أحدث المشاركات
صفحة 6 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 51 إلى 60 من 71

الموضوع: رحلة في قاع المدينة ..رواية .

  1. #51
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    أشكرك يا ابنتي د. كريمة ..أشعر وكأنني أقحمتكم في هذه الرواية المطولة في زمن يغلب عليه طابع المشاهدة واللاقراءة ..وخذي وقتك فالرحلة لا تزال بعيدة عن غاياتها .. عمّت صباحاً

  2. #52
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي الحلقة السادسة والثلاثون

    الحلقة السابعة والثلاثون
    أحاول ملء الفراغ وساعات اليوم الطويلة بالسجن بأكثر من وسيلة .. وقد تبدو تلك الساعات اقصر عندما يزورك شخص ما .. لم يزرني ( كافولة ) زوج شقيقتي نادية لأنه يخاف الحكومة وكل ما هو حكومي كذلك لم يزرني أهل الحي العشوائي .. لعلهم لم يسمعوا بأنني سجنت أصلاً .. هؤلاء القوم بعيدون كل البعد عن تقاطعات الحياة العامة بالخرطوم بكل ما فيها من تداعيات مبكية ومضحكة .. وحسب علمي فإن حدود همومهم الشخصية ينتهي عند خبز عيالهم وجلب الدواء لمرضاهم .. لم يسمعوا بسجني الذي يدخل ضمن اطار الصراع اليومي بين الناس والسلطة . وهم بالقطع لم يسمعوا بطبقة ( الاوزون ) ولا بالمذابح التي ترتكبها اسرائيل في فلسطين ..لم يسمعوا بشارون .. وغير معنيين باتفاقيات التجارة الحرة والعولمة .. لهذا لا يشيخون مبكراً مثلنا .. وأقول مثلنا لأنني ومنذ التحاقي بالوظيفة العامة كسائق للسيد المدير تصك اذني حواراته المتعمقة مع مساعديه وأنا انقلهم من اجتماع إلى اجتماع ومن مؤتمر إلى مؤتمر وبعد دخولي السجن وتعرفي على الاستاذ عامر صرت مهموماً مثلهم بالشأن العام ، وبدأت أفلسف مثلهم مشاكل البلد التي لا تخفى علي أحد .. الحرب في الجنوب والجفاف والتصحر والبطالة .. بل وحتى ادبيات السياسة الخارجية .. فما لي أنا ومال كل هذه الترهات .. لو أنني بقيت في عملي بورشة المعلم سلمان القاضي .. لما اقحمت نفسي في مشاكل لا قبل لي بها .. الزيارة وحدها هي التي تكسر الروتين الرهيب داخل السجن .. وبما أن السيدة ( بطة ) لا تبعد عنى سوى أمتار بسجن النساء فلماذا لا ( نتزاور ) .. على الاقل سيهرق كل واحد منا آلامه أمام الآخر .. ومن منا لا يحتاج إلى كتف صديق يبكي عليه وإلى صدر حنون يطرح فوقه عذاباته .. لذلك تعودت أن اجلس إليها عبر ثقب كبير في السور الذي يفصل بين سجن الرجال وسجن النساء .. كانت شاردة وحزينة وكثيرة البكاء .. ولا أدري لماذا تبكي بهذه الحرقة وتلك الاستمرارية .. ولاحظت انني عندما أنظر عميقاً في عينها .. تهرب من نظراتي وتشيح بوجهها عني .. وتحول مجرى الكلام إلى موضوع آخر .. هذه التصرفات ازعجتني بشكل مخيف .. وبت استيقظ من النوم تحت وطأة كوابيس واحلام مزعجة واتساءل بيني وبين نفسي .. معقولة بس ؟! .. بطة قاتلة ؟! .. كل هذه الوسامة وتلك البراءة وفطرتها القروية تقتل ؟!.. وهل يداها ملطختان بدماء تلك الطفلة الصغيرة ؟! .. وتوقفت عن زيارتها لبعض الوقت فجن جنونها .. وصارت ترسل لي الوصية تلو الوصية مع حراس السجن .. وعندما ذهبت إليها مرة أخرى بكت بشدة وقالت لي بين نهنهاتها وتنهداتها ها انت تتخلى عني .. حتى قبل أن تبدأ المحاكمة .. ولم تعد تسأل صديقتك سحر عن المحامي الذي وعدتموني به .. خففت غلواء عذابها بكلمات حانية .. وأعطيتها بعض الأمل في الخلاص وبأنني سوف احادث سحر بمجرد أن تزورني حول تولي خال سحر الدفاع عنها .

