أحدث المشاركات
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 24

الموضوع: ريبورتاج ..رواية ..

  1. #11
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الخامسة
    وصلت للجريدة الرسالة الثانية من الأستاذة ( نهله ) من مدينة ( كان ) احتوت علي المقابلة الشيقة مع الممثلة ( تينا كرستوفر ) الحائزة علي جائزة الأوسكار لأحسن ممثله .. وسألتها إن كانت قد زارت السودان من قبل ؟ فأجابتها بأنها جاءت للسودان مع والدتها التي كانت تعمل باليونسيف في إطار برنامج نحن العالم نحن الأطفال:
    (We are the world we are
    the children) وأمضت بالسودان حوالي خمسة أيام وأضافت أنها لا تتذكر الأشياء بوضوح إذ أنها كانت في الخامسة من عمرها لكن بعض الكلمات رسخت في ذهنها مثل .. جميلة جداً وأوضحت أنها كانت تسمعها من أفواه الكثيرين وسألت بدورها الأستاذة نهله عن معني هذه الكلمات .غير أن ريم تدخلت وغيرت موضوع الحوار وسألتها عن الأكلات السودانية وهذا هو ديدن ريم الأكل ثم الأكل وبعد ذلك النوم ثم النوم ومن ثمّ اللبس ثم اللبس ..تينا كرستوفر أجابتها بأنها أحبت عصير الجوافة ونطقتها هكذا ( قوافه ) ..نهله سألتها عن مشاريعها الفنية للفترة القادمة وماذا تقول لقراء (المجهر ؟(..أوضحت بإنها ستقوم بجولة في أفريقيا إستعداداً للفلم العالمي ) اللعبه ( والذي تدور وقائعه حول الاستعمار الجديد وتقاسم مناطق النفوذ بأفريقيا لذلك ستكون ممتنة لو أن نهله إستضافتها بدارها في الخرطوم فهي تريد التوغل في المجتمعات الأفريقية وتقول لقراء المجهر سلامو عليكم وشكراً .. كلو ده يطلع منك ؟ ريم تحدث نفسها وقد التقطت حوالي أربعمائة صوره أثناء الحوار .

    آنسه كوثر قررت الذهاب إلي قسم المرور لتجديد رخصة القيادة إثر استلامها للعربة الجديدة التي أهداها لها خطيبها فهي منضبطة جداً في مثل هذه الأشياء لذلك نجدها تدون في أجندتها تفاصيل أوراقها الثبوتية من حيث انتهاء مدة الصلاحية ومن ثمّ وقعت على إشعار باستلام تحويل به حفنة لا بأس بها من الدولارات أرسله لها عصام وقبل أن تعيد الورقة لموظف البريد لاحظت أن توقيعها مش ولا بد ... لقد جلست الساعات الطوال تبحث عن توقيع مناسب يليق ورصيدها المتنامي من العملات الحرة وها هو توقيعها يشبه كلمة مبكر وربما مغفل لا تدري .
    توقفت قرب دائرة المرور عند رجل يجلس ذاهلاً عمّا حوله وبالرغم من ملابسه الرثة فهو أبعد ما يكون عن المتسولين .. وبفضول الصحفي وتعطشه للاكتشاف قررت كوثر أن تتعرف علي هذا المذهول .. فهي تعتقد أن كل دابة علي وجه هذه الأرض تحمل في دواخلها دراما حقيقية .. جلست بقربه وحيته بلطف شديد :
    _ صباح الخير يا أستاذ..
    _ من !!؟ سوزان ؟ ماي لف .. ماي دارلنق ومن ثّم طفق ينشد أغنية إنجليزية تقول كلماتها .. سوزان وما سوزان .. تأخذك إلي كوخها الخشبي قرب النهر وهنالك.. تجترح أعماقك الشاسعة ببشرتها الناصعة ومعا تستوضحان كينونة الألم ..سوزان ..
    _ يا أستاذ أنا متأكده بأنك ما مجنون وأنك في كامل وعيك وفي الحقيقه...
    _ الحقيقة... آه...أين هي الحقيقة ؟ نصفها عند الأرواح الهائمة في الديجور والنصف الآخر في براثن العدم .. أيها الأبد ..أيها الأبد ..
    _ ما بلاش الحركات دي يا أستاذ...أرجوك أعتبرني زي أختك الصغيره وقول لي أيه قصتك ؟
    _ أميرة !! أميرة !! قالها وهو يبكي بحرقة وأسي وبين الدموع والتنهدات تتكشف الحقيقة عن روح معذبة وضائعة .. كوثر الموسومة بالحنان غزيرة الدموع سريعة التأثر بكت وأخرجت منديلها تجفف دموعها وهي تردد : حأرجع ليك مره تانيه .. أكيد حأرجع ليك مره تانيه ..ثم أومأت علي عربة تاكسي أخذتها إلى مباني الجريدة حيث الدكتور همام الذي تلقفها بحنان أبوي خالص ولن يغيب عنه طبعا تنسم ذلك العطر العجيب المرسل من ) قطر .(
    أخذ مهيد أوراقه وأقلامه وحمل معه خطابا من سكرتير التحرير لكل من مدير التلفزيون ومدير الإذاعة لتسهيل مهمة الصحفي المبتدئ مهيد هكذا عرفه الأستاذ ناجي ..موظف الاستقبال بالتلفزيون أخجل تواضعه بكرم الضيافة وسمح له بالتوغل في دهاليز المبني ولدي دخوله كانت هنالك عربة بها عدد من المذيعين والمذيعات وكاميرات تصوير تتأهب للإنطلاق فقد كان طاقم برنامج) من الخرطوم سلام وأم درمان تحيه ( علي وشك الخروج لتسجيل بعض المشاهد الخارجية .. مهيد لمح إحدي المذيعات اللائي يحتفظ لهن بمكانة خاصة في وجدانه وعندما رآها أمامه وجها لوجه كاد أن يغمي عليه ..إضطرب إضطراباً شديداً وسقطت منه نظارته الطبية علي الأرض وعندما استعادها وجد أن عدسة العين اليسرى قد انفلقت إلي نصفين ، تحركت العربة فهرول خلفها وهو يمارس إبداعاته في اصطياد الحافلات وجلس قريبا من المصور علي حافة العربة وسأله :
    إنتو ماشين وين ؟
    تصوير خارجي ..
    في الخارجية ؟
    لا في الداخلية ..إنت جاي من وين ؟
    أنا صحفي مبتدئ من صحيفة المجهر ..
    وعاوز أيه ؟
    مش إنتو الفريق العامل في برنامج الخرطوم سلام وأم درمان تحيه ؟ في الحقيقه أنا عاوز آخدكم زي عينه لريبورتاج ، مش دي العروض الختاميه للبرنامج ؟
    نعم إتشرفنا ..
    العروض الختامية معناها عمل مكثف .. يقول ليك مسرحية كذا وكذا في عروضها الختامية لذلك تجد الناس بالصفوف ونكتشف بعد أسابيع أن المسرحية لا تزال تواصل عروضها ألا توافقني فيما ذهبت إليه؟
    يا حبيبي العربة توقفت وأهو داك مخرج البرنامج ألا ذهبت إليه ؟
    مهيد قرر أن يراقب ويتأمل ويدون كل كبيره وصغيره في هذه السانحة التي هبطت عليه من السماء وألا يوجه أية أسئلة .
    ترجل الجميع وُطلب من الفنان المخضرم أن يسير علي مهل علي الجانب الأيمن من كوبري النيل الأزرق باتجاه أمدرمان وأن يرسل نظراته نحو المياه المنسابة ثم يحرّك شفتيه في تأثر بالغ وهو يهمس بكلمات تلك الأغنية المعروفة التي تقطع نياط القلب وتحتلب الدموع وتستنفر الأشجان التي هي أصلا مستنفرة ومن ثّم خطا الفنان أولي خطواته وبدأ يدندن بكلمات الأغنية و الفريق العامل والكاميرا خلفه.. وفي تلك الأثناء مرت بالقرب منهم عربة بوكس محملة بالفواكه وقد أدرك السائق بأن هؤلاء السادة لا بد أن يكونوا ناس الخرتوم سلام وأمدرمان هديه ..أوقف عربته وأمر مساعده بإنزال أكبر كميه من ) القريب فروت ( والبرتقال وهو يردد ): أهلاً بناس الخرتوم سلام ) وبعد أن سلم كل واحد منهم كميه لا بأس بها أهدي الفنان المبدع )سبيطة موز(ومن ثّم واصل مشواره .. المخرج أصابه إحباط شديد ذلك لأنه كان قد أوشك علي إنهاء تصوير المشهد فجاء ذلك المواطن ليخرب كل شئ ومرة أخري طلب من الفنان إعادة اللقطات .. في البداية سار بتمهل وهو يدندن بكلمات الأغنية غير أن خطواته بدأت تتسارع والفريق العامل يركض خلفه محاولا اللحاق به دون جدوي وبدا وكأن الجميع يهرولون حتى نهاية الكوبري .. جلس الجميع لالتقاط أنفاسهم بما فيهم مهيد الذّي لم يتأثر بالمشوار لكثرة تعوده علي قطع المسافات الطويلة مشيا علي الأقدام ..ومن هناك أمر المخرج السائق التوجه نحو بوابة عبد القيومالتاريخية في وسط أم درمان وما أن أخذ كل واحد موقعه حتى خرج عليهم مذيع شاب وهو يردد كلاما مثل : الأطار الزماني بواكير هذا القرن ..المدي والرؤيا يستبقان نحو المجد الأثيل والتراجيديا تعانق تداعيات الماضي بينما رويدا رويدا يسدل الستار و..هنا تدخل المخرج طالبا منه إعادة هذا المقطع وهو يقول :يا أستاذ ..يا أستاذ عاوزين أحاسيس ..لا بد من إعطاء النص شوية (spirit )
    إتفضل ... استمرت الجولة ومهيد لا يكاد يفهم شيئا وكانت نظراته علي تلك المذيعة التي ستكلفه نظاره جديده لا تفارقها لحظه .

