إنه علاقة تقوم علي المصلحة المتبادلة إن كان علي صعيد الجسد أو الروح ..هي غريزة تتطلب الإشباع المستمر أما الصداقة فشيء آخر لأنها إشباع روحي ..قالت لي أنت علي حق .. ولكن حالة الجوع الروحي أو ما يعرف ..بال(spritiual hunger)..تكون أحيانآ أقسي من الجوع الغريزي ..عمومآ أنا أعتز بصداقتك وستكون منذ اليوم مستودع أسراري ومتكأ جراحاتي ..لقد كنت أتوسم فيك هذا قبل اليوم ولكنني كنت خائفة من أن تكون كالآخرين لا ينظر لأي إمرأة قادمه ..جاهلة أو عالمة إلا من خلال شكلها الخارجي وربما سمانة قدمها ..ضحكت وأنا استمع إلي هذا التعبير لأول مره ..هل هنالك يا أستاذه شيء إسمه سمانة القدم .. اين هو أرجوك ..أظن الغرائز المتاصلة فيكم معشر بنو آدم قد عاودتك ..وضحكنا ونحن نقف لإنهاء تلك اللحيظات الرائعات ..أستاذه سميره ..يا كنزي الأوحد .. متي ألقاك ؟!
    نادرآ ما تمر الساعات الأولي من صباح كل يوم بالنسبة لأي ضابط شرطة بصورة هادئة ومريحه ..إذ أن الصباح يعني بالنسبة لنا إفتضاح أمور وأمور تتم تحت جنح الظلام والليل في المدينة هو ميدان تنازع الأمور الشريرة والضمائر الحيه ..وغالبآ ما يهيء الليل للغرائز وروح التآمر والعدوانية المناخ الصالح لتتحول النوايا إلي واقع ..لذلك تحدث جرائم القتل في الليل وتقع جرائم السرقات والسلب والنهب والإغتصاب ليلآ ..ثم يشرق الصباح فتفصح الأشياء عن نفسها في سفور مريع ..وقد أسعدني في ذلك الصباح البعيد خلو يومية الحوادث من بلاغات ذات بال ..لذلك أوصيت علي فنجان من القهوة وأنا أرفع التمام لجناب المقدم أزهري بمعنويات عاليه ..وفجأة يدخل عليّ شاب في الثلاثينيات من العمر وبصحبته فتاة قالت لي عيناها أنت تعرفني ولا ريب ومن ثمّ سلما وجلسا في تأدب واضح ..إبتدر الشاب حديثه بإعتذار وحياء ينم عن طيب محتد وثقافة عالية ..عرج علي الوظيفة العامة ومردودها الضعيف وعلي طبيعة عمل الشرطة ومسؤولياتها الجسيمة وأوضح لي أنه قد عاد من المهجر قبل أيام ليجد إبنة شقيقته وهي تعيش مشكلة كبيرة تم التعامل معها بواسطتي أنا شخصيآ بحسن نية بأكثر مما ينبغي وأضاف فيما يشبه الإعتذار بانه وقبل أن يقابلني قد كوّن فكرة سيئة للغاية عني من خلال المعالجة التي تمت وإغفالها لجوانب قانونية وإنسانية وإجتماعية ذات آثار خطيرة علي المدي البعيد ..إلا أنه وبعد رؤيته لي تغيرت تلك النظرة وتحولت إلي تقدير عميق ..ودخلنا في التفاصيل ليعيدني إلي قصة الصبية التي حملت سفاحآ وتركت الطفل أمام منزل ذلك الرجل الذي وجده بعد عودته من صلاة الفجر ..ولم تشأ أن تفصح عن الفاعل واكتفت بالقول بانه إبن السيد الكبير ..وكانت وجهة نظري في معالجة القضيه هو مراعاة الستر للضحية طالما توافرت لها ظروف رعاية طفلها في كنف تلك الأسرة الكريمة ..بيد أن هذا الشاب نظر إلي الموضوع من زاوية إعادة الإعتبار لتلك الصبيه التي غرر بها وبواسطة مخدمها بما ينافي العرف والدين ..وقد إنعقد لساني من هول المفاجأة عندما أخبرني أن الجاني هو شقيق أمل الذي كان قد حضر معها لإتمام إجراءات طلب الهويه ..إنه مرتضي صاحب الهاتف النقال ..حفيد الشيخ عثمان المكاوي ..واقترحت عليهما إعطائي فرصة التحدث إليه قبل فتح البلاغ رسميآ في مواجهته لنتعرف علي رده وما يمكن أن تؤول إليه القضية ويبدو أن المفاجآت لن تتوقف في ذلك الصباح إذ إقتحمت علينا المكتب وبدون سابق إنذار الرائعة أمل ومعها شقيقها الأصغر أسامه ..وقد فوجيء كل من بداخل المكتب بطريقته الخاصه ..كانت اللحظة بالنسبة لي مترعة بالفرحة والإرتياح لرؤيتها وكانت بالنسبة لأمل وتلك الصبيه لحظة عناق وسلام بالأحضان ..كانت أمل سعيدة ومتوهجة وظلت تردد ( وين إنت يا آسيا ..معقول تمشي وتسيبيني بدون حتي تودعيني أو علي الأقل تلمحي لي بأنك حتسيبي الشغل ..ده كلام يا آسيا ؟!) ..ثم وفي تراجع واضح إعتذرت بعد أن لاحظت التوتر الذّي يسيطر علي الجميع (يا جماعه أنا آسفه إذا قطعت عليكم حاجه كدا وّلا كده ) ومن ثمّ همت بالإنصراف هنا تدخل قريب آسيا ليقول لها :لا بالعكس إنت جيتي في الوقت المناسب ومن حقك تعرفي ما كنا نحن بصدده ..بدت حائرة وقلقة وفي ذهنها الإختفاء المفاجيء لآسيا من منزلهم لا سيما وقد كان مناط بها الإعتناء بامل دون سواها تغسل لها ملابسها وتنظف لها غرفتها وتصحبها في مشاويرها لدي زيارة صديقاتها ..غير أنني رفضت وبحزم إقحامها في الموضوع وطلبت من السائق توصيلها إلا أنها أخبرتني بأن أسامه هو من أحضرها بعربته الخاصه وهو من سيعيدها.