  3. #53
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثامنة والثلاثون
    قلت لسحر ونحن لوحدنا بعربتها بعد خروجي من السجن .. لا أدري كيف اشكرك يا سحر .. لن أنسى أبداً وقفتك معي هذه ولكن .. لكن ماذا يا صالح ؟ .. لا داعي لتحمل مبلغ الغرامة .. لقد ارسلت لنا شقيقتي مبلغاً كبيراً من المال .. سأعيد لك المبلغ الذي دفعته للمحكمة ويكفيك اتعاب المحامي .. إسحاق أبن خالي ولم ادفع له اتعاب .. هنا توقفت عن الكلام وسحابة عارضة من الحزن تسافر عبر تضاريس وجهها الجميل .. لا ادري ماذا أقول لك يا صالح .. أنا لست مرتاحة لبنت أهلكم هذه كما تسميها .. وكنا قد توقفنا لديها بمكتب استقبال سجن النساء قبل مغادرتنا وقد تركت معها كل ما كان بحوزتي من مال لعلّه يخفف عليها سنوات الانتظار القاسية انتظاراً لبراءة تدعيها .. لقد تخلى عنها زوج قريبتها وكذلك فعل زوجها المفجوع في حفيدته الرائعة برغم جحيم الاشواق واللهفة الذي خلفه غيابها عن مخدعه .. انها وردة ندية ألقت بها الاقدار في مشوار حياته المفعم بالحرمان .. زوجة صبية كم ارضعته الافراح واعادت له شبابه الذاهب .. بيد أنها اختطفت حفيدته وقتلتها أو هكذا قالوا له .. وهو لا يدري هل يصدقهم أم يصدق زوجته بصباها الغض وفرعها المموسق .. كم يشعر أن كبرى بناته قد تآمرت عليه وحرمته من تلك النعومة وذاك الاشراق المتوزع على قسماتها الحلوة .. وربما كان هذا هو السبب في اعتكافه بالمنزل لا يذهب لمتجره ولا يزور أحداً من اقاربه ويدعي النوم وقد أحكم قفل غرفته لا يفتحها إلا للخادمة عندما تدخل عليه بالطعام .. وكلما دخلت عليه ابنته ( بلقيس ) يشيح عنها بوجهه ويواجهها بنظرات بها الكثير من الشك والريبة فتجثو أمامه باكية مولولة تقسم له باغلظ الايمان بأن بطة قد قتلت ابنتها الوحيدة وأن الأيام ستثبت له ذلك ..
    لن أقبل هذا المبلغ وقد دفعته عن طيب خاطر وانتهى الأمر .. لكم أنا سعيدة بخروجك من السجن يا صالح .. سألقاك كل يوم وسنمضي معاً في مشروعنا .. نكمل دفع اقساط الشقة ونتزوج .. هل قلت نتزوج يا سحر ؟! .. نتزوج ؟ ! .. أنا وانت .. نتزوج ؟! .. نعم نتزوج .. ألا ترغب بالزواج بي يا صالح ؟ .. ومن انا لأرفض ؟ .. أنت انسانة طيبة ونبيلة ومتواضعة يا سحر .. مثلك قد يستكثر عليّ تحية الصباح .. أوأنت جادة يا سحر ؟! .. هل تقبلين بي زوجاً .. ياه .. وي وي وي .. ارجوك كف عن هذا الهذيان فأنت تصيبني بالتوتر ولن اتمكن من توصيلك بسلام إلى والدتك وشقيقاتك .. فهم ينتظرونك بفارغ الصبر .. ولكن ماذا لو رفض أهلك .. وبالذات شقيقك .. لن يعترض سبيلي أحد .. أما شقيقي ( عصام ) فدعه لي فأنا أعرف كيف اوقفه عند حده .. المهم موافقة أبي .. أما والدتي فهي تفعل ما تراه في مصلحتي .. ومصلحتي في زواجنا يا صالح .. هل تذكر عندما حملتني بين ذراعيك وصعدت بي الدرج حتى غرفتي بالطابق الأول .. لقد كنت متعبة بالفعل وفي شبه اغماء .. لكنني كنت اشعر بما يدور حولي .. وكنت أعلم انك تحملني بين ذراعيك وتجلسني على سريري ولقد صممت ساعتها بأن ذلك الموقف سيتكرر عندما نتزوج .. وسأقاتل الدنيا بأسرها من أجل تحقيق ذلك الحلم .