  2. #12
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السادسة
    أما الآنسة ناهد فقد وضعت لنفسها خطة عمل بعكس إبننا مهيد وقررت أن تنتقل من بيئتها العائلية في ذلك الحي الراقي وأن تذهب لتعيش مع عمها الذّي يسكن أحد الأحياء الشعبية هنالك وسط عامة المواطنين المسحوقين حيث لا وفرة تغيظ ولا فلوس ..جُن جنون والدتها وكاد أن يغمي عليها لدي سماعها الخبر ودخلت في نقاش عميق مع إبنتها حول جدوي الموضوع من أساسه..يا ماما صحفية أيه وصحف أيه ؟ دي أشياء عفا عليها الزمن ..دلوقت الناس في عصر الأنترنت ..مافي إنسان فاضي عشان يقرأ ليه جريدة بحجم السجادة العجمية ..المعلومة الآن يا ناهد بقت في (بانفلتس وفي ال سي ديز والمايكروفلمز) ..غير أن ناهد كانت قد حددت أهدافها ووسائلها الخاصة بتحقيق تلك الأهداف فتصدت لوالدتها تقارعها الحجة بالحجة ..ماما يا حبيبتي..كل إنسان وقناعاتو في هذه الحياة ..الصحافة بالنسبة لي مسألة أكون أو لا أكون ..بعدين أنا ماشه وين يعني ..ما بيت ناس عمي لا أكثر ..وأنا يا ناهد ما بهمك إحساسي شنو نحو الرحيل المفاجيء ده ؟ ولي وين ؟ بؤره بتاعة أمراض وسوء تغذيه و.. في دي إنت غلطانه يا ماما بالعكس هناك حألقي جدتي آمنه وتماضر بنت عمي وعمي صالح ..لكن يا ناهد أنا خايفه عليك ..العقارب والباعوض والغبار ..لا لا يا ماما إنت مكبّره الحكايه ساكت وحأثبت ليك إنك غلطانه ..وهكذا نجحت ناهد في تخطي أكبر عقبة كان من الممكن أن تهدم كل خططها .. طلبت من السائق توصيلها وتدحرجت العربة بين ثنايا الأزقة والحواري ولدي توقفها أمام منزل عمها ثارت فوضي لا مثيل لها وحاصر الصبية العربة وناهد (عليك الله خدينامعاك في نزهه ..عليك الله لغاية اللفه وبس ).
    غلاء المعيشة ..غلاء المعيشة ..؟ رأيك شنو يا تماضر في الموضوع ده ؟ بصراحة يا ناهد الوالد خير من يفتيك في هذا الأمر .. ما تعقدي المواضيع .. بقولو أن قفة الخضار واللحم هما المقياس الحقيقي لغلاء المعيشه ..مش ؟ أكان كده الحكايه بسيطه ،نمشي سوق الخضار وزنك اللحمه ونشوف الحاصل ..وهو كذلك ..وأنا اليوم متكفله بكل شيء ..
    وانطلقتا معاً لا تلويان علي شيء ..ناهد تحاول أن تتخيل شكل السوق وتماضر وقد أدركت أنهم سيظفرون بخضار الأسبوع ..وكان أول ما لفت انتباه ناهد الزحام الشديد والصبية الذين يحملون أكياساً سوداء يعرضونها بإلحاح شديد ..هنا تذكرت تماضر النشالين واستغربت ناهد وجود مثل تلك الأكياس التي يوضع فيها (القاربتش) ..تصوري نحن بنشيل فيها الحاجات ..قالت ذلك وهي لم تستوعب معني تلك العبارة الإنجليزية بالرغم من أنها في ثالثه عالي ..معليش يا ناهد إنقليزيتي تعبانه ..هو أنا إتكلمت إنقليزي ؟..دي يا تماضر مش الليدز فنقرز ؟ وكانتا تقفان أمام بائع الخضار ..قصدك الباميه ؟ ..أيوه ..ودي الدسته منها بكم ؟ ..ُهس يا ناهد بضحكو عليك ..ليه هو أنا قلت حاجه غلط ؟ يا بت دي ببيعوها بالكوم أو الكيلو .. معليش يا تماضر ..أصلي أنا عمري ما إشتريت خضار ..الخضرجي توقف عند الجينز والشعر المعقوص في شكل ذنب الحصان ..والبشرة الناعمة التي غرقت في شعاع الشمس ..هتف دون أن يدري : أهلآ بالرايقين ..شرفتوا والله يا بناتي .. القدامك دي شنو يا عمو ؟..
    دي فلفليه خضراء ..ما في منها ألوان تاني ؟ ..كمان سويتن ليها ألوان ؟ ما بغلبكن .
    آنسه ناهد وتماضر غادرتا زنك الخضار وتوجهتا للجزارة لرصد أسعار اللحوم..استغربت ناهد تدافع النسوة في الجزارة ولاحظت ازدياد الطلب علي إمعاء الخروف وأحياناً كميات قليلة من اللحوم تتراوح بين نصف وربع الكيلو..وتذكرت عشرات الأكياس المعبأة باللحوم والفراخ والسجق القابعة في ( الديب فريزر ) بمنزلهم وشعرت كما لو أنها مدانة لهؤلاء الناس باعتذار شديد عن التخمة التي تعاني منها أسرتها وقررت أن تكتب في الريبورتاج الخاص بها حول غلاء المعيشة بأنه لا يوجد شيء أسمه غلاء المعيشة إذ لا توجد معيشة أصلاً .. تماضر قالت لها نحن نحمد الله علي ربع الكيلو ..لأن بعض الأسر عايشه علي الطماطم فقط .
    ربما تكون الأخت سلمي عمر الأمين أكثر حظاً من ناهد ومهيد لوضوح الموضوع المناط بها ألا وهو موضوع الجريمة فقد اصطحبت معها صديقتها وجارتها ناريمان التي تدرس علم البحار في قبرص وقد حضرت في زياره قصيرة للأهل .. طلبا من سائق التاكسي أن يأخذهما إلي المباحث الجنائية .. ترجلتا من التاكسي لتواجهان مبني المباحث الضخم الذي يبعث علي الخوف والرهبة ولم تضيعا وقتاً إذ توجهتا نحو الضابط المسئول عن السجلات الجنائية ..وبعد أن إطّلع علي خطاب رئيس تحرير جريدة المجهر أخرج كتيباً من درج مكتبه يشتمل علي التقرير الجنائي السنوي وقرأ عليهم أرقاماً عن الأموال المسروقة والمستردة بالدينار والجنيه والمليم ..سلمي أطرقت هنيهة وتذكرت بلاغ الحاجة صفيه عندما زارهم اللص ليلاً وأخذ حفنة من الملاءات وبعض الأشياء التافهه لكنها قالت للشرطه لحظة تدوين البلاغ إنها فقدت عدد ستين ملاءة وكذلك مصاغ ذهبية بملايين الجنيهات وجهاز فديو ومليون جنيه نقديه في حين أن الحاجه صفيه كانت تغادر منزلها عبر باب الجيران تفادياً لصاحب البقاله آخر الشارع وأستنجدت الحاجه صفيه بأبن أخيها الضابط بقسم الحركة ولأثبات هيبته أمام العشيره... هُرع إلي قسم الكلاب البوليسية وأحضر الكلب البوليسي( مرعب ) الذي هو فعلاً مرعب ..وتجمعت النسوة وأطفال الحي وحتى الكبار يتأملون ذلك الكلب العجيب وكان يوماً سيظل عالقاً بذاكرة الجميع ..لذلك لم تقتنع سلمي بتلك الإحصائيات وعبّرت عن شعورها هذا صراحة للسيد العقيد الذي أوضح لها بدوره أنهم يعطون هامشاً معيناً لمثل هذه التجاوزات المتوقعة ومن ثمّ يقوم الكمبيوتر بضبط الإحصائية وبمنطق الشخص المدافع عن قضيته سألها :الكمبيوتر كمان بغلط ؟ سلمي قالت له : إنتو تقولو الكمبيوتر ما بغلط وناس الكهرباء يقولو نفس الكلام ..دي شنو المصيبة الطلعت علينا ؟ ..عموماً سلمي وجهت له بعض الأسئلة التي رد عليها بأستفاضة وأحالها إلي نقيب يدعي عصام ليجيب علي بقية الأسئله ..جناب النقيب رحب بسلمي ترحيباً حاراً وأصابته سلمي برصانتها ووسامتها في مقتل فأرسل في طلب شيء من العصير والحلوي لها ولصديقتها ناريمان وبدأت الأسئلة و الأجوبة ..