أحدث المشاركات
صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 36

الموضوع: البوصلة .. رواية جديدة .

  1. #11
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة التاسعة.. متابعة طيبة أتمناها لكم
    لم يكد إسماعيل يصل منزله حتي إجتمع إلي إبنه المهندس هاشم ليطلعه علي مشروعه الجديد ..جن جنونه من شدة الفرح ..أخيراً ستدور الماكينات التي أحضرها معه من خارج السودان ..أريد إبداعآ حقيقيآ يا باشمهندس ..لا أريد عمارة تقليدية ..يجب أن يكون قصراً مدهشاً ولا تنظر إلي التكلفة وسنبدأ بالكافتيريا ..ولا أريد لأحد أن يعلم شيئااً عن موضوع بيت نوال الشامية ولا حتي والدتك وندي ..لم يتبق إلا السفر إلي الخرطوم وبيروت لتكملة إجراءات البيع والتوثيق .
    ******
    كان موقفآ إنسانيآ يجسد عظمة المشاعر والعواطف بين الوالد وولده وبين الإبنة وشقيقها ..موقف تعجز كل مفردات اللغة عن تصويره ..أخذ حاج الرشيد إبنه كمال بين أحضانه وضم إليه جسده المتعب جراء الحمي وقد أخذ يردد ..الحمدلله ..الحمد لله يا ولدي ..وماهي إلا ثوان حتي تهدج الصوت الفخيم وسالت دموعه تبلل لحيته الكثه ..أما الكنينه فقد إحتضنت شقيقها ووالدها معآ وهي تبكي وتردد..((كمال أخوي ..كمال ود أمي ))..لم أستطع تحمل هذا الموقف فغادرت الغرفة وتركتهم لوحدهم وبعد أن هدأت الخواطر قليلآ ..جاء دور العتاب واللوم ..عتاب ملؤه المحبة والحنان ..ولم يجد كمال غير عبارة ( إرادة ربنا يا بوي ..إرادة ربنا يا الكنينه ..) يلوذ بها وأحيانآ يهمهم ..( الحمدلله أنا كويس ) ولم يفته بالطبع السؤال عن أمه الحبيبه ..و(ناس ) القريه فرداً فرداً ..بإستثناء إبنة عمه ( سهام ) ..ولكن الكنينه تبرعت بإبلاغه ما حدث لها عندما علمت بنبأ البرقية التي أفصحت عنه وعن مكان تواجده ..( أسكت ساكت يا كمال ..كان شفت سهام بعد ما سمعت الخبر ..عاد نان ما بقت في حاله رهيبه ..دخلت في ( كوما ) لامن رشوها بالكلونيا ..زوجها ..؟ زوجها ده منو ؟ ما طلقتو بعد خمسه شهور بس من الدخله ..يعني لو صبرت شويه يا كمال ..) كل شيء قسمه ونصيب ..( نعم ..ما قلنا حاجه ..ولسه إن شا الله القسمه تسوق ..) ..إييه يا الكنينه ..بعد ما فات الفوات ..لا ما فات فوات ولا يحزنون ..سهام سدت كل الأبواب قدام أجعص الناس وأكيد منتظراك يا كمال أنا فاهماها كويس ولغاية ما قمنا كانت بتوصينى أسلم عليك ..دي بسلم عليك وهي بتبكي ..صدقني يا دكتور إنت ظلمتها وظلمتنا كلنا بسفرك من البلد ) .. أما حاج الرشيد فقد إستمسك بمسبحته يذكر الله في سره ويحمده بعد أن رد عليه إبنه الوحيد ولم ينس أن يسجد شكراً للمولي ..الحاج الرشيد طراز عجيب من الرجال .ناس الحله يلقبونه (باللدر ) ومعناها الأسد ..لا يتم أي أمر في البلد إلا إذا كان اللدر في مقدمة من يتصدون له ..التي تخاصم زوجها وتغادر لمنزل والدها هو من يعيدها لبيتها ..وكان مشهوراً بعبارة ( ما تغلط يا زول ) أو( ما تغلطي يا زوله ) ..والذي يتشاجر مع آخر في السوق هو من يوقفه عند حده ..ينتهره بصوته الفخيم ويقول له والشرر يتطاير من عينيه ( ما تغلط يا زول ) ..هو جوهرة كل المحافل ..وسيد كل المجالس .. ( ذوق وفهم و رسميات ) .
    إستأذنتهما لبعض الوقت لأراجع الأحوال بالمركز قبل التوجه نحو( بصله الأرعن وصديقه فيصل ) وفي ذهني أن أعرض عليهما فكرة الزواج من آسيا الفتاة التي حملت سفاحآ من مرتضي الشيخ البغدادي ..وسوف أنجز الأمر فوراً مع أكثرهما إستعداداً لتحمل المسئولية وفي بالي أن أشترى لها ولزوجها المرتقب منزلآ متواضعآ وإن كنت أفضل فيصل علي (بصله ) المنفلت ..وكانت هنالك مفاجأة سارة بانتظاري ..إذ وصلت برقية من رئاسة المديرية قضت بترقيتي لرتبة الرائد شرطه وتثبيتي في موقعي رئيسآ للمركز خلفآ للمقدم أزهري ..إنها أخبار ساره سأنقلها لأمل في أقرب فرصه ..أمل ..؟وأين هي أمل وقد كفت عن الإتصال بي عبر الهاتف ..ولكن أليس غريبآ أن يجيء خبر ترقيتي في يوم وصول الكنينه ووالدها ..إنه الفأل الحسن ولا ريب .
    ******
    كان الشيخ البغدادي يعيش في حالة يرثي لها بالخرطوم وهو يحضر جلسات البرلمان .. غائبآ تماماً عن مجريات النقاش الدائر هناك يفكر في الأستاذة سميره ..إنه يحب بجنون ..وهل يعقل هذا يا حضرة النائب الهمام ؟ وأين قضايا المواطنين ..مشكلات الإمداد الكهربائي والمائي وقد أنقذك منها الوجيه إسماعيل ..مائة ألف دولار يدفعها هذا الدعيّ ويحرجني أمام الناخبين ..والآن أطلت برأسها جملة من المشاكل ..إنتشر داء السعر بل..وهنالك حمي مجهولة تجتاح الناس ..إفعل شيئآ بدلاً من الإسترسال في الوهم وطيف سميره الذي يحاصرك أينما اتجهت ..هل أنت مراهق ؟ ..إنك نائب في البرلمان يا هذا ..ولكنني أيضاَ إنسان ..وهكذا قرر أن يطير قافلاً للمدينة بحجة الوقوف علي أبعاد تلك الحمي والبحث عن علاج ناجع لها مع وزارة الصحة الإتحادية قبل أن يستقدم إسماعيل فريقآ من هيئة الصحة العالمية علي نفقته الخاصة ..حمي مجهولة ؟..وماذا عن حمي سميره التي تصهره حتي العظم ..ألا من علاج لها ؟..علاجها واحد وهو الزواج ..وماذا لو علمت زوجتي صفاء ؟ كيف أواجه أمل ومرتضي وأسامة أولادي ..إنها توحشني بضحكتها الآسرة وجسدها المرمري المتماوج ..وأناقتها الباذخه ..لماذا لا تتأنق صفاء كما تفعل سميرة في كل مرة قابلتها فيها .. لماذا تركن إلي أنها زوجة فقط وأم أولاد ..لا تظلم صفاء يا بغدادي ..ذاك الخصر المفقود خصر سميرة ضعه علي المحك ..تزوجها ولتنجب لك أولاداً ..لن تعثر له علي أثر ..إن الفتاة قبل الزواج تحدد زمن المعركة ومكانها ونوع الأسلحة التي تستخدمها لتصرعك بها ..أما وقد تزوجت ..فغالبآ ما تكون المعركة متكافئة بينكما ..فالمكان واحد والزمان حالة مستمرة والأسلحة قد صدأت ..وسقطت كل الأقنعة ..وقتها ستندم يا بغدادي.. ستخسر صفاء ولن تجتهد سميره في إسعادك وقد ضمنتك زوجآ لها ..وستبدأ مشاوير الطلبات المستعجلة والمؤجلة وستختفي سميره التي تقتلك في اليوم الواحد ألف مرة وتحييك ..ستختفي بضحكتها الآسرة وخصرها المفقود وجسدها المتماوج كثعبان ..ولكنني أعرف أزواجآ كثيرين من أصدقائي يعيشون في سعادة أبدية ..إنهم يتظاهرون أمامك فقط ..وعندما تتركهم تدور معارك أهون منها معارك التحرير في (هانوي )..هل تريد أن تقنعني بعدم جدوي الزواج ..؟ لا يا صديقي الزواج رباط مقدس ..وسيهديك عاطفة هادئة قوامها الإلفة والمودة ..فلا تراهن علي هذه العاطفة المشبوبة والأشواق المدمّرة التي تشغلك عن واجباتك كنائب أودعك الناخبون ثقتهم ..لو علموا كم أحبها وأشتاق إليها لعذروني والتمسوا لي الأعذار ..أنت لست نابليون وهي ليست (هيلانة ) ..إنها فتاة من عامة الشعب ..لكنها أنيقة ومترفه ومثقفه ..وسأسافر غداً لأراها ..علي الأقل أقوم بإفتتاح صالة الألعاب التي تبرعت بها لمدرسة البنات ..لقد قالت لي إنها تؤخر كل شيء حتي عودتي ..آه يا سميره ليتني أسمع صوتك الآن ..صوتك يأخذني إلي عوالم من السحر غريبة ..ولماذا لا تهدي لها هاتفآ جوالاً فتضمن سماع صوتها متي ما شئت ..نعم ..نعم كيف فات عليّ ذلك .

  2. #12
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة العاشرة
    فرحت فرحآ شديداً بعودته ..قال لها آمل ألاّ تتخلى عني يا سميره ..لقد صرت واحدة من أهم محاور حياتي ..لن أتخلي عنك ولن يفصلني منك سوي الموت ..هل هذا وعد يا سميره ..نعم هذا وعد ..ووعد الحر دين عليه ..وبالمقابل إنتابت صفاء وأولادها حالة من الحيرة والشرود عندما أخبرهم مرتضي بأن والدهم قد طلب منه التوجه لمدرسة البنات مباشرة من المطار وأن يعود له بعد ساعة من الزمن ..ماذا يدور في خلدك يا بغدادي ؟ صفاء وهي تحدث نفسها ..شخص واحد يعلم ما يجري من أحداث ويجد التفسير المناسب لها ..ذلك لأنها قد عايشت نذر العاصفة التي تزلزل البغدادي ..إنها الرائعة أبدآ ..أمل .

