أحدث المشاركات
صفحة 5 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 71

الموضوع: رحلة في قاع المدينة ..رواية .

  1. #41
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثامنة والثلاثون
    اعتقدت للوهلة الاولى ان الموضوع تمثيل في تمثيل كما يقولون .. ولكن صديقي (كافو) أدمن زيارة العم صباحي .. لم يصدق ان شخصاً ما ينظر إليه بوصفه ابنه .. ويبدو ان العامل النفسي يطغي على المسألة برمتها .. كان يحمل السندوتشات ويستأذن مني لأخذها لوالده بالمصلحة (والده) .. يقولها من اعماق ذاته .. وكان العم صباحي سعيد بهذا الاهتمام المفاجئ .. لقد وجد اخيراً من يعطف عليه ويؤانسه في وحدته .. كانا يمضيان اوقاتاً رائعة مع بعضهما البعض وكنت اشاركهما جلساتهما تلك كلما سنحت لي الفرصة .. فالعم صباحي يعزف (الربابة) بشكل مؤثر .. يحتلب الانغمام المفعمة بالشجن ويغني بصوته الضخم ( انتلي أوو اتنلي .. تملالي ..ما تملالي .. لعلها (رطانة) الهوسة أو شئ من هذا القبيل .. وكانت دندناته تطير بعيداً توشح النجيمات الساطعات في كبد السماء .. ومعها تطير اشواقه إلى ذاك السفح البعيد .. إلى الزوجة والبنيات والصبيان الذين قتلوا على ايدي الجنود .. أشواق إلى عوالم لن تعود .. وعندما يتعب من الغناء يرتاح قليلاً وتبدأ الحكايات .. حكايات توقفت في حدود الذاكرة المجهدة عند ثلاثة أو اربعة مواقف يعيدها على مسامعنا في كل مرة .. كنت أهوى في شبابي صيد الفيلة .. وكنا نذهب ونحن نحمل اسلحتنا لصيدها والرعب يملأ قلوبنا .. ومن ثم ننصب شراكنا ونقوم بالحفر عميقاً في باطن الارض ثم نضع فوقها كومة من القش لنضلل الفيلة .. وكنا نكسب مالاً وفيراً من الاتجار بسن الفيل إلى ان جاء ذلك اليوم .. ابتعدت قليلاً عن رفاقي .. و اذا بي وجهاً لوجه أمام أسد غاضب .. وقفت وأنا ارتجف من الخوف .. وتخيلت في تلك اللحظة بقايا لحمي وعظامي وهي تتساقط من بين فكيه .. لكن الأسد كان يفتح فمه ويزأر دون أن يتحرك ولو خطوة واحده باتجاهي .. واتتني حفنة من الشجاعة فحاولت أن استنتج الحكمة من تردد ذاك الأسد في مهاجمتي وهو يعلم أنني لا احمل سوى عصاي لا أكثر .. قلت لنفسي .. لماذا لا تتقدم نحوه أنت يا صباحي لترى ردة فعله .. وهذا ما فعلته .. الأسد يفتح فمه ويزأر بشيء من الغضب وربما الألم .. الألم ؟!.. نعم الألم .. ترى ما به .. هيا خطوة أخرى يا صباحي .. وصدق حدسي فقد لمحت لدى اقترابي أكثر وأكثر منه عظمة كبيرة نصفها في فمه والنصف الآخر داخل حلقه .. إذن هيا يا صباحي .. ومسحت على رأسه قبل أن ادخل يدي داخل فمه وأقتلع العظمة بعد عدة محاولات .. رميت بها بعيداً وأنا لا زلت متخوفآ من خطوته القادمة ولشدة دهشتي إقترب الأسد مني يتمسح بجسمي ويرقّص ذنبه .. والتفت لأجد اللبوة وعدة اشبال صغار وقد قدموا على إثر صياح والدهم .. تراجعت قليلاً نحو الوراء وانا أعلم كم خطيرة هي اللبوة في الغابة.. ولكن الاسد قفز باتجاههم محذراً وزأر فيهم لينصرفوا .. وكان أن تبعني حتى حدود الغابة وقفل عائداً وهو يلتفت نحوي بين الفينة والفينة ويرقّص ذيله علامة الشكر والعرفان .


    انفتح الجيران علينا بعد مضي وقت قصير سادته الشكوك والاوهام حول هوية القادمين الجدد للحي .. واصبح كل فرد منا محل ترحيب وتقدير .. شقيقتي نادية الممرضة القديرة والتي هي الآن رئيسة عنبر وخضعت لدورة متقدمة من التوليد تنتقل كالفراشة من دار إلى دار .. تطعن حقن الانسولين لمرضى السكر وتقيس ضغط الدم وتقدم الاسعافات الاولية لضحايا الحوادث المنزلية الصغيرة واحياناً تتوسط لدى الطبيب المختص لايجاد سرير بالعنابر المكتظة بالمرضى .. الجميع يبادلها الحب والاعزاز .. أما الست الوالدة .. فقد باشرت من جديد العمل في صناعة الخبز البلدي .. بالرغم من تحسن احوالنا المادية فأنت تشاهد عند الظهيرة طابوراً من الصبية والصبيان يدخلون ويغادرون المنزل وهم يحملون احتياجاتهم من الخبز الطيب الذي تصنعه إمرأة هي الطيبة بعينها .. أما كافولة فقد باع دكان الاسبيرات بعد أن وضعت الشرطة عينها عليه وسرعان ما تراصت امام منزلنا ارتال من العربات ( التعبانة ) .. عربات أهل الحي بعد أن اكتسب شهرة كبيرة لبراعته في صيانة العربات .. وكان عندما تستعصى عليه بعض المشكلات الميكانيكية يلجأ إليّ طالباً النصح والمشورة .. فأخرج بملابسي العادية واشير عليه بما يجب فعله لاسيما بالنسبة للموديلات الجديدة .. وكانت الحيرة ترتسم علي وجوه اصحاب العربات وهم يتابعون نصائحي وفعاليتها ويستغربون لكوني سائق تاكسي ليس إلا وهم طبعاً لا يعلمون شيئاً عن وضعي الجديد كرئيس نقابة بالمصلحة وعضو النقابة الأم بالوزارة ..

  2. #42
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة التاسعة والعشرون

    ... وها هي الحياة تسير في مسارها المعتاد الذيرسمه لها الخالق جلّ شأنه ... مناسبات حلوة وأخرى حزينة .. ولكن الناس باتوا أكثر ترابطاً بعد ان طحنتهم الظروف المعيشية .ومن تلك الاحداث السعيدة زيارة العم صباحي .. غفير المصلحة الذي منح اسمه لصديقي (كافولة) .. فقد زارنا ولأول مرة ومعه اثنان من عمال المصلحة وبعد أن طوف بنا في مغامراته الكثيرة وكان آخرها تلك المعركة الهائلة التي دارت بينه وبين تمساح عشاري عند ما كان يهم بالعوم حتى جزيرة صغيرة لجلب بعض الحشائش كعلف لبقراته التسع .. وقص علينا تفاصيل العراك الرهيب في عرض النهر وكيف انه اغتنم فرصة عراكه مع التمساح ليفقأ عينه اليمنى .. فأطلق التمساح خواراً مرعباً وهو يضرب بذيله الماء من شدة الغضب ويتباعد شيئاً فشيئاً عن ساحة المعركة .. أما أنا فقد عضني بأنيابه الحادة فوق كتفي الايمن .. قال لنا ذلك وهو يزحزح سكينته من على ذراعه ويدفع جلبابه إلى أعلى ليرينا مكان الجرح ... وبعد تناول الشربات والشاي افصح عن الغرض من زيارته لنا .. الحقيقة أنا طالب يد شقيقتك نادية لإبني مامون صباحي ويقصد بذلك ( كافو ) .. زواج ؟*! نادية من كافو ؟! وكيف لايخبرني أنا صديقه وأقرب الناس إليه .. انها الاصول يا حربي وطالما انني عثرت أخيراً على ( أبوي صباحي ) .. أردت أن ادخل البيوت من ابوابها .. قلت له .. اديني فرصة يا عم صباحي اشاور العروس .. وكان السكوت علامة الرضا .. وارسلت والدتي زغرودة مزقت السكون الكثيف الذي ران على الحي في تلك الساعة المتأخرة نوعاً ما من المساء