وشعر النقيب عصام أن سلمي هذه قفزت فوق جميع حوائطه الدفاعية ولمست في دواخله (حدائق ) الكلام علي حد تعبير الأغاني هذه الأيام ..ناريمان أعجبها الحوار لدرجة أنها إقترحت علي سلمي همساً بأن تقابل وزير الداخلية .. الوزير حته واحده ؟ سلمي مستغربه ..يعني شنو ..تلقيهو هسه إنسان عادي جداً ..ما تغرك المناصب والأشياء دي ..ثقتك بنفسك توصلك رئيس الجمهوريه ..الرئيس حته واحده ..يعني شنو تلقيهو هسه إنسان عادي جدآ ..سلمي نظرت إلي ناريمان بسمنتها الزائده عن الحد وأيقنت أن العنصر البشري يجب ألا يقاس بالشكل الخارجي ..فكم من إمرأة جميله تحمل في دواخلها كل القبح الموجود في العالم وكم من إمرأة عادية الشكل تحمل في دواخلها الرقه والذوق ورهافة الحس وكذلك الشفافيه ..والكلمه الأخيره هذه ظلت تسمعها وتقرأها طوال الأسبوع الفائت..ومن ثمّ عادت سلمي إلي النقيب عصام الذي تأملها ولأسباب يجهلها ربط بينها وبين الأغنية التي تقول (حاجه فيك تقطع نفس خيل القصائد ) ولا أعتقد أن الشاعر يعني الخيول التي عندنا في السواري ..هكذا حدث عصام نفسه ..وكفايه أنو كلابنا البوليسية مقياس للتطور ..كما خيول الديربي اللندنية التي ربما عناها الشاعر ..وكأن سلمي قد قرأت أفكار عصام فسألته عن أنواع الكلاب البوليسية المستخدمة في المباحث ..عصام رد عليها بأن لديهم نوع إسمه (الجيرمان شيبرد) ومعناها الراعي الألماني وهي سمينه ..مبغبغه) ..ناريمان رجعت بأكتافها إلي الوراء وقد لحقها رأس )الصوط( كما يقولون ..وعندنا نوع تاني إسمو )الدوبرمان ( وهي( خطيره جد وبنحبها) ..تفاجيء الإنسان بجمالها وجبروتها لدرجة الإجهاز عليه وتحطيم معنوياته إذا لم يعرف كيف يتصرف معها ويفهمها وتفهمه ..ناريمان الفنانة العائدة من قبرص للتو قرأت ما بين السطور وقد إنهمكت سلمي الغبية في كتابة كل كلمه بإخلاص شديد ..ولدينا أيضاً (البلدّي هوند والتراكر دوقز ) وهذه يمكن إستخدامها في تفريق المظاهرات ..سلمي المشهوره بتصديها لقضايا الجماهير عبر الأتحاد بالجامعة إرتعشت من الخوف ..إ ستمر الحوار هادئاً لا تنغصه منغصات..وقد خطر لسلمي أن تجري عدد من المقابلات مع بعض معتادي الأجرام بالحراسه ..عصام أخذها إلي قسم التحقيق ولدي إقترابهم من المكان سمعت أحدهم يقول آخ ..آخ .. سلمي توقفت وسألت عصام عن مصدر ذلك الصوت ..عصام قال لها هذا أحد معتادي الأجرام المعروفين بالتمثيل ..الواحد من زي ديل تلقيهو بحجم تراكتور وإذا أديتو صفعة صغيرة يقعد يدلع .
    أول مجرم أحضروه لسلمي يدعي ( دي جانجو )..معتاد سطو علي الأمكنة ليلآ سلمي لاحظت أن عناوين الجرائم تشبه إلي حد كبير لغة الأغاني المتداولة هذه الأيام ..سلمي سألته عن أكبر عملية سطو شارك فيها ..المعتاد لم يصدق أن كل هذه الأناقة توجه له الأسئلة وتنصت له ..فحكي لها عن أشياء قام بها فعلآ وأخري من نسج الخيال ليقضي أطول وقت ممكن في المكتب ذي ( الأيركونديشن )قبل إعادته للزنزانه ....سلمي قالت له لماذا يا عم لا تقلع عن ارتكاب الجرائم وتتوب ؟ المجرم قال لها بسيعطوني رخصة تجارية ..بالله عليك كلمي لي المحافظ يديني موقع في السوق وشوفي لو أرتكب جريمه تاني.
    - أكيد ده حيكون الموقع الخامس .. وبدلآ من تقعد فيها بعتها للتجار بأرخص تمن ..النقيب وقد بدأ يتململ من المجرم ..
    ناريمان وقد انبهرت بمجريات هذا اليوم سألت عصام عمّا يعرف ب(المودس أوبراندي(وهي عبارة لاتينية لتدلل علي معرفتها باللغة اللاتينية التي درستها في قبرص ..عصام شرح لها معني هذا المصطلح ومعناه الأسلوب الإجرامي ..وقال لها وهو يوجه حديثه نحو سلمي ..وده معناه أن لكل مجرم تخصص ..وفي كل تخصص هنالك عدة أساليب ..فالنشال مثلآ..والكلام لا يزال يوجه لسلمي ..ليس بإمكانه السطو ليلآ ..ومعتاد السرقات الليلية لا يفقه شيء في النشل وقس علي ذلك ناس السرقات النهارية ..أهو ديل عندهم عمي ليلي الواحد تلقيهو من المغرب يلزم محلو ..
    في ختام المقابلة سلمي طلبت مقابلة مدير المباحث ..عصام دخل بها في متاهات وسراديب) ..حاجات مضاءة وحاجات مظلمه (وضغط علي ذر في الحائط فإذا هما أمام باب صغير يؤدي إلي نفق وبعد النفق دخلا في مصعد كهربائي أوصلهما للطابق الخامس وعلى السطوح جثمت طائره عموديه ..ومن ثمّ هبط بهما )الأسانسير (إلي ما لا نهاية ..وأخيرا وصلا مكتب السكرتيرة التي أخذت لهما الأذن علي أن لا تزيد مدة المقابلة عن دقيقه ..وداخل مكتب قليل الأضاءه أصلا تداخلت الأنوار الزرقاء والحمراء وفوق البنفسجية فوق رأس مدير المباحث فلا تبين صورته ..ولعل مثل هذا التمويه لأسباب أمنيه والله أعلم ..سلمي شعرت بقشعريرة من جسامة المشهد وسلمت عليه من علي البعد وكان قد دفن رأسه في أضابير التقارير الخطيرة ..ولم يشفع لها سوي أنها قدمت من قبل المجهر والعلاقة الشخصية التي تربطه بالدكتور همام ..سلمي اكتفت بالتحية وانصرفت دون توجيه أسئلة ..وبينما عصام يزفهما حتى الباب الخارجي توقفت عربه تحمل كمية من الجوالات المعبأة بالحشيش ..وأخرج أحد الضباط رأسه ونادي علي عصام للذهاب معهم لإبادة تلك الكميه ..عصام سأله عن عدد القناديل المستهدفة فأخبره بأنها خمسة ألف قندول ..عصام اقترح علي الفتاتين حضور هذه العملية وبالطبع وافقتا ..الشي الذي سيضيف للروبرتاج الخاص بها نوعا من المصداقية والإحاطة والشمول والفعالية والديناميكية .ولدي وصول العربة الخلاء توقفوا تحت شجيرة يتيمة إنتصبت في قلب تلك الصحراء ..نشط العساكر في إخراج محتويات الجولات وكان هنالك قاض يراقب العملية بينما إستظلت سلمي وصديقتها بتلك الشجيرة المستوحشة ..وبدأ الحريق الكبير .. وكانت الرياح جنوبية غربيه متوسطة السرعة والإتجاه .. فتيمم الدخان صوبهما ..طلب القاضي منهما الوقوف عكس الهواء غير أن ناريمان المتعودة علي غيوم ( لارنكا ) أصرت علي البقاء حيث هن ..إنتهت العملية وأوصلهما عصام إلي منزلهما وكانت سلمي تشعر بخدر ونعاس شديدين وأحست بأجفانها ثقيلة ولسانها ثقيل لا يقوي علي النطق وبصعوبة شديدة ودعت صديقتها ومن ثمّ استسلمت للنوم طوال ذلك الأسبوع