    وعدت لمواصلة عملي بالمصلحة كرئيس لنقابة العاملين .. وكانت ( مها ) سعيدة بعودتي .. احضرت الحلوى والشربات وقدمته لكل فرد بالمصلحة أتى ليهنئني بسلامة العودة .. وبدأ وكأن الجميع ينظر نحوي بفخر واعزاز .. فقد تحققت بعض المطالب التي ناضلنا من اجلها .. دفعت كل المستحقات المالية المؤجلة ومنحت التعويضات المجزية لضحايا حادث الحركة من عمال وفنيين .. وما زال في جعبتي الكثير من المشاريع .. وقد عكفت ومها علي صياغة تقرير لسلطات الاراضي لتخصيص قطع اراض سكنية للمعاشيين والارامل كخطوة أولى ستتبعها مطالبتي باراض سكنية لجميع العاملين .. كنت أقوم باملاء عبارات غير متسقة وبها الكثير من الاخطاء اللغوية والنحوية وكانت تصححني وهي تردد عبارة ( ما بكتبوها هكذا يا جاهل . ) تقولها وهي تضحك وترمقني بنظرات هي مزيج من المودة الطاغية والتدلل وشيء من السخرية اللذيذة .. طيب .. طيب .. هذا واحد من أكبر عيوب حواء .. عيوب يا حربي ؟! .. أنا كلي عيوب ؟! .. ومن ثمّ ترسم فوق محياها مظهراً جاداً وغاضباً سرعان ما ينتهي بضحكة مموسقة تزلزل كياني .. نعم يا ( مها ) .. انت صحيح بنت متعلمة و .. وإيه كمان ؟ .. وحلوة .. أيوا .. اعترف يا مغرور .. ويا مخدوع .. أنا مخدوع .. الله يسامحك يا ( مها ) .. مش بقولوا مد رجليك قدر لحافك .. وكانت تلمح لعلاقتي مع سحر .. خلينا في المهم .. أريد هذه المذكرة بنهاية اليوم .. وغادرتها وأنا انتزع أرجلي عن المكان .. كم انت جميلة يا ( مها ) .. وكم أنت رائعة .. ماذا لو لم ألتق سحر أصلاً .. من المؤكد انك ستكونين حبي الأوحد .. ولكنني الآن بلا إرادة .. بلا حرية .. لقد رهنت عمري وحياتي لسحر ولن أكون لغيرها .. هذا إن هي أوفت بعهدها لي ولم تغيّر رأيها .. وهل ستغير رأيها يا ترى ؟! علمي علمك .. ربما تقابل طياراً أو طبيباً أو مهندساً في أسفارها العديدة تلك في نطاق الأسرة أو الشركة وربما في مطار بعيد من مطارات العالم وتعجب به وتتزوجه .. لا حول ولا قوة إلا بالله !! والله انت حاقد وحاسد لا أكثر .. المفروض أن تبعث في نفسي الطمأنينة والثقة بالنفس .. ألست ضميري يا حاقد يا جبان .. تريدني أن أظل مدى الحياة صبي ميكانيكي تعبان وهلكان .. أنا فقط أحذرك ولا تتوقع مني أن أخدعك في يوم من الايام .. وإلا تحولت إلى ضمير ميت .. كل المعطيات تقول أنك لا تستاهلها ولا يجب أن تفكر حتى بمجرد الارتباط بها .. هي في الثريا وانت في الثرى وما ابعد المسافة بينكما .. لقد اقسمت لي بأنها تحبني وبأنها ستقاتل الدنيا كلها من أجل احلامنا .. أهو كلام .. والموية تكذب الغطاس .. والكذاب نوصلو لغاية الباب .. كم واحد قال لك إنك ُمحبط وممّل وحاسد .. والله هذا رأيي بكل صراحة .. إن شئت عملت به .. وإن شئت عملت بغيره .. اسمع يا هذا .. انت في اجازة مفتوحة منذ هذه اللحظة ..( يال لا) اغرب عن وجهي ..قال ضمير قال....!