    وكان أول شيء قمت به ثاني يوم الاتصال بسلمى وشنكل بأمريكا لانقل لهما الانباء السعيدة .. بكت شقيقتي سلمى في التلفون .. ولم تستطع إكمال المحادثة وحدثني شنكل انها تشعر بحنين شديد إلى الوطن ولكن الظروف لا تسمح بالمغادرة خاصة لا سيما بعد أن وافق علي عودتها للغناء وانهما مرتبطان بوعود لا تحصى بكل المدن الامريكية .. فقد وجدت الجالية السودانية والعربية هناك ضالتها في شقيقتي سلمى ... التي صارت المغنى رقم واحد في جميع مناسبات السودانيين والأشقاء العرب من اعراس وختان واعياد .. كانت تتجول بعربة زوجها شنكل الفورد ستيشن ومعهما عازفة اورقن امريكية بين شتى بقاع امريكا .. وجدوا في صوت سلمى الرخيم وادائها المهذب متكأ انيقاً يتوسدونه عندما تستبد بهم الاشواق إلى ثرى الوطن .. ومضت أيام انهمكنا خلالها في التحضير للزواج ولم تمض بضعة أيام حتى فؤجئنا بشريط كاسيت في البريد وصلني على عنواني بالمصلحة ولدى سماعنا له .. ارسلت سلمى تحاياها واهدت الاغنيات التي تضمنتها إلى العروس الغالية ( نادية ) .. ولم يصدق الحاضرون الموسيقى الراقية والتقنية العالية المستخدمة في التسجيل كبديل للطبل التقليدي .. طبعت منه عدة نسخ .. اهديت احداها للرائعة مها .. وحملت النسخة الثانية إلى منزل السيد المدير لأسلمه بنفسي إلى سحر .. كانت معنوياتي عالية وانا اقرع الجرس .. ردت عليّ امها واخبرتني ان ( سحر ) في سفرية إلى لندن وستعود غداً ... طلبت منها تسليمها الكاسيت ورجعت اجرجر اذيال الخيبة والأسف .

    غادرت مكتب السيد المدير لأجد ( أفندياً ) يجلس في مكان ( مها ) .. سألته عن سبب وجوده هنا فقال لي ان الآنسة ( مها ) .. قدمت طلباً للباشكاتب تطلب منحها اجازتها السنوية .. هكذا فجأة .. ولماذا ؟ !! توجهت نحو مكتب الباشكاتب فوجدتها بين ثلة من زميلاتها وقد بدأ عليها الوجوم والتوتر .. وكانت احداهن توشوشها بكلام خاص .. سلمت عليهم واخذت منهن الاذن بالحديث إلى ( مها ) والغرض الظاهر هو سؤالها عن مصير بعض المكاتبات .. عدت بها إلى المكتب وقد لاذت بالصمت .. ولم ترد على اسئلتي حول مغزى طلبها الاجازة بدون مقدمات وعندما بتنا لوحدنا في المكتب انفجرت في وجهي ثائرة ناقمة بصورة افزعتني وافقدتني صوابي .. ومرت لحظات لم اصدق خلالها بأن من تتحدث إلي هي ( مها ) الخجولة الرقيقة التي تبكي عندما يفوتني السلام عليها عند دخولي المكتب صباح كل يوم .. الحمد لله اكتشفت أي نوع من الرجال انت .. ( ما الجواب يكفيك عنوانو .. ) والواحد بعرفوه من اصحابو .. قلت لها اهدئي وقولي كل ما يشغلك بوضوح شديد يا ( مها ) وانت تعرفين مقدار معزتك عندي .. ومن ثمّ علمت منها أنها تعرضت لأسوأ موقف تمر به منذ التحاقها بالعمل بدواوين الحكومة .. وكيف أن ( بطة ) دخلت عليها وبدون حتى ان تقول السلام عليكم و سألتها في استعلاء غريب ( ممكن تنادي لي الاستاذ حربي يا إنت ..) .. قالت لها بأني غير موجود ولا تعلم أين أكون .. وقصت علي كيف أنها جلست في غرور وصلف تبادلها النظرات الغريبة .. وتمصمص شفاهها بطريقة سوقية أقرب للمجون .. وبين كل لحظة و أخرى تكشف عن المصاغ الذهبية التي غطت ذراعيها وتمضغ ( اللبان ) وتفرقعه في وجهها .. لقد كرهت نفسي يا حربي .. وكدت أن اطردها من المكتب لولا انني خفت أن تكون احدى قريباتك لا سمح الله وها أنت تؤكد لي ذلك ..هل نسيت أنك قدمتها لي على اساس انها ( بت اهلكم .. يا خي مبروك عليك بت اهلك ..) * اعتذرت لها بشدة ورجوتها أن تسحب طلب الاجازة لأننا مقبلون على مرحلة حرجة ومواجهة محتومة مع الادارة بخصوص مشاكل ومستحقات العمال .. وهكذا اقتنعت بالعدول عن الاجازة وشيئاً فشيئاً عادت إلى طبيعتها .