  3. #13
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السابعة
    لم تكد تمضي بضعة أيام حتى عادت كوثر لصاحبنا المذهول إياه ..اقتربت منه وحيته بابتسامة عريضة ومدت يدها نحوه تصافحه ..أمسك يدها وأنحني فوقها يقبّل ظاهر كفها وهو يهمهم بلغة أجنبية غير الإنجليزية ..ناولته كوثر رزمة من الأوراق وطقم ألوان وفرشاه وطلبت منه أن يرسم لها بعض اللوحات ثم ابتعدت عنه دون أن تنتظر منه جواباً .. غير أنها رجعت إليه بعد بضعة ساعات لتفاجأ باستجابته لها إذ ناولها عدداً من اللوحات في غاية الغرابة ..شكرته بحرارة وهي تداري شعورها بالفرح أمامه ولاحظت أن الدماء قد عاودت التدفق بين ضفتي عينيه ومنحها ابتسامة هي مزيج من الإحساس بالامتنان والفرح وشيعها بنظراته حتى عربتها وكأنه يرجوها أن تأخذه معها ثم أطرق نحو الأرض .
    أخذت كوثر اللوحات للأستاذ ناجي ليفسر لها كنه تلكم الرسومات .. ناجي أستنتج أن هذا الإنسان يعيش مأساة حقيقية وأن القاسم المشترك بين اللوحات يتمثل في إمرأة وطفل وطائره وهنالك سحب ودخان وعواصف وأمطار تلون قسماً كبيراً من كل لوحه ..كوثر المنفعلة بما أنجزت قررت أخذ الرسومات معها إلي المنزل ومحاولة فهمها في جو يسوده الهدوء .. والدتها استغربت عودتها في ذلك الوقت المبكر .. سلّمت عليها وأغلقت باب غرفتها .. احتضنت جهاز الراديو ذي الإثني عشرة موجه الذّي أرسله لها خطيبهامن قطر وشعرت بأنها بحاجة لسماع شيء من الموسيقي لعلها تخرج من كل هذا التوتر والارتباك الذّي سيطر عليها منذ تعرفها علي ذلك المذهول ..أدارت مؤشر الراديو فجاءها صوت يقول .. وأحييكم من وسط لندن في مستهل هذه الجولة التي ستنقلنا إلي الجزائر ومصرع عشرين قروياً علي أيدي جماعة مسلحة وإلي بوسنيا وواحدة من أبشع المذابح التي أرتكبها الصرب لكننا نبدأ من واشنطن .. أعرف هذا الصوت جيداً ..كوثر تحدث نفسها .. ليس في هذا الظرف يا جورج مصري ..غادرت محطة لندن بحثاً عن الموسيقي أي موسيقي ..ها هو تصفيق وزعيق لا بد أنه تسجيل لحفل ساهر.. ولكن وبدلاً عن الغناء جاءها صوت يقول ( أيها الشعب ..أيها الشعب المناضل (..وخمنت كوثر أنه لا بد أن يكون أحد الحكام العرب الذين يستثيرون حماسة الجماهير ..بلا طائل ..غادرت هذه المحطة بسرعة وها هي الموسيقي والصوت المعتق يردد ( أنساك ده كلام أنساك يا سلام أهو ده المش يمكن يحصل ولا أفكر فيه ) هذا ما كانت تبحث عنه كوثر والجمهور يصرخ ويصفق وأم كلثوم تعيد المقطع من جديد ..تري لو أنها لا تزال علي قيد الحياة هل ستجد جمهوراً يستمع إليها حتى الفجر ..أنا شخصياً أشك في ذلك لسببين ..أولاهما أن إنسان اليوم يعود لمنزله وقد استنزفته الحياة مثل حصان يجر عربته طوال اليوم ..فهو حتماً سيأوي إلي فراشه لدي أول فرصة تسنح له إستعداداً للمشاوير الماراثونية التي بانتظاره صباح اليوم التالي ..والسبب الثاني يتلخص ببساطه في الافتقار إلي المزاج الذّي يحرّض علي الاستماع ..كوثر لاذت بسريرها ووسادتها الأثيرة لديها والتي كثيراً ما تشاجرت مع شقيقتها بسببها ..كل شيء ولا هذه الوسادة إنها لا ترتاح إلا بها وعليها..تضع خدها عليها وتبكي عندما يصرعها الإحساس بالضياع ..تقذف بها شقيقتها وهما يلعبان ..إن من يراقب كوثر يشك في أنها امتلأت من طفولتها وإلا فيم كل هذه اللعب والمقتنيات اللافتة للانتباه .. لعلها تحاول أن تعود طفلة كما كانت ..لا ..لا إنها لا ترغب في ذلك .. يكفيها هذا الشعور العميق بالشجن .. صوبت عينيها نحو سقف الحجرة وحاولت فك طلاسم التبقعات التي تناثرت بين ثنايا الأخشاب ..ولاحظت أن ثمة عنكبوت تنشط وهي تذرذر المكان بذلك النسيج الشفاف في همة لا تفتر ..لماذا في جميع الرسومات طفلة وطائرة وحريق ؟ هذا الأمر محير فعلاً .. كوثر استنجدت بثقافتها في علم النفس وربطت بين الأنا العليا والأنا السفلي ..لا بد أن هذا الرجل قد فقد طفلته في حادث تحطم طائره ولكن ما حكاية ذلك الوجه الأوروبي المشدود من قدميه بذيل الطائرة ؟ هل هو لزوجته ؟ ثم ورويداً رويداً أحست كوثر بالنعاس ..ونعست كذلك العنكبوت وصمت الغناء ولف الغرفة سكون مريب سرعان ما أدخلها في دوائر زرقاء وأخري بنفسجية وطاشت في مخيلتها أشياء وأشياء أدخلتها في حلم غريب وعجيب وعندما استيقظت أقسمت ألا تخبر به أحد ولا حتى نفسها .
    عاد أنور صالح شقيق تماضر وإبن عم ناهد الطالب بالجامعة والذي يحضّر للماجستير في التاريخ ..عاد إلي منزلهم وقد وجد حالة طوارئ غير معلنة تسيطر علي المنزل ..لفت انتباهه لدي دخوله منظر المدخل وقد تمت نظافته وتعمد إحدي الفتيات الصغيرات من الجيران علي رشه بالماء وعندما توغل قليلا فاجأته إصص الأزهار التي بثت هنا وهناك ولفحته رأئحة بخور التيمان و( المستكا )..فأدرك أن ضيفا استثنائيا موجوداً بالداخل ولم يخف سعادته عندما إكتشف أن المحتفي به ليس سوي إبنة عمه ناهد وفرح فرحا شديدا عندما علم أنها ستمضي معهم بضعة أيام بعد أن كانت زياراتها لهم لا تتعدى بضعة دقائق وفي صحبة والدتها وأيام الأعياد لا أكثر ..شق طريقه نحوها وسط حشد من فتيات الفريق..اللاتي أتين للترحيب بها بعد أن جاست تماضر عبر جميع الأبواب التي توصلهم بالجيران تخطرهم بوجود الغالية ناهد بمنزلهم ..وكان الجميع قد إنتهي لتوه من تناول طعام الغداء وقرأ ذلك العدد الكبير من الأواني المنزلية ليكتشف أن كل فتاة منهن قد جاءت بما هو متاح من ألوان الطعام إحتفاءآ بمقدم ناهد ..سلم عليها وهو يكرر عبارة (شرفتينآ) معني لا قولآ خمس مرات وناهد تعيد علي مسامعه عبارة شرف الله قدرك ..فتغامزت الفتيات يعلقن علي الارتباك الذي تغّشاه ..جلس ليس ببعيد عنها وهي ممسكة بكوب من الشاي والفرح يلون قسماتها الجميلة وكان صوت المغني المنبعث من آلة التسجيل يردد ( ولما سارت في المدينه لاقت الحمامات الحزينة .. ) نظر نحوها بعمق يقارن بينها وبينهن وأدرك أنه لا حمامات حزينه سواهن.