  4. #54
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة التاسعة والثلاثون
    هأنا اتراكض بين المستشفى الحكومي حيث يرقد العم صباحي طريح الفراش وقد جلس إلى جانبه صديقي ( كافو) يرعاه كإبن حقيقي وقد منح اجازة محلية لممارضته وبين سحر التي ترقد في إحدى المستوصفات بعد أن أتاكد بأن افراد اسرتها قد غادروا المستوصف لا سيما شقيقها الذي رمقني بنظرة شزرة لدى أول يوم لدخولها المستوصف وكنت قد هرعت إلى هناك عندما علمت من سائق المدير الجديد بأنها قد نقلت إلى هناك في ساعة متأخرة من الليل وهي تشكو من اعياء شديد وضيق في التنفس .. اقتحمت غرفتها حتى بدون إذن (السستر) المسؤولة عن الغرفة وهناك وجدت أمها ووالدها السيد المدير وشقيقها ورهط من سيدات وبنات الأسرة .. شعرت بأنني غريب وسط ذلك النسيج الأنيق من البشر .. توجهت نحوها وأنا احتضن كفها واتمتم في رعب حقيقي .. سلامتك آنسة سحر .. توهج خداها بلون غامض وانفرجت أسارير وجهها وحاولت أن تنهض من السرير بيد أن أمها سارعت لتحول دون ذلك .. لم اجد مكاناً أجلس عليه وعوضاً عن دعوتي للجلوس همس شقيقها في وجهي .. ( كتر خيرك مواعيد الزيارة انتهت .. والزيارة من هنا لقدام ممنوعة .. ) قلت له .. جداً .. مرة ثانية كفارة .. ان شاء الله ربنا يواليها بالعافية .. فتح باب الغرفة واشار عليّ لاغادر وصفق الباب من خلفي بحدة وعصبية شديدة .. اصطحبت معي خوفي ولهفتي واشواقي لسحر وأنا انزل الدرج درجة .. درجة في بطء وكآبة لا مثيل لها .. ومنذ تلك اللحظة وأنا لا أزورها إلا في المساء .. وقد أمرت سحر (السستر) المشرفة بمنحي بطاقة زيارة في أي وقت ليل نهار ففعلت .. كنت أمضي معها معظم ساعات المساء أناولها اشياءها الصغيرة كالمجلات ( والمناشف ) وقد احضرت لها جهاز راديو صغير يؤانسها في غيابي بالرغم من وجود جهاز تلفزيون .. واحياناً اساعدها في النهوض لتمشي في ردهات المستوصف وتستند على كتفي وهي تذهب للتواليت وهي تعود إلى سريرها .. وعندما تعود أظل ممسكاً بكفها أطالع عينيها حتى تخلد للنوم فأنسل عائداً إلى منزلنا .. وبقيت على تلك الحالة إلى أن استردت عافيتها وعادت للعمل لنبدأ مشاويرنا التي لا تنقضي .. أحيانآ ندلف إلي هذه الكافتريا أو تلك قد نمتهن التجوال بشوارع الخرطوم بدون هدف ومن ثمّ نعرج علي المقاول الذي يشرف على تشطيب الشقة الخاصة بسحر والتي لا يعلم أحد من افراد اسرتها حتى تلكم اللحظة بانها قد اشترتها وقد نبهتني بألاّ أخبر أي أحد منهم بذلك .. هذه أسرار يا صالح .. وإذا ما واجهتنا مشكلة في العيش مع والدي ووالدتي بعد الزواج تكون لدينا شقتنا الخاصة بنا أنا وانت .. مثل هذه الملاحظات اكسبتني العافية والثقة بالنفس فمضيت من انجاز إلى انجاز بالنقابة .. إلى أن تعثرت المفاوضات بيننا وبين وزير العمل حول زيادة الاجور وزاد الموقف سوءاً قرار الحكومة زيادة سعر السكر .. تلك الزيادة التي حولت الشارع إلى بركان يغلي .. فكانت دعوتنا للعاملين بالخروج في مظاهرات عارمة بلغت اوجها عندما قدت أنا وبعض الزملاء مسيرة هادرة انتهت بنا إلى مجلس الوزراء ولم تفلح الحراسات المشددة هناك في أن تحول بيننا وبين اقتحام مباني المجلس لدرجة اننا صعدنا الادراج المؤدية إلى مكتب رئيس الوزراء .. هنا تدخلت الشرطة بقوة ضاربة .. فكت الحصار عن المكتب وألقت القبض علينا لأعود مرة أخرى إلى السجن ..