  3. #43
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثلاثون
    بلغني أن اهل الحي العشوائي قد استقر بهم المقام في المنطقة الجديدة التي انتقل إليها معظمهم .. وقد قال من نقل لي هذا الخبر .. الكل عاتب عليكم يا زعيم .. انهم يقولون كيف هانت عليكم العشرة الطويلة والجيرة والمحبة التي ربطت بينكم وبينهم .. ولم يجدوا تفسيراً واحداً سوى انكم صرتم اغنياء .. وان الثراء نزل عليكم فجأة وقد غير طباعكم وانساكم احبابكم .. هم قالوا مثل هذا الكلام ..؟ بل وأكثر من ذلك .
    عدت للمنزل وانا حزين ومحبط لقسوة ظنونهم بنا وطلبت من والدتي وشقيقتي أن يجهزوا حالهم لأننا سنخرج في مشوار مهم .. ربنا يتم على خير وأعيش واشوف اولاد اولادك .. منو العروس يا صالح ..؟ شقيقتي وقد اعتقدت هي الأخرى اننا سنخرج في مشوار لتعارف يقود إلى خطوبة وربما (قولة خير) .. لقد ذهبتم أبعد مما قصدت .. لأننا سنقوم بزيارة لجيراننا بالحي القديم بعد أن استقروا في قطعة الارض الجديدة التي منحتها لهم الحكومة ..
    كان مشواراً صعباً .. وقد وصلنا بعد اجتياز عقبات وعقبات .. صحيح ان المكان معزول وبعيد جداً عن المدينة لكنني لمحت عربات نقل ركاب تغادر الحي وأخرى تدخل إليه .. إذن هنالك مواصلات وتلك بادرة مشجعة ولا ريب.
    لم أكن أعرف من أين أبدأ .. لكننا وبمجرد أن توغلنا قليلاً حتى صرخ أكثر من واحد .. الزعيم حربي .. (حوة قزاز) فكان لابد من ان نتوقف .. وتبادلنا السلام بالاحضان .. وطفرت دمعة هنا ودمعة هناك لاسيما من الوالدة المفعمة بالحنان .. هؤلاء هم صحبتها وأهلها وقد عاشت معهم الحلو والمر .. عاشت بينهم على سجيتها .. تخرج من هذا المنزل إلى ذاك .. لا استئذان ولا اجراس بالابواب ولا كلاب حراسة .. بيوت مشرعة على بعضها لا يفصل بينها شئ .. صدور مفتوحة تنضح حباً وجمالاً وقلوب صافية كالحليب .. وكان أن اخذونا إلى المنزل الوحيد الذي اكتمل تقريباً بصورة لائقة وهو منزل العم رضوان سيد الدكان .. ومن الغريب ان عم عبدو الفولاني فتح دكانه ايضاً هنا .. وكان عتاباً رقيقاً .. ملؤه الشوق والحنان .. ( والله ما غادرت المنزل .. لا كدي ولا كدي ) الوالدة وهي تعبر عن شعورها بالعزلة في الحي الجديد .. ( اصبري أتم ليك كلامي .. عاد ما طلقوا فينا جنس اشاعات .. جيران ؟! اجارك الله .. لكن برضوا فيهم الناس الكويسين .. لكن كل واحد أغلق منزله عليه ..) . الوالدة وهي تفصح عن معاناتها .. ( نعم .. نبني لينا منزل جواركم .. هو نحن لاقنكم ) .. واثناء وجودنا لمحت رتلاً من عربات الكارو تنقل المياه من على البعد حيث تنتهي حدود المدينة .. (لا موية ولا كهرباء ولا طبيب كل الكلام القالوه لينا طلع فشوش ..) مهلاً احبائي .. انا من صنع معاناتكم هذه .. لقد كنت اتفاوض باسمكم واقنعتكم بقبول الإزالة .. بيد انني كنت ضحية مثلكم .. كنت إنسانآ ساذجاً عندما صدقت بأن السلطات المحلية ستفجر الماء خلال أيام وستمد الاسلاك الكهربائية كما وعدت .. صبراً احبائي فأنا الآن في موقف يسمح لي بمراجعة أهل الشأن .. ألست رئيساً لنقابة عمالية .. فما فائدة النقابات إذن إن لم تدافع عن حقوق الناس .
    فؤجئ الرجل عندما لمحني اقتحم مكتبه والشرر يتطاير من عينّي .. وعد الحر دين عليه يا جناب الضابط .. لقد اقسمت لنا عندما قابلناك آخر مرة موفدين من اهالي الحي العشوائي بأن الخدمات ستتم بأسرع فرصة ولا زلت عند وعدي يا حربي .. لقد سلمنا كل أسرة قطعة أرض وتنازلت الحكومة عن الرسوم ما عدا الرسوم المتعلقة بالخدمات الصحية والمياه والكهرباء .. هذه الملفات فيها كل المعلومات .. واستطيع أن اقول انه وبمجرد إجازة الميزانية سيكون كل شئ على مايرام .

  4. #44
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الواحدة والثلاثون
    عكفنا أنا و (مها) في استخراج بطاقات عضوية بالنقابة لجميع العمال والموظفين .. وقد أظهرت براعة في الرصد واستخراج المعلومات لا عهد لي بها طبعاً .. وقبل الانتهاء من العملية لمست يدي يدها صدفة فرمقني بنظرة هي مزيج من التوبيخ والعتاب.. لذلك قررت ان أحلق في أفق عينيها كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً .. فعندما أسألها أتباطأ في السؤال وعندما تجيبني أتظاهر بعدم الفهم .. فيصيبها نوع من التململ اللطيف .. واحياناً توجه لي بعض العبارات التي لا يتم تبادلها إلا بين الاصدقاء ( يا خي حاول أفهم .. أنا ما عارفة الرماني في البلاوي دي شنو ؟!) وعندما ابدو وكأنني غضبت فعلاً من ملاحظاتها تغادر المكتب إلى البوفيه وتعود وبيدها كوب عصير تقدمه لي وهي توشوشني بهمس رقيق فيه شئ من الاعتذار .. وكنت استمتع بمشاكساتها تلك وأشعر انها تقربناً من بعضنا البعض أكثر فأكثر .. وقبل أن ننجز مهمتنا قالت لي ( شريط سلمي أختك رهيب .. عجبك ؟؟ طبعاً وكل صديقاتي نسخوا منه واليوم سمعته في مسجل الحافلة التي وصلت عليها للشغل .. معقول ؟! ).. سلمى الرائعة تستاهل كل خير .. وقد كانت خير معين لزوجها شنكل بعد ان عاد من المستشفى .. قالت لي عبر الهاتف .. لقد كان في حالة يرثى لها .. حاولت اقناعه بأن ليس كل من وضع بذرة في رحم إمرأة هو بالضرورة أب .. وإنما الاب هو الذي يربي ويسهر الليالي لمجرد اصابة طفله بنوبة برد خفيفة .. أما (جوليا) فقد اغلقت على نفسها الغرفة يوماً كاملاً .. لعلها كانت تراجع مشوارها مع ذاك الرجل الذي اصبح الآن بين يدي الله .. فهل ستحقد عليه وهو تحت التراب .. أما المستر رتشارد الذي وجد نفسه أباً لأكثر من فرد .. ابنته الرائعة (لوسيانا ) وشنكل ابنه بالتبني الذي يكن حباً عميقاً لاخته .. وكذلك سلمى التي كانت تناديه دائماً بكلمة (father) ولا تناديه باسمه وتجهد في ترتيب احتياجاته واحتياجات زوجته وابنته .. اها .. سرحت وين ؟ مها وقد اخرجتني من تأملاتي .. تعيسة وسيئة الحظ تلك التي استحوذت على تفكيرك .. قالت مها ذلك مازحة .. أبداً ؟؟ كنت أفكر في كلام سلمى .. اتصلت من نيويورك ؟! أيوه .. امبارح الساعة عشرة بالليل .. طيب خلينا في المفيد .. هنالك يا سيدي مائة وثلاثة وثلاثون عامل وموظف خارج السجل الوظيفي .. وكيف ذلك .. لأنهم ببساطة عمال وموظفون مؤقتون .. اتخيل ثلاثة سنين وهم بهذه الحالة .. اخذت الكشف وتوجهت إلى مكتب السيد المدير الذي قابلني ببرود شديد بعد الإنذار الذي أصدرته النقابة بالدخول في إضراب بنهاية الاسبوع .. قلت له .. لقد نجحت في إقناع الزملاء بمنحك فرصة شهر على شرط ان تقوم بتثبيت هذه القائمة في الوظائف .. ولكن هذا يتطلب وقتاً كبيراً شهر فقط يا سيادة المدير .. شهر فقط .
    عادت بطة إلى احضان المعلم الكيك بعد ان فشلت في زواجها من ذلك الثري العجوز .. وقد قالت لي في آخر لقاء معها بأن كبرى بنات زوجها المطلقة والتي تقيم وابنتها ذات الثلاثة اعوام معهم في المنزل قد أحالت حياتها إلى جحيم لا يطاق وكيف انها تغتنم فرصة مغادرة والدها لمتجره فتذيقها صنوف العذاب .. كانت مثلاً ترمي فوق رأسها إمعاء الفراخ عندما تلمحها تمر تحت البلكونة اذ تقيم في الطابق الاول وتقيم بطة مع زوجها في الطابق الارضي .. تقوم برمي بقايا امعاء الفراخ فوق رأسها .. وكيف أنها في إحدى المرات دلقت الطعام فوق رأسها .. وكانت تتعمد قطع الكهرباء عنها عبر مفاتيح الكهرباء الموجودة في أعلى المنزل وعندما تحتج على تصرفاتها تلك تخبرها بأن الكهرباء مقطوعة أو انها لم ترها وهي تمر تحت البلكونة واحياناً تثور في وجهها وتصفها بالمخادعة والافعى و العقرب التي ضحكت على والدها وتزوجته من أجل ثروته ..