    *******
    كان حفلآ باذخآ ذلك الذي دعت له أسرة الوجيه إسماعيل علي شرف عودتها للإستقرار نهائيآ ..تنادي له وجهاء المدينة وحرائر الأسر الكبيرة وزميلات الدكتوره ندي ..وانهمك الطباخون في إعداد الطعام في الفناء الخلفي من المنزل ..بينما شغل (بصله ) الأرعن وفيصل بتجهيز الخراف من ذبح وتقطيع ..وهي وظيفة تخصهما دون سواهما في كل مناسبات المدينة ولعل هذا التخصص هو الذي جعلهما قريبين من كل الأسر لا سيما النساء والفتيات وحتي الأطفال ..وما يميزهما أثناء تأدية واجبهما تلك الأهازيج الحلوة التي يهزجان بها ..الشيء الذي يجتذب نحوهما الصبية والصبايا الصغار ..فيشاركانهما مواويلهما الغريبه ..يبدأ فيصل المتفرد بالتأليف ..تأليف أي شيء عفو الخاطر بإطلاق صدر البيت فيقول مثلآ ( الطاحونه ..) فيردعليه بصله ( مالا ياناس ؟) ويجيبه فيصل (كتلت أمونه ) ..فيجيبه بصله ( عاد كيفن عاد ؟) ومن ثم ينتقلان إلي شطرة أخري ( الحبيب ) ..( مالو ياناس ؟ ) ..( جايينا قريب ) ..( عاد كيفن عاد ؟ ) ..وهكذا تتنوع وتتلون الأهازيج والصبية والصبايا يرددون في جانب بصله ..وأحيانآ تستوقف تلك الأهازيج بعض أفراد العائلة من السيدات والفتيات فيدخلهن فيصل في الأهزوجة كيفما أتفق كما فعل مع الدكتوره ندي وقد حضرت لتستحثهم إنجاز ما بإيديهم ..فكانت ( الدكتوره ) ..(مالا ياناس ؟) ..( حلوه وأموره ) ..عاد كيفن عاد ؟الشيء الذي أشاع البهجه والحبور في نفسها فانسحبت بسرعه دون أن تأخذ ما حضرت من أجله ..وانتظم الجميع حول المائدة الفخمه ..الرجال في فناء المنزل الأمامي والنساء في الحديقة الخلفية وقد حرصت زوجة الشيخ البغدادي وكريمتها أمل علي الحضور كذلك حرص الشيخ البغدادي وأبناؤه مرتضي وأسامه ..وكان الموضوع االمطروح للنقاش لدي الرجال هو إنتخابات البرلمان الإتحادي ..وتمحور موضوع السيدات حول الأعشاب الطبيه ..وقد نشطت الدكتوره ندي في تحذيرهن من مغبة الإنسياق لوصفات العطارين دون تريث لما يمثله ذلك من خطورة علي صحتهن ..إثنان فقط جلسا صامتين مهمومين بشئونهما الخاصه ..المقدم أزهري والذي كان يترقب بكل حواسه أن تظهر الدكتوره ندي ولو للحظة عابرة والنقيب طارق وهو يمني نفسه بسماع صوت أمل ولو علي البعد ..هما إذن عاشقان ..نعم عاشقان حتي الثماله ..ويغمرهما شعور طاغ بان موقفهما ميئوس منه ..إذ يتذكر أزهري حيوية وقوة شخصية ندي وأنه لم ينجح حتي الآن في لفت إنتباهها بالرغم من إنخراطه في جمعية أصدقاء المرضي الجديدة التي طالبت بها ندي وزياراته شبه اليومية للمستشفي لأجلها ..أما النقيب طارق فيشعر أنه مكبل بذلك البريق الساحر الذي ينداح من أمل وسيماء الأبهة والفخامة الذي يحيط بها من كل جانب فيشعر وكأنها أكبر من طموحاته ..ومضي حفل العشاء لا يكدره شيء ..آراء متباينة حول الإنتخابات بتباين الإنتماءات الحزبية وصخب وضجيج في الجانب الآخر عندما ساءت الأمور بشكل رهيب بين مني وزوجة الشيخ البغدادي والسبب حقيقة أن والد إسماعيل كان يعمل لدي أسرة البغدادي وفي إطار التفاخر الأسري ومن ملاحظة صغيره قصدت منها والدة أمل المزاح لا أكثر ..كشرت مني عن أنيابها وأنفجرت في ضيفتها بلا هواده ..أيوه أبو إسماعيل كان شغال معاكم ..دي حقيقه ..لكن كان شغال شنو ..ومؤهلاتو شنو ..خريج السوربون ومدير أعمال عثمان المكاوي ..أبوكم الكبير ..الأمي الذي يبصم علي الشيكات ..حولو من تاجر تقليدي في بيع وشراء الإبل إلي مستثمر كبير ..طلمبات وقود ومصانع زيوت وقشارات وبقالات ومقاولات مباني ..هو من صنع هذه الإمبراطورية الإقتصاديه التي تنعمون بخيراتها ومات معدمآ وكأننا يا عمّر لا عدنا ولا جينا ..والدة أمل إعتذرت للحضور وطلبت من أمل أن تنادي علي والدها ليعيدهم للمنزل حتي دون أن تشرب كوب الشاي الذي أمامها .

  8. #8
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السادسة
    شعرت أمل بأسي بالغ وهي تغادر مكتب النقيب طارق ..فقد كانت تود أن تبوح له بما يجيش في خاطرها من ترهات ظلت ترددها بينها وبين نفسها طيلة ليلة البارحه ..كانت تود أن تقول له إنها تفكر به ليل نهار وأنه اضحي شغلها الشاغل ..وأنها ..وأنها ..إلا أن طارق إغتال تلكم المشاعر النبيلة في دواخلها بذلك الإستقبال الفاتر وتلك النظرة العابسة التي إلتقاها بها ..وشعرت أن في وجود آسيا خادمتها السابقة بمكتبه نذير شؤم ولا ريب ..لكم تغيرت آسيا ..أنظروا إليها وهي تجلس مع طارق في ( كنبة) واحدة كتف بكتف ..والأدهي والأمّر أنها كانت تخاطبهما بنبرة جاد’ عندما دخلت عليهما دون إستئذان ..لقد كانت تبدو كسيدة محترمة وبكامل أناقتها ..الساعة المذّهبة وحقيبة اليد الفاخرة وعطرها الفواح ..لكّم تغيرت يا آسيا ..وأمضت أمل الليل بطوله وهي تستعرض تفاصيل تلك المقابلة الكارثية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني ..نعم لقد إغتال طارق لهفتها وأشواقها له بتلك النظرة المريبة وذلك الإنزعاج الواضح وقد تفتقت عنه عيناه ..ينزعج لرؤيتي بعد كل ما أسمعني من لذيذ الكلام ..يا إلهي كم أنا تعيسة وضائعه ..وهكذا أمضت الليل نهبآ للوساوس والظنون .. لقد تسرعت يا أمل في حكمك علي طارق ..فأنت بالنسبة له طالبه مثل كل الطالبات اللواتي تقدمن للحصول علي بطاقة هويه ..ولكنه إعترف لي بما يكنه نحوي من أحاسيس ..لا .. لالا ..هو يتسلي بي ولا شك .. وغداً ينقل إلي مركز آخر وعالم جديد فينساني وقد تنسيه بنات (حلته) وأهله حتي إسمي ..وفي صباح اليوم التالي شعرت بقشعريرة الحمي والوهن الشديد وقررت عدم التوجه للمدرسه ..بيد أن مرتضي أصّر علي إصطحابها للمستشفي لفحص الملاريا وكذلك كان موقف والدتها ..وتحت ضغطهم وإصرارهم توجهوا بها للمستشفي ولم يكن بها من طبيب سوي الدكتوره ندي وكان يجلس إلي جوارها شقيقها المهندس هشام ..