    أنا أتزوج ؟ ..لا لا يا جنابو ..شوف فيصل ..بصله وقد فاجأته الفكره ..أنا ممكن أتزوج في حاله واحده بس..إذا قبلت آسيا بتجديد القسيمه سنوياً ..يعني زي رخصة السواقه ..والجواز وكده ..عشان لو قالت كاني ماني أديها كرت أحمر ..لكن زواج ومصاقره يوماتي ..سوري لأنا يا آسيا ..وعلي العكس من بصله تقبل فيصل الفكرة بإهتمام شديد ..وبدا كالغريق الذي ألقي إليه بطوق النجاه ..آسيا بت حلوه ومهذبه ..لكن حتقبل بواحد زي حضرتنا لا بيت لا عربيه ..ولا أصل ولا فصل ..المهم إنك تقتنع بفكرة تأسيس أسره وتسيب الفوضي الإنت عايش فيها دي يا فيصل وسأبذل قصاري جهدي في إقناعها لتقبلك ..إنت إنسان كويس ..بس إتوكل علي الله وعمل الخير ربنا بتمو .
    فيصل الطباخ ؟..آسيا وقد صرخت في ذعر واضح ..مالو فيصل الطباخ ..ما راجل فاهم ومفتح وكل زول بحترمو في البلد دي ..وأوعك تقولي كلام تندمي عليهو بعدين ..أها قلت شنو ..( صمت ..) ..السكات رضاء يا إبني طارق ..أستاذ عبدالسلام الذي تبني وزوجته الطفل ( غضنفر ) .. الذي حبلت به سفاحآ آسيا من مرتضي البغدادي ..والد الغضنفر تلميذي في المدرسة الإبتدائية ..مرتضي كان من التلاميذ المعروفين بالمكر والخداع والإنتهازية وحب التملك ..ويبدو أن السيد البغدادي قد أسرف في تدليله وهو ما يزال طفلآ غريرآ ..والراي عندي ألاّ تفرط الأسرة في إسباغ الحنان علي أطفالها وأن تكون التربية متوازنة فيها شيء من القسوة والإنضباط ..الأستاذ إسماعيل وقد عاودته هموم التربية والتوجيه التي تخطاها بفعل التقاعد ..كثيرآ ما حذرت والده من تصرفاته الغريبة والعجيبة ..كان ذكيآ مافي ذلك شك بيد أنه كان يوظف ذكاءه في الإيقاع بين التلاميذ مع بعضهم البعض وبين التلاميذ والأساتذة ..كان بارعآ في إختلاق الأكاذيب والتمثيل .. يتظاهر بالبكاء فتنساب دموع التماسيح من عينيه بلا توقف ..ويتظاهر بالمرض فيضعنا جميعآ علي حافة الإنهيار ..وما أن تأتي عربتهم لأخذه حتي يصحو ويضحك بصوت عال يختلط مع صوت إنزلاق الإطارات المندفعة بقوه ..والآن يا غضنفر ..ليتك تأخذ من جدك عثمان المكاوي أكثر مما تأخذ من مرتضي .. كان طفلآ وسيماً رائعاً ..شعر مجعد وعينان براقتان تنمان عن الذكاء ويدان سالفتان لا تكفان عن الحركة وسلوكيات ملوكية في كل شيء ..قالت لي الحاجه آمنه زوجة الأستاذ عبدالسلام ..هذا الطفل سيكون له شأن كبير في المستقبل ..تصور إنه لا يبكي كالأطفال عندما يجوع وعندما نقدم له الحليب يتذوقه قبل أن يبدأ في شربه وإذا حدث وإن تغير طعمه يرفضه في إباء وشمم ..دائم التأمل ..سريع ردات الفعل لأقل صوت ..يعطيك الإحساس بإنه متأهب وحاضر وينصت جيدآ لما تقول ولا يبدو أنه في عامه الأول ..وتصرفات أخري لا أسطيع أن أحصيها ..
    لم ترض آسيا عن الأوصاف التي سمعتها من حاجه آمنه عن طفلها الغضنفر ..أخذته من حجرها وهمت بالمغادره ..قلت لها مداعباً أها يا عروس ..نجيب الماذون ..ضحكت عيناها الصافيتان وهي تغادر يلفها الحياء والفرح .
    ******
    فرح الرجل فرحآ عظيمآ عندما فاتحه الوجيه إسماعيل حول شراء منزلهم ..ولم يكد يصدق أن شقيقته نوال وافقت علي بيع المنزل ..وكذلك فرحت زوجته وأولاده ..إذ أن بيع المنزل يعني ضخ المزيد من الأموال في ميزانية الأسرة المنهكة أصلآ ..( ما قادرين نعيش زي زمان يا سيد إسماعيل ..ما فيش حد هلا بيقبل أصوافنا وشغلاتنا ..وقدامو هونغ كونق والشغلات التانيه ..خلاص إنتهي زمانا ..وهلا جيتنا في الوقت المناسب ..بس اللبدك ياه تفوت علي بيروت وتتونس مع أخويا ناظم وإن شاء الله ما يصير إلا خير .)..وهو يحتاج لبيروت وأمسياتها الرائعات ..محتاج للخروج من تلك الأجواء القاتمة التي تحيط به من كل جانب سيما بعد هزيمته الساحقة في الإنتخابات علي يد الشيخ البغدادي ..محتاج للإنفلات من سجن زوجته مني التي تحصي عليه حتي أنفاسه ..كانت معركة رهيبة أظهرت له براعة وانتهازية خصمه ..لقد عول علي المصداقية والنقاء في حملته تلك وكان ينوي فعلآ توظيف قدر كبير من ثروته في تنمية المنطقة وانتشالها من وهدة التخلف والبطالة وضعف الخدمات ..لكن الناخبين إختاروا البغدادي وانحازوا إلي صف الوعود البراقة التي أمطرهم بها في خطبه وهاهو يعجز حتي عن توفير قطع غيار المولد الرئيسي للبلده ..ولكن سوف تري يا بغدادي كيف ستسير الأمور بالنسبة لك ..لقد حّز في نفسه أن تعيد صفاء زوجة البغدادي علي مسامع زوجته وابنته الدكتورة ندي وفي منزله وأمام ضيوفهم قصة عمل والده كموظف مع الجد الكبير عثمان المكاوي ..ذلك زمان قد مضي يا صديقي ..ونحن أبناء اليوم ..سأدمرك تمامآ يا بغدادي ماديآ ومعنويآ برغم أنف الجد الكبير ..إييه ليت والدي علي قيد الحياة .. إذن لعاش ما يثلج صدره وهو الذي أمضي كل حياته ينوء بسخافات عائلة البغدادي .. يتحمل في صبر وجلد عنجهية وغطرسة عثمان المكاوي ..ولم يضع الوجيه إسماعيل وقتآ إذ توجه في صباح اليوم التالي إلي أقرب وكالة للسفر والسياحة لتعمل له عدد من الحجوزات التي ستأخذه إلي بيروت ومنها إلي زيورخ وجنيفا لإنجاز بعض التسويات العالقة هناك ..جلس إلي موظفة الحجز التي كانت منكبة علي مراجعة بعض البيانات خلف شاشة الكمبيوتر ..وعندما إلتفتت نحوه ..حيته بإبتسامة رائعة وهي تقول ( صباح الخير ..أي خدمه ؟ ) ..إرتبك إسماعيل إرتباكآ عظيمآ وهو يطالع وجهها ..عينان لوزيتان وتقاسيم مرمرية وفم بلون الكرز ..في الواقع أود يا آنسه ..سابينا ..إسمي سابينا ..في الواقع أريدك أن تنجزي لي عدداً من الحجوزات لكل من بيروت وزيورخ وجنيفا علي متن ال ( سويس اير )وفي أقرب فرصة ممكنه ..علي الرحب والسعة يا سيد ..إسماعيل ..إسمي إسماعيل ..أعطني الجواز وتستطيع أن تعتمد علي مهارتي في الحجز ..فأنا أعمل هنا منذ سنه تقريبآ ..لوحدك ..تعملين لوحدك .(.نو نو ) ..يساعدني في العمل إبن صاحب الوكاله وقد ذهب إلي البنك وسيعود بعد قليل ..ولكن لهجتك تقول بأنك لست سودانيه ..هذا صحيح فأنا نصف إثيوبية ونصف إرترية وأعيش مع والدتي بعد أن غادرنا بلدنا هرباً من جحيم المعارك ..آمل ألآ يكون أحد أفراد أسرتك قد أصيب ..كلهم أصيبوا والدي وشقيقي وشقيقتي جميعهم لقوا مصرعهم في الجبهه ..ولم يتبق لي سوي الماما ..لذلك تسللنا خلسة للسودان .. أنا آسف جداً يا سابينا ما كان لي أن أذكرك بتلك الأحداث ..لقد حدثت وانتهي الأمر ..فقدنا دارنا ومقعدي بالجامعه بكلية الطب في أديس ..فقدنا كل شيء واستبقينا ذكرياتنا واحزاننا ..وها نحن نبدأ من الصفر أنا ووالدتي ..وهل يكفي المرتب الذي تتقاضينه لتوفير أشياء مثل السكن و..نحن نعيش تقريباً علي الكفاف ..ولكن الأمور تسير علي كل حال ..أنا ممتن لك يا سابينا لأنك تفتحين لي قلبك ..نعم ..نعم ..لا أدري يا سيد ..يا سيد ..إسماعيل ..عفوآ الأسماء العربيه تربكني ..ولكن يجب أن أبوح لك بسر ..في شخص سيادتكم الكثير من ملامح شقيقي المرحوم المقدم طيار برهانو ..لكأنك هو .. يا إلهي من يصدق هذا ..لو رأتك أمي ..
    لو رأتك أمي ..وهنا خنقتها العبرات وسال الدمع مدرارآ علي صفحة وجهها اللامع كبرتقالة مبلله .

  3. #13
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الحادية عشرة
    جلست تحت شجرة المانجو العملاقة بمنزل الدكتور كمال أتجاذب أطراف الحديث مع الكنينه ريثما يفرغ من جمع حاجياته فقد تبقي علي موعد مغادرة القطار حوالي ساعتين ..قلت لها فيما يشبه الإعتذار ..أنا آسف جدآ يا فاطمه ..فقد شغلتني قضايا كثيرة عن التفرغ لكم في هذه الزيارة القصيرة ..وحتي يوم الجمعة أمضيناه في رحلة صيد تحت ضغط من بعض الأخوة الذين يعلمون جيدآ كم أنا مولع بالصيد ..والآن أمامي مهرة عنيدة تستعصي علي سهامي ويشقيني أنها علي وشك الإفلات مني ..وأظنني مضطر لملاحقتها في عقر دارها ..خاصة عندما يتزوج شقيقها الفتاة المستوعبة سهام ..ضحكت من أعماقها وقالت لي إطمئن ..تلك المهرة العنيدة تكاد تقول خذوني ولا قدرة لديها علي الهرب من صائد ماهر مثلك ..أما أنا فقد وجدت موضوعآ لبحث التخرج في مادة علم النفس ..وتيقن أنني سأدرس الهدف بعناية مكثفة وسأسبر أغواره بلا هوادة ..وإذا ما وجدت دواخله تتطابق ومظهره الطيب تأكد أنني سآخذه عنوة ولن أدع طفلة لاهية كأمل الشيخ البغدادي تنتزعه مني ..وهل عرفت يا الكنينه من تكون أمل بالنسبة لي ولم يمض علي قدومك إلينا سوي أيام ..؟ مدينتكم يا سيدي كتاب مفتوح ..وبإمكان الزائر لها قراءته وفهمه خلال ساعات ..هذا يا فاطمه يضيّق عليّ هامش المناوره ..وسأستدعي كل براعتي وخبراتي المتواضعة لوضع القيد علي الرسغ ..ولماذا كل هذا العناء ..؟ الضحية علي حافة البحيرة تشرب من مائها العذب ..كلما يتطلبه الموقف ..وثبة قوية لا تدمر البيئة ولا تمزق الملامح ..وثبة بحساب المواقف لا الربح والخسارة ومغريات الأبهة والفخامه ..تحرر يا جنابو من ذلك الشعور بالخوف والإرتباك ..وافرد جناحك من جديد ..نسرآ عملاقآ مع( تعاظم نفرة وجماح ..) ..وساكمل يا الكنينة بعد إذنك ..نهار الأمس فارقني الحبيب وراح.. وبإسم التضحيات الزائفات مضي وخلفني لوهج الشمس والأشباح ..ضحكت وهي تعيدني لأول القصيدة ..لا بل قل علي ليلي يطول أساك منتعلآ وسامة قلبك الشاعر ..مطرودآ أمام الريح محتملاً جراحات الهوي الخاسر ..وممدوداً علي سجادة التاريخ مائدة لكل حزين ..وهل سيطول أساي يا فاطمه ؟..هذا طبعآ يتوقف علي مدي إستعدادك لتقصير ذلك المدي الذي تنعطف نحوه ..وظللنا علي هذه الحال ..ندور وندور حول أشياء وأشياء نود لو نفصح عنها ..يمنعنا من الدخول فيها مباشرة رغبتنا المشتركة في أن يأخذ كل واحد منا ما يحتاجه من وقت في التفكير بالأمر وأن لا نتسرع في إطلاق الوعود حتي لا نندم كلانا أو أحدنا ..وحانت لحظات أتعستني ومزقت ضميري ..لحظات تحرك القطار ..متمهلآ ..وبلا إستعجال ..متمهلآ يطلق الصافرة تلو الصافرة ..وأيدي المسافرين والمودعين تتشابك والمناديل ترفرف كحمامات بيضاء ..متمهلآ يتماوج كثعبان وعلي صفحة خده تتوافد الأرقام وعبارة (يعود للورشة بعطبره ) تصفعك في قسوة .. حتي القطارات موعودة بالعودة إلايّ ..متمهلاً وأنا لم أرتو بعد من حديث الكنينة وبحة صوتها الغريبة ..لكم تمنيت لو أنها تتكلم بالساعات الطوال فلا تتوقف.. لدرجة أنني عجزت عن توفير دقائق أنهي فيها موضوع شرائي لمنزله من مال البغدادي للبنت آسيا ..فطلب مني أن أتصرف نيابة عنه وأن أعتبر البيت بيتي وسيتصل بي عبر جهاز الإتصال بالشرطة ليعطيني رغم حسابه الجديد ..ورفض أن يأخذ المبلغ كاملا واكتفي بأخذ نصفه وهو يتطلع إلي إحتياجات أسرته لدي عودتهم ويكرر عبارة سنلتقي يا طارق ..ولم تتمالك الكنينة نفسها وهي تناضل في السيطرة علي مشاعرها فلا تبكي ..وعندما همت بأن تقول لي وداعآ بكت في صمت.. لماذا هؤلاء الناس رائعون إلي هذا الحد ..؟ أما الحاج الرشيد فقد أخذني بالأحضان وهو يهمهم ..لا إله إلا الله يا إبني طارق ..محمد رسول الله .