  5. #45
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثانية والثلاثون
    نعم سيدي أنا ريمون رتشارد روبرتسون .. هل من خدمة اسديها لك ؟.. لدينا مريض في حالة صحية حرجة وقد اعطانا رقم هاتفك وهو يود رؤيتكم وآمل ألا أكون قد ازعجتكم بهذه المحادثة .. لا يا سيدي هل تعطيني عنوان المستشفى ورقم غرفة المريض .. بكل تأكيد .. هكذا انتهت تلكم المحادثة الغريبة .. وكانت سلمى تتابع كل ما يحدث وقد إتسعت عيناها استغراباً .. من كان معك على الخط ؟ .. إنه طبيب يقول أن شخصاً ما يود مقابلتي وهو مريض جداً .. سآتي معك .. لا داعي يا سلمى فأنت مجهدة من رحلة البارحة إلى سان فرانسيسكو وسأتدبر الأمر .
    انطلق شنكل نحو المستشفى وقد تشكلت في ذهنه صورة لما هو حادث بالضبط .. لا بد أن المريض الذي حدثوه عنه هو ( وجدي ) .. والده الحقيقي الذي ادار ظهره له وهو لا يزال بذرة في علم الغيب .. الرجل الذي كاد أن يلطخ سمعة أمه الحبيبة ( جوليا ) بالوحل .. انطلق وفي ذهنه أجيال من المعاناة والتعب عاشها في مجاري الخرطوم وتحت اشجار البلوط على شاطي النيل متشرداً .. جائعاً مذعوراً كعصفور رمت به الاقدار بين مخالب الصقور والثعابين .. الآن يا والدي الحقيقي .. الآن تذكرت أن لك ابناً في هذا الوجود .. الآن فقط يا وجدي .. حسنآ لنر كيف ستسير الامور بيننا أيها الوغد ..
    أخذته ممرضة إلى الغرفة التي يرقد بها وجدي كما توقع .. ودلف إلى الداخل ليفاجأ به غارقاً وسط غابة من المحاليل الوريدية وكمامة الاوكسجين تغطي معظم أجزاء وجهه .. وجهاز ما يقبع خلفه يرصد نبضات قلبه .. هل أنت المستر ريمون ؟ ! .. نعم أنا هو .. وما هي العلاقة التي تربطك بالمريض ؟ !.. ألاحظ شبهاً شديداً بينكما .. لا علاقة تذكر .. فهو من السودان وأنا كذلك .. حول الطبيب بصره عنه وهو غير مقتنع برده بالنظر إلى تماثلهما تقريباً في كل شيء .. حتى نبرة الصوت .. وتقاطيع الوجه .. شبه في كل شيء .. إنه في غيبوبة الآن وحالته مستقرة وقد كان يهذي بأسمك واسم سيدة اسمها ( جوليا ) .. هل تعرف تلك السيدة .. نعم أعرفها .. نعم .. وفي هذه الاثناء أفاق وجدي من غيبوبته ليجد شنكل وقد جلس بقربه وهو ممسك بيده .. سلامتك يا يا .. أبوي .. قالها وكأنه ينتزع مسماراً غاص بعيداً في اعماق كتلة من الخشب .. أنا سعيد يا ابني لأنك جيت بالرغم من كل شيء .. لا تشغل بالك يا أبي .. المهم كيف أنت الآن ؟.. لا اخفي عليك يا ابني فالأطباء اخبروني أن حالتي ميئوس منها ولكن الاعمار بيد الله .. أنا مسلم أمري لله واتمنى أن اقوم بالسلامة حتى أقوم بواجبي نحوك كما فعلت جوليا وكما فعل المستر ريتشارد الذي منحك اسمه واسم عائلته وهي بالمناسبة عائلة كبيرة ومهمة .. هل غفرت لي ما فعلته بك وبأمك ؟ .. قلت لك لا تشغل بالك يا ابي وان شاء الله تقوم بالسلامة .. قال ذلك وهو ينحني فوقه يقبل جبينه بصعوبة شديدة جراء تلك الاجهزة الطبية التي تزدحم فوقه .. خذ ذلك الظرف من فوق المنضدة يا بني ونفذ الكلام الذي بداخله إذا ما حدث لي مكروه .. بعد الشر عليك يا ابي .. ستكون بخير ان شاء الله .. ولكن وجدي بدأ ينطفيء رويداً .. رويداً .. إلى ان اسلم الروح إلى بارئها ..جاء الطبيب وتأكد من الوفاة واتصل بعنوان المنظمة التي يعمل بها لاستلام الجثمان .. وانسل شنكل والدموع تبلل وجهه .. وسار وئيداً في ( الكوريدور ) الطويل بامتداد المستشفى .. ووقع خطاه الحزينة تشكل عالماً من الحرن واليقين والرضاء بقضاء الله .. إنه ( وجدي ) .. وقد كانت من تتكلم جوليا وقد بدأ عليها آثار الانزعاج الشديد عندما اخبرتها سلمى بأنه قد ذهب لمعاودة مريض في حالة حرجة .. لقد مات .. مات ؟ !! .. وقد ندت عن ( جوليا ) وسلمى تنهيدة ملؤها الدهشة والحزن .. غادرت جوليا الصالة راكضة نحو غرفتها وهي تردد اتركوني وحدي .. اريد أن اكون بمفردي .. أما شنكل فقد فض رسالة والده الحقيقي بأصابع مرتعشة وفهم منها أنه جد نادم على جميع المتاعب التي سببها له ولوالدته .. وإنه نادم بالاخص لأنه ضيع فرصة لا تعوض بأن يكون أباً لشخص رائع مثله وقد ارفق مع الرسالة شيكاً به مبلغاً كبيراً من المال راجياً منه أن يرسل نصفه إلى والدته بالخرطوم .
    م