    تلقفتهما ندي لدي باب المكتب وأخذت إليها أمل برفق وحنان وكأنها تريد الإعتذار عن ثورة مني في وجه والدتها قبل أيام ..وكذلك فعل المهندس هشام ..فقد نهض يساعد مرتضي في توصيلها حتي مسرح الكشف ..وبعد دقائق قلائل خرجت عليهما ندي وهي تطمئنهما علي أن الأمر لا يعدو عن كونه إرهاق شديد وعلي كل سوف نقوم بفحص الدم ونري ما يمكن عمله .
    مضت بضعة ثوان والصمت الرهيب يخيم علي المكتب ..قرأ المهندس هشام وجه أمل حتي وهي في تلك الحالة من الإعياء وهتف بينه وبين نفسه ( يا إلهي كم هي جميله )..وقرأ مرتضي وجه ندي وهتف بينه وبين نفسه ( يا إلهي كم هي جميله ) وقرأت ندي وجه مرتضي وهتفت بينها وبين نفسها ( يا إلهي كم هو وسيم ) وكذلك فعلت أمل .. إذ قرأت وجه هشام وهتفت بينها وبين نفسها ( يا إلهي كم هو وسيم ) ..وشيئآ فشيئآ إستعادت أمل حيوتها وانهمك الجميع يتبادلون ذكريات الأيام الحلوة التي عاشوها في هذه المدينة المترفة بكل ما هو رائع وأصيل وتأسف هشام وندي علي كل يوم أمضياه بعيدآ عنها ..وقرروا إستعادة تلكم العلاقة الحميمة التي كانت تربط بين الأسرتين علي أيام عثمان المكاوي والمرحوم صالح سالم ..والد الوجيه إسماعيل ..بيد أن الأوقات الحلوة لا تدوم طويلآ إذ سرعان ما استأذن المهندس هشام الإنصراف ليكون بمحطة السكه حديد حال وصول القطار الذي يحمل معدات البناء الخاصة بشركته من خلاطات أسمنت و(سقالات معدنيه ) ومواد بناء إستعدادآ لبناء العنابر الجديدة بالمستشفي إذا ما فاز بالعطاء وكان قد حضر لمكتب ندي بداية للإطلاع علي كراسة المواصفات ..وكذلك فعل مرتضي الذي يتوقع مواد بتروليه بنفس القطار وصممت ندي علي إستبقاء أمل معها ساعة أو ساعتين تحت المراقبه ..ولم يمض وقت طويل حتي دخل عليهما المقدم أزهري والنقيب طارق وقد كانا بصدد زيارة بعض الجنود المصابين في حادثة تبادل إطلاق نار مع عصابات التهريب ..جن جنون طارق عندما علم بمرض أمل وجثا أمام مقعدها وقد تملكته حالة من الرعب الشديد وطفق يلمس جبهتها ويدها وهو يتمتم كالملدوغ ( دي عندها حمي شديده يا دكتوره ..دي عندها ..)..
    وهكذا تحولت مشاعر أمل مائة وثمانون درجه وصارت تهذي وتتمتم ( أنا كويسه يا طارق ..صدقني أنا كويسه )..وتبادل أزهري وندي النظرات ولسان حالهما يقول ما دهي هؤلاء المجانين ..؟!
    *******
    كان الجميع قد سلم بتولي عمدة المدينة للمقعد المخصص بالبرلمان لهذه الدائره وظل يتولاه بالتزكية إلي أن وافته المنية قبل شهور ولم يكن العمدة الجديد مسكونآ بالسياسة كسابقه .. فأعلن أنه لن يرشح نفسه للإنتخابات الجديدة الشيء الذي فتح الباب واسعآ أمام من يطمحون في كرسي النيابه ..لذلك أفصح عدد من الأعيان عن رغبتهم في الترشح وكان من ضمن هؤلاء المرشحين الوجيه إسماعيل صالح والد الدكتوره ندي والشيخ البغدادي والد أمل ..وكان وقع الخبر عظيمآ علي مرتضي والدكتوره ندي ..فقد توثقت العلاقة بينهما لدرجة بعيدة وأصبح مرتضي وقد أعطته الضوء الأخضر علي إتصال دائم بها إما بالهاتف أو بزياراته المتكررة لها بالمستشفي وأحيانآ زيارتهم بالمنزل تحت ذرائع شتي منها إستشارة المهندس هشام فيما يتعلق بخرائط منزله الجديد ..وقد وجد الأخير في هذه الصحبة مدخلآ للرائعة أمل التي ما فتيء يفكر بها ويشتاق إبتساماتها ..وأحيانآ يزورهم بالبيت الكبير ..وقد أثار هذا التقارب المفاجيء بين ندي ومرتضي حفيظة المقدم أزهري ..فقد بني هو الآخر الآمال العراض علي ندي بحكم معرفته السابقه مع والدها ..ولكن هاهي الإنتخابات اللعينه تكاد تدق إسفينآ بين العائلتين بالرغم من إنتماء كلا المرشحين لحزب واحد ..وبالرغم من الوساطات المتعمقه ووفود الحزب القادمة من المديرية لإقناع أحدهما بالتنازل فقد أصّر كل منهما علي موقفه ..تساندهما وتقف من خلفهما زوجاتهما لا سيما مني التي نزلت بثقلها في المنافسة إلي جانب زوجها الوجيه إسماعيل تغذيها نفس متهورة وأحقاد قديمه ..