    رحبت بي بطة ترحيباً حاراً بعد أن عدت للسجن ولسان حالها يقول لي .. لم تزرني ولو مرة واحدة يا حربي وهأنت تعود لي من جديد .. لم يطرأ جديد على موقفها ولا تزال الشرطة تواصل تحرياتها .. قلت لها .. لو تعلمين كم أنا مشغول لكنت التمست لي العذر في عدم زيارتك .. ولكنني أتابع القضية مع المحامي إسحق .. يا سلام على الاستاذ إسحق .. انسان محترم ومهذب بمعنى الكلمة .. تصور رفض مجرد مناقشتي له حول أجر الدفاع عني .. أخبرته بأن لدي مصاغ ذهبية وضعتها كأمانة لدى أحد التجار زملاء زوجي تحسباً ليوم كهذا وطلبت منه أن يأخذ لي اذن مؤقت بالخروج تحت حراسة الشرطة ابيع خلاله جزءاً من تلك المصاغ لأدفع له اتعابه ولكنه رفض رفضاً قاطعاً .. إنه يعزّك يا حربي .. وحدثني عنك حديثاً طيباً وعن الموقف الذي وقفته دفاعاً عن زوج شقيقته وقال لي أيضاً أن ابنة اخته متعلقة بك جداً وأنكما ربما تتزوجان .. هل قال لك الاستاذ إسحق كل هذا الكلام ..لقد كنت صريحة معه ( وكمان كلمتو انك كنت عاوز تخطبني وانك جبت اهلك ولكن القسمة ما ساقت .. )..الاستاذ إسحاق ده .. وتركتها تبوح بحقيقة مشاعرها نحوه وأكاد أجزم بأنها قد احبته .. إن الحب لدى بطة لا يخضع للمنطق والمقاييس الاجتماعية وغير الاجتماعية .. الحب عندها لحظة عشق لا يهم مع من ولماذا أو كيف .. هي هكذا .. احبتني ثم وعندما أظهر لها ذلك السائق شيئاً من العاطفة تزوجته ثم عادت لتكرهه وتحيل حياته إلى جحيم حتى طلاقها منه .. والتقت هذا الرجل المتقدم في السن .. لعله اعجبها بمظهره الارستقراطي وربما كرمه وحسن هندامه فأحبته .. نعم أحبته وأنا متأكد من ذلك وهي لم تنسج خيوطها حوله لتوقعه في شباكها .. اعجبها فأحبته ثم تزوجته .. وعندما أدخلها إلى بيته لم تكن مهيأة لتلك النقلة المفاجئة من الأحياء الفقيرة إلى الأحياء الغنية ولا بد أنها تركت انطباعاً سيئاً لدى ابنته العائدة مطلقة من الخليج لتفاجأ بهذه القروية البسيطة تحتل مكان والدتها الراحلة .. والدتها المثقفة ذات المكانة المرموقة في الدولة .. والتي لم يمهلها المرض كثيراً فماتت .. ثم هذا الفارق الواضح في السن .. وتلك السمة البوهيمية المتعطشة إلى حياة الدعة والرفاة فأبغضتها وآلت على نفسها اقتلاعها من جسد العائلة الثرية لتقذف بها من جديد إلى دنياوات العوز والفاقة .. ولكنها متزوجة منه شرعاً وقانوناً ومن حقها أن تعيش في منزله .. بل ربما تكون أحق بالعيش في تلك الدار الفخمة من ابنته التي غادرته زوجة لأحد اقاربها .. ولكن طباعها القاسية دفعت به نحو تطليقها وإعادتها للسودان وربما تكون هي من طلبت الطلاق .. هذه المطلقة الموتورة والحاقدة على المجتمع وجدت ضالتها في هذه البنت الساذجة فمارست معها ساديتها وغطرستها فهل تكون قد اوصلتها إلى درجة اختطاف طفلتها وقتلها انتقاماً لكرامتها المجروحة .. لا .. لا .. لايمكن أن يصل بها الأمر إلى هذا الحد .. بيد أن قصتها غادرت اضابير الشرطة لتنشر بالصحف .. وقد فوجئت بصورتها منشورة بإحدى اليوميات المتخصصة في الحوادث وقد وضعوا عصابة فوق عينيها دون ذكر اسمها .. وتناولت الصحيفة تفاصيل الحدث على لسان والدة الطفلة المكلومة ومع صورة بطة ظهرت صورة الطفلة وبجانبها تعليق يقول ( ابحثوا مع الشرطة عن الطفلة البريئة أريج ذات الاربعة أعوام والتي اختفت منذ ما يقارب الثلاثة أشهر ) .