  6. #46
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي


    الحلقة الثالثة والثلاثون
    انتهى الانذار الذي اصدرته النقابة للادارة دون الحصول على مطالب العمال ومن ثمّ شرعنا في تنفيذ للاضراب المعلن من قبل .. استشاط المدير غضباً وأرسل في طلب النقابة لاجتماع عاجل بمكتبه الواقع فوق الطابق العلوي لمبني المصلحة .. استمر الاجتماع لوقت طويل شرح لنا خلاله الصعوبات التي يواجهها في تحقيق مطالبنا إن كان على صعيد تثبيت العمال المؤقتين أو بالنسبة لبدلات السفرية وبقية العلاوات .. وتململ العمال بالخارج من طول الاجتماع وبداءوا يهتفون ضد السيد المدير .. وكانت ثلة من الموظفين و العمال قد فقدوا نفوذهم بعد رحيل المدير المؤقت الذي تولى أمر المصلحة إبان فترة إيقاف ومحاكمة المدير الحالي .. لذلك اخذ الهتاف طابعآ شخصيآ مثل (نحن نطالب بالتطهير .. يا حرامي يا مدير ..) ومثل ( اللص اللص .. نادوا البوليس ) .. لم يحتمل السيد المدير هذه الاهانات فبرز لجمهور العمال من فوق سياج الطابق الاول .. وهرعنا جميعاً لنقف إلى جانبه نحاول تهدئة العمال .. ولكن الموقف خرج عن نطاق السيطرة إذ رشق بعض العمال المدير بالحجارة والزجاجات الفارغة فنحيته جانباً من أمامهم ووقفت قبالتهم أصرخ في وجوههم لالتزام الهدوء ولكن دون جدوى .. ومرت لحظات كنت اتلقى خلالها الضربات نيابة عنه .. فاصابني حجر بجرح بالغ شج جبيني مما أدى إلى نزيف كثيف سالت على اثره الدماء مدرارة فوق وجهي .. تراجع المدير وزملائي إلى داخل المكتب وأخذوني على عجل إلى المستشفى في وقت بدأت فيه عربات الشرطة تقتحم المكان .. ولم أكد أصل المستشفى حتى غبت عن الوعي تماماً .. ومن ثمّ أجريت لي عملية جراحية عاجلة .. كانت اثناءها والدتي وشقيقتي وبعض زملائي يتخبطون بحثاً عن المستشفى الذي نقلت إليه وكان مستشفى خاصاً .. وعندما أفقت وجدت من فوقي غابة من الوجوه الصبية وطبيب بدأ لي وكأنه اخصائي الجراحة الذي قام بالعملية يشرح لهم تفاصيل معقدة بعضها باللغة الانجليزية ونصفها باللغة العربية .. لم أتبين الوجوه تلك تماماً وقد غطت الضمادات وجهي .. وكنت أرى الأشياء أربعة أربعه .. وثلاثاً واثنين وعندما عدت إلى وعيي تماماً عاينت الحضور وفهمت على الفور انهم طلبة وطالبات إحدى كليات الطب .. توزع بصري عليهم ليقف عند احداهن وكان وجهاً مألوفاً لديّ .. من تكون هذه البنت ؟ .. من تكون ..؟؟ افكاري مشوشة والآلام تزحف فوق جسدي كالشلال .. فكيف لي أن اعرف من تكون .. ولكن .. أليست هي أميرة بنت عم عبده الفولاني .. انها هي وقد دخلت العام قبل الماضي كلية الطب .. انتهى الشرح وبدأ الجميع في مغادرة العنبر .. فهتفت في اثرها بصوت خافت ( أميرة .. أميرة الفولاني ) .. إلتفتت وقد بدأ على وجهها أثر الانزعاج الشديد .. (منو ؟ .. حربي ..؟!).. وعادت ادراجها بسرعة لتمسك بيدي وهي تردد سلامتك يا حربي .. سلامتك . . سألتني عما حدث بالضبط فشرحت لها ملابسات الحادث وسألتها عن إصابتي فقالت لي ( انت كويس يا حربي .. الدكتور قال انو حالتك مستقرة وتجاوزت مرحلة الخطورة ..) سأذهب إلى منزلكم لاخطار الجماعة .. ومرة ثانية طلبت مني مزيداً من التوضيحات حول موقع منزلنا والمباني والبقالات المتميزة قريباً منه .. وانطلقت خارجة بعد أن نبهتني بعدم شرب الماء أو رفع رأسي من الوسادة .
    لم يمض وقت طويل حتى عادت الدكتوره أميرة ومعها والدتي وشقيقتي وكافو وعم صباحي وبعض الجيران .. وكانت والدتي تبكي بكاءاً مراً وأميرة تحاول تهدئتها .. وقبيل الغروب استأذنتنا أميرة في الذهاب وقد اصرت والدتي أن تبقى إلى جانبي وكذلك نادية وكافولة وفي ثاني يوم فوجئت بعدد كبير من سكان الحي العشوائي .. جيراننا القدامى .. وقد أقلتهم حافلة كبيرة .. وقد حضروا يحملون شتى انواع الطعام والفواكه .. وكذلك حضر بعض الزملاء والسيد المدير .. الذي شكرني على موقفي الذي وقفته دفاعاً عنه ودس تحت وسادتي مظروفاً به بعض المال .. وكدت أسأله عن سحر .. أين هي ؟! وهل علمت بإصابتي ولكنني ابتلعت سؤالي وكتمته في دواخلي وأنا أتمزق من الألم ..
    مضي يوم ثالث ورابع وتماثلت للشفاء بسرعة وقرر الطبيب خروجي من المستشفى ولكن إلى السجن بدلاً من منزلنا إذ أصرت النيابة على ضمي لقائمة المقبوض عليهم بتهمة الشغب والاخلال بالأمن بوصفي محرضاً .

  7. #47
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الرابعة والثلاثون
    سألت الرقيب المناط به ضبط تحركاتنا داخل السجن عن كنه الضجيج والزعيق القادم من مكتب المأمور .. فأخبرني بأن ثمة سيدة محترمة تدخل السجن بتهمة الاختطاف والقتل على ذمة التحقيق .. اختطاف وقتل ؟! .. يا ساتر يا رب .. والغريب يا سيد حربي أنها سيدة شابة وتبدو عليها آثار النعمة .. الأيدي تنوء بالذهب والثوب آخر موضة سويسرية .. وهل تفهم في مثل هذه الأمور يا رقيب حمودة .. اقصد هل تشتري الذهب والثياب السويسرية لأم الاولاد .. ذهب وثياب فاخرة من المرتب .. ؟! هل تسخر مني يا افندي .. نحمد الله على ( النفس الطالع ونازل ) وشوية الملاليم التي اسموها ظلماً وعدواناً ( المرتب ) .. نسكت ونقول ربنا يصلح الحال .. آمين ..) ومضت ساعات الصباح واعتقدت للحظة انني نسيت قصة السيدة القاتلة .. وما أن حل المساء وآوى كل فرد إلى فراشه وساد السجن هدوء رهيب تتخلله عبارة ( قف عندك انت مين ؟ .. ثم أمين .. أمين مين ..؟ المساعد فلان أو الضابط فلان .. تقدم .. هذا الحوار نسمعه أكثر من مرة مع حلول الظلام واطفاء انوار العنابر والزنازين .. وفجأة يمزق سكون الليل صراخ أتى من ناحية سجن النساء الملحق بالسجن العمومي .. ( يا نااااااس .. مظلومة يا ناااس .. والله ما كتلت .. والله ما خنقت زول .. ووب عليّ .. ووب عليّ .. يا يما الرضية .. ووب علي وسجمك والرماد كالك يا بطة .. يا ناس الحكومة .. مظلومة والله العظيم مظلومة . ) قفزت من سريري لدى سماعي اسم ( بطة ) وأنا ارتعد من الخوف .. هل سمعت اسم بطة يا استاذ عامر .. وكان وقتها يؤانسني بذكرياته في احدى البلدان الاروبية .. خرجت إلى فناء السجن لعل الصوت يتردد من جديد .. لكنني لم اسمع شيئاً .. احضرت كرسي من الداخل وجلست أمام العنبر في قلب الظلمة .. فلم يأتني سوى صوت هسيس الاغصان تحركها تلكم النسمات الليلية الباردة .. هل قالت بطة ؟! .. اللهم اجعله خير .. الله يكضب الشينه .. هل فعلتها بطة وقتلت طفلة إبنة زوجها انتقاماً من سوء معاملتها لها ..؟ يا إلهي .. هذا فظيع .. وبقيت على تلك الحالة تتجاذبني الهواجس والظنون حتى آذان الفجر .. وانتظرت مقدم السيد المأمور بفارغ الصبر لاستوضحه حقيقة الموقف بالنسبة لتلك السيدة التي اتمنى من اعماق قلبي ألاّ تكون بطة .. وأن أكون قد أخطأت في سماع الاسم بصورته الصحيحة .نعم يا حربي . اسمها بطة .. والتهمة الموجهة إليها هي خطف الطفلة (أريج ) وقتلها .. ولا تزال الشرطة تبحث عن جثة الطفلة القتيلة .. أما تلك السيدة فهي تنكر التهمة الموجهة لها جملة وتفصيلاً وقد حكت للشرطة قصتها مع ابنة زوجها المتقدم في السن والذي تزوجته دون رضاء بقية افراد عائلته لا سيما كبرى بناته التي تعيش معه في نفس الفيلا .. ولكن يا جناب المأمور .. ربما تكون هذه السيدة فعلاً مظلومة وان ابنة الرجل لم تجد وسيلة لابعادها عن المنزل سوى اختراع هذه التهمة .. وقد تكون اخفت طفلتها مع شخص آخر يشاطرها افكارها السلبية حول زوجة والدها .. هذا ما قالته المتهمة بالحرف الواحد .. وزادت بأنها تتعرض للمضايقات بشكل شبه يومي من ابنة زوجها وانها تضطر لقضاء ساعات النهار خارج الدار ولا تعود إليه إلا قبيل عودة زوجها من عمله تفادياً للمشاكل مع تلك الابنة ..مرحبا استاذ اسحق..أشكرك علي حضورك إلي هنا .. قضيتي سهلة والبركة في الآنسة سحر .. أرجو ان تنقل لها عميق شكري وامتناني لإهتمامها بمشكلتي .. الآنسة سحر تفعل ما تراه واجباً .. وانت فعلاً تستحق كل مساعدة لوقفتك الشجاعة إلى جانب زوج شقيقتي .. لقد أصبت ودخلت السجن وأنت تدافع عنه أمام غضبة العمال بالمصلحه اشكرك يا استاذ اسحق .. ولكن ثمة سيدة مظلومة احضروها يوم أمس للسجن بتهمة الاختطاف والقتل وليتك تستمع لروايتها والدفاع عنها .. بكل سرور يا استاذ صالح .. وهكذا وجدت بطة نفسها وجهاً لوجه مع شخص تعرفه وتطمئن له ..( حربي !! ألحقني يا حربي .. قالوا حيشنقوني .. وأنا والله ما عملت حاجة .. معقول أنا أقتل يا حربي .. قول ليهم .. عليك الله قول ليهم يا حربي .. طلعني من هنا يا حربي .. أموت ليك طلعني من هنا ).. قلت لها اهدئي يا بطة .. وأنا زيك مسجون .. الاستاذ اسحق المحامي أخ وصديق وحيدافع عنك بس تقولي الحقيقة دون لف أو دوران .. وهكذا انتهت تلك المقابلة الغريبة مع ( بطة ) .. من يواسي من يا بطة ؟!.. ومن يساعد من ؟! .. هل كان من الضروري أن تحزمي امتعتك وتغادري ذلك السفح البعيد .. حيث الخضرة والماء والغناء يا بطة .. وهل كان من الممكن عودة كل منا إلى سابق أيامه .. (عليك الله ما تسيبني يا حربي .. أموت ليك ما تتخلى عني ..) ما حأتخلى عنك وان شاء الله الاستاذ يثبت براءتك وتعودي لزوجك وبيتك .. ربنا يسمع منك .. أشوفك كل يوم .. كويس ؟!.. كويس .. والآن يا استاذ اسحق كيف ترى الأمر .. لا ادلة قوية ضدها إلا بعد العثور على جثة الطفلة لا سمح الله .. قضايا القتل التي تحكم في غياب جثث الضحايا واحد على المليون وفي ظروف بالغة التعقيد .. وهي حتىهذه اللحظة خارج دائرة الادانة .