    وفي خضم هذا المعترك أرسلت الأستاذة سميره مذكرة للشيخ البغدادي لمقابلتها لمناقشة التراجع الواضح في مستوي أداء إبنته أمل في اللغة الإنجليزية بعد أن كانت تحصل علي أعلي الدرجات لا سيما وإمتحانات الشهادة باتت علي الأبواب ..هرع الرجل اليها وهو لا يكاد يصدق ما قرأه ..لقد كان يراهن علي أمل في دخول الجامعه والتخرج كطبيبه تمامآ كالدكتوره ندي إبنة خصمه في الإنتخابات ..دخل عليها وكان قد توقع معلمة وقورة ..أنهكتها المهنه ..ولكن بدلآ من ذلك صافحت عيناه صبية يافعة خالها للوهلة الأولي تلميذة من تلميذات المدرسه ..أفردت له يدها محيية ووجها المتألق يضج بالإشراق ..جلس غير مصدق ما يحدث أمامه ..وناقشته حول مستوي أمل المتدني هذه الأيام وأطلعته علي كراسة الواجبات الخاصة بها ..لقد لاحظ هو أيضآ أن أمل ومنذ أسابيع مضت أضحت ميالة للصمت والشرود ..تلوذ بغرفتها معظم الأوقات ..تنام أو تنصت للموسيقي ..إتفقا علي حصص خصوصية تعطيها سميره لأمل وعندما أبدت إستعدادها لأن تكون الحصص بمنزلهم ..إنزعج الشيخ البغدادي وتعلل بأنه يخاف عليها من التعب وتكبد مشقة الحضور حتي هناك ..واقترح عليها بدلآ من ذلك أن يحضرها لها بنفسه ..إزدادت خفقات قلبه وهو لا يكاد يرتوي من حديثها وإطلالتها المشرقه ..طلب منها أن تقترح عليه مشروعآ يخص المدرسة يقوم بتمويله لهم ..أفهمته أن المشاريع من صميم إختصاص المديرة ولكنها كداعية مهمومة بشئون المرأة ككل ..يزعجها أن لا تمارس التلميذات أي نوع من الرياضة بهذه المدينة الهامسه وهي تخاف عليهن من الترهل وهن في هذه السن المبكرة من حياتهن واقترحت عليه بهذا الصدد بناء صالة (جمنازيم ) وملاعب لكرة السلة والكرة الطائرة ..وافق علي مقترحها ولو أنه كان يفضل بناء فصول يتباهي بها في معركته الإنتخابية ..ولكن النائب المرتقب بات يشعرأن معركته الرئيسية ليست الإنتخابات وإنما الفوز بهذه المعلمة مهما كلفه ذلك من تضحيات ..وهذا ما يفسر تردده المستمر علي المدرسه ..أحيانآ بحجة متابعة سير المباني وأحيانآ لإحضار أمل في الأمسيات لتلقي دروسآ خاصة في اللغة الإنجليزيه ..وكانت سميره تتحرك خلفه وأمامه ومن حوله كفراشه ..وإبتسامتها العذبة لا تفارق شفتيها وفي أحايين أخري يجلسان تحت شجيرة الجميزة العملاقة إنتظارآ لإنهاء التمارين والإختبارات بواسطة أمل داخل المكتب ..وشعرت الأستاذه المفجوعة في زواجها الأول أن هذا الرجل بسمته الباذخ وشخصيته القويه وهذه الهدايا التي يغمرها بها في كل مرة والتي بدأت بقنينة عطر صغيره وتطورت إلي مصاغ ذهبية عالية الكلفة وحقائب يد فاخرة وفساتين تدل أختامها علي أنها تدخل المدينة لأول مرة ..شعرت بأنها توشك علي الإنزلاق في عاطفة متهورة لا مستقبل لها ..ولكن لماذا يغرقها بكل هذه الهدايا ؟ لابد أن يقول لها شيئآ ..ولو أن ذياك البريق بعينيه وتلك اللهفة قد قالتا الكثير ..إلي أن حانت اللحظة المناسبه فواجهها بكل سفور عن رغبته في الزواج منها..ضحكت عيناها الواسعتان وازدادتا إتساعآ وأشاحت بوجها حياءآ وخفرآ ..أما هو فقد شعر كما لو أن حملآ ثقيلآ إنزاح عن كاهله وأن الكون يزغرد لأجله .
    عكف النقيب طارق علي دراسة ملف الفتاة التي حملت وولدت سفاحآ من مرتضي شقيق أمل وهو يحاول إيجاد مخرج ودّي للقضيه ..وفطن إلي أن فتح بلاغ بهذا الصدد في هذا التوقيت بالذات سيفجر أزمة طاحنة بينه وبين أسرة أمل ..إذ لا شك أن الوجيه إسماعيل سيغتنم هذه الفرصة لتشويه صورة خصمه الشيخ البغدادي ..وكانت المعركة الإنتخابية بينهما قد إحتدمت ..الوجيه إسماعيل العائد من أوروبا بني حملته علي أشياء مثل البيئة والإحياء الثقافي والديمقراطية وحقوق الإنسان والعولمه وبني الشيخ البغدادي حملته علي مشاكل العطش والكهرباء والتعليم وصار ينفق بسخاء علي أحياء المدينة المختلفة ..يتبرع لإكمال هذا المسجد أو ذاك ويعيد تأهيل هذه المدرسة أو تلك ..ودار همس في المدينة علي أن الشيخ البغدادي يشتري الأصوات سرآ بملايين الجنيهات ونشطت الأستاذه سميره في أوساط النسوة تدعو له ..الشيء الذي أثار حفيظة صفاء والدة أمل الغائبة تمامآ والمغيبة عمّا يجري حولها بسبب التقاليد الراسخة التي أرساها ويرعاها بشده عثمان المكاوي الجد ..الشخصية المعتكفة التي تزداد غموضآ مع الأيام .. لا ..لا يا طارق ليس في هذا الوقت بالذات ..وعليه فقد إستدعي مرتضي لمكتبه ..وعندما واجهه بالقضية إنهار تمامآ وطلب من طارق أن يفعل أي شيء في إستطاعته لإحتواء القضية وعرض تعويضآ يربو علي العشرة ملايين من الجنيهات ..وإبنك يا مرتضي ألا تريد أن تضمه إليك أو حتي تراه ..سأتصرف يا طارق فالأسرة التي تحتضنه هم أهل بالنسبة لنا والمرأة هي خالتي تقريبآ ..علي كل أنا لا أستطيع أن أعدك بشيء وسأطرح إقتراحك علي أصحاب الشأن ..بيد أن الشاب الذي حضر مع آسيا رفض هذا المقترح بشده بالرغم من موافقة آسيا عليه وغادر المكتب غاضبآ ليقتحم مكتب المقدم أزهري ويشرح له كل شيء ..وطلب الأخير العريضة ووجه بعرضها علي النيابة لتقرر بشأنها ولعله ولإحساسه بالنفور من مرتضي منذ أن لاحظ ذلكم التقارب المتسارع بينه وبين الدكتورة ندي قد وجد في هذه القضية فرصة لتشويه صورته أمامها أو ربما لطبيعته الرسمية والمتزمتة تجاه التحري قد قرر أن يمضي في القضية دونما أية إعتبارات أخري ..وعندما أخطر مرتضي بقراره هذا جن جنونه وهرع نحو والده ليضع الموضوع بحذافيره أمامه ..ولكن لم تكد تمضي سحابة ذلك النهار حتي وصلت إشاره من المديرية تقضي بوقف الإجراءات وظهور كشف تنقلات عام صادر من رئاسة الشرطه قضي بنقل المقدم أزهري للمباحث المركزية بالخرطوم ..ولعلها الصدفة وحدها هي التي وضعت أزهري في هذا الوضع الذي لا يحسد عليه ..وبرغم هذه الأحداث المؤسفة مضت الحملة الإتخابية وهي تزداد كل يوم إشتعالآ ..وكنت تجد دائمآ من يتبرع لإحداث فوضي أثناء الليالي السياسية الخاصة بالوجيه إسماعيل بينما تمضي الأمورسهلة وميسورة أثناء حملات الشيخ البغدادي التي يتم الإعداد لها جيدآ وتنحر الذبائح من أجلها ويطعم الحضور ويحتسون الشاي والقهوة وهم يستمعون إلي خطب البغدادي ويستمتعون أكثر ما يستمتعون بخطب الأستاذة سميره التي تتعمد عدم إعادة الثوب إلي رأسها عندما ينزلق منها فتسافر خصلاتها مع النسيم ..فيتجاوب الحضور مع يديها النفاضتين وشعرها المتماوج ..فتخرج الصافرات من البعض وكأنهم يعايشون فلمآ غراميآ ..أما بصله وصديقه فيصل فقد إنحازا للوجيه إسماعيل يستقطبون الشباب وجمهور الكرة ..وكانوا يتمنون لو أن الأستاذه سميره في معسكرهم ..بصله قال لفيصل يا سلام لو سميره في صفنا )..فيصل قال له ( البنت هذه..ستسقط إسماعيل ..عليك الله يا بصله ما بتشبه ممثله فلم ألأمس ؟..عليّ الطلاق الخالق الناظر كأنها هي وقد سقطت من علبة الفلم ..) .. بيد أن قصة البنت آسيا خرجت من الأضابير وتناقلتها مجالس المدينة ..ولم يشأ الوجيه إسماعيل إقحام هذا الموضوع في خطبه ..أولاً لأنه لا يملك الدليل الحاسم ولأن أخلاقه تمنعه من الخوض في مثل هذه الترهات ..شخص واحد تأكد من صحة الرواية ..ذلكم هو الدكتوره ندي بعد أن أخبرها المقدم أزهري بها ورفض فكرة الربط بين نقله وبين تصميمه علي فتح البلاغ ..وكان وقع الخبر عظيمآ علي الدكتوره ندي وبرغم الألم الممض الذي شعرت به إلا أنها أحست بأن هذه القضية قد أنقذتها من شخص مثل مرتضي كانت علي وشك القبول به زوجآ وشريكآ لحياتها .