    أدمن مرتضي زيارة ذلك المنزل حيث الغضنفر ..بيد أن الصبي الصغير يرفض هداياه ..يرفض قبلاته ومداعباته ..يبكي بحرقة بمجرد أن يلمسه ..يقذفه بأي شيء أمامه ويعض يده بحرقة وكأنه يعاقبه علي جبنه ونذالته ..وكلما يزداد الصبي نفورآ يزداد مرتضي تعلقآ به .. يمضي الساعات الطوال قرب سريره وهو نائم يتطلع نحو وجهه ..يا الله لكم يشبهني ..ووقفت آسيا علي الحياد لا تضغط علي الغضنفر ولا تتبرم من زياراته ..بيد أن الأستاذ عبدالسلام نقل تفاصيل ما يحدث للشيخ البغدادي الذي إعتذر له بشده ووعده بأن يوقف مرتضي عند حده ..وسمع الجد الكبير بما يحدث فأرسل في طلب مرتضي ووبخه علي تصرفاته تلك وأقسم أنه إن عاد لزيارة ذلك الصبي لطرده من البيت الكبير شر طرده بعد أن يأمر الخدم بالإمساك به ومن ثم ّ يضربه حتي الإحتضار ..ولكن مرتضي لم يرعو.. فصار يدور حول المنزل يتلمس أية فرصة لرؤية إبنه ..وساءت حالته وهو لا يدري كيف يتصرف إزاء هذا الموقف ..وذات صباح إستدعاه طارق وأخبره بأن قاضيآ سيحضر من المديرية للتحقيق في قضية البنت آسيا وكانت إجراءات البلاغ قد أوقفت في المرة الأولي واعتقد الجميع بأن ملف القضية قد أقفل لا سيما بعد دفع الجد الكبير للتعويض ففاقم ذلك من حالته فأنغمس في الخمر والحشيش يدفن فيهما أوجاعه أو هكذا خيل إليه ولم يدر أنه وبهذا الفعل يضع نفسه علي حافة الإدمان ..
    وصل القاضي وبدأ إجراءت القضيه بالإستماع لأقوال البنت آسيا ..قالت له ..في تلك الليلة طلبت مني أمل البغدادي أن أحضر لها بعض الحلوي من البقالة القريبة من البيت الكبير ..كان الظلام دامسآ إذ لا يوجد تيار كهربائي يومها ..أحضرت الحاجيات من البقالة وبينما أنا أهم بالدخول عبر الحديقة خرج إليّ من بين الآكام شخص لا أعرفه وبدون أية مقدمات وضع يده علي فمي حتي لا أصرخ ..وجرني داخل حقل البرسيم وأخرج سكيناً من جيبه وتوعدني بالقتل إذا أنا أحدثت أية جلبة أو ضوضاء ..ثم نضا عني ملابسي واعتدي علي جنسيآ .. في البداية إعتقدت بأن الفاعل هو مرتضي البغدادي لأن الجاني بمثل قامته وصوته ..لكن مرتضي وبعد فتح البلاغ ذكّرني بأنه كان بالخرطوم ليلة الحادث وكنت أنا من حزمت له حقائبه ..واستجوب القاضي مرتضي فأنكر بأن يكون الفاعل ..وعبّر للقاضي عن رغبته في تبني الطفل رسميآ وإعطائه اسمه إذا كان ذلك ممكناً ..دونت القضية ضد مجهول وفرحت آسيا فرحآ غامراً إذ علمت بنية مرتضي الإعتراف بأبوته للغضنفر وسارت إجراءات الإعتراف والتبني دون عوائق واستخرجت الوثائق التي تؤكد ذلك واصطحب مرتضي معه إبنه ليعيش في البيت الكبير ..بيد أن الجد الكبير طرده وابنه وفصله من جميع وظائفه كمدير لشركة البناء وطلمبة الوقود ودار السينما وكان مرتضي محظوظاً إذ أنهي له المهندس هشام منزله الجديد ولم يتبق سوي بعض اللمسات هنا وهناك ..حمل الغضنفر إلي هناك وناما بين علب ( البوهيات ) وجوالات الأسمنت ..نام نومآ عميقآ لم يتذوق مثله منذ شهور ..لقد خسر كل شيء بيد أنه كسب الغضنفر يضمه إليه بعنف ..وكأن الصبي أدرك بأن كل الأخطاء قد تم تصحيحها فراح يضحك في وجه أبيه ..يلاعبه ويبادله حبآ بحب .

    عاد الوجيه إسماعيل من رحلته وهو يحمل موافقة ناظم شقيق نوال الشامية علي بيع منزلهم والدكانات الثلاثه..وسارت الأمور كما يشتهي ..قام بسداد المبلغ المتفق عليه واستكمل إجراءت التسجيل ..وتم كل ذلك في سرية تامة ولم يطلع حتي زوجته مني والدكتوره ندي بما أنجز ..شخص واحد كان يتابع ويدقق في البيانات ..ذلكم هو المهندس هشام ..ومن ثمّ قفل راجعآ ليرتاح فوق شواطيء سابينا ..قال لها ..كم واحد قبلي إعترف لك بأنك جميلة ورائعة بل ومخيفه ..كثيرون قالوا لي أنت جميلة ورائعة ولكنني أريد أن أسمعها منك أنت بالذات ..أما أني مخيفة فهذا ما لم يقله لي أحد .. سبح في بحر عينيها وعاد بذاكرته إلي أخريات إلتقاهن في أسفاره الكثيرة متجولآ بين العواصم الأوربية ..ولكنه حتمآ لن ينسي (هايدي ) .. نمساوية من فيينا تدرس الجيلوجيا بجامعة برلين .. ساحرة وفوضوية ..ولكنها متقلبة المزاج ..أحيانآ تصفو كمياه (توتيل في عز الصيف )..وأحايين أخري تثور وتغلي كمياه القاش ..قالت لك إنها يجب أن تسافر إلي فيينا لتعود صديقتها التي ترقد بالمستشفي هنالك تعاني من مرض عضال وأنها تود رؤيتها قبل أن تموت .. وكنت توعدها بتدبير قيمة تذكرة الطائره ثم تخلف وعدك ..لعلك كنت تخشي أن تفقدها وإلي الأبد ..حتي كان ما كان في تلك الساعة المتأخرة من الليل عندما وضعت مسدسها في صدعك وقالت لك إما أن تعطيني ألف مارك الآن وفورآ أو أقتلك ثم انتحر ..وحينما سلمتها المبلغ بكت وقالت لك بين دموعها وتنهداتها ..لم أكن أتصور بأنني وضيعة لهذا الحد ..وطلبت منك أن تغفر لها صنيعها ..وأنها ما كانت لتضعك في هذا الموقف لولا أنها تحب صديقتها ولا تريدها أن تفارق هذه الحياة وهي ناقمة عليها وسوف تجتهد لتعيد لك هذا المبلغ ..ومن ثمّ لملمت أشياءها وغادرت برلين بقطار الرابعة صباحا ..ها ..أين سرحت يا سيد إسماعيل ..سرحت في بهو عينيك يا سابينا .. أنا أيضآ أفكر في وضعي حين تسافر ..كانت أيام غيابك في بيروت وجنيفا مؤلمة جدآ..لقد خلتها سنين طويلة .. ولكن لماذا تشبه برهانو لهذا الحد ..لو رأتك أمي لأخذتك بالأحضان وبكت ..كانت تحب برهانو أكثر من أي فرد فينا .. سآخذك لتعيشي معنا في مدينتنا الصغيرة تلك إن كان لا يضايقك العيش في الريف ..لقد ولدت وترعرعت في الريف ..كنت ارعي الأغنام فوق سفوح الجبال أثناء العطلات الدراسية وأجمع حطب الحريق ..كنا نعمل بجد واجتهاد وفي المساء نغني ونرقص تحت ضوء القمر وكنت أنا من يقرع الطبل .. ولم نذهب لأديس إلا بعد ترقية أبي لوكيل بريد ..ثم دخلت كلية الطب بجامعة أديس واشتغلت أختي بالتمريض والتحق شقيقي بسلاح الجو ..لقد حدث ما حدث ..إن هذا الشبه بينك وبين برهانو يقتلني ولن أدعك ترحل ..هل تعدني بأنك لن تتخلي عنا يا سيد إسماعيل ..أعدك يا سابينا أعدك يا نغمآ حالم .. يا لحنآ يذّهب أحزان العالم ..سابينا أطياف الليل زنابق تلثم خصلاتك ..كفتاة زنجيه تدفق نداوه ..تحمل أزهاراً بريه ..قطفوها تجار البن من إثيوبيا ..من سفح الجبل النائم يسترخي في حريه ..همسوا ..سابيينا ..هو ذاك الاسم ..تمتمت به في إشفاق ..معناه أرويني أكثر ..معناه إني مشتاق لو أنسي لو تتركني الأشواق حتمآ لن أشقي يا سابينا ..وهنالك في عرض البحر من بين الموج المنكسر ..لمحت صورة حوريه ..نادتني عبرت في دهشة نفسي وذهولي كل خيالي حتي أضحت بين يديا ..هي أنت .. أنت يا سابينا ..في سحر ذكرني سحرك ..في عطر بعض من عطرك ..في إيماءة وعد نديان ..في فرح منطلق جذلان ..في ماذا ألف ألف مما كان ..أعرفه وحدي تعرفه سابينا ..قرأ عليها هذه المحاولة الشعرية والتي كتبها وهوجالس هنالك قرب بحيرة جنيف ..وقال لها لقد قرأت لك هذه الأبيات المكتوبة علي عجل لتعلمي كم كنت أفكر بك واشتاقك يا سابينا ..فرحت فرحآ شديدآ ..وكانت عيناها الواسعتان تزدادان إتساعآ كلما ورد إسمها أثناء الإلقاء ..وعندما أنهي قراءته طلبت منه أن يشرح لها ماكتب بالإنجليزية ففعل ..ندت عنها صرخة طروبة وهي تردد ( أوو ..إتس وندرفل .. إتس ريالي وندرفل ) .