  4. #14
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.37

    افتراضي

    نتابع أيها الكريم
    تقصير في الحضير ولكن ...
    حرص أكيد على المتابعة

    دمت متالقا
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #15
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    صحبتك لا تمل يا ابنتي العزيزة ولي رجاء خاص بأن تشطبي الحلقة الخامسة باللون الأخضر لسبب التكرار ولك وعبرك لكل الرائعين بهذه الواحة أهدي الحلقة التالية .

  6. #16
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السابعة
    الهدوء يلف مكاتب الجريدة وثمة بعض أشخاص تبدو عليهم سيماء الأهميه بانتظار الدخول للدكتور همام ..حاول أحدهم أن يجد مدخلا للتحدث للآنسة كوثر دون جدوي ..فقد كانت مستغرقة فيما يشبه الأحلام مع صاحبنا المذهول وتفكر في شكل الخطوة القادمة معه ..رن جرس الهاتف لتجد الدكتورهمام علي الجانب الآخر ..أخبرها بأن الأستاذ عليان إتصل قبل لحظات وأشار إلي وجود حالة شروع في الإنتحار بكوبري أم درمان وطلب منها أن تأخذ المصور وتذهب فوراً لموقع الحدث لإستجلاء الأمر ..وصلت إلي هناك لتجد الزحام علي أشده وعلمت من الحضور أن شخصاً ما تسلق الكوبري وهدد بالانتحار إن لم يحضروا له وزير الخارجية فورًا وعلمت كوثر أنه يشهر مسدساً ويهدد بضرب كل من تسول له نفسه الاقتراب منه ..وقد حاولت شرطة المرور عبثا تنظيم الحركة داخل الكوبري وكان هنالك عدد ضخم من السيارات يسد الأفق .. اقتربت أكثر فأكثر وسألت أحد رجال المطافئ عن الحاصل وكانت مجموعه كبيره من زملائه قد أحاطوا بالرجل وبدأوا يبثون له النداءات من (مايكرفون ) صغير كالذّي ينادي به الباعة في الأسواق وثارت تكهنات كثيرة ..هذا الشخص يناصر القضية الفلسطينية وإلا لماذا يطلب وزير الخارجية بالتحديد ..لا يا أخونا الزول ده طالب لجوء سياسي ..وهكذا تحولت الساحه إلي نقاشات سياسية واجتماعيه ..البعض ليس وراءه شيء يعمله ..وآخرون غادروا منازلهم بمنطق (السايقه واصله ) ..قليلون هم من حدد وجهته قبل مغادرته منزله ..وأهو (زي ما تجي ..تجي ).
    كوثر طلبت من المصور أن يستأجر قاربًا ويأخذ موقعه قريبا من الرجل وأن يصور لحظة قفزه في الهواء ولحظة أرتضامه بالماء علي أن تكون الصور من جميع الزوايا ..ومن ثمّ شقت طريقها بصعوبة شديدة لتكون أكثر قرباً ..غير أن رجال المطافئ كادوا أن يفسدوا لها خططها ..وأخيراً وجدت نفسها وجهاً لوجه مع الضحية ..وكانت أكثر من مفاجأة بانتظارها ..في تلك الأثناء تبقت دقيقتان فقط من آخر تمديد للإنذار الذي قطعه ذلك المجهول ..ولكن إنه هو ..صاحبها المذهول ..صرخت لأأأأأأأأأأأأأأ..ودوت صرختها حتى الشاطئ الآخر يبعثرها الموج و الصدي في جميع الاتجاهات ..تمالكت نفسها وطلبت من الضابط المشرف علي الحدث أن يعطيها المايكرفون ..غير أنه رد عليها بغلظه شديدة .. يا بتنا نحن شغالين زي ما شايفه ..ده ما مجال بتاع كلام فارغ ..توسلت إليه والدموع تنهمر منها بغزاره ..الضابط أحس بأنه أخطأ في حقها ..ناولها المايكرفون وهو يعتذر لها بشده وأمر جنوده بأن يفسحوا لها الطريق ..عندها لفتت إنتباهه وهي تردد ( أنا سوزان ..سوزان ..عاوزه أتكلم معاك ) ..إنتفض الرجل وكأن به جُنه ..وصرخ في إنفعال شديد (سوزااااان) وفي تلك الأثناء زلت قدمه وهوي نحو النهر وصدي صرخته لا يزال يتردد في المكان ..حبس الجميع أنفاسهم ..وتهاوت كوثر نحو الأرض ..وهتف الناس بصوت واحد( أستر يا رب ..أستر يا رب ).

    أما أخونا أمير فقد إعتكف عدة أيام بالمكتب الخاص بوالده داخل المنزل لوضع تصور للروبرتاج الخاص به حول الفساد المالي والإداري ..مكتب داخل المنزل وخادمه تذهب بقهوة الصباح لتضعها للسيد الوالد .. ربما يكون هذا الرجل أول من يطبق حكاية المكتب داخل البيت وأظنه سيطبق أيضآ حكاية ( الكنبة) التي سينام عليها بعد أن) يتشاجر (مع زوجته والسبب أين سنقضي الإجازة الصيفية هذا العام . هو يقول لها أديس أبابا وهي تقول له )جده (.
    جلس أمير يعيد ترتيب أفكاره ووالدته تسأله ..أحضّر ليك العشاء ؟ وهو يرد عليها ما ليش نفس .. ومن ثمّ أمرت كل واحد من أولادها بالذهاب إلي النوم ..يالاّ يا أولاد كل واحد علي أوضتو ..وطبعا كل أوضه يتصل بها حمام بانيو ..والأيركوندشن يفح فحيحاً كأن به إحتقان في الأنف ..أمير ومن خلال تواجده بشركة والده العاملة في مجال الأستيراد والتصدير يعرف الكثير عن السوق والأساليب الملتوية وغير الملتوية والمسألة بالنسبة له مسألة وقائع ومستندات والأخيرة هذه ضع تحتها مليون خط ..التهريب سهل وميسور إذا وجدت مستندات والتهرب من الضرائب أسهل في ظل المستندات وحبذا لو كانت هنالك إعفاءات..وهو يفهم كثيرا في الشيكات يقول ليك شيك مكرس وشيك درافت وكاونتر شيك وشيك آر دي ..وهو قد عام عوما في بحار السوق الأسود والعملات وكذلك الصفقات ..متكافئة وأخري عبر البروتوكولات ..ويعرف كيف يقايض العربات هذا الولد )جن مصّرم (..يعرف من أين تؤكل الكتف ..ولم يقل لنا المثل أي كتف هذا ..وكثير من الأدبيات دخلت إلي ذاكرة السوق ولم تغادر ..كأن يقولون لك فلان ده بحسبا صاح أو من النوع الذي يفيد ويستفيد وإلا (مستفيدي ) وعبارات زي (كون نفسو ) ..ومرتاح ومرطب ..عمومًا هذا الشاب لا بأس به ..وهاهو سيبدأ الروبرتاج الخاص به حول الفساد الإداري بسوء إستخدام العربات الحكومية ..هل يعقل هذا يا أمير أفندي ؟ ألم تجد أمامك سوي الموظفين المسحوقين لتبدأ بهم ؟..أرجو أن لا تفهمني خطأ يا أستاذ ..هذه واحدة من التجاوزات الخطيرة التي يركز عليها البنك الدولي وصندوق النقد لارتباطها الوثيق بتخفيض الأنفاق الحكومي ..
    أمير قرأ مظهره من خلال مرآه ثلاثية الأبعاد تغطي نصف غرفته ..وميزة تلك المرآه أنها تعطيك البعد الثالث ..وتجسم ( البروفايل ) وبعد التأكد من أن كل شيء علي ما يرام ..إمتطي عربته وأدار شريط كاسيت ل (مادونا) ..وتوجه نحو سوق الخضار بأم درمان والذي يشار إليه إختصارآ ب(الملجه ) فقد نما إلي علمه أن الموظفين يستغلون العربات الحكومية في شراء الخضراوات من هناك كل جمعه ..وها هي عربه بلوحه صفراء تحمل علامة الهيئة العامة للكهرباء ..توجه نحو السائق وقدم له نفسه في أدب جم ..في الحقيقة يا باشمهندس أنا صحفي من جريدة المجهر وقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول سوء إستخدام العربات الحكومية ..فالعربة الحكومية تأخذ الأولاد إلي المدارس والنساء للعزاء وتأتي باللحمة والخضار وفي هذا إهدار للمال العام ..فما هو تعليقكم ؟..السائق نظر إليه شذراً وبغضب شديد ناوله إذن بالعمل لمدة 24 ساعة ..أمير أُخذ علي حين غره ..أستلمه في حياء وأمعن فيه النظر :
    -لكن ده عشان الأعطال ؟
    -ومالو يا إبني ..تعال معاي شوف نحن بنعمل في أيه ؟
    -بتعملوا في شنو ؟
    -نحن يا سيدي بنركب في كيبل جديد ..
    -يعني إنتو ما جايين تشتروا لحمه وخضار ..
    -يا أستاذ الليله يوم كم ؟
    -اليوم 25 في الشهر ..
    -وحأشتري من وين ؟ والله إلا أكون لص ..
    أمير إعتذر له بشده وصار يكرر عبارة أنا آسف ..حقيقه أنا آسف ..ومن ثم ّتوقفت عربه حكومية أخري وترجل منها رجل تبدو عليه سيماء المسئولية ..بينما بقي ثلاثة من الصبية في كامل أناقتهم داخل العربة.. توغل الرجل داخل السوق وقام السائق بشراء حفنة من الموز وأعطي كل واحد من الصبية قطعه ..ويبدو أن هنالك علاقة ود ومحبه بينه و الصبية..وما يُحار منه عم عبدو السواق ..أن أولاد المسئولين عموما يتمتعون بالذكاء و اللطافة غير أنهم وبدون استثناء في غاية النحافة ..وليسوا مثل أطفال الحي الذي يسكن فيه.. تجد الواحد من هؤلاء كبير الرأس منتفخ البطن..عم عبده يعتقد أن الصحة للأطفال هكذا يا بلاش.. سليمان الممرض صحح له هذا الفهم ..إذ أن ما ذكره كعلامات للصحة هي علي العكس تمامًا علامات للأنيميا وشرح له ذلك (..يعني يا عم عبدو فقر دم عديل ..مما تشوف الرأس الكبيرة للطفل والبطن المنتفخة أمشي به فوراً للمستشفي بدون تأخير ).
    أمير تردد كثيرًا في سؤال تلك الشخصية ( الجهبوذه ) شكلا ومضمونا وسأله بعد المقدمات الضرورية ..إن كان هذا لا يضايقكم ..وعفوا للإزعاج وكده ..إبنكم صحفي من جريدة المجهر ولا يخفي علي سيادتكم التسيب وسوء إستخدام العربات من قبل موظفي الدولة ..نود أن نسأل لماذا أنتم هنا بالعربة الحكومية واليوم بالطبع يوم جمعه ..الرجل أرسل ضحكة مدوية وهو يقول لأمير ..تعرف يا إبني أنا هنا لأراقب العربات الحكومية ..وكل ما لدي من إمكانات لا تتجاوز الثلاثة عربات وموتر ..يعني أراقب منو وأخلي منو ؟ أمير أصيب بإحباط شديد ..ودعه بحرارة وتمني له التوفيق وأستأذن الانصراف .
    يبدو أن مهيد قد أدمن العمل بالتلفزيون ..فقد أخبر أبناء القريه الذين يستضيفونه بأنه وجد نفسه في هذا الجهاز العظيم ولكن ها هي المصاري تتناقص ..فأرسل إلي والدته طالبآ العون ..فبعثت له مع سائق الباص الذي يعمل بين قريتهم والخرطوم بعض الملاليم وعدد لا بأس به من الفراخ رصت حول عصا طويلة بعد أوثقت من أرجلها وتدلت طوال المشوار .. علي جانب العربة ..السائق تعرف علي موقع التلفزيون بعد جهد جهيد وكعادته إذ يقترب من كل قريه علي الطريق عزف بالبوري أغنية إنت كلك زينه وعائمه كالوزينه ) فأمتدت ألف يد ويد لتسكت صوت الموسيقي ..أوقف السائق العزف وطلب من مساعده إنزال الجمل بما حمل كما يقولون فكان أن حمل العصا بما فيها من دجاج ممسكا بطرف والمساعد علي الجانب الآخر ودخلا بها إستقبال التلفزيون ووضعاها بين أرجل الضيوف ..فجاء أحد العاملين وعلي وجهه علامات الأنزعاج الشديد وأمر أحد العمال بإخراج الفراخ علي الفور ..بيد أن العامل سحب العصا وترك الدجاجات حرة طليقة ..لم تصدق الدجاجات العشرون أنها تخلصت من الأسر فأنطلقت داخل إستديوهاتالتلفزيون لا تلوي علي شيء ..إنهمك المذيعون والمذيعات في مطاردة الدجاج دون طائل وكانت فوضي لم يشهدها التلفزيون من قبل ..مسئول الأستقبال حرر تقريرًا عاجلا بما حدث للسيد المدير ولم يتواني في إصطحاب مهيد بإعتباره المتهم الأول ..مدير التلفزيون قرأ التقرير وتصفح مهيد جيدا ..وقرر بينه وبين نفسه أن امرأة تربي الدواجن لتعلم أبناءها لا بد أن تكون إمرأة عظيمة وأن ابنًا رضع من ثدي أم كهذه لا بد أن يكون شهما ونبيلا ..هؤلاء المساكين هم ملح هذه الأرض الطيبة ..إنهم الأمناء علي مستقبل هذه الأمة والزائدين عن حماها في ساحات الوغي ..وطفق المدير يخطب ويخطب في سره وأمير حائر أمام تلك النظرة المتفحصة والصمت الذي خيم علي المكتب ..أما الموظف فقد توقع قرارا حاسما بطرد هذا( المتدرب )والحمد لله أنه لم يكن ) متدربه (.. مثل( لوينسكي )الخوف سيطر علي مهيد وأصطكت ركبتاه من شدة الفزع ..عاد المدير من جديد إلي دائرة الوعي بعد أن شفي غليله من الكلام وهو الذي يشرع أبواب الفضلئيات أمام هواة الصخب ..: والثرثة
    - أ سمع يا إبني ..إنت إ سمك منو قلت لي ؟
    - مهيد .. سيادتك ..مهيد
    - قول للسيده الوالده تاني مره ما ترسل حاجه ..لأني قررت صرف مرتب شهري يكفيك ومعاك الست الوالده ..واضح ؟
    - واضح سيادتك ..كتر خيرك ..
    يالاّ شوف شغلك