  9. #9
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السابعة
    لم يفاجأ النقيب طارق بوصول برقية تفيد بتحرك والد الباشكاتب وإبنته ( الكنينه ) ..وفي الواقع كان ينتظر علي أحرّ من الجمربادرة كهذه ..إذ أن صحة مامون أو كمال وهذا هو إسمه الحقيقي طبعآ ..ظلت تتأرجح بين التحسن والتدهور.. وأكثر ما كان يخشاه طارق أن يفارق الحياة قبل وصول أهله..لذلك كانت سعادته عظيمة بهذا الخبر ، فاتجه فكره لأسرة ذلك الرجل الشهم الذي قبل برعاية طفل آسيا الذي حملت به سفاحاً من مرتضي ..لتستضيف الكنينه ووالدها ..فرح الرجل فرحآ شديدآ عندما علم بتفاصيل القصة ..قصة الباشكاتب مامون والذي وضح أنه طبيب بيطري وأن إسمه الحقيقي كمال ..وكذلك فرحت زوجته ولم تكد تمضي ساعة حتي سمع النقيب طارق صوتآ يعلن عن وصول الخروف ..( كرامه وسلامه ) قالها الرجل بأريحية لا تخطئها العين وكان طارق وقتها قد جلس إلي آسيا التي لا تزال تعمل كخادمة لتكون قريبة من طفلها ..جلس يتفاكر معها للعثور علي مخرج عادل لقضيتها مع مرتضي والبلاغ المفتوح بواسطتها في مواجهته ..وأكثر ما أدهش طارق أنها إعترفت له وهي تبكي بكاءآ مرآ بأنها كانت قد أحبت مرتضي حبآ ملك عليها أقطار نفسها وأنها كان مستعدة لتضحي بأغلي ما لديها في سبيل أن يمنحها ولو لحظة حنان عابره ..( نعم كنت أحبه يا جنابو وأعلم أن ظروفنا الإجتماعيه مختلفة وأنه لا أمل لي في الزواج منه ..وعندما إختلي بي لم أقاوم ..أنا مجرمة وجبانة وهو لا يستحق السجن ..لقد ضغط علّي خالي لأشكوه للعدالة ..أما وقد عاد خالي إلي المهجر ..أرجوك ساعدني حتي أسحب البلاغ ..لا أريد قضية معه ..صدقني لا أريد أن أؤذيه ..لأنني ورغم كل الذي حصل لا أزال أتمني له الخير ولا أريد أن أكون سببآ في سجنه ..) ..ولكن ما ذنب الطفل وما ذنبك أنت ..كان عليه أن يحافظ عليك ..فأنت بمثابة أمانه لدي هذه الأسرة..وكل فتاة مثلك تعمل خادمة مع أي أسرة وتعيش معها هي أيضآ بمثابة أمانه ..كنت أقول لها ذلك وأكثر حتي أحافظ علي حقوقها ..وفجأة خطر لي خاطر أظنه في حالة تحويله إلي واقع سيشكل حلآ لا باس به لهذه المعضلة ..لذلك غادرت المنزل لأقوم بمشاوير هامة ..بداية سأنقل نبأ خبر موعد وصول الضيوف للباشكاتب حتي يعطيه هذا الخبر دفقة كبيرة من المعنويات وسأقابل مرتضي وفيصل كلآ علي حده .
    كانت فرحة كمال بقرب وصول والده وشقيقته عظيمة ولا تدانيها أية فرحة ..علت الإبتسامة وجهه وأنطلقت أساريره ولولا ذلك الوهن الذي يعاني منه بسبب المرض لقفز من سريره طربآ ..وظل يردد وقد نسيني تمامآ ( إييييه ..إيييه ..أبوي الرشيد والكنينه ..ياما أنت كريم يا رب ) .لعله استعاد أحداث خمسة عشرة سنة مضت منذ أن غادر أهله وقطع صلته بهم ..وشعر بفداحة الثمن الذي دفعه مهرآ لعزة نفسه وكبريائها الزائف ..ما كان له أن يفعل ذلك بوالديه وهما من ضحّيا بكل ما يملكان رغم قلته من أجل أن يوفرا له التعليم الجامعي لا سيما والأمر كان يتعلق بالدراسة خارج الوطن ..باعا كل ما يملكان من أجل ذلك الهدف النبيل ..قطعة الأرض البحرية ..والطاحونة وكل مصاغ والدته ..طاقية من الذهب الخالص وإزار يغطي الصدر من الجنيهات الإنجليزية التي تحمل صورة الملك جورج ..ذهب عيار 24 ..فماذا كانت النتيجة ..إنسحب من حياتهما وتركهما نهبآ للوساوس والأحزان بسبب فتاة صغيرة وما أكثرهن في تلك البلدة النائية ..وبرغم كل ذلك الإحساس بالغبن الضارب حشاشة الفؤاد ..غفرا له صنيعه ونسيا سنوات العذاب والمهانة والأسئلة الحائرة يقرآنها في عيون الأهل والأحباب .