  8. #48
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الخامسة والثلاثون
    وداخل السجن ذي الجدران الكئيبة والفراغ العريض اتيحت لي فرصة قراءة تفاصيل حياتي وكل الوجوه التي احببتها من اعماقي .. استعدت ليلتي الأولي مع ( بطة ) بمنزل المعلم الكيك وبدلاً من اشباع غريزتي شعرت بأن بطة هذه أجمل من أن تصبح مجرد بغي ... تبيع الهوى لطلاب اللذة .. كل تلك البراءة والطفولة والعفوية حرام ان تتجسد في عاهرة .. لذلك تحولت يومها من مجرد شاب عابث إلي مصلح اجتماعي .. نصحتها بالهروب وباقصى ما تستطيع من ذلك العالم الشائه عالم المعلم الكيك .. وكانت سعادتي عظيمة عندما اقتنعت بوجهة نظري وانتقلت لتعيش مع قريبتها .. ولكنها خذلتني أكثر من مرة .. وكلما أحاول الاقتراب من مراسيها التي تعصف بها الانواء .. اجدها وقد غابت في خضم الضباب .. تذكرت أدق ملامحها .. الأنف الاقني المخروط والثقب الذي به انتظاراً للحلي الذهبية .. والأذن التي تدلى منهما قرطان اتعبهما التحديق إلي اسفل .. وعينيها الأنيقتين وابتسامتها المفرحة .. ثم ضحكتها المختزلة بفضل الحياء الفطري الذي يمنعها من التفجر .. إنها قروية بريئة وجدت نفسها بعيداً من المصب فضاعت في المحيط اللانهائي لحياة المدينة .. ثم تذكرت ( مها ) ولم لا اتذكرها .. والساعات تمضي بطيئة والاوقات متشابهة .. والزمن تجمد عند نقطة ما .. لقد تذكرتك يا ( مها ) .. يا اروع الناس .. يا حبيبتي الأنيقة .. تذكرت كل المساحات المضاءة في قوامها السمهري وتلك النعومة المفرطة في الايلام .. آه يا ( مها ) .. كيف الحال بعدنا ؟!.. بالله عليك كيف الحال بعدنا ؟!.. وكيف حال الاستاذ وحكاياه المروعة .. يا مها .. يا انت .. وكان لابد من التمرد على الانكفاء وحيداً .. وجهي على جدار ( العنبر الواسع ) .. رافضاً التأقلم والتعايش مع الآخرين .. فآثرت الخروج من عزلتي تلك .. بدأت بالانخراط في صلاة الجماعة مع سجناء الضمير وذوي الياقات البيضاء كما يسمونهم وقد علمت بذلك مؤخراً .. فأنا اذن سجين ضمير كالآخرين .. كل جريمتي انني ادافع عن حقوق المستضعفين من الناس المسحوقين .. عن حقوق العمال والموظفين وكلاهما سيان .. كل واحد منهما أتعس من الآخر .. وكان إمام السجن يأخذنا في محاضرات مطولة بعد الظهر وبعد المغرب .. وكنت استمع بعمق لما يقول .. بل واحفظ عن ظهر قلب بعض الاحاديث وقصص السيرة المحمدية الشريفة .. وبدأت اتحول شيئاً فشيئاً إلى متصوف حقيقي .. أصلي كل الاوقات بمسجد السجن .. وتلفت حولي يمنة ويسرة فاذا انا اقترب أكثر فأكثرمن الاستاذ عامر .. سياسي قديم ومثقف حقيقي .. من جيل المحاربين القدامى وقد احضروه إلى عنبر السجناء السياسيين تقديراً لماضيه النضالي ابان الحقبة الاستعمارية وهي تلفظ انفاسها الاخيرة وقد حكموا عليه بالسجن لثلاث سنوات لعجزه تسديد ( شيك مصرفي ) حرره لأحد السماسرة مقابل صفقة وهمية .. وذاب ذاك المرابي في العالم كقطعة ملح ولا أثر .. أحياناً يقولون أنه هرب إلى ليبيا وفي احايين كثيرة يقولون أنه سافر إلى القاهرة وربما روما .. المهم لم يتمكن المسكين من تسديد قيمة الشيك بعد أن باع منزله لذاك المخادع وحرر شيكاً لصاحب المنزل الجديد على ضوء المبلغ المتوقع استلامه فضاع كل شيء .. ولم يشفع له تاريخه الناصع ولا مركزه المرموق على الخارطة السياسية والاجتماعية .. فأسلم أمره إلى الله ودخل السجن .. ومنذ تعرفي عليه توطدت علاقتي به وشعرت بأنني اتحمل مسئولية هذا الرجل بفرح غامر أغسل له ملابسه ..انظف له سريره .. احضر له الصحف والطعام من مكتبه وبوفيه السجن .. واتجاذب معه اطراف الحديث .. وبدأ الأمر باجترار ذكريات حياته الغنية بالاحداث ثم تحولت العلاقة إلى ساعات من العلم والتعلم ... هو يحاضرني عن النظم السياسية والمذاهب الاجتماعية وانا انصت بكل جوارحي لما يقول .. حدثني عن الماركسية والرأسمالية والانظمة الشمولية .. وحدثني عن النظام الرئاسي والنظام الجمهوري .. وكل أنواع الانتخابات في كل البلدان وعرج على تاريخ السودان وتقسيماته الجغرافية والاثنية وحكى لي قصصاً غريبة عن نضالات زعماء من أمريكا اللاتينية وآخرين من آسيا.. البعض سمعت به والآخر لم اسمع به من قبل .. ومضى أكثر من شهرين وأنا اتوزع بين أمام المسجد وهذا المناضل الرائع وبالكاد زيارات الوالدة وشقيقاتي كل جمعة .. إلى ان جاء يوم شكل نقطة تحول في تاريخ حياتي .. فقد ابلغوني بأن لدي زائراً في مكتب مدير السجن ... اصلحت من هندامي بما تيسر لي ومضيت وأنا اجهل تماماً حقيقة ذلك الزائر المجهول ... دخلت إلى مكتب المامور لأفاجأ بأن الزائر ليس سوى ( سحر ) .. كاد أن يغمى عليّ وأنا اتدفق صوب وقفتها الاسطورية وقد مدت يدها تصافحني بحرارة