  7. #17
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالغني خلف الله مشاهدة المشاركة
    صحبتك لا تمل يا ابنتي العزيزة ولي رجاء خاص بأن تشطبي الحلقة الخامسة باللون الأخضر لسبب التكرار ولك وعبرك لكل الرائعين بهذه الواحة أهدي الحلقة التالية .

    تم أيهاالكريم
    دمت بألق

  8. #18
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثامنة
    كوثر العائدة من فترة النقاهة إثر الموقف المأساوي الذي عاشته لحظة بلحظة ..قد وظلت صورة الرجل وهو يهوي نحو الماء تسيطر علي حواسها ..لم تكن لتحتاج لكثير عناء لتعرف ما حدث بعد ذلك ..فقد نجا من الموت بعد أن أصيب برضوض قاسية وكدمات في الوجه وبعد أن أسعف للمستشفي نقل إلي مصحة السجن انتظارًا لمحاكمته بتهمة الشروع في الإنتحار ..كوثر قررت أن تخلع عنها هذه المرة ثوب الصحفية وأن تذهب لزيارته كإنسانة تربطها به تلك الوشائج الأنسانية بمعناها الواسع..دخلت عليه وهي تحمل بعض الفواكه والحلوي ..الحارس المتعب إستغرب وجودها إلي جانبه وكان قد أعتقد أنه لا أحد يأبه لهذا الشقي ..وبالفعل لم يحضر أي إنسان سواها للسؤال عنه ..تري من يكون ؟ ومن أين أتي ؟ وإلي أي مكان ينتمي ؟ إنها الوحدة القاسية والغربة الأليمة والضياع الأبدي ..
    نظر نحوها عبر عينيه الغائرتين المعصوبتين إلا من مساحة صغيرة تكاد لا تبين ..وحاول تحاشي نظراتها بادئ الأمر ولكنه عاد ليتأملها في صمت مطبق وترك الدموع تنساب تحت الأربطة بلا توقف ..إبتسمت في وجهه وقالت له : حمدًا لله علي السلامة ..إن شاء الله حتطلع من المستشفي وحتأخد غرامه بسيطه وحسن سير وسلوك وأنا حأدفع الغرامه وحأضمنك ..بس إنت حافظ علي نفسك وفكر في بكره وخلي ثقتك في الله عظيمه ..أنسي الماضي أياً كان ولازم تكون رجل بمعني الكلمه وما تضعف ..يا أخي مافي مكان في هذه الدنيا للضعفاء ..ووجدت نفسها تتحدث وتكرر الحديث والرجل ينظر نحوها بعينين مقروحتين لا تكفان عن البكاء ..ولم تتمالك كوثر نفسها هي الأخري فبكت بحرارة وخطفت حقيبتها وهرولت نحو الباب وهي تقول له حأرجع ليك مره تانيه ..أكيد حأرجع ليك ..ومن هناك عادت لمباني الجريدة حيث الدكتور همام الذي تلقفها بحنان أبوي خالص ولم يفته بالطبع تنسم عطرها المسفوح القادم من قطر..ويبدو أن الدكتور همام كان ينتظرها فعلا ..ولأول مرة منذ إلتحاقها بالجريدة يفوتها تذكيره بدعوة مجلس الصحافة والمطبوعات ..وهي تدرك جيدآ أن أفكارها مشتته هذه الأيام وباتت متوتره أكثر من اللازم ..لدرجة أنها صرخت في وجه الأستاذ ناجي عندما طلب منها توصيله بلندن وكان دكتور همام قد كلفه بمراجعة المطبعة هناك فيما يتعلق بالشكل الجديد للجريدة ..كوثر لم تضيع وقتًا ..حملت أوراقها وأقلامها لتدوين وقائع الاجتماع الذي سيشرفه السيد وزير الأعلام ..بدا لها المكان أسريًا مريحًا ..وليس كمباني المجهر في قلب الخرطوم وهي بصفة عامه تعتقد أن مدينة بحري أكثر رومانسية من الخرطوم ..فيها الطابع الريفي مع شيء من قشور المدينة وأهلها رائقون ناعسون حالمون متواضعون .
    السيد الوزير إفتتح الاجتماع مع مدراء تحرير الصحف بكلمة ضافية حدثهم فيها عن الخط العام للدولة ..وأوضح لهم أن الحكومة مع حرية الصحافة إلا أنه نبه إلي بعض الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتخطيها لا سيما المتعلقة بالأمن القومي والمصالح العليا للوطن ..وقال لهم إن هنالك خيط رفيع يفصل ما بين الحرية و الفوضي ..وحدج دكتور همام بنظرة شذره ..إذ أنه وفي معرض حديثه حول الحرب والسلام بمناسبة عودة الحكومة وحركة التمرد لطاولة المفاوضات كتب قائلا أن أي طرف يرفض وقف إطلاق النار ..طرف متخلف ويفكر بعقلية التتار في القرون الوسطي وتساءل لماذا هي النزاعات المسلحة أصلا ما دام الله سبحانه وتعالي قد وهبنا عقولا لنتحاور بها ..وقد حمل المقال علي دول صديقه وشقيقه وصفها الدكتور همام بالجالسين حول حلبات المصارعة الأممية ..الشيء الذي كاد أن يحدث أزمة دبلوماسية ..لو لا أن الجريدة اعتذرت ثاني يوم وفي نفس المكان بأن كلمة الدكتور همام قد أُسيئ فهمهما ..حقيقة ما كان علي الدكتور إيراد مثل تلك التشبيهات ومشكلته أن قلمه حار تماما كطريقته في طعن الكلوريكوين ..فقد أعطي قبل حوالي أسبوع عم صديق حقنة وكان يشكو من أعراض الملاريا ولا يزال موضع الحقنه متكورا كقطعة من الليمون ..أما أهل الدار فهؤلاء أمرهم عجب ..فكل من يعقب إما دكتور أو بروفسور ..وقد أحرج ذلك الدكتور همام الذي يتصرف عادة بمنطق )يا دنيا ما فيكي إلا أنا(..فآثر الصمت ولم يعقب بشيء ..إنتهي الاجتماع وتحول الجميع نحو البرنامج المصاحب ..نسمع كثيرًا هذه الأيام بهذه العبارة وعن الجلسة الإفتتاحية التي سيشرفها السيد رئيس الجمهورية ..وتعلم كوثر كصحفيه أنه في الصين في زيارة رسميه تستغرق عشرة أيام ويطلب منك في (كرت) الدعوة في حالة الاعتذار الاتصال برقم كذا وكذا وأراهن أنه لا أحد يعتذر .وبعد البرنامج المصاحب الذي كان رائعا بحق وتناول المشروبات الساخنة والباردة غادر الدكتور همام ( قافلا ) ولحسن الحظ لم يكن هنالك معرض ولم يطلب من الضيف قص الشريط التقليدي وكوثر تريد أن تسأل تقليد لمن ؟ وهي تعتقد أن علي منظمي تلك المعارض البحث عن شيء أكثر أناقة لعرضه بدلا من إضاعة أوقات النسوة في حياكة حفنة من الملبوسات لا يحتاجها أحد وتكفي معروضات ( سعد قشره ) ومعروضات سوق ليبيا تكفي إفريقيا والشرق الأوسط لسنين ..وهي تقترح مراجعة المقصات جيداً قبل إعطائها للضيف لأنها في الغالب لا تعمل بكفاءة .. أما طوق الزهور من شجيرة ( الجهنميه ) فهذا لا بأس به .وفات علي كوثر إغتنام هذه الفرصة لزيارة مكاتب المصنفات الفنية الأدبية من هناك .