    لم أضيع وقتآ في ذلك اليوم ذي الخصوصية النادرة .. فقد طرقت أبواب البيت الكبير بحثآ عن مرتضي ..وكم كانت المفاجأة غالية ومفرحة ..إذ كانت أمل هي من تلقفتني لدي باب الحديقة ولعلها كانت علي وشك الخروج لأخذ دروسها في اللغة الإنجليزية مع الأستاذة سميره ومعها والدها وعندما طلبت منهما إخطار مرتضي لمقابلتي ..شعر والدها بما يمكن أن تنطوي عليه هذه الزيارة من أهمية فطلب من أمل الإتصال هاتفيآ بالأستاذه سميره والإعتذارلها..ركضت كطفلة صغيرة وزركشاتها تصنع دوائر من البهجة والتوهج وأنا أتابع ركضها بطرف خفي ..آآه ..كم هي رائعة وقاسية ..أسبوعآ بحاله ولا تتصل بي منذ أن إلتقيتها صدفة بمكتب الدكتوره ندي ..أعجب لهولاء الفتيات الجميلات .. كيف يتجملن بالصبر أمام تباريح الأشواق والفقد لمن أحببن ..هذا إذا كانت تحبك فعلآ يا طارق ..هل سمعتها تقول أو حتي تلمح بشيء كهذا ؟! ..لا ..لا لم تقل ..ماذا قلت يا حضرة النقيب ؟ ..هل تريد أن تقول شيئآ ..؟!..أقول شيئاً..أنا أقول شيئاً ؟ ..ليتني أستطيع.

    وصل والد الباشكاتب مامون أو الدكتور كمال ومعه إبنته الكنينه ..وعندما ترجلا من القطار لم أتعرف عليهما في باديء الأمر إذ أنني إستبعدت تمامآ أن تكون تلك الفتاة المليحة والفارعة هي الكنينه ..لقد تخيلت صورتها وأنا في طريقي إلي المحطة بأنني سأقابل فتاة من الريف .. منطوية علي نفسها تلملم أطراف ثوبها لتضعها في فمها من شدة الخجل .. فتاة تحمل حقيبة حديدية قديمة ..تتعثر في مشيتها وترد علي والدها بصوت خافت ( نعم يابا ..أيا يابا ) وفاتني أن أتذكر التحول الرهيب الذي حدث في مجتمعاتنا الريفية ..فأنت ستجد طبقآ هوائيآ مزروعآ في فناء حوش تم تشييده من المواد المحلية وتدخل أي قطية لتفاجأ بآخر صيحة في دنيا (الموبوليا )..وربما تجد هاتفآ جوالآ يقبع في داخل ( الفترينة )الصقيلة ..وعندما تزور أية قرية ..لا تعلق بالإنجليزبة مع مرافقك من أبناء ( البندر ) علي هذه الفتاة أو تلك ..وتوقع أن تكون طالبة في السنة النهائية بكلية الطب ..نعم لقد تغيرت الأوضاع وتغيرت المفاهيم ..وباتت فتيات الريف هن من يتقدمن الصفوف ..ألم تلاحظ ذلك يا طارق ؟ فكم مرة شكر المذيع هذه الرابطة من طلاب وطالبات منطقة كذا وكذا بالجامعات والمعاهد العليا ..هل رأيت ذلك البريق والألق الذي يلون الوجوه الجميلة ..فيما لو فتشت عن تلك المنطقه في ( الأطلس ) لما عثرت لها علي أثر ..نعم يا صديقي لقد تبدلت الأوضاع كثيرآ ..لذلك عليك أن تصدق أن هذه الأبهه وتلكم النضارة والحيوية ليست سوي الكنينه ..القد الأملود في تناسقه العجيب والهندام المتناسق في هارمونية مذهلة ..والإبتسامة الساحرة ..كل هذا للكنينه ..يااه ..معقول ما أراه أمامي ..؟ أكاد لا أصدق ..نعم أكاد لا أصدق ..
    شكرتني بحرارة ونحن في العربة علي ما قمت به تجاههم ونحن في طريقنا لمنزل كمال الذي منعه الإعياء والمرض من إستقبالهما ورجاني أن أفعل نيابة عنه وكنت سأفعل علي أية حال .. لقد زرعت الفرحة في قلوبنا من جديد ..بعد أن يئسنا تمامآ من عودة كمال ..كنت في الخامسة من عمري عندما غادرنا كمال وكنت أكثر من غيري تذكرآ له ..وعاشت صورته في ضميري كل هذه السنين لا تفارقها أبدآ ..كانت تتحدث بعفوية وبصوت فيه بحة غريبة تأسر السامع وتحتويه بلا تفاصيل ..أما والده فقد إلتزم جانب الصمت والحذر وشعرت أنها بصدد توجيه سؤال تهاب ما يمكن أن تكون عليه الإجابه ..شجعتها علي أن تقول ما عندها ..ترددت برهة وعادت لتقول لي بصوت متهدج ..هل تزوج شقيقي الدكتور كمال ..لا لا ..لم يتزوج ..ساعتها أرسلت تنهيدة عميقة تنم عن الإرتياح ..إذن هذه هي مدينتكم التي سرقت منا شقيقي ..هي لم تسرقه يا ..الكنينه ..أنا إسمي الكنينه ..وهو في الواقع لقب ..فإسمي الحقيقي هو فاطمه ..فاطمه الرشيد ولكن جدتي الله يرحمها كانت تناديني بهذا الإسم مذ كنت طفلة وهكذا صار الجميع يناديني بالكنينه ..هذه الكلمة تعني الغالية أليس كذلك ..لا لا ..بل تعني المحرّزه ..أو المخبأه ..من الفعل يكّن ..تقول العرب تكن له الحب ويكن لها العداء ..وهل قالت العرب ذلك ..؟ طبعآ ..لا بد أن إحدي حكيمات العرب من أفتت بذلك ..هل يوجد مغفل يبادل الحب بالعداء ؟ كثيرون جدآ وللأسف الشديد ..المرأة هي ريحانة الحياة وقيثارتها والرجل هو من يصنع الحروب والعداوات ..المرأة هي ..وتركتها تتحدث وأنا لا أفهم ما تقول إذ كنت مشغولآ بإختزان كل لفتة من لفتاتها وكل خلجة من خلجات وجهها الجميل ..ألم تكن أمل بكافية لتأتي أنت يا الكنينه ..وحتي أخفي إنفعالاتي عنها تواريت خلف مهنتي المفضلة في توجيه الأسئلة أحاصرها بها من جميع الجهات ..وهل أنت طالبه ؟ ..وكان هذا هو آخر سؤال ..نعم وفي ثانيه تربيه وعلم نفس ..وسأدعوك أنت وكمال لحضور حفل التخرج ..إن شاء الله ..إن شاء الله .

  10. #10
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثامنة
    إنتابني إحساس بالدوار وأمل تدلف بي إلي بهو وتخرج إلي بهو آخر ..يبدو أن بالبيت الكبير عشرات الغرف والصالات ..وهنا أو هناك بثت الأرائك الفخمة ذات الطابع ( الفكتوري ) ..هذه الأثاثات تعود لجدي .. أمل وقد توقفت لتشرح لي بعض الأشياء ..لقد منحه الإنجليز لقب( سير) بيد أنه اعتذر عن قبوله وكانت له فلسفته الخاصة في هذا الصدد ..كانت تثب أمامي كمهرة عنيدة تهزأ بحواجز السباق والمتسابقين ..تختزل الدرج المؤدي إلي الطابق الأول ثلاثة درجات دفعة واحده فلا نملك أنا ووالدها غير اللهث من خلفها ..كان والدها سعيدآ إذ علم أن زيارتي لهم بغرض الوصول إلي حل ودي للمشكلة التي أوقعهم بها إبنه الأكبر مرتضي في الوقت الذي إحتدمت فيه المعركة الإنتخابيه ..ولا أدري ما المقصود من هذا التوغل الرهيب في دهاليز البيت الكبير ..ومن عجب أن أمل هي من تقود خطانا ..ولكم تساءلت بيني وبين نفسي لماذا كل هذا الثراء وهذه الصالات والغرف الفخمة وعدد أفراد أسرة البغدادي لا يزيد عن سبعة أشخاص تقريبآ ..فهنالك الجد الكبير عثمان المكاوي وإبنه البغدادي وزوجته صفاء وابنتها أمل..ثم إبنها أسامه ..وذاك الحشد من العاملين ..طهاة وعمال نظافة وسايس للخيول وعدد من السائقين وآخرين بلا أعباء ..