  4. #14
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثانية عشرة
    ماهذا الذي يجري بالسوق يا جناب المفتش ..الشيخ البغدادي وهو يتابع البلدوزر الضخم يعمل أنيابه في دكانات نوال الشاميه وأشقائها ..وكان المهندس هشام يتابع ويوجه السائق ..توجها نحوه وهما في حيرة مما يحدث ..أهلآ عمي بغدادي ..لقد إشترينا هذه المساحة وننوي إقامة كافتيريا علي أنقاضها ..ومن أعطاك تصريح البناء يا باشمهندس ..كل الإجراءات تمت بعلم الضابط الإداري للقسم الغربي من المدينه ..ومن ثمّ غادراه والبغدادي يسب ويلعن ذاك الضابط ..ونقل الخبر دون إبطاء إلي الجد الكبير الذي أبدي تبرمه هو الآخر ..رفع سماعة الهاتف وتكلم مع شخص ما بالجانب الآخر ..فوصلت للمهندس هاشم وريقة مكتوبة بخط اليد وبدون ختم أو تاريخ بتوقيع المفتش تقضي بوقف إجراءات البناء ..وكأن الوجيه إسماعيل قد تحسب لهذ الإجراء فعاد بأول طائرة من الخرطوم ومعه محام معروف طبقت شهرته الآفاق ..وبدأت معركة مريرة بين الطرفين ..كل هذا والبغدادي لا يعلم شيئآ بخصوص شرائه لمنزل نوال الشاميه ..وبعد سلسلة من الإستئنافات والإستئنافات المضاده كسب الوجيه إسماعيل القضية وشرع من جديد في البناء ..فكانت الصفعة الثانية يتلقاها البغدادي خلال شهور ..وهاهو يهرع إلي سميرة تطيب خاطره وتسقيه ألوانآ من الحنان ..إييه يا سميره ..متي تتعطف الأيام علينا بلقاء حالم يضمنا بعيدآ عن هذه المدينة ومآسي الوجيه إسماعيل ..من أين أتي هذا الدعيّ ليسّود عليه حياته وينغص عليه أيامه ..ولكن كم تبدو تلك الأماني بعيدة المنال ..لكم يحلم بسفر طويل ..طويل إلي إحدي الجزر النائية في الكاريبي أو هاييتي أو حتي جزر القمر ..وفي معيته سميره .. يتسابقان فوق رمال الشاطي ويعودان لنزلهما سعيدين متعبين ..سفر يأخذهما بالأسابيع بل بالشهور ..لا لا بل بالسنين..وعندما سفح بين يديها أحلامه تلك ..قالت له في غنج ودلال ..كيف لو إنتظرنا في الهاواي حتي ننجب طفلنا الأول ..ألن يكون ذلك مفرحآ يا حضرة النائب ..ياااه ..وننسي الدنيا كل الدنيا ..الناس والأشياء وجلسات البرلمان المضنية وصفاء ونظراتها الشاردة وصمتها الذي يهينني ويسفه مقامي .
    ******
    متمهلآ يقترب القطار من المحطة ..متمهلآ جدآ تطقطق أضلعه وهو يرسل الصافرة تلو الصافره ..وقرأ كمال جغرافية المنطقة التي يحفظها عن ظهر قلب ..( الحدب ) الواسع وشجيرات (التمام ) خلف قضيب السكة حديد ..وجنينة عباس التركاوي ومنحني النيل عند الجانب الجنوبي من الحله ..النخلات العشر في ساقية التهامي وقد تقلصت إلي سبعة نخلات ..والمئذنة العتيقة تراوح مكانها بين أشجار الدليب وقد شحب دهانها قليلآ ..الدرب (التحتاني ) الذي يصل المحطة بكمائن الطوب ..لم يتغير شيء يا كمال سوي قليل من العمران ..بيوتات أسمنتية بناها في غيابك المغتربون وثمة (هانقر ) ضخم من الزنك والأسمنت ..أخذ موقعه في طرف البلدة ..ده يا كمال ما مخزن الإغاثه ..وهل وصلت الإغاثة حتي هنا ؟ ..أيوه ما جونا ناس كتار قبل خمسه سنين من أقاليم تانيه بسبب الحرب والجفاف .. وأخيرآ دلف القطار إلي المحطه ..يا إلهي ياكمال( شوف الخلق الراجياك ..أبوي الرشيد عاين )..سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ..سبحان الله وبحمده سبحان …أكملها الرشيد في سره وهو يهتز من شدة البكاء ..والكنينه تقرأ وجوه المستقبلين ..(ووب عليّ ووب عليّ ديك ما أمي ..كمال شوف أمي …شوف يا )..العبرات تسد الحلق والكلام تحول إلي نزف ودموع ..(حمدإلا علي السلامه ..حمدإلا علي السلامه) يا الكنينه ..يا حاج الرشيد ..(أوروروك..أوروروك )..الله أكبر ..الله أكبر .. أنت تستحق هذا وأكثر يا كمال ..تستحق كل هذه الجموع الغفيره وهذا التدافع الرهيب وأنت صامت كمقبرة وقد ألجمتك الأحضان والقبلات تبذلها في سخاء العمات والخالات ..وأمك .. يا لجسدها النحيل وهو ينداح بين ذراعيك ونشيجها الخافت والهمهمات ..كنت دائمآ تقف مع الناس تشاركهم همومهم وأحزانهم ..وكثيرآ ما تشكل لوحدك عالمآ من التكافل والتعاون ..لن تجد أناساً وقد شرعوا في بناء ( راكوبه ) إلا وكمال في وسطهم ..نفير الجروف وعزق الجداول و( السرابات) وجمع المحصول فهل من نخلة تقاوم وثباتك الرهيبه ..إذ لن تمضي لحظات إلا وأنت تحتضن سبائطها ..نادي الكرة ..أنت من أسس الفريق ومن لعب له ومن قاد حملة التبرعات لبناء داره ومن تبوأ منصب السكرتير والرئيس ..فصول التقوية ..من سواك درّس المناهج للطلبة والطالبات .. من سواك يا كمال ..وحفلات الزفاف والسيره ..أين كمال من (الصفقه والرقصه والشبال) ..وإعادة الفتيات لدورهن علي ضوء (الرتاين )..البنات الرائعات ..! كنت دائمآ في قلب الحدث تدون ( الخته ) في الكراريس الملونة وتجمع الحساب بعد أن تكون أغلقت علبة الحلوي التي ضاقت رغم سعتها علي الجنيهات الكثيرة ..من سواك يرسل التلغراف يوم (الدافنه ) ويحفظ العناوين في البندر والمهجر ..من سواك يا كمال ؟ لهذا أحبك الناس هنا ..تألموا لفقدك وفرحوا بعودتك ..فهل ستفعلها مرة أخري وترحل ؟!!.
    ******
    وتبقي كل الإحتمالات الحلوة موقوتة بسماع صوتك ..فأي سعادة هذه التي أحلم بها في غيابك ..من قال لك أن الأمر لا يعدو عن كونه قصة حب عابرة مع فتاة تسطيع رؤيتها متي شئت وأينما شئت ..هل سمعت بالعنقاء وعجائب الدنيا السبعه ؟ ..لا شك أن أمل تأتي قبل الإهرامات ..وأنت تتشابي للنجوم ..مالك والمستحيل يا ( شاب ) ..وأمل هي سابع المستحيلات ..الأجدر بك أن تحزم حقائبك وترحل ..أطلب النقل لأي بقعة في السودان قبل أن تصاب بالجنون ..والهاتف هذا يرن للمرة الثانية دون أن تكلف نفسك عناء النهوض من السرير والرد علي من يطلبك ..من تراه يكون ..( يعني حيكون منو ؟إما النوبتجي أو )..هل من الممكن أن تكون هي ..آلو ..منو معاي ..؟ ساعه كامله وأنا أطلبك في التلفون ولا أحد يرد ..أمل الشيخ البغدادي عثمان المكاوي ..أخيرآ تذكرت أن هنالك شبح إنسان إسمه طارق يكّن لك الأشواق ويموت في اليوم الواحد ويحيا بسببك يا أمل ..أعذرني يا طارق ..فالأوضا..لن أعذرك ولن أغفر لك نسياني عشرة أيام كامله ..(عشره يوم يا مفتريه ) .. (طيب ..طيب ممكن أشوفك بعد نصف ساعه خلف التله غرب المدينه ؟) ..في الوادي يا أمل ..هل جننت ..؟ إنها مناسبه إستثنائيه ..سأخرج علي ظهر الفرسه (رهام) ..عمرها عام ونصف وقد حان وقت تطويعها والمذاكره لا تسمح لي بالوقت الكافي ..تطويعها ؟ لقد أهداها لي جدي وهي آخر نسل للمهره حوريه ..ولا بد من المحافظة عليها ..سأرعاها بكل ما أوتيت من قوه يا طارق ..تطوعين الفرسة رهام وأعتي الفرسان ..تطوعين جيشآ بحاله ..أساطيل بحالها ..ولا أحد يجرؤ علي مجرد التفكير في تطويعك ..
    لم يضيع طارق وقتآ ..إرتدي ملابسه علي عجل ..ذهب إلي الوادي ولا أحد ..صوّب عينيه وأحلامه تجاه التلة الغربية ولا أحد ..الغروب يوزع دمه علي حافة الأفق ولا أحد ..الرعاة يعودون بقطعانهم إلي المدينة ولا أحد والعصافير تؤوب إلي أوكارها ولا أحد ..ولكن ذاك النقع المثار ..ذاك الغبار ..الغبار ..إنها هي ..نعم والله العظيم ..هي ولا أحد سواها ..ومن ثمّ أمضيا وقتآ جميلآ والأوقات الجميلة لا تدوم طويلآ كما أقول أنا ..زفّها حتي باب الحديقة والشمس قد نامت تمامآ في أرجوحة الشفق والظلام الكثيف يشرنق الأشياء ..وهو لا يصدق روعة الإحساس الذي يعتريه ..ولكن ثمة من كان يقف علي أحرّ من الجمر بانتظارها ..إستلم السايس المهرة الصبية واقتيدت الآنسة الصغيرة إلي الجد الكبير ..وكان حسابآ عسيرآ إنتهي بسجنها في إحدي الغرف لا يصلها أحد سوي أمها تحمل لها شيئآ من الطعام وتعود به كل يوم ..شحب لونها وأصابها الهزال ودخلت في غيبوبة إستيقظت علي أثرها بالمستشفي وغابة من المحاليل الوريدية تتشابك فوقها.. ووجه الدكتوره ندي الصبوح الحنون يمسح وجهها ويأخذها بلطف وكأنه يعتب عليها ..إذ كيف تصوم عن الأكل والشراب لدرجة الإحتضار .
    ******

  5. #15
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثالثة عشرة
    تزوجت البنت آسيا من فيصل( الفوضجي ) ..وتعهد الأستاذ عبدالسلام الحفل المتواضع الذي لم يحضره سوي بصله الأرعن صديق فيصل الصدوق ..وبالطبع الرائد طارق ..غني بصله ورقص وكأنه( زوربا) الأغريقي ..وكانت علامات الرضاء والسعادة بادية علي وجوه العروسين ..ولن تمضي ساعات حتي تهجر آسيا مهنتها كخادمة ربما وإلي الأبد ..وسيجد فيصل حضنآ دافئآ ودارآ تضمه بعد طول عناء وتشرد ..ونشط الرائد طارق في شراء بعض الأواني والإحتياجات الأساسية ..وأثناء الحفل حضر المهندس هشام وأعلن أن هديته للعروسين تتمثل في تعيينهما عنده بالكافتريا الجديده ..فيصل كطباخ وآسيا تساعده في الطبخ والنظافه ..( والماهيه ماشه أثناء شهر العسل ) ..وهكذا حلت جميع مشاكلهما ..منزل معقول ووظائف ..ولكن ..ماذا إذن يا آسيا .؟ ..الغضنفر ..لو يوافق مرتضي علي إعادته لها ليتربي في حضنها ..( ودي تجي يا آسيا ) ..عشرة ملايين جنيهات دفعتها عدآ نقدآ أسرة البغدادي ..وهاهو الرجل قد ضحي بكل شيء من أجل عيون الغضنفر ..طرده جده من البيت الكبير وصفعه علي وجهه أمام والده ووالدته وشقيقه أسامه وأمام الرائعة أمل ..ولو أنها هي أيضآ أخذت نصيبها من الصفع والإهانة.. وهاهي وقد خرجت من المستشفي تتحصن بالصمت المطلق ..ولكن كلها أيام يا أمل وتظهر نتيجة إمتحانات الشهادة السودانية وتدخلين الجامعة ..أية جامعة ..المهم أطلع من البلد (الفقر) دي ..بس لو طارق ينقلوه الخرطوم ..والمهندس هشام ..؟ هشام ده في إيدي ..لو قلت ليه أقع البحر ما عندو مانع ..والضيفة العجيبة الكنينه ..وتهافت طارق عليها ؟..دي قرويه ساذجه وبس ..وما حلوه ..معقول طارق الأنا بعرفو يبدلني بأراجوزه زي دي ..ما شفتيها بتضحك كيف ..البت جنّها ضحك ..برضو أعملي حسابك ..وما تستهيني بالكنينه ..البت دي خطيره يا أمل ..بتدرس تربيه وعلم نفس ..تلقيها قرتك صاح من أول دقيقه وكمان حللت شخصيتك ..ووضعت خططها علي هذا الأساس ..لو كان مرتضي موجود ..كنت مشيت معاه زواج آسيا ..أهو في حاجه بقت رابطانا بيها ..الغضنفر ..وبرضها ما قصّرت معاي خدمتني بإخلاص لمده لا تقل عن خمسه سنين ..ولكن أين مرتضي الآن ..قال لي في التلفون كلام غريب ..مع السلامه يا أجمل أخت في الدنيا ..إن شاء الله أشوف وشك بخير ..ده معناه شنو ؟ ..يعني مسافر ..ماما ..ماما ..خافت صفاء من صيحات أمل واعتقدت أنها تتألم أو شيء من هذا القبيل ..مرتضي ..!! مالو مرتضي ؟..أكيد سافر يا ماما ..سافر وين ؟..يالاكي بسرعه ..بسرعه يا أمل ..طلّعي العربيه من القراش ..توقفتا أمام منزله الجديد وكانت هنالك حركة نشطة ..عمال يروحون ويجيؤون وهم يحملون أثاثات جديدة ..مرتضي وين ؟ .مرتضي ما باع البيت للمهندس هشام وسافر هو وولدو من أول أمبارح ..الغفير يشرح لهما أصل الحكايه ..وين نلقي المهندس هشام ؟..مشي لحفلة زواج آسيا ..معليش مستعجلين شويه ..عاوزين هشام إسماعيل ..الرائد طارق وقد فوجيء بوجود أمل ووالدتها أمامه وجهآ لوجه ..البحصل ده شنو يا هشام ..تشتري البيت من مرتضي بملاليم وتحرضو علي السفر ..مرتضي سافر ,,؟ ( سجمي ورماد خشمي ) ..والغضنفر ولدي شالو معاه ..من فضلك أهدائي يا آسيا ..الرائد طارق وهو يحاول السيطره علي الموقف ..حيكون سافر وين يعني ؟ تلقيه مشي الخرطوم وراجع .. يا جنابو إنت عارف كويس الظروف البمّر بيها مرتضي ..علي كل حال يا خاله أنا مستعد أرجع البيت لمرتضي الآن وفورآ إذا كان ده يرضيك ..المهندس هشام يرد عليها بأدب جم وكثير إحترام ..وبشفافية الأم وحنكتها ..تذكرت أن هشام يهتم بأمل ..وقد يصبح هذا البيت عشآ لهما ..لا يا إبني أنا متأكده من ده كويس ..وعمومآ الحمدلله البيت ما مشي لزول غريب ..وإنت بالنسبه لي يا باشمهندس زي مرتضي بالضبط ..كلكم أولادي .
    ******
    إكتمل البناء الأنيق وأخذت لوحة كبيرة صممها أروع تشكيلي بالخرطوم موقعها في واجهة الكافتريا الجديدة وقد إزدانت بالرسومات ..(كافتريا الوجيه إسماعيل ) ..هكذا تقول اللوحة المضيئة ..(كراسي) من النيكل و(طرابيز ) مستورده تخلب الأنظار ..فيصل وآسيا يحومان بين الأشياء في حركة دؤوبة يرتبان كل شيء ويضعانه في المكان المناسب ..فغدآ هو يوم الإفتتاح الكبير ..وسيحضر الوجيه إسماعيل من الخرطوم علي متن طائرة خاصة ومعه فنان مشهور وفرقته ..وتم توزيع رقاع الدعوة لأعيان البلد ومسئوليها وبعض الضيوف في رئاسة الحزب الجديد بالعاصمة والمديريه ..وهبطت الطائرة المرتقبة ونزل منها الوجيه إسماعيل وضيوفه والفنان الكبير وأعضاء فرقته وثمة فتاة رائعة الجمال تختبيء خلف والدتها ..كانت مني زوجة الوجيه إسماعيل والدكتورة ندي والمهندس هشام حضورآ في كامل أناقتهم ..وكانت مني قبل هبوط الطائرة تتحاوم كالطاؤوس مزهوة بجمالها وأناقتها التي كثيرآ ما قللت منها عنجهيتها وعجرفتها ..وتوجه الشباب نحو فنانهم المفضل وأخذ الوجيه إسماعيل أبناءه بالأحضان ..بيد أن مني المتألقة وجمت وهي تتطلع نحو سابينا ووالدتها ..وتتساءل في سرها ..من تكون ولماذا هي ضمن المدعوين وبأية صفه ..همس الوجيه إسماعيل في أذن إبنه ( دي يا هشام سابينا الكاشير) ومعها والدتها إهتم بهما وأنزلهما في منزلك الجديد مؤقتآ حتي ندبر لهما سكنآ بالإيجار ..من تكون هذه الفتاة (القنبله) ؟ الهمس وقد بدأ يدور بين فصحاء المدينة ومرجفيها ..ونامت المدينة والخبر ينداح كالنار في الهشيم ..( بت رهيبه جات في الطياره ) ..ولكن لماذا جاءت وما المناسبه ..وفي أمسية اليوم التالي ..بدأ حفل الإفتتاح وقد أخذت سابينا موقعها خلف آلة التحصيل الكمبيوترية ..وقد إنصرف الناس عن الغناء وكرم الضيافة والحفل الباذخ وهم يتطلعون نحو سابينا ..وسرت أصوات خافته هنا وهناك ..إسمها منو ؟ سابينا ؟ ..إسم جميل ..حاجه فنانه ..شخص واحد تخلف عن الحفل بعد أن مارس ضغطآ هائلآ علي الوجيه إسماعيل المتعب طول الليل وحرمه متعة الإحساس بما تحقق ..الكافتريا وسابينا وبيت نوال الشاميه ..إنها ( اللئيمة ) مني .
    ******