كأميرة من اميرات ألف ليلة وليلة .. ( سحر ؟! ) ياه .. طبعاً عاتب عليّ لأنك لا تعلم ما جرى لي يا صالح .. دائماً صالح .. لا حربي ولا الزعيم .. الشخص الوحيد في هذا الكون الذي يناديني باسمي الحقيقي .. صالح .. خرجت من فمها مثل كمنجة حزينة .. لكمّ تأسفت على سجنك بالرغم من انك لم ترتكب أي جريمه وذلك الموقف الشهم الذي وقفته إلى جانب أبي وكيف أنك تلقيت الضربة تلو الضربة فداءاً له .. أنت إنسان نبيل يا صالح .. وهنا غادر المامور المكتب عندما شعر بأن ( سحر ) على وشك أن تبكي من شدة التأثر وقد أغرورغت عيناها بالدموع .. لقد عاودتني تلك الاغماءه يا صالح ومكثت بإحدى مستشفيات لندن شهراً كاملاً والحمدلله أخذت العلاج المناسب بعد أن تم تشخيص حالتي بواسطة اخصائيين كبار .. اخصائيين ؟*.. سلامتك يا سحر .. سلامتك .. ألف ألف سلامتك .. يعني كنت مريضة يا سحر ؟* .. نعم يا صالح .. وهل تفتكر لو أني كنت في الخرطوم سأسمح بأن تسجن ياااه يا سحر .. لكّم ظلمتك يا سحر .. والله ظلمتك يا سحر .. قلت في نفسي يا ولد استحي على عرضك .. انت وين وسحر وين .. لذلك بطلت أفكر فيك زي زمان .. يخسي عليك يا صالح .. يعني اصلك ما حسيت بشعوري نحوك .. معقولة بس ؟****! .. يعني كان لازم اقول ليك اني بحبك عشان تفهم يا صالح .. لا .. لا والله العظيم .. خلاص .. خلاص وتهاويت نحو أقرب كرسي وانا أوشك ان أموت من وقع المفاجأة سحر تحبني أنا ؟! .. صالح وليد حوه قزاز .. والشاويش عويضة .. لعلك في حلم يا حربي .. لعلك في حلم .. أيوه بحبك يا صالح ومن زمان ولن تستطيع قوة في الارض أن تفرق بيننا وسأتولى موضوعك منذ الآن حتى تخرج من السجن سليماً معافى .. وحتى .. حتي ماذا يا مأساتي ؟ ولم انم ليلتها وقد تركتني سحر نهباً للهواجس والآلام .. لقد اعترفت لي تقريباً بأنها تحبني ومنذ زمن ليس بالقصير .. ولكنني برغم ذلك أشعر بالقلق الشديد وأخاف ان تندم سحر على كل حرف قالته لي .. وربما تكون قد اوحت لي بذلك نتيجة لاحساس متهور أملته ظروف سجني واصابتي وأنا ادافع عن والدها .. إنه الحب يا هذا .. ليته كذلك ولكن هل يّولد الحب هذا القلق والخوف .. نعم .. نعم يا أخانا .. انه أكبر مفجر للقلق والهواجس في عالم الاحاسيس والمشاعر.. سحر تحبني ؟!.. لماذا أسأل نفسي للمرة الألف هذا السؤال .. هل أنا ضعيف الثقة بنفسي إلى هذا الحد .. وكيف سأقود جحافل العمال والموظفين نحو غد افضل وانا بهذا الضعف والخور .. كل الاقوياء في التاريخ كانوا ضعافاً أمام الجمال .. ألا تذكر حديث الاستاذ عامر عن تلك العروش التي قامت وتهدمت لأسباب أهمها سطوة إمرأة ما .. انظروا إلى نابليون والا سكندر المقدوني وهارون الرشيد وهتلر المانيا .. لقد كانوا مثل خاتم من الذهب في اصابع من احبوا من النساء يفعلن بهم ما شئن ويتدخلن حتى في امور الحرب والسلام .. ولكن كيف لم ألاحظ ما دعته سحر بحبها لي .. أظنك غير مصدق حتى الآن .. أقول لك بصراحة انني بدأت انسج الاحلام والاخيلة عن شكل حياتنا معاً كزوج وزوجة .. زوج و زوجة دفعة واحدة ..؟ ألم تلاحظ بأنك قد رفعت سقف توقعاتك إلى أعلى حد ممكن منذ زيارتها لك .. هو ذاك .. فإما ان انجح أو اهوي نحو القاع فيدق عنقي ومن ثمّ أموت .. معقولة بس ؟!.. ما لاحظت شعوري نحوك يا صالح .. معقولة بس ؟!.. أي ورب الجمال ومن ابدع هذا الكون لم ألاحظ .. صحيح انها نامت بين ذراعي ساعة تلك الاغماءة اللعينة يومها ... نامت بين ذراعي كطفلة توسدت صدر ابيها وقد تعود حملها من سريرها وهي نائمة كل مساء ... يحملها وهو يتمتم .. بسم الله الرحمن الرحيم الله .. بسم الله الرحمن الرحيم .. ليدخلها إلى غرفتها وقد لاحت في الافق نذر العاصفة .. لقد حملتها وكان احساس طاغ بالابوة يكتنفني نحوها في تلك اللحظة النادرة التي لا اخالها ستكرر .. لقد كان احساسي نحوها يغلب عليه طابع الخوف الشديد وكاد قلبي ان يحطم ضلوعي ويقفز راكضاً في الفضاء الفسيح من شدة خوفي عليها ... وحتى وهي تستيقظ شيئاً فشيئاً وتعود إلى دائرة الوعي .. لم تسحب يدها من يدي .. بل ضغطت عليها بوهن ومحبة .. وكم كانت سحر وفية وهي تعود تاني يوم إلى السجن ومعها خالها المحامي اسحق .. سلم عليّ بوجه صبغته المودة والاحترام .. سنقدم استرحام للمحكمة لاسقاط بقية المدة وقد وافق السيد المدير على ان يشهد لصالحك .. وبأنك كنت تحاول السيطرة على العمال والموظفين لا تحريضهم .. ولم يفتها ان تحمل معها بعض المأكولات ودست في يدي وهي تغادر علبة فخمة وهي تهمس في وجهي .. ساعة حلوة اشتريتها لك من لندن .. ساعة لي انا ؟!.. طبعاً يا صالح .. لكن ده كتير يا آنسة سحر .. قمنا من تاني للآنسة والسيدة يا صالح .. سريع كده نسيت .. بس ده كتير يا سحر لا كتير ولا حاجة.