    إنتابني شعور عميق بالصدمة والتوتر عندما علمت من البغدادي بأننا سنقابل الجد الأكبر المعتزل للناس والمجتمع منذ عشرين عامآ ..وأن مرتضي سيلحق بنا حالآ ..تصورت أنني سأقابل شخصآ هرمآ محنطاً ..عتيقاً ..قابع في زاوية مظلمة تحف به تماثيل غريبة وجلود حيوانات وبنادق أثرية وتنبعث منه روائح لزجه ..لكن خوفي تبدد عندما تقدمنا والد أمل ليستأذنه الدخول لنا وله ..وبعد إنتظار قاس تجمدت فيه عروقنا ويبست حلوقنا دخلنا وأمل تتقدمنا ..وكم كانت دهشتي عظيمة عندما نهض الجد من كرسيه الدوار خلف المنضدة العتيقة وقد أفرد كلتا يديه يصافحني وإبتسامة رصينة تلون وجهه النظيف ..وليس ببعيد عنه تناثرت الكتب والمعاجم والمجلات الأجنبية وكان ثمة راديو بحجم ثلاجة متوسطة الحجم قد أخذ موقعه قرب السرير الخشبي الوحيد ..رحب بي وسألني عن ضباط عظام في سلك الشرطة والإدارة ..قال لي أنه زاملهم في كلية غردون التذكارية ..وتحدثنا في التاريخ والأدب والسياسة ..حدثني عن نشأة الشرطة وكيف أنها كانت والجهاز الأداري وحدة واحده إذ يتخرج الضابط الإداري وضابط الشرطة والدبلوماسي من كلية واحده وكان الرجل بحق موسوعة في كل شيء ..بهرتني ثقافته الواسعة وتأثيره الرهيب علي أمل ووالدها ..وجلسنا جميعآ كتلاميذ نجباء نستمع إليه ..ولم ينقذنا من هذا الموقف سوي حضور مرتضي الذي دلف إلي الداخل وهو يرتجف من الخوف والرهبة ..لم يكترث له الجد في باديء الأمر وواصل تجواله في الأيام الماضية وعلاقاته مع الإنجليز.. مستر كذا ومسز كذا وأنا لا أكاد أفهم ما يجري حولي ..وكنت كلما أرهق من متابعة صوته الخفيض الهاديء النبرات ألوذ بعيون أمل ووسامتها الطاغية فأرتاح ..ولاحظت أنها الوحيدة التي تعلق وتشارك جدّها في الحوار دون أي إحساس بالتردد ..وأخيرآ طلب مني أن أقدم لهم تصوري لحل مشكلة مرتضي مع الفتاة التي حملت منه سفاحآ ..شكرني بقوة وأمّن علي كل طلباتي وسلمني المبلغ كاملآ ..عشرة ملايين من الجنيهات عدآ نقدآ ..وعندما تساءل البغدادي عن مصير الطفل وكيف تكون العلاقة بينه وبين مرتضي ..صرخ في وجهه بصورة أطارت صوابه وصوابنا نحن كذلك .. وظل يردد ( لا دخل له به ..لا دخل له به ..مفهوم ؟ ) .
    ******
    أعلنت المقاصة الخاصة ببناء العنابر الجديدة بالمستشفي وكان المهندس هاشم متأكداً بأنه سيفوز بها ..إذ أنه بات الأجدر بكل عطاء للبناء بعد تلك الآليات الضخمة التي استوردها من الخارج ..وكم كانت المفاجأة قاسية ومدمرة بالنسبة له ..إذ فاز بالعطاء مكتب الشيخ البغدادي للمقاولات ..وكانت مناسبة للحرب الباردة المستعرة أصلآ بين الأسرتين ..فتصدت مني زوجة الوجيه إسماعيل للقضية بشراستها المعهوده ونأت صفاء والدة أمل بنفسها عن هذا المعترك ..
    لقد ضاع كل شيء يا أبي ..ضاع كل شيء ..فماذا أنا فاعل بكل هذه الآليات والخرائط التي أعددتها لإنجاز هذا المشروع برؤي إنسانية بحتة ، بعيدآ عن حسابات الربح والخساره ..سوف تبني وتشيد يا باشمهندس حتي تسأم البناء والتشييد .. وسوف تري .
    ولكن يبدو أن الوجيه إسماعيل موعود بهزائم كثيره ..فهاهي نتيجة الإنتخابات تعلن ويفوز الشيخ البغدادي بالدائرة ..وسارت مواكب الفرح والإبتهاج تمشط أنحاء المدينه ..وجلس هو وزوجته والدكتوره ندي وإبنه المهندس هشام في فناء المنزل وقد تناهت أصداء المسيرات إلي أسماعهم ( نائبكم مين ..؟ البغدادي .. الدائره لمين ..للبغدادي ..) .
    وكانت ردة فعله قوية وفوريه ..فقد نشر إعلاناً في الصحف وعلي صفحة كاملة يعلن فيه إنسلاخه من الحزب الذي يضمه والبغدادي ويعلن إنضمامه للحزب المنافس ..وقرر أن يدير معركته الإنتخابية القادمة ومنذ اليوم ..علي أسس علمية سليمة ..فهو يملك الأموال الطائلة بكل العملات الحرة في العالم ..إذ كان يدير عددآ من الشركات المملوكة له ،وتنطلق إستثماراته الضخمة من فرانكفوت لتغطي أوروبا والخليج والشرق الأقصي ..وعندما سئم العيش بعيدآ عن الوطن وسئم الإغتراب ،قام بتصفية تلك الشركات وحول أرصدتها إلي حساب خاص بإحدي البنوك السويسرية ..
    لم يصدق حزبه الجديد النبأ في باديء الأمر ..فهو معروف للجميع بعلاقاته العريضة مع مؤسسات التمويل العالمية ووقع الخبر علي حزبه وقوع الصاعقة وهم الذين يعرفون من هو الوجيه إسماعيل وكيف يفكر وكان منطقهم في الإنحياز للبغدادي أنه راسخ القدم في المنطقه يعرفها قرية قرية ويحظي بإحترام الجميع ..