    مهيد قرر زيارة الإذاعة ليجيء الريبورتاج الخاص به متكاملا وكانت أول صلة له مع الإذاعة قد قامت عندما كان طالبا بالثانوي العام عبر برنامج ما يطلبه المستمعون ..فقد طلب أغنية تذكار عزيز لإبراهيم عوض وأهداها لخاله في الغربه ..وقد تعود أن يكتب له بانتظام ينقل إليه أخبار القرية من وفيات وأعراس وفلانه رزقت بنتا وفلان لزم سرير المستشفي ..وكان عندما ينادي الأستاذ علي إسمه في الطابور الصباحي ليسلمه رسائل خاله يشعر بسعادة لا توصف ..فهو اليوم سيلج ذلك العالم الساحر ..شعر بالرهبة والخوف وهو يخطو بأرتباك شديد داخل الحوش (الوسيع) وشعر كما لو أن الجميع يراقبونه بيد أنه تمالك نفسه وواصل التجوال ..وكانت هنالك حركه دؤوبة وأناس كثر يتحركون في جميع الاتجاهات ..البعض يحمل (هاندباقات ) والآخرون يحملون أوراقاً وأقلاماً ..يتبادلون التحايا من علي البعد ..وقد تعرف علي أكثر من مذيع ومذيعه من خلال صورهم المنشورة بالصحف وكان يود التعرف عن كثب علي كل أتيام البرامج التي يحبها مثل برنام (ربوع السودان ) وما يطلبه المستمعون وناس البث المباشر وأستوديو الثقافة وصالة فنون.. إنه متعطش لرؤية كل هؤلاء ويريد أن يعرج علي الأركان ..ركن الأطفال والمزارع ...ألخ ..وكذلك دنيا المال والاقتصاد ..لاحظ كل شريحة إكتفت بركن أو صاله أما إخوتنا ناس المال فهم بحاجة إلي دنيا بحالها.. وهو يود زيارة معد برنامج الرياضة ليذيع له نبأ فوز فريق قريتهم ( الصاعقة ) علي فريق )البرق( من القرية المجاورة لهم والتي إنتهت بفوز مستحق هدفان للا شيء أحرزهما خالد النور وعثمان المأمون وقد أدار المباراة الأستاذ سالم المعلم بمدرسة البنات يعاونه بكري الغشيم والفاضل التمتام ..وبما أنه في مهمة رسمية ومعه خطاب من الجريدة فقد توقع أن يسمح له بتقديم أي شيء عبر المايكرفون وسأل الله في سره أن لا يطلب منه إذاعة الموجات العاملة .وما كاد يدخل مكتب سكرتيرة المدير حتى فوجئ بوجه مألوف لديه ..فتاه صبيحة الوجه ..شعرها لفت إنتباه كل من دخل أو خرج من المدير ..صففت شعرها علي طريقة الجدات وكأنها فتاة عبرت كبسولة الزمن الماضي لتعيش في الحاضر ولكنها حلوه ..حلوه كما يقول مذيع برنامج من داخل الإستاد إذ تعلو الكرة فوق العارضة ببوصات ..ولكن أين رأيت هذه الفتاه يا مهيد ..فلننتظر حتى تقدم نفسها للسكرتيرة ..أرخي سمعه جيدًا حتي لا يفوته الأسم ..:لو سمحت أنا كوثر محرره بصحيفة المجهر وأطلب موعدا مع السيد مدير الإذاعة لإجراء حوار معه حول الدورة الإذاعية الجديدة ..السكرتيرة إستلمت منها الخطاب ولسان حالها يقول ..الناس دي دايره تصل لأيه ؟ ..مهيد نهض وصافحها بحراره بعد أن عرّفها بنفسه ..كوثر العائدة من الانهيار العصبي بعد حادثة الشروع في الانتحار للمذهول إياه ..قررت أن تفرد مساحة بالجريدة تحررها بنفسها تحت مسمي ( لمسة حنان ) ..ونسبة لأن الحنان يتصل بطريقة أو بأخري بالأصاله والتراث والموروث الثقافي أسلمت رأسها لعمتها القادمة من الأقاليم تمشطه لها بكل الطقوس المعتادة ..الجلوس علي الأرض ووضع الساقين في زاويه قائمه وتحمل آلام الوخز بأدوات ( المشاط كالمخرز) وغيره ومن ثمّ لفت نفسها بملاءه قديمه سكبت فيها سطلا من زيت السمسم وشيء من ( الكركار ) ونامت في تلك الليله نوما عميقا ذلك لأنها طرحت من حياتها أشياء مثل ( الأستشوار والبدكير )وتوجهت ثاني يوم للعمل وكأنها ملاك ضل طريقه من منعرجات اللامنتهي إلي سراديب هذه الأرض الظالم أهلها ..مهيد أتفق معها علي متابعة المقابلة المطلوبة وذكّرته بأنه من المفروض تقديم ( جابتر ون ) أي الجزء الأول من التقرير بأسرع فرصه لاسيما وأن ناهد قد سبقته في ذلك ولاحظ مهيد كما لو أن كوثر لا ترتاح لناهد وهذا طبعا شيء طبيعي فالمساء لا يحتمل وجود قمرين في وقت واحد ..إذ أن ناهد القادمة من بيئة برجوازية تحمل في دواخلها نزعه إشتراكيه بينما نجد أن كوثر القادمة من الطبقة المتوسطة لديها نزوع مستمر نحو (البرجزه ) وهذا واضح من مفرداتها في الكلام ..فهي تحشر بعض الجمل الإنجليزية حشراً أثناء الكلام .. تكثر من ترديد عبارة ( آي سي )وهي مرادفة ل ( أيوااا) عند ناهد ومهيد خمن أن المعركة ستنشب بينهما إن عاجلا أو آجلا ..وهو علي كل حال لن يكون طرفا فيها ولا يقدر علي( الهبباي) في عز الصيف كما يقولون ..مهيد أمضي أياما بالإذاعة ستظل منقوشة في الذاكرة وتظل اللحظة حبلي بآمال اللقاء ودوران الأشياء ..أرتجل مثل هذا الكلام الذي سمعه كثيراً في برامج المنوعات وأستلم هديته من الإذاعة وهي عبارة عن( مايك )صغير من الذهب الخالص ..هدية رمزية ولكنها مفيده ..ليس كالذين يهدون لك أعلاما تذكاريه كتب عليها عبارة ( وفاء وعرفان ) أو كالذي يهديك وشاحا لا يعرف المسئول الذي يوشحك به أوله من آخره وقد يسقط منه الدبوس الصغير ولا نجد له أثر . غير أن مهيد سيعود للإذاعة مرة أخري ..فقد وجد في إحدى المذيعات فتاة أحلامه التي ما فتيء يبحث عنها وهي بلا أدني شك الفتاه التي تناسبه ولكن الشيء الذي يقلق مهيد أنه لم يستطع بعد قياس ( ترمومتر ) مشاعرها نحوه.. فهو يرتفع أحيانا لدرجة مخيفة ثم يعود لينحسر وكأنه نهر (القاش ) أواخر إكتوبر .. مهيد سأل أحد أبناء القريه ممن يسكنون معه في (الميز ..)عن مستقبل علاقته تلك لا سيما وأنه قد خبر المدينة ومشاكلها قريبه أحبطه وهشم مجاديفه ..قال له بلهجة الحكيم : الثابت يا مهيد أنها تناسبك ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو .. هل أنت من يناسبها ؟ مهيد اعتبر أن هذه مجرد حساده من قريبه الذي يعمل في السوق وغاية ما يطمح فيه أن تذيع مذيعة مااسمه في أي برنامج .. مهيد يطمح في الزواج من مذيعه ..مهيد ؟ ( الشين) ..ود حوه أم العول ..يتزوج مذيعه ؟ والله هانت ..ونحن في البلد دي لينا تسعه سنين ولا واحده تهتم فينا ؟