  6. #16
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الرابعة عشرة
    لم يضيع مرتضي وقتآ بالخرطوم الذي وصل إليها مع الغضنفر ..كان متعبآ وحائرآ ويشعر بأنه منبوذ ومطرود ..وكان كلما يستعيد أطياف تلك اللطمة القوية وصياح جده في وجهه ..أطلع بره ..بره ..بره ..لا هذا كثير عليّ وفوق طاقتي وإحتمالي ..ورجع بذاكرته سنين طويلة إلي الوراء ..أيام الطفولة والمدرسة الأوليه ..ووالدته وشقيقته مني وأشقائه وأصدقائه ..هل ضاع كل هذا في كسر من الثانيه ..وتذكر أمه بسّمتها الرائع وهدوئها كصفحة بحيره ..لكّم يحبهم جميعآ بيد أنه يحب الغضنفر أكثر ولن تستطيع قوة في الأرض التفريق بينهما ..نعم نزل في فندق حتي لا يعرف جده وأخواله بالخرطوم عن وجهته القادمة ..القاهرة..نعم القاهره ..سأشتري شقة صغيرة وأدخل في مشروع متواضع يكفل لنا العيش الكريم أنا وابني ..وحدق في أضواء الخرطوم والطائرة تستدير فوق الحزام الأخضر وتطوف فوق (الرياض) حيث منزل جدّه ..فلو أنه حدق جيدآ لشاهد العمارة الشاهقة ذات الخمسة طوابق .
    لم تصدق عمته أن الطارق في تلك الساعة هو إبن أخيها ..أخذته بالأحضان واستيقظت بنتاها مروة وهبه علي عبارات الترحيب والبكاء ..العمة سميه ..أيتها الرائعة يا كنزاً من المحبة والحنان ..توفي زوجها عنها وهي في مقتبل العمر وترك لها طفلتان وثروة لا بأس بها ..كان يعمل في تجارة سن الفيل بين مصر والسودان وشيئآ فشيئآ توسعت تجارته وفتح له الشرق الأقصي أبوابه ومن ثمّ أوروبا ..فأنتقل إلي القاهرة مع زوجته ..كانت الأموال تتدفق عليهم كالمطر ..ولم يكتف بخام سن الفيل يصدره للخارج بل تحول لتصدير المشغولات اليدوية الفاخرة ..غير أن دوام الحال من المحال ..فما هي الا بضع سنوات حتي ظهرت حمي حماية البيئة والحفاظ علي الحيوانات المهددة بالإنقراض ..وأوصدت تلكم البلاد أبوابها أمام أية تجارة لها علاقة بهذه النظريات التي لم تألفها أذناه ..فدخل في حالة من الإحباط وشعر أنه مكّبل بالمستوي المعيشي الفخم الذي يعيشه وبعلاقاته الإجتماعية مع المصريين والأجانب وبدأ يعتريه إحساس جارف بالرغبة في الموت ..فمات ..واستلمت الزوجة الشابة ما تبقي من مهام ..باعت الفيلا المطلة علي النيل وانتقلت إلي شقة معقولة وواصلت تجارة زوجها في المشغولات التي لا تدخل ضمن صناعتها مواد محظوره ..وهاهي الأيام تمضي والبنات قد كبرن ..كانت تسافر كل عام لزيارة أسرتها أسرة البغدادي ومع تنامي مسئولياتها وارتفاع كلفة الطيران إنقطعت عن السودان واكتفت بالرسائل والحديث عبر الهاتف وحتي الأخيرة هذه لم تعد تجد لها وقتاً ..أين ذهب الوقت والساعات الطويلة المتطاولة عند الضحي وشرب القهوة تحت ضل شجرة اللبخ العملاقة .أين ( العزومات ) بمناسه وبدون مناسبة ..بل أين زيارة المرضي بالمستشفيات وحضور مناسبات الأعراس والختان بالأيام والأسابيع ..كلها ذهبت في خبر كان وحل محلها الركض بلا هواده ..إيه يا سمية معقول البحصل ده ؟*
    لم تضيع العمة سمية وقتآ بعد أن علمت بقصة مرتضي مع جده ..فاتصلت بشقيقها الشيخ البغدادي ..جن جنونه وظل يردد صحي يا حاجه سميه ..سمعت صفاء وأمل بما يدور من حديث فهرعتا نحوه ..وخطفت صفاء سماعة التلفون وهي لا تدري بماذا تتفوه ..سالت الدموع علي خدها وهي تحاول أن تتماسك ..ولكنها عجزت عن الكلام تماماً فأعادت السماعه إلي زوجها ولكن أمل كانت أسرع منه ..عليك الله يا عمتي أديني ليه عاوزه أسمع صوتو ..وجاءها صوت من الجانب الآخر ..لا هو خرج في مشوار ومصيره يرجع بعد ساعه من الزمن ..قذفت أمل بالسماعة وركضت نحو الطابق العلوي حيث جدّها ..لم تستأذن كما تعودت كل مره ولكنها فاجأته بعناق حار وهي تردد مرتضي في القاهره يا جدو ..مرتضي مع عمتي سميه ..سمح الجد لومضة فرح خاطفه أضاءت وجهه ..لكنه سرعان ما أطاح بها وعاد ليرتدي قناعاً زائفاً من التجهم ..وأسمعها كلاماً مثل ..طيب طيب يالله إنتبهي لمذاكرتك ..وما أن أغلقت الباب خلفها حتي وقف علي رجليه وهو يدور حول الغرفة وهو يردد الحمدلله ..الحمد لله ..لو يعلم مرتضي كم يحبه لما أخذ أوامره له بمغادرة المنزل مأخذ الجد ..كان سيوافق علي وجود الغضنفر بالبيت الكبير لو أنه إستعطفه ولو بكلمة أو كلمتين ..كيف يتجرأ ويخذله بالزواج من خادمه ..أين تقاليد الأسرة التي ظل يحافظ عليها عبر تاريخه الطويل ..من تظن نفسك يا هذا ..لعلك الملك جورج ونحن لا ندري ..؟ ومن يكون الملك جورج هذا ..ملك دونما أية مواهب محددة ..أما أنا فعالم طبقت شهرته الآفاق أو هذا ما سيكون بعد قليل ..أنت عالم وكنا نظنك لا تعرف كيف تفك الخط ..نعم عالم أنثربولوجي كبير ولي مدرستي الخاصة في البحث والتقصي ..أمضيت ثلاثين عاماً وأنا أتجول في الولايات المتحدة الأمريكية أرجع كل أسرة إلي جذورها بأوروبا ..وعدت لأسوح من جديد في غابات إفريقيا غرباً وشرقاً وجنوباً ألملم أطراف القبائل الأفريقية وأعيد تكوينها من لدن مدغشقر وحتي مراكش مروراً بالماوماو ..والمورلي والأشولي والسافيمبا ..وعما قريب ستصدر تلك المؤلفات في لندن ..لقد حرصت علي توصيلها للناشر عبر إبني الشيخ الذي غادر إلي إنجلترأ خصيصآ لهذا الغرض.