    وهكذا إنتهت أيام الأفراح وحانت ساعة العمل ..وجاءته الفرصة علي طبق من ذهب ..إذ تعطل المولد الكهربائي العملاق ماركة (الرولزرويس ..)..وصبر الناس أياماً واسابيع يعانون من شدة العطش وتظاهروا أمام البلدية مطالبين بشراء قطع الغيار..ولكن كيف ومم ؟..وهرع البغدادي لإجتماع عاجل حضره مجلس الأعيان وكان الوجيه إسماعيل حاضرآ يراقب الموقف ..وتلي المهندس المختص قائمة بقطع الغيار المطلوبة وكلفتها بالعملة الحرة وكانت تقارب المائة ألف دولار ..فسرت همهمات هنا وهناك ..مائة ألف دولار ؟..نكتب للخرطوم ..نكتب للخرطوم ونموت عطشآ حتي تتكرم الخرطوم بالرد ؟ ..أحد الأعيان وقد صاح مغاضباً ..وهنا نهض الوجيه إسماعيل وطلب إذناً بالحديث ..ساد القاعة صمت رهيب ..وتوقع أنصاره أن يشن حملة ضارية علي الحكومة والبلدية متهمآ إياهما بالتقصير..بيد أنه وبدلاً عن ذلك تحدث بصوت هاديء النبرات والتمس العذر للحكومة وقال يجب علينا أن نحل مشاكلنا بأنفسنا وهو إذ يغتنم هذه السانحه يحي الدور المقدر الذي ظلت تلعبة إدارة الكهرباء ..ويتبرع بمبلغ مائة ألف دولار هي كلفة الصيانة وزاد علي ذلك بان إلتزم بشحنها من إنجلترا جوآ علي نفقته الخاصة ..ولم تمض بضعة أيام حتي وصلت قطع الغيار وتمت صيانة المولد وعادت المدينة لتنعم بالكهرباء ..وكانت صفعة قوية تلقاها البغدادي وهو يخطو أولي خطواته في البرلمان .

    ******
    إنها المرة العشرون التي تدور فيها حول منزل ( نوال الشامية ) يا إسماعيل ..ماذا تنوي فعله بالضبط ..السيدة نوال تعيش في هذا المنزل الواسع الذي يقوم علي مساحة ربما تزيدعلي ثلاثة أفدنة لوحدها ..وما يميّز هذا المنزل أنه يقع في مواجهة البيت الكبير شرقاً لا يفصله منه سوي شارع الإسفلت ..وكانت تعيش فيه ثلاث أسر ..نوال وزوجها وأبناؤها الثلاثة وإثنان من أشقائها ومعهم زوجاتهم وأطفالهم .. ولدت نوال وكبرت وتزوجت فيه ..أنجبت أولادها الثلاثة هنا ..توفي زوجها هنا ..عاش شقيقاها وتزوجا ومن ثّم أنجبا أطفالهما هنا ..بيد أنهم رحلوا وتركوها مع خادمتها وذكرياتهم ..هنا أصداء ضحكاتهم ..هنا تاريخها وجذورها ..نعم ..لقد رحلوا وتركوها وحدها ..أولادها في بلاد المهجر ..الكبير بأمريكا والثاني بكندا والأصغر بالخليج ..الشقيق الأكبر إستقر بالخرطوم والآخر سافر إلي بيروت ..كانوا جميعآ يكونون أسرة كبيرة تمارس تجارة الأقمشه في دكاناتهم الثلاث في قلب السوق الكبير ..وبرغم كونها أجنبية كما تقول السجلات الرسمية إلا أنها تشعر بإنتماء حقيقي لهذه البلدة ..وعندما ألحّ عليها أولادها أن تأتي لتعيش معهم رفضت بعناد ..لكنها تشعر الآن بالوهن والتعب ..كانت في الماضي تجلس طوال اليوم أمام منولها تنسج الصوف ..ومع تقدمها في السن ووصول تحويلات الأولاد ..هجرت مهنتها وتفرغت للأنشطة النسوية مع الأستاذه سميره ..ولقد حاول البغدادي بشتي السبل أن يغريها ببيع منزلها ..أحياناً بالترغيب وأحايين كثيرة بالترهيب ..إن كان عبر لجان الحي أو الصعاليك وإن كان عبر ملاحقتها بإجراءات الهجره ..لكنها صمدت وقاومت ضغوط البغدادي .
    ماذا تنوي عمله يا إسماعيل ..سأشتري هذا المنزل مهما يكلفني من مال ..وسأبني فوق أنقاضه ( فيلا) فخمة .. لا بل قصراً منيفاً ..وسأشتري الدكانات الثلاث وأبني فوق أنقاضها كافتريا حديثه ..راقية ..وليس مثل كافتيريات البغدادي ..وعندما يكتمل البناء سأجعل من (البيت الكبير) أثراً من آثار الماضي البعيد ..هكذا إذن ..ألا زلت تغتنم الفرص لتعويض سقوطك المريع في الإنتخابات ..؟ وهل ستقبل السيده نوال ؟ سنري يا صديقي ..سنري ..ولكنها وافقت بمجرد أن (فاتحها ) في الموضوع ..لكأنها تنتظر منه خطوة كهذه ..أنت تستأهل وأكثر ..وكنت أفضل الموت علي أن يؤول منزل العائلة وإرثها للبغدادي ..إنك يا سيد إسماعيل صديق حميم للأسرة ووالدك الله يرحمه هو من أتي بوالدي لهذا البلد وهو من فتح له الآفاق الرحبة ..ولكن يتعين عليك أخذ موافقة أشقائي .. أما أبنائي فلا تشغل بالك بهم ..سأفعل يا سيدتي ..سأفعل ..ولن أنسي لك هذا الصنيع ما حييت ..
    إييه يا نوال مضت أزمنة الأيام الحلوة..أيام الوالد والولد والأشقاء وحانت أوقات الترحال من بلد إلي بلد ..شهرآ بأمريكا وأسابيع بكندا وأخري بالخليج ..وستدورين كالساقية من مطار إلي مطار ..ومن دار إلي دار ..كيف تضحّين بذكرياتك وصداقاتك وهواء هذه البلدة التي أنجبتك ..لقد تعبت من العيش هنا وحدي يا إبني ولا بد لي أن ألحق بأهلي ..أنت لست وحدك يا نوال والجميع هنا بمثابة أهلك ..لكنني أشتاق أولادي ..أشتاقهم بشده ..يا إلهي كم أشتاقهم ..!!

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. أنين البوصلة
    بواسطة احمد المعطي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 16-09-2016, 10:58 PM
  2. البوصلة والمثقف
    بواسطة محمد إسماعيل سلامه في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 03-08-2013, 08:04 PM
  3. تمزق...رواية جديدة .
    بواسطة عبدالغني خلف الله في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 60
    آخر مشاركة: 06-01-2011, 05:47 PM
  4. يارا..رواية جديدة للمُبدع محمود خفاجي
    بواسطة محمود سلامة الهايشة في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-07-2010, 12:57 PM
  5. خيانة البوصلة
    بواسطة عبد الصمد الحكمي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 18-05-2009, 01:08 PM