  9. #49
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السادسة والثلاثون
    تذكرت شقيقتي سلمى وزوجها العزيز شنكل .. وكيف يستقبلون نبأ سجني .. ولعل أجمل أوقات السجن .. تلك التي يسافر عبرها المسجون إلى أماكن وأناس يحبهم .. الاوقات الممتدة إلى ما لا نهاية تتيح للناس هنا تخيل كل شيء وتذكر أي انسان فأنت تراهم وقد اغمضوا عيونهم وتتصور انهم ينامون .. لا يا عزيزي .. انهم يحلمون .. ينتظرون ويتذكرون .. وهأنا استعيد ذكرياتي مع شنكل و رحلته للبحث عن أمه .. كان من الممكن أن يظل هكذا وإلى الابد بدون هوية وبدون أسرة .. ولكنه الآن مع زوجته وأمه وزوجها المستر رتشارد و الصغيرة لوسيانا .. وفى تلك الاثناء كأني بالجميع وقد انهوا عشاءهم وجلسوا فى فناء الحديقة فى تلك الامسية الصيفية المشبعة بالأنسام الفارهة .. منزل انيق ملؤه المحبة والتفاهم .. لا..لا ليس هكذا تصعدين الدرج ياسلمى .. تذكرى انك حامل.. المستر رتشارد وهو ينبه شقيقتى التى ارادت ان تحضر بعض الحلوى من المطبخ .. لاتركضى هكذا .. فهذا ليس في مصلحة الطفل.. واشفقت جوليا ايضا عليها وكذلك فعلت الصغيرة (لوسي ) *..اما شنكل فقد تظاهر بالتماسك ولو انه كاد ان ينهض ليتلقف سلمى وقد اوشكت على السقوط .. تأمل المستر رتشارد الجميع بحنو وحب وقال لشنكل .. لقد كان يوما طيباً في البورصة وقد ربحت اسهمنا ارباحا لم تكن في الحسبان.. شنكل قال له.. انت تعلم انني لا افهم كثيرا في مسائل البورصة هذه وانت اقتصادي ضليع وكلي ثقة في انك ستولي الامر العناية التي يستحقها.. لا يا ريمون وعلينا أن نتذكر بأن هذا هو الإسم الجديد لشنكل .. انت مخطئ في هذا.. عليك ان تتعلم وستكون بجانبي عندما يبدا التداول بعد العطلة الاسبوعية .. انني اعول عليك كثيرا يا بنيّ .. فانت الان رجل هذه الاسرة .. وبعد قليل سنتقاعد انا وجوليا لنتفرغ لكم تماما.. سنكون سعداء برعاية طفلكما القادم وسنسافر الى هذا البلد او ذاك ولن ننسى بالطبع الخرطوم .. السمع والطاعة .. وهل سيسمح لي بحمل الطفل الجديد ماما ؟! الصغيرة ( لوسي ) وقد اثارتها فكرة ولادة طفل جديد .. لقد سئمت هذه العرائس .. اريد عروسة حقيقية تتبادل معي الاسرار.. ضحك والدها وهو يرد عليها.. وهل لديك اسرار ياصغيرتي العزيزة .. يا الهي .. الناس في عائلتي هذه تكبر بسرعة .. لم لا يا ابي.. فانا الان في العاشرة من العمر.. لعلك نسيت أن عيد ميلادي في الأول من اغسطس القادم .. لا لم انس وسافاجئك بهدية ماكنت تحلمين بها.. ما هي بابا؟ ماهي؟! ارجوك.. وكيف ستكون مفاجاة اذا ما افصحت عنها .. عليك الانتظار.. ها.. عليك الانتظار.. بابا!!! لقد عاش فى اماكن عديدة في اوروبا وفي امريكا ورأى بنفسة مقدار التعاسة والوحدة التى عاشها ويعيشها الكثيرون .. نعم الوحدة من كبرى المشاكل هنا .. وعلي النقيض من ذلك ما يحدث في الشرق عموماً .. لقد تعرف الي العديد من الاسر وشاهد تلك الحميمية المرهفة تشكل علاقات الناس ببعضها البعض ..إنه لن ينسى ذلك الرجل الذى كان يسكن في الشقة المقابلة له تماما في تلك العمارة السكنية بامستردام .. لقد مات الرجل ولم ينتبة له احد من الجيران الذين لايفصلهم عنه سوى (كوريودور) صغير الى ان فاحت رائحة جثته .. وعندما هشموا الباب وجدوا بيده كوباً فارغاً وقد سقط قريبا من الثلاجة .. وإن ينس لن ينسي الممرضة (ايفلين) التي كانت تسكن بجوارهم في احدى ضواحي نيويورك .. صحيح انها كانت انطوائية ولاتحب الاختلاط مع الناس ولكن كيف يمكن ان تموت وتمر ثلاثة اعوام على موتها دون ان يسال عنها احد .. الجيران تذرعوا بحجة انها انطوائية .. وزملاؤها بالمستشفى قالوا انها مزاجية وربما تكون غادرت نيويورك فجاة لتعمل في مستشفى آخر وشقيقها قال انهما متخاصمان منذ مايقارب الخمسة اعوام .. لقد اكتشفت سلطات الكهرباء الامر ودخلت لتجد مستعمرة للجرذان بداخله .. كم أنا محظوظ .. المستر رتشارد يحدث نفسه وقد عادت سلمى لتاخذ موقعها بين الجميع .. كان دائما يبحث عن السعادة والاستقرار مع اسرة متفاهمه .. لقد هربت والدته وهو طفل من والده المخمور مع احد الاجانب وهو لايعلم عنها شيئا حتى الان .. وتركه والده ليتجول مع احدى الغجريات من مدينه الى مدينه ومن ساحه الى ساحه .. وهاهو يعوض كل ذلك بهذه الاسرة القادمة من رحم الغيب .. سوف يقاتل من أجل هؤلاء الرائعين .. وسيبذل قصارى جهده في اسعادهم .. من يكون المتكلم " على الهاتف .. ساتولى الرد .. الصغيرة ( لوسي ) وقد ركضت نحو الداخل .. ولكنها عادت بسرعة لتقول لسلمى .. والدتك على الخط .. على مهلك يا سلمي .. اهلا( يما ) .. كيف ناس البيت ؟! مسجون؟! .. ووب على .. ووب على .. هنا تدخلت جوليا واخذت منها السماعة .. نعم.. معاك .. نعم.. شغب داخل المصلحة .. يعنى الموضوع بسيط .. ان شاء الله سيخرج من السجن .. نعم يا حاجه .. هيا سلمى كفى عن البكاء وتكلمي مع والدتك بهدوء .. انها بحاجة لشئ من التشجيع .. خلاص (يما).. الفلوس حتصلكم يوم الاثنين..ان شاءالله.

  10. #50
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.38

    افتراضي

    لقد فوّت حلقات كثيرة من هذه الرائعة أتمنى استدراكها بسرعة لأواكب الأحداث
    أستاذي العزيز
    أهنئك على براعتك في الغوص في أعماق النفس البشرية من خلال شخوصك
    تحية ومدة وكبير تقدير

صفحة 5 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة لرواية ( قاع المدينة ) للكاتب عبدالغني خلف الله
    بواسطة عبدالغني خلف الله في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 25-06-2010, 07:56 PM
  2. رسالة من قاع الدست !
    بواسطة خليل انشاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 11-09-2008, 04:52 PM
  3. قصيدة: رسالة من قاع الدستِ .للشاعر د. خليل انشاصي .
    بواسطة خليل انشاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 03-09-2008, 01:27 PM
  4. ْ{ فِي رِحَابِ .. المَدِينَةِ المُنَوَّرَة }
    بواسطة عبدالملك الخديدي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 21-02-2007, 07:27 AM
  5. أسئلة في قاع البحر
    بواسطة بن عمر غاني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 29-06-2004, 04:50 PM