    سابينا قمر أضاء ليل المدينة الغافية في ليل الرتابة .. عالم من الوسامة التي لم يعهدها أحد ..من أين وكيف جاءت لتربك الجميع بلا إستثناء ..حتي أولئك الذين تعودوا علي لعب الطاولة أمام منازلهم ما عادوا موجودين هناك ..هجروا أماكنهم وأدمنوا كافتيريا الوجيه إسماعيل ..ولم تبخل عليهم سابينا الأنيقه.. فأمرت لهم بطاولة في ركن قصي من الكافتريا ..التجار والسماسرة وطلبة وطالبات الكلية الجديدة التي تم إفتتاحها مؤخرآ وتبرع ببنائها وتأثيثها الوجيه إسماعيل ..بيد أن أسامة الشيخ البغدادي تجاوز كل الحدود والأعراف وصار يؤم الكافتريا يوميآ وبالساعات الطوال ..كان يطلب كوباً من عصير الليمون ويجلس قبالة سابينا يتطلع إليها فيما يشبه التبتل ويخرج دفتراً وقلماً ويكتب فيها وإليها كلاماً حلواً لا تقرأه ولو أنها قرأته لن تفهمه بكل تأكيد ..كان يناجيها بإحرف واجفه ( سابينا ..يا سابينا يا حلم حياتي .. يا نبض مشاعري .. ويا ملتقي خواطري ..فمك جزيرة وعيناك زورقان وأنا الملاح المحروم من شواطيء عينيك .. فمتي ..متي يا قمري ..) ..كان يكتب ويكتب وعندما يتعب من الكتابة والتوغل في بحار سابينا يلملم أوراقه ويمضي دون أن ينبس ببنت شفه ..ويوماً إثر يوم وأسبوعاً إثر إسبوع وأسامة يتمزق ويتوه في عوالم سابينا الغامضه ..في البداية تضايقت من نظراته ولم تعد تطيق مجرد رؤيته ..لم يكن وسيماً ولكنه كان شاعرياً وأنيقاً وتبدو عليه سيماء النبل والتفرد ..وتبرعت إحدي طالبات الكلية الجديدة بإبلاغها أن هذا العاشق الموّله بحبها ليس سوي أسامة الشيخ البغدادي عثمان المكاوي ..سليل أكبر أسرة بهذه المدينة ..الأسرة المهيمنة علي كل شيء ..فتغيرت معاملتها له وصارت تقدم له عصير الليمون بنفسها ..وأحيانآ تجلس إلي جواره تؤانسه وتبادله الوشوشات ..ولم تكن آسيا راضية عمّا يحدث أمامها فأوعزت لأحد رواد المقهي من السماسرة بأن ينبه الشيخ البغدادي لخطورة ما يحدث ..وكان قد لاحظ التحول الخطير الذي طرأ علي ابنه وإهماله لدروسه لدرجة أن ناظر المدرسة الثانوية العليا لم يطق صبرآ فأرسل له خطاباً رقيقاً يدعوه فيه للحضور إلي المدرسة ونقل له شكوي المعلمين من الغياب المتكرر لأسامة وتدهور مستوياته العلمية وقد كان الأول علي الفصل بلا منازع ..إبني في كافتريا إسماعيل ؟ ومع تلكم العاملة الغريبه ولم يشأ أن يفصح عن إسمها ولا عن صفاتها وقد نما إلي علمه ذلكم اللغط الذي يدور حولها .. أي فوضي هذه التي تحدث في هذا البيت ..؟ أمس مرتضي واليوم أسامه ..لو علم أبي لمات بنوبة قلبيه ..وثار وأزبد وزوجته وأمل تهدئان من روعه ..وأين هو الآن ؟ ..أريده حالآ ..ولكنه غير موجود .. ربما يكون قد ذهب ليذاكر مع أصدقائه ..يذاكر أم ..
    ولم يستأذن أحدااً ..إقتحم الكافتريا برعونة وقسوة وصرخ في وجه إبنه ..المفروض تكون في المذاكره بالمدرسه ..هل ألغيت المذاكره المسائية يا ..إمشي قدامي بسرعه ..إتحرك ..حسابك معاي حيكون عسير يا مغفل ..فوجئت سابينا بالموقف لدرجة أنها أطلقت العنان لدموعها بعد مغادرتهما الكافتريا وانكفأت علي ماكينة الحسابات تبكي بحرقه وعندما تذكرت أن عيون الحاضرين تراقبها جرت نحو غرفة آسيا وطلبت منها أن تراقب الأدراج ريثما تعود ثم إنخرطت في بكاء شديد ..وفوجيء كذلك الرواد الآخرون بتصرف الشيخ البغدادي .. والحمد لله أن الوجيه إسماعيل لم يكن حاضراً وإلا ..وإلا ماذا ؟ ..الموضوع لا يحتاج إلي شرح .
    كانت آسيا سعيدة بعملها في تجهيز الفواكه والخضروات ..وكانت تجلس خلف منضدتها علي كرسي عال تستمتع بسماع الموسيقي الإثيوبية التي تحرص سابينا علي تشغيلها بالرغم من تبرم الوجيه إسماعيل من ذلك ولكنه لا يجرؤ علي فعل شيء ..إن سابينا تسيطر عليه سيطرة كاملة ولا يرفض لها طلباً ويحرص علي إحضارها للعمل وإعادتها آخر المساء لمنزلها بعربته كل يوم ..وهنالك تستبقيه والدتها التي تري فيه صورة إبنها الراحل برهانو وتستبقيه سابينا بدلّها ودلالها نكاية في زوجته مني التي تعودت علي الحضور للكافتريا من حين لآخر تأمر وتنهي وتتعمد إهانتها ..كانت تنظر إليها كخادمة لا أهمية لها بعكس الوجيه إسماعيل الذي يقدس حتي التراب الذي تمشي عليه ومن ثم يعود لمنزله كل ليلة ليستمع كتلميذ نجيب إلي الدروس والعظات التي تلقيها علي مسامعه مني وأحيانآ التوبيخ والشتائم ..بقي أن تحمل سكيناً وتدسها في بطنه وكم حدثتها نفسها بذلك ..
    أما آسيا فلا تمل التصنت علي رواد تلك الأريكة المنعزلة قريبآ من شباكها ..وفي المساء تقص علي فيصل ما سمعته من عجائب ..ضحايا إحتيال من نوع غريب ..( بذمتك يا فيصل هو الفكي البقلب الألف مليون مايقلبو لنفسو ..مش ؟ عليك الله يا فيصل في زول يبادل منزل بسياره ؟)
    وهكذا ..إلي أن دخل سعيد أفندي المحاسب بالمجلس وبصحبته فتاة مليحة القسمات يبدو عليها الأرهاق والشحوب ربما من وعثاء السفر ..كانت تقول له في إنكسار غريب ..معقول يا سعيد حد يعمل في خطيبتو كده ؟ أنا وثقت فيك لما قلت لي نخلي أجسامنا تتعرف علي بعض ..وأنا قلت ليك كفايه لحد هنا لكنك قلت لي ما فيها حاجه ما دام حنتزوج في الإجازه دي ..صدقتك يا سعيد والنتيجه أني حامل بجني شهرين ..أنا حامل يا سعيد أودي نفسي وين ..تلاته مواصلات لغاية ما وصلت لحد هنا ..أقنعت أهلي باني ماشه أزور أختي في الخرطوم وجيتك طوالي ..)..وكان سعيد يحاول تهدئتها دون طائل ..ظروفي ما سمحت ..أخوي قال حيحّول لي قروش وما حّول ..والإجازه خلصت وعندنا مشروع ميزانيه.. كان لازم أرجع ..وأنا مصيري شنو ما فكرت فيني والممكن يحصل لي بسببك ..ثم وفي لهجة صارمه ..أسمع يا سعيد أنا حأرجع البلد وحأديك فرصة شهر ..جيت كملت العرس خلاص وإلا والله العظيم أنتحر بالصبغه وأخلي رساله لأخواني أوريهم فيها الحاصل وإنت بتعرف أنا منو وأبوي منو وأخواني حيعملوا فيك شنو ..بس تحضّر كفنك وتنتظر .. خلينا نتصرف أنا بعرف واحده ..ما تكمل يا سافل يا حقير ..أنا راجعه بأي مصيبه ..وقدامك كم يوم عشان تنقذ الموقف ..إرتبكت آسيا إرتباكاً شديداً وقد أعادها هذا الموقف إلي شريط تلك الأحداث مع مرتضي الشيخ البغدادي ..وطبعاً لم تقص الحكاية علي فيصل .
    ******

  7. #17
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السادة عشرة
    لا يكاد يمضي يوم حتي تفاجأ المدينة بحدث جديد ..فقد عاد الباشكاتب المزوّر مامون ..ولكنها عودة من نوع آخر ..إذ عاد كطبيب بيطري في المستشفي الذي ظل لفترة طويلة دون طبيب وتديره مجموعة من الممرضين الشيء الذي دفع الأهالي هنا إلي إتباع أنماط من التداوي لحيواناتهم أكل الدهر عليها وشرب ..نعم عاد الدكتور كمال ومسحة من الحزن تلون وجهه النحيل بالرغم من أنه إستعاد قدراً كبيراً من حيويته ونشاطه ..بيد أنه لم يعد لوحده وهنا تكمن المفاجأة الثانيه إذ عادت معه الكنينه التي آثرت تمضية إجازة الجامعه مع شقيقها وهي علي كل حال فرصة تساعده فيها علي الإستقرار بعد أن باءت كل محاولاته في إقناع سهام الفتاة التي من أجلها ترك موطنه وتخلي بسببهاعن إسمه ووظيفته و(أهو ) فرصة تستعيد فيها طارق والناس الطيبين الذين تعرفت عليهم أثناء زيارتها السابقة مع والدها ..لقد إشتاقت الرائد طارق كثيرآ وتشعر أنه قريب جدآ من وجدانها وهي لن تتركه بهذه البساطة للجميلة المغرورة أمل الشيخ البغادي ..وكان طارق أول من هرع للمنزل يعانق الدكتور كمال بمحبة حقيقية وهو يردد حمداً لله علي السلامه ..وعندما خرجت الكنينة من الغرفة إذ تعرفت علي صوته ..جن جنونه واضطرب إضطرابآ شديدآ ..الكنينه معقول بس ..نعم الكنينه التي عادت هذه المرة بشكل مختلف .. طرحت عنها ذلك الوجه القروي البسيط في أناقته وارتدت زيآ مختلفآ جمع كل اشكال الأناقة و(الموضة) والتفرد ..وكان وجهها نظيفآ ورائقآ وقد نضحت فوقها شيئاً من العطر ..أيوه الكنينه ..ما عاوزني أرجع ولّه الحكايه شنو بالضبط ..كانت سعيدة برؤيته وأخفق هو في مداراة إعجابه بها ..فأرسل صافرة صغيرة بفمه وقال لها مداعبآ: يخيل لي أنا شفت الآنسه دي قبل كده ..لكن وين وين يا طارق ؟..أطلع من دورك يا جنابو واعترف بأني ..لم يدعها شقيقها تكمل وانتحي جانبآ بكمال الذي بدأ في توجيه الأسئلة في إلحاح شديد ..عملت شنو مع سهام ؟! ..سهام ..قصدك سهام بت عمي ..طبعاً في سهام تانيه ؟ ..إيييه يا طارق ..ما أن وصلت إلي الحله حتي عدوت عدوآ نحو منزل عمي ..وجدتها كما تركتها وكأن الزمن قد توقف تمامآ بالنسبة لها ..نفس الروعة والوسامة والبراءة ..وكانت الدار خالية إلا من والدتها ..التي رحبت بي ترحيباً شديداً ولعلها تدرك أشياءاً وأشياء لم أحط بها ..قالت لي بصوت خافت ..ربنا جابك في الوقت المناسب ..شد حيلك سمّعنا الخبر الزين ..همست في أذنيها بفرح غامر أخيرآ يا سهام ..بيد أنها اشاحت بوجها والدموع تبلل وجنتيها الرائعتين ..(وليد) يا كمال .. وليد ؟! وليد كبر وبقي راجل ..يقول عليّ شنو ..أني سبتو عشان بحبك ..لا لا يا كمال إنت أخوي وود عمي وأعز إنسان في الدنيا دي بالنسبة لي ..خليك عم لوليد وصاحب ..وخلينا أخوان وأصدقاء ..وأنا وانت ما لبعض ..ربنا قدر كده ..عدت لمنزلنا وأنا أجرجر أذيال الخيبة والهزيمة وثرت في وجه الكنينة ثورة عظيمة ..فقد أخفت عني طوال الوقت أن لسهام إبناً من مطلقها الذي لم يمض معها كزوج أكثر من خمسة أشهر .
    ******
    لم يجد مرتضي صعوبة في التأقلم مع القاهرة التي يزورها لأول مره ..وقد بذلت مروه وهبه ..بذلتا كل ما تستطيعانه لجعل الإقامة بمنزل عمته سمية إقامة طيبه ..كانتا تأخذانه والغضنفر في جولات لا تنتهي بمسارح ودور سينما القاهره وزارا معآ إهرامات الجيزة وبرج القاهره .وكان الغضنفر سعيدآ بوجوده بينهما ..وكثيراً ما تشاجرتا بسببه ..أيهما تاخذه معها للجامعة هذا الصباح فتتدخل العمة سمية لفض الإشتباك ..كانت كل واحدة منهما جميلة بصورة ما ..بيد أن هبه كانت الأقرب لوجدان مرتضي وقد قرأ فيها شيئآ من ملامح الدكتوره ندي ..آآآه من الدكتوره ندي ..آه من أناقتها وسمّتها الرائع وأنوثتها المتدفقه ..ومثلما تنساب المياه بين شجيرات الحديقة حانية وموحيه ..تسللت هبه إلي قلبه واستقرت هنالك لا تبرحه ..ولكن ملامح الغضنفر المفعمة بالرضاء كانت ليست سوي قناعآ زائفآ يخفي تحته الكثير ..فما أن يجيء الليل ويغط الجميع في نوم عميق حتي تنتابه آسيا أمه الحبيبة ..ويعجز عقله الصغير عن فهم الأسباب التي حدت بها لتركه والرحيل مع فيصل في ظل تلك الضجة والضوضاء والزغاريد ..لكّم يحنّ إليها ويشتاقها وعندما تستبد به الأشواق وتصبح فوق طاقته يترك الدموع تبلله حتي النخاع وتبلل وسادته وكثيراً ما لاحظت مروة آثار الدموع علي وجنتيه وهي تغسل له وجهه قبل الإفطار صباح كل يوم ..وعندما تسأله عن سبب بكائه أثناء النوم ينفي ذلك بشده واحياناً يلوذ بالصمت المطبق ..وكانت العمة سمية أكثر الناس سعادة بوجود مرتضي ..لكم عانت من الغمز واللمز تقرأه في عيون الجيران يتساءلون في حيرة عن سر هذه السيدة الغريبة التي حطت بين ظهرانيهم مع ابنتيها ..لماذا هي مترفة بهذه الدرجة.. من أين أتت وكيف تعيش .
    ******
    فوجيء الجميع بالدكتور كمال في زيه الجديد ..( دكتور عديل ؟!!..الباشكاتب الواحد البجدد لينا رخص السلاح دكتور !!) ولم لا يا أخوانا ..ظروف وعدّت ..كان فاقد للذاكره وبعدين ربنا شفاه ..مواطن آخر إنبري لتوضيح الوضع الغريب ..وكان أصحاب المواشي أكثر سعادة بهذا التحول ..ولم تضع أمل البغدادي الفرصة ..هاتفته لأكثر من غرض ..أولاً لأن الفرسة (رهام ) التي أهداها لها جدها في عيد ميلادها تشكو من ضعف في الشهيه ..فقد لاحظت أمل أنها ليست عادية هذه الأيام وأما الهدف الثاني من هذه المكالمة الهاتفية لأنها تريد ببساطة أن تعرف منه أخبار الكنينه وتمنت في سرها لو أنها تزوجت أو خطبت خلال الفترة التي تلت مغادرتهما المدينة قبل شهور ..قال لها الدكتور كمال أن عربة المستشفي البيطري الوحيدة شبه (ملجنه ) وأنه سيرسل في طلب عربة أجره ..أخبرته بأنه لا حاجة له بعربة تاكسي إذ أن شقيقها أسامة سيحضر له بعربته الخاصة ..كاد الدكتور كمال أن يفقد صوابه عندما رآها في زي الفرسان وقد عقصت شعرها ورمت به إلي الخلف ووضعت عليه ( كابآ ) زاهي الألوان ..كانت غضة ومتوثبة كمهرتها مع شيء من المرح والعنفوان ..لقد كان يعتقد بأنه لا يوجد علي ظهر هذه الأرض أجمل من سهام ..ولكن ما يراه أمامه الآن من أناقة باذخة لم يصادفه في حياته ..مروراً بالجامعة والمدن التي عمل بها من قبل ..كشف علي المهرة واتضح له بأنها حامل ..فهي لهذا تعيش فترة من الوحم تماماً كالنساء ..فرحت فرحاً غامراً بهذا النبأ وهرعت نحو درج المنزل لتخبر جدها بهذا الإنجاز العظيم ..أخيراً آن لذلك النسل الملوكي أن يتوافد ..بيد أنها ركضت نحوه من جديد تسأله إن كان ثمة ما يدعو لتناولها بعض الدواء ..حرر لها بعض الأدوية وأوضح لها أنها موجودة لديه بصيدلية المستشفي ورجاها أن تمر عليه لتأخذها بنفسها ..ولكن ..ماذا بعد ؟ ..نسيت أن أسألك عن الكنينه كيف هي بالله وهل لا زالت تذكرنا أم أنها نسيتنا تماماً مع مشغوليات الجامعه ؟ ..الكنينه !! إنها هنا ..لقد حضرت معي لتمضية إجازة نصف السنه ..قالت إنها تشتاقكم وكل أهل هذه المدينة الطيبين .. عبرت سحابة من الفزع والخوف ملامحها النضيرة للحظة بيد أنها إستعادت رباطة جأشها بسرعه ..شكرته علي المجيء وحاولت منحه بعض النقود .. رفضها طبعاً بعناد وإصرار ..قال لها إنه يحترم سعادة النائب الشيخ البغدادي ويطمع في وقفة صلبة منه مع رئاسة الوزاره لإعادة تأهيل المستشفي ..والآن ها هي الكنينه مرة أخري ..قالت إنها تشتاقنا ..لماذا لا تكون صريحة وتقول إنها عادت من أجل طارق ..لا لا ..ليس الأمر بهذه الصوره ..قال لها ضميرها ..بل أكثر من ذلك يا مغفل .. المسألة جد خطيره ..ولكن ليس علي أمل الشيخ البغادي عثمان المكاوي ..الكنينه ؟!! ..(تاني ؟).
    ******