  5. #55
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الأربعون
    باتت قضية الطفلة ( أريج ) قضية عامة ووجدت تجاوباً من الجمهور لا مثيل له .. وتطوع أكثر من ألف شاب وشابة للبحث عنها .. وكلفت لجنة من اتحادات الطلاب بالجامعات بتنسيق تلك الجهود .. وبدات الحملة بالمدارس يضعون صورها في بوابات الفصول وانتقلت إلى أئمة المساجد وبثت نداءات عبر المآذن لجميع انحاء العاصمة تحث الناس على البحث عن ( أريج ) وابلاغ الشرطة اذا ما عثروا عليها ميتة أو حية .. وقام عدد كبير منهم باستئجار بعض المراكب الشراعية وقاموا بتفتيش شواطئ النيل الازرق والابيض على الجانبين إلى أن حدثت المفاجأة التي اعطت القضية بعداً جديداً .. فقد عثرت مجموعة من الشبان على فردة حذاء لطفلة صغيرة ملقاة على الشاطئ وقد جرفتها الامواج إلى عيدان القصب الكابي فوق الماء ..أخذوا الحذاء على عجل وتوجهوا إلى مكتب المتحري في القضية وسلموها للضابط المسئول .. لم تتأخر الشرطة في استدعاء والدة الطفلة وجدها للتعرف على الحذاء إن كان فعلاً يخصها أم انه يخص طفلة أخرى فقدته وهي تلهو على الشاطئ الرملي العريض .. تهاوت ( بلقيس ) والدة الطفلة على اقرب مقعد والعرق يتصبب منها وهي تضرب خديها وقد انعقد لسانها من هول المفاجأة وأنين خافت ينبعث من بين شفاها .. تحاول أن تقول انه لها .. وأنها ماتت .. لقد غرقت إذن .. يا للفاجعة وتناولت الصحف في ثاني يوم القضية بإسهاب وصورة الأم المكلومة بفقد صغيرتها تحتل مكاناً بارزاً بصدر كل صحيفة .. وكان على الشرطة أن تحول مسار القضية من مجرد البحث عن طفلة مفقودة إلى قضية قتل مع سبق الاصرار والترصد وتبقت تبعات العثور على جثة الطفلة .. انضم كل قادر على السباحة إلى عناصر الدفاع المدنى والغطاسين يفتشون النهر قبالة المكان الذى عثر فيه على فردة الحذاء شبرا شبرا ولكن دون فائدة .. وانطلقت مجموعات اخرى تسال الأهالي المقيمين على القرى المحاذية للنهر شمال الخرطوم وكذلك المزارعين وصائدى الاسماك وكل من يصادفهم من المارة .. وفى ركن ما بقرية صغيرة جلس رجل عجوز يرتق فتوق شباكه استعدادا لرميها فى الماء .. توقفوا عنده .. وسالوه ان كان قد لمح جثة طافية لطفلة غريقة .. كان الرجل لا يسمع جيدا .. وأكثر من عبارة ( قلتو شنو .. ماسامعكم .. ) فاستعان احدهم بلغة الصم واشاراتهم وكان متخصصا فى هذا الضرب من التفاهم.. فقال لهم الرجل بلى .. لقد وجدت جثة لطفلة صغيرة منذ مايقرب الخمسة اشهر ودفنتها تحت تلك الشجرة اعلى الجرف .. تدفنها بدون ان تبلغ الشرطة ؟!.. وأين أجد الشرطة ورجلاى بالكاد تحملاننى حتى ذلك الكوخ حيث اعيش بمفردى على صيد الأسماك .. وانطلق الجميع عائدين الى الخرطوم لابلاغ الشرطة بنبا العثور على الجثة .. فكان لابد من اخذ اذن القاضى المختص بنبش الجثة وإرسال طبيب شرعى لإجراء التشريح ومعرفة أسباب الوفاة .. هذا إن كانت هى الطفلة المعنية بالأمر علي كل حال .. ولم تسمح الشرطة لأمها بالذهاب معهم واصطحبوا عوضآ عنها جدها وأحد أقاربه .. وبمجرد أن ظهر رأس الطفلة من بين حبات الرمل حتى أجهش الرجل بالبكاء فقد كانت من ترقد فى تلك النقطة المنسية من الكون ليست سوي حفيدته أريج ولم تتغير ملامحها كثيرا بفعل الرطوبة ولطبيعة الارض الرملية المطمورة في ثناياها .. وجاء قرار الطبيب الذى قام بالتشريح بأن سبب الوفاة يعود الى (اسفكسيا الخنق) وليس الغرق .. وأن الجانى قد قام بخنق الضحية وبعد أن تأكد من وفاتها قام بإلقائها فى النهر .. إذ لااثر لقطرات الماء داخل الرئتين.