    لا يدري دكتور همام كنه غرابة هذا الشعور الذي يعتريه ..فقد وصله ) فاكس ( يقول أن نهله وريم سيصلان بالفرنسية بعد غد ..وبالرغم من أنه يشتاق لرؤيتهما إلا أنه كان يريد أن يحسم بعض الأمور قبل وصولهما ..وبما أن القرارات الكبيرة في حياة الإنسان تحتاج إلي أجواء هادئة .. فقد كان بحاجة لوقت إضافي يسبر فيه أغوار نفسه وهو يفكر في مفاتحة كوثر برغبته في التقدم لأسرتها بطلب يدها مع علمه بأنها مخطوبة ..لقد وصفت له الطريقة التي وافقت عبرها به كخطيب وزوج للمستقبل وهو لديه إحساس طاغ بأنها تكن له شعورا لا يحيط بأبعاده ولكنه كان يقرأ كل صباح عينيها وهو يتظاهر بأنه يراجع مقالاتها ويلمح أشياء وأشياء وقد أرّقه كثيرا فارق السن غير أن عشرة أعوام لا تساوي شيئا في كسب الأيام ..لا بد أن يحسم هذا الأمر قبل مجيء نهله القادمة من ( كان ) وهو يعلم كم هي مثقفه وشفافة وهي بدون شك ستقدر مشاعره والفوبيا التي هو فيه .
    أما كوثر المتألقة في صورتها الجديدة فقد إجتذبت من خلالها الأضواء .. من خلال عمودها ( لمسة ) حنان ..ترد عبره علي أسئلة الحيارى والمعذبين من الجنسين ..وكان انفعال القراء بالدعوة التي أطلقتها مذهلا لدرجة أن ساعي البريد عجز عن تحميل الخطابات لوحده ..وبدلا من أن يخفف ( المشاط ) من غلواء روعتها زادتها اشتعالا علي اشتعال وبدا وكأن نصف الشعب السوداني بحاجة إلي حنان ..وأصبحت الآنسة كوثر بين ليلة وضحاها الصدر الحنون الذيّ ترتاح عليه عذابات الآخرين وبالرغم من ردودها القصيرة والمقتضبة إلا أنها أنها استطاعت من أن تجترح الكثير من الحلول لمن يطلب رأيها .. وشيئا فشيئا وجدت كوثر نفسها تتحمل المسئولية نيابة عن المعذبين في السودان قاطبة وبعض دول الجوار الأفريقي وأضحت تحركاتها محدودة ..إذ سرعان ما تتشابي نحوها العيون وتشرأب الأعناق كلما ذهبت إلي مكان عام وأستغل هذا الانتشار معدّي صفحات الكلمات المتقاطعة وصاروا يزينون بها خربشاتهم وأحبها جمهور القراء وأسبغوا عليها الكثير من الألقاب حتى لكأن كوثر تنوء تحت ثقل الحب والمعاني التي تحملها في حناياها ..ولكن لكوثر هذه شطحات سببت لها الكثير من المشاكل ..فقد سألتها إحدي القارئات بعد أن قصت لها مشكلتها والتي تتلخص في أنها وزوجها بدءا حياتهما من الصفر وبعد سنين النضال المريرة وإنجاب خمسة أطفال أصغرهم في عامه الثاني .. صارحها زوجها برغبته في الزواج عليها فأدركت بعد فوات الأوان أن زوجها هذا رجل قح ولا يستحق سنوات الحرمان التي أمضتها معه وتحس بأنها مكبله بأطفالها ولولاهم لهجرته وطلبت الطلاق اختتمت رسالتها قائلة : والله يا كوثر أظلمت الدنيا أمام عينيّ وأحس أنني أغرق وأنك طوق النجاة الوحيد بالنسبة لي في هذه الحياة وشجرة صحرائي التي أستظل بها ..المهم الرسالة طويلة ومؤثرة ..كوثر جاوبتها بإيجاز شديد : أقول لك يا عزيزتي س .ن ..أهجريه ودعي له أطفاله ومن ثمّ أطلبي الطلاق ..وفي ثاني يوم قامت الدنيا ولم تقعد حتى اليوم وأنبري لها رجال الدين وعلماء النفس والاجتماع يفندون نصيحتها من زوايا عده ..وأضافت لها هذه الحمله هالة من الأهمية و الشهرة وأضحت كوثر من خلال صورتها الفوتغرافية أعلي الصفحة مع الإيماءة المنكسرة ويدها التي تضعها علي خدها وهي تبتسم كما لو أنها موناليزا هذا الزمان .. والكوثر العذب الذي يرتوي منه الملايين .

    * نعود فنلتقيكم إن شاء الله بعد إنقضاء شهر رمضان المعظم ..تصوما وتفطروا بألف خير.

  9. #19
    الصورة الرمزية صديق رحمة النور أديب وناقد
    تاريخ التسجيل : Jun 2010
    الدولة : متحدرٌ من ذروة رهق
    المشاركات : 52
    المواضيع : 4
    الردود : 52
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    * نعود فنلتقيكم إن شاء الله بعد إنقضاء شهر رمضان المعظم ..تصوما وتفطروا بألف خير.


    الأستاذ عبدالغني
    تحية طيبة
    نناشدكـ بالإسراع بإدراج ماتبقى من حلقات في هذا الشهر الكريم لان الإنتظار لما بعد رمضان يفقد الرواية تسلسلها وبقائها في ذهن المتلقي ، ويقضى على الشغف والتلهف الركنان الأساسيان في متابعة المتلقي للرواية ...
    أتمنى مواصلة الحلقات ولكـ شكري وتقديري
    ولعينيكـ بعد إنكفاء المدى أفقهـــــا

  10. #20
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    عزيزي صديق ..رمضان كريم وكل عام وأنت بخير..في الواقع أخشي أن أصادر كل دقيقة من القراء يمكن أن تضاف لحسناتهم في هذا الشهر الفضيل وسأعمل بنصحكم وأنت الخبير بهذه الأشياءطالما أن الأمر يرتبط بنواحب فنية بحته أما نحن معشر الكتاب نكتب ولا نفقه كثيراً تلك العناصر النقدية ..لك وعبرك لكل الذين يودون متابعتي أرفع بقية الحلقات وأتمني للجميع صوماً مباركاً مقبولاً بإذنه تعالي .. هذا مع تحياتي .

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. ريبورتاج ..رواية
    بواسطة عبدالغني خلف الله في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 15-02-2012, 09:28 PM
  2. الصراع الايقاعى فى رواية العابرون لمحمد ابراهيم طه
    بواسطة جمال سعد محمد في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 16-03-2006, 12:40 AM
  3. قراءة في رواية الينابيع و حوار مع كاتبها
    بواسطة نزار ب. الزين في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-03-2006, 02:02 AM
  4. الألفة والرووووح الحية في رواية " جبل السُماق "التاريخية ..
    بواسطة ريم مهنا في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 11-02-2006, 03:29 PM
  5. (( دمعة على أنقاض قرية ))..... رواية
    بواسطة الميمان النجدي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 08-08-2003, 11:17 PM