  8. #18
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السابعة عشرة
    تتقاطع الأحاسيس والمشاعر علي أكثر من صعيد ..فبينما ينمو الحب ويزدهر ويتحول إلي حالة من الإدمان تلقاء سابينا من قبل الوجيه إسماعيل ..ينمو الحقد ويزدهر ويتحول إلي هاجس يومي تلقاء إسماعيل من قبل زوجته مني ..فهي لا تفوت أية فرصة تسنح لها لإستفزازه وتحقيره ..وقد حاولت الدكتوره ندي رأب الصدع الذي طرأ علي العائلة منذ قدوم سابينا.. فاقترحت علي والدها إنهاء خدماتها لتعود من حيث أتت ..ولكنه رفض هذه الفكرة بإصرار غريب .. فبدأ الشك يتسرب إلي قلبها النضر وشعرت أن والدها لم يعد ذلك القدوة الذي عرفته ..رجل يزن الأمور بميزان من الذهب ..كيف يرفض جبر خاطر زوجته الجميلة مني التي شاركته مشوار حياته وكانت عاملاً أساسيآ في كل النجاحات التي حققها ..هل يركل إستقراره العائلي من أجل لاجئة مسكينة بلا وطن ؟ ..ولكن سابينا ليست بلا وطن يا دكتوره ..إنها تعيش هنا في أعماقي ..سابينا تعشعش في دواخلي يا ابنتي ..فإن كانت غريبة اليد واللسان فإن وطنها هنا في ضميري ..في قفص ضلوعي ..لالا يا دكتوره أعذريني هذه المره ..لم أصدق بعد ..أن سابينا قد أضحت ماثلة أمام أعيني وأنها ملكي لأفقدها بهذه البساطه ولو كنت اسطيع لتزوجتها رغم أنف مني ..وهكذا تحول الخلاف إلي معركة مكشوفة بين سابينا ومني ..وشعرت الضيفة العزيزة بما يحاك ضدها ..أخبرها بذلك ( بصله الأرعن ) ..أعاد علي مسامعها ما ظلت تردده مني من أوصاف بحقها ..متشرده ..حقيره ..سافله ..أنا يا (بصله)..متشرده وأيه كمان ..والله بقيت مثقف يا بصله ..فيصل يشارك في النقاش ..وفجأة يرن جرس الهاتف وكان المتحدث مني تطلب بصله ..حالآ يا مدام ..هوي ..(إنت شنو يا مدام مني ؟ بتعزّيني أنا بصله ؟!!..وبموت فيك يا بصله بس إنت ما ملاحظ ساكت ..)..نتخلص من إسماعيل ..أيوه نتخلص من إسماعيل ..حأوريك بتين وكيف بس أوعك تتكلم كده ولّه كده ..مفهوم يا بصله ؟.نقتلو يعني ؟! خرجت من بصله كالحشرجه ..بصله يقتل ؟!!وهو الذي لا يقوي علي قتل أرنب ..إنتابته حالة من الرعب الشديد وتصبب جسده عرقآ ..مش بالضبط كده .. لازم حنلقي طريقه ..خلاص إتفقنا ..إتفقنا ومن الليله تجيني متين ما تدور ..أوكي ؟..أوكي .
    ******
    تغيب فيصل عن العمل ذلك اليوم لشعوره ببعض الحمي وعندما عادت آسيا في المساء كان لديها الكثير المثير مما تود أن تقصه عليه ..بدءاً بالمظاهرة التي إجتاحت السوق وكيف أن ( البمبان ) قد وصلهم داخل الكافتريا ..وكانت الجموع الغاضبة تحتج علي زيادة أسعار الوقود وكيف أن قسمآ من المتظاهرين إقتحم الكافتريا ..فاغتنم الوجيه إسماعيل هذه الفرصة فخطب فيهم محرضآ علي مواصلة الإحتجاجات ..قال لهم أنتم وقود الثوره وأنتم مفجروها ..بيد أن كثيرين منهم وجدوها فرصة لللعب والضحك فاغتنموها ..وآخرون تمنوا من أعماقهم لو أن الأمور تسوء أكثر فيجدون طريقة لنهب المتاجر ..كذلك قصة الرجل المسكين الذي زّفته الصبية وهم يصيحون ( ياهو ..ياهو ) وأشياء مثل ( اللص اللص ..نادو البوليس ) ولم يجد المسكين مكانآ يلجأ إليه سوي الكافتريا ..وقد تصدي الوجيه إسماعيل لحمايته وطرد الصبيه ..وعندما علم بقصته تأثر كثيرآ لذلك الموقف .. قال له أنا معلم مدرسة إبتدائيه .. بالريف ..وقد تقدمت للحصول علي سلفيه لتزويج إبنتي وبعد عشرات المحاولات إستلمت المبلغ ..وضعته في جيبي وتوجهت فرحآ نحو موقف اللواري فإذا بثلاثة من النشالين يحيطون بي دون أن أشعر بهم ..أدخل أحدهم يده في جيبي ونشل المبلغ كله وعندما شعرت به حاولت إستعادة نقودي فما كان منهم إلا أن صرخوا بصوت واحد ( الحرامي ..الحرامي ) فتجمع الناس حولي وبدأوا في ضربي وإهانتي وعندما اشتد عليّ الضرب ركضت نحوكم طالبآ الحمايه ..أريد فقط أن أعود لأولادي قبل مغيب الشمس حتي لا يقلقوا عليّ ..أجلسه الوجيه إسماعيل وأمر له بكوب من الليمون ..شربه في شغف عارم ومن ثمّ تناول سماعة الهاتف وأبلغ الرائد طارق بما حدث ودس في جيب الرجل مبلغآ كبيرآ من المال ربما ضعف المبلغ الذي فقده ..أما الحدث المهم فهو إقتحام اللكافتريا بواسطة الشيخ البغدادي وتوجيه أقذع السباب لسابينا المسكينه وأخذ أسامة الذي كان حاضراً وقتها لا يعنيه شيء سوي أضواء سابينا المتألقة يسبح فيها بلا هوادة ويموسق القصائد لأجلها ..بيد أن الوجيه إسماعيل تصدي له طالبآ منه إحترام المكان وأهله ..فرد عليه بأن علي أهل المكان إحترام أنفسهم فلا يجلبون العاهرات من كل حدب وصوب لإلهاء أبنائنا عن الدراسة ..هنا ثارت ثائرة إسماعيل فلطمه لطمة قوية علي وجهه حتي سال الدم من طرف فمه وتدخل بعض الحاضرين وحالوا بينهم والتمادي في الشجار ..وغادر الشيخ البغدادي وهو يهدد إسماعيل ويتوعده ..أما سابينا فقد إنخرطت في بكاء مر إذ أدركت أن كل هذه الجلبة والضوضاء من أجلها .
    *******
    أفاقت المدينة علي أبواق رتل من العربات بها خواجات من كل نوع ..هكذا جاء بصله بالخبر ..( علي الطلاق أمريكا ما فضل فيها زول ..كلها إنقشطت في البيت الكبير ..وكامرات وبنات خواجيات سمحات ..نان عاد جنس سماحه ..) ..في شنو يعني ..الجابم منو ..؟ فيصل يسأل متبرمآ ..غايتو شفت الشيخ البغدادي نزل معاهم ..ظنيتو جا في نفس العربات ..بشوفو قال ليهم إتفضلوا ..بالعربي ولّه بالإنجليزي يا بصله ؟ ..آسيا تشارك في توجيه الأسئله .. وأنا يعني أعرف كيف يا آسيا ؟ شايفاني إتخرجت من طب ..وما هي سوي دقائق حتي دلف الوجيه إسماعيل إلي داخل الكافتريا وعلي وجهه علامات الإنزعاج الشديد ..عثمان المكاوي عالم أنثربولجي ؟! ..معقول الكلام ده ؟ ..وعمّ الخبر أنحاء المدينه بيتاً بيتاً ..خواجات وصلوا من أمريكا عشان سيد البيت الكبير ..قالو عاوزين يكرّموه ..يكّرموا ليه شنو ..يكرّموا عمايلو في الصغير والكبير والبهدله الفينا من خمسين سنه لغاية يوم الليله ..زول واحد قادر يوقفوا عن حدوا مافي .. لا في .. الوجيه إسماعيل ..جلباً يقلب البيعه ..عليّ الطلاق خلي ليك الشيخ البغدادي يوم داك أقل من سمسمه ..يا زول حرم لفخو عديل في جضيماتو المنفخات متل السعون ..إسماعيل راجل وخاتي القول ..أخو أخوان وود قبائل ..
    لقد بدأ الإستفتاء منذ الآن علي نائب الدائرة الجديد ..ولاغرو ..فالرأي العام يتشكل من تفاصيل صغيرة كهذه ..وصورة القائد الفذ في هذه الأنحاء تأخذ شكل الرجل الشجاع ..الرجل الكريم ..ألم يتبرع بمائة ألف دولار لمحطة المياه والكهرباء ..ومواقف أخري تعرفها القلة المستنيرة هنا ..إذن سيغادر عثمان المكاوي مخبأه السري لأول مرة وإلي أين ؟ إلي أمريكا دفعة واحده لإستلام الجائزة والدرجة العلمية الرفيعة التي منحتها له إحدي المؤسسات هناك ..وكانت أمل البغدادي أكثر الناس سعادة بهذا الإنجاز وظلت تحوم بين الضيوف الأجانب كحمامة بيضاء تضج حيوية وجمالآ ..وبدأت ال( الخواجيات قبل الخواجات ) يتأملنها في ذهول ..فأنستهم المهمة التي قطعوا آلاف الأميال لأجلها ..فعبروا عن إحساسهم هذا للشيخ البغدادي بكل وضوح ..( كريمتكم حلوه يا مستر بغدادي (..(أوو ..شي إذ تيريفيك ..)همست واحدة في أذن زميلها.
    *******
    بدأت صفاء في التبرم من تصرفات زوجها حضرة النائب المحترم..وبدأ هو يغتنم كل فرصة سانحه لتهيئتها لتقبل فكرة زواجه من أخري ..ولم يكن موفقآ في مسعاه ذلك أنه كان يضع النقاط فوق الحروف ببلاهة لا تليق بشخص مثله ..صفاء سيدة الجميلات في زمانها ..أول فتاة قادت عربة مرسيدس في شوارع الخرطوم ..وأول طالبة يتم إختيارها لتمثيل السودان في الملتقي العالمي للشباب الذي إنعقد بموسكو وقتها ..كريمة واحد من أكبر رجال الأعمال في السودان قاطبه ..فيلا فخمة من خمسة طوابق وطاقم من الخدم والحشم ..سليلة المجد والأبهة يفعل بها كل هذا ..حاولت في البداية التقليل من أهمية إهتمامه بالأستاذه سميره ..توقعت أن تنتهي المشكلة بمجرد أن تستوفي أمل دروسها في اللغة الإنجليزية ..بيد أنه تمادي في غيه وأصبح الأمر لا يطاق ..وبدأ الهمس الخفيض يتحول إلي تعليقات ونقاشات تتبادلها سيدات المجتمع وأقسمت إحداهن أن الشيخ البغدادي طلب يدها من أسرتها التي إشترطت عليه أن يشتري لها شقة فاخرة بالخرطوم وعربة جديده وأن يودع في حسابها مبلغآ من المال يتم الإتفاق عليه قبل عقد القران ..سمعت صفاء بهذا وأكثر ..فانطوت علي نفسها في البداية تندب حظها العاثر ..شحب لونها وانطفأ ذلك البريق العجيب بعينيها وانسحب ذلكم الألق المنساب من وجنتيها ..ولكن لا يا بغدادي ..ليس أنا كما تظن إنسانة ضعيفة تفعل بها ما تشاء ..ومن ثمّ بدأت المعركه ..إتصلت بوالدها بالخرطوم وأخبرته بكل شيء لدرجة التفاصيل المملّه ..وطلبت منه كخطوة أولي إيقاف الدعم الذي ظل يقدمه لزوجها عبر بقالاته المتوزعة في جميع أرجاء المدينة ..وما هي أيام حتي توقفت البضائع عن الوصول وبدأت الأرفف في الإضمحلال ..وليت الأمر توقف عند هذا الحد فقد أوقف الدعم نهائيآ ما لم يتم تسديد الديون القديمة وهي بالملايين ..جن جنون البغدادي وأدرك أن صفاء وراء ما يحدث ..فجثا أمامها يسترضيها ويتملقها ولكن شيئآ ما إنكسر في دواخلها ..فباءت كل محاولاته بالفشل ..وعندما تهيأ للسفر مع والده لحضور مراسم التكريم بواشنطن ..كانت البقالات تغلق أبوابها الواحد تلو الآخر ..وسافر بعد لقاء عاصف مع الأستاذه سميره ..أقسم لها خلاله بأنه سيلبي لها كل طلباتها وطلب منها أن تبقي علي العهد لحين عودته .
    *******

  9. #19
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثامنة عشرة
    إغتنمت أمل فرصة سفر والدها وجدها لأمريكا فدخلت في سباق رهيب مع الكنينه لتأمين موقفها تجاه الرائد طارق ..كانت تأخذه في وشوشات ومناجاة حتي الساعات الأولي من صباح كل يوم عبر الهاتف ..وأحيانآ تزوره بمكتبه ..وكان الرائد طارق سعيدآ بمناجاتها وهو يكاد لا يصدق ما يحدث حوله .. واصطحبها أكثر من مرة في مشاوير مسائية يرسمان خلالها ملامح غدهما المشرق ..بيد أنه كان يتضايق من زياراتها له في المكتب وقد تنبهت في دواخله مشاعره القروية تجاه زوجة المستقبل ..وبدأت أمل تتخيل شكل حياة زوجة ضابط الشرطة ..ما طريقتها وكيف تكون مع تواجده معظم الوقت خارج المنزل في مهام ربما لا يخلو بعضها من الخطورة ومع إحتمالات النقل وعدم الإستقرار في مكان واحد ..وقررت بينها وبين نفسها أن تضحي من أجله وأقسمت أن تجعله أسعد زوج في الدنيا ..ولكن ..لكن يا أمل هل سيوافق والدك علي خطبتنا وما موقف والدتك من كل هذا ..والدتي في صفي وأنا متأكدة من ذلك ..أجابته مقاطعة ..أما والدي فأنا لا أضمنه تمامآ وهو علي خلاف مع والدتي هذه الأيام ..خلاف ؟! حول ماذا يا أمل ..تلك قصة طويله يا طارق لا أريد أن أزحمك بها ..أهو كما يحدث في كل عائله ..يعني إحنا بعدين حنختلف وكده ..تعرفي لو ده حصل حأموت عديل ..تعرفي كيف يعني لما أموت ..بعد الشر عليك يا طارق ..قالتها وسبقت قولها بشهقة أربكت طارق وجعلته يندم علي مجرد التلميح بشيء من هذا القبيل ..وهكذا كانا لا يمّلان التحليق بأجنحة العشق والصبابة والخيال ..آه ..كم يحب هذه البنت المدللة.. وكان أكثر ما يفزعه صورة الحياة التي سيوفرها لها مع هذا المرتب المتواضع ومسؤولياته كأبن وحيد بين نصف دسته من البنات إضافة إلي والده ووالدته .. وعلي النقيض من أمل إنطوت الكنينة علي نفسها تقضي الليالي مسهدة تحتضن طيف طارق ..وترفض بشدة فكرة زيارته بالمكتب وتكتفي بالسويعات التي يقضيها مع شقيقها الدكتور كمال تسعد بمجرد وجوده في محيطها ..تختزن ضحكاته وهو يداعب شقيقها وأحيانآ ينتحي به جانبآ يهمس له بأسرار لا تعلمها ..وكم تمنت لو أن الحديث يدور حولها ولم تسأل شقيقها عن كنه تلك الوشوشات التي لا تنتهي بينه وبين طارق ..يمنعها حياؤها الفطري وخوفها من أن تنجلي الحقيقة عن مواضيع تخص أمل البغدادي ..هل ندمت علي قطع مئات الأميال لتصافح عينيه وتطفيء نار أشواقها له ..أم هل ستبقي هكذا تتكتم حبها حتي لا تبدو متهافته ..إنه حتي لم يعد يعلق علي تفاصيلها مثلما كان يفعل في زيارتها السابقة لهذه المدينة ..وتحت ضغط شقيقها الدكتور كمال الذي أراد أن يخرجها من عزلتها تلك وافقت علي أن تذهب معه لزيارة طارق بمكتبه ..بذلت أقصي ما تستطيع كي تبدو أنيقة ومتألقه ونضحت شيئآ من العطر تحت أذنيها وعلي شعرها الطويل ..ولكن ما أن وطئت قدماها باب مكتبه حتي إصطدمت عيناها بأمل البغدادي ..أصابها شيء من الدوار وشعرت أنها تريد أن تطرح كل ما بداخلها من طعام ..بيد أنها تماسكت ورسمت فوق شفتيها إبتسامة عريضة وهي تمد يديها مصافحة طارق وأخذتها أمل بالأحضان في عناق مصطنع خال من العواطف ووبختها علي عدم السؤال عنها أو حتي إخطارها عبر الهاتف بوصولها ..إستاذنت الإنصراف حتي قبل أن تجلس وطلبت من شقيقها أن يعيدها للمنزل ..وعندما باتت لوحدها في غرفتها دفنت وجهها في الوسادة تبللها بدموعهاالتي سالت علي وجنتيها الساحرتين بلا هوادة ..وما بين النشيج والنهنهات ضاعت معالم الحلم الجميل الذي رسمته لزيارتها الثانية لهذه المدينه وتمنت لو أنها لم تأت أصلآ .
    *******
    الوجيه إسماعيل ملك المواقيت الذهب بلا منازع ..فبينما كانت طائرة الشيخ البغدادي ووالده تغادر أجواء السودان نحو واشنطن ..كانت الجرافات تدك منزل نوال الشامية وتحوله إلي أنقاض ..ومن ظلام العدم أطلت برأسها آلة ديناصورية عملاقه لم تشهد لها المدينة مثيلآ من قبل ..مارد يشبه الزرافة يحمل أطنانآ من الحديد والأسمنت يدور بها دورة عظيمة في الهواء ثم يضعها في المكان الذي يريده الباشمهندس هشام ..هرعت أمل نحو النافذه ورأت ما يحدث أمامها فجرت نحو والدتها توقظها في ذلك الصباح الباكر ..ماما..ماما شوفي البحصل ده ..بيت نوال الشاميه !!..مالو ؟ ..هدموه بالكراكات ..ومن ثمّ تجمع الناس كبار وصغار يتفرجون علي ما يحدث أمامهم ..وبرزت آلات أخري لها أنياب وأعملت في الأرض المغطاه بالنجيل والآكام قطعآ وتقتيلآ ..وحفرت أخاديد عميقه ..ما هذا الذي يجري بربكم ..عمدة المدينة الجديد وقد ترجل من عربته ..إنه الوجيه إسماعيل ..إشتري هذا المنزل من أصحابه وسيبني عليه عمارة ضخمة ربما من عشرة طوابق ..عشرة طوابق ؟!وهكذا سري الهمس في المدينه .
    الوجيه إسماعيل ؟! ..إنتي متأكده يا بت ؟!..أيوه وأسألي أي زول ..طيب ومالو يا أمل ؟!..من حقو ..لكن يا ماما بابا وجدو لو سمعوابالخبر ده برجعوا طوالي عشان يوقفو الفوضي الحاصله دي ..ولكن الموقف تغير عندما ترجل المهندس هشام من عربته وهو يرتدي ( أوبرول ) ويضع نظاره شمسية علي عينيه وما لبث العمال أن أعدوا له عريشة صغيرة كمكتب مؤقت ..طرح خرائطه وأوراقه فوق المنضدة وألقي نظرة علي المكان ثمّ وكأنه يبحث عن شيء ما طوّف برأسه وهو يضع يده اليمني فوق عينيه ليحميها من شعاع الشمس المنسكب بغزارة فاصطدمت عيناه بعينيّ أمل ..توقف عندها طويلآ طويلآ لا يبارحها ..تأملها بعمق لقرب المكان ولوّح لها بكلتا يديه ..صباح الخير يا أمل ..صباح النور ..مبروك المشروع الجديد ..تعالي دقيقه ..أنا عايزك ..توجهت نحو غرفة والدتها لتخبرها بأن هشام هنا وأنها ذاهبة لتحيته ..قالت لها أمها خذي معك شيئآ من الحلوي والشربات ..وكوني بجانبه لا تفارقيه لحظة يا أمل ..إعتبري هذه العمارة كما لو أنها تخصك
    أعادت ترتيب نفسها وارتدت ملابس رياضية أنيقة ووضعت (كابها ) المزركش الألوان فوق شعرها المنسدل فوق أكتافها وأهرقت بعض العطر ..وحملت العصير والحلوي وتقدمت نحوه تتهادي كأميرة خرجت للتو من حكايات ألف ليلة وليله .

  10. #20
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.39

    افتراضي

    مضت بضعة ثوان والصمت الرهيب يخيم علي المكتب ..قرأ المهندس هشام وجه أمل حتي وهي في تلك الحالة من الإعياء وهتف بينه وبين نفسه ( يا إلهي كم هي جميله )..وقرأ مرتضي وجه ندي وهتف بينه وبين نفسه ( يا إلهي كم هي جميله ) وقرأت ندي وجه مرتضي وهتفت بينها وبين نفسها ( يا إلهي كم هو وسيم ) وكذلك فعلت أمل .. إذ قرأت وجه هشام وهتفت بينها وبين نفسها ( يا إلهي كم هو وسيم ) .
    اغفر لي أيهاالفاضل مداخلة ربما بدت مستهجنة إذ أسوقها في تعليق استبق به النهاية
    ولكن الفقرة المقتبسة هنا احدثت عندي وقفة خرجت بي عن حالة الاغراق في عوالم الرواية، فقد بدت لي مقحمة عاجزة عن الانسياب ضمن السردية السلسة التي كنت أتابع ....
    كأن الجملة القصصية هنا عجزت عن حمل مراد الكاتب وتوصيله بسلاسة عبر الأحداث، فألقته في وجوهنا عنيفا مباغتا و.. خبريا

    ملاحظة أحني هامتي لبديع قلمك بينما أطرحها مستوضحة

    دمت متالقا استاذي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. أنين البوصلة
    بواسطة احمد المعطي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 16-09-2016, 10:58 PM
  2. البوصلة والمثقف
    بواسطة محمد إسماعيل سلامه في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 03-08-2013, 08:04 PM
  3. تمزق...رواية جديدة .
    بواسطة عبدالغني خلف الله في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 60
    آخر مشاركة: 06-01-2011, 05:47 PM
  4. يارا..رواية جديدة للمُبدع محمود خفاجي
    بواسطة محمود سلامة الهايشة في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-07-2010, 12:57 PM
  5. خيانة البوصلة
    بواسطة عبد الصمد الحكمي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 18-05-2009, 01:08 PM