  6. #56
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الواحدة والأربعون
    تم الافراج عنا بكفالة مالية دفعتها النقابة العامة ونقلنا بحافلة إلى دار نقابة المحامين لنجد مؤتمراً صحفياً كبيرأ بانتظارنا .. صحفيون من خارج البلاد وممثلون لمنظمات أجنبية تعنى بحقوق الانسان وصحافة محلية .. وقد كنت أنا من أجيب على اسئلة الصحفيين بالإنابة عن زملائي الآخرين .. حدثتهم عن ظروف اعتقالنا والأوضاع داخل السجن وقلت لهم بأن الهدف من وراء المظاهرات التي قمنا بتنظيمها هو الدفاع عن حقوق المواطنين بصفة عامة وحقوق الطبقة العاملة بصفة خاصة وبأن الضائقة المعيشية التي تعصف بالجميع في ظل تدني الأجور لا تتحمل أية زيادة في الأسعار لاسيما اذا كانت تلك السلعة تتعلق بغذاء الاطفال والامهات الحوامل مثل سلعة السكر .. وعرجت على قانونية الاجراءات التي قمنا بها وبأنه كان لدينا إذن من السلطات ولم نقم بأي نوع من انواع الشغب .. صحيح أننا اقتحمنا مكتب رئيس الوزراء لنسمعه صوتنا بأنفسنا بعد أن عجزت كل الاقلام المدافعة عن حقوق العمال في اسماع صرختنا لسيادة السيد رئيس الوزراء .. وشهد المؤتمر صحافيون يساندون الائتلاف الحاكم وحاولوا الإيحاء بأن بعض الدوائر الاجنبية هي التي تحركت لإحداث بلبلة في البلاد وعدم استقرار يفضيان بالضرورة إلى تدخل أجنبي .. دافعنا بالطبع عن موقفنا ومن ثمّ أختتم المؤتمر الصحفي ببعض المداخلات من ممثلي منظمات حقوق الانسان وقالوا أنهم يراقبون عن كثب التجربة الديمقراطية الوليدة بالسودان وانهم مشفقون من وأدها عبر أنشطة عمالية مطلبية لا تستصحب معها المشاكل التي يعيشها السودان والظروف الاقليمية المعقدة التي تحيط به .. وقد انتظرت وأنا شبه مذهول ترجمة سؤال وجهته لي مندوبة إحدي الوكالات الأجنبية .. وكانت شقراء فارعة الطول .. سبحت في جغرافيا جسدها المتناسق ولم أدر بم أجيب فطلبت منها إعادة السؤال وكانت تعيده لي في كل مرة بطريقة مختلفة وتمالكت أعصابي وأفقت من تأثيرها الرهيب عليّ وعلى كل الحاضرين داخل القاعة الانيقة واجبتها بكلام هلامي لا يفهم منه أي شيء .. مثل مقتضيات القيادة والتضحيات التي يجب تحملها في سبيل تحقيق الاهداف السامية لجماهير الطبقة العاملة وانني ارفض الاجابة عن بقية السؤال لدواعي المصلحة العامة ..

    لم ترق له الطريقة التي تقابل بها شقيقته سحر صديقة وشريكة في وكالة بيع وشراء العقارات مبارك .. فقد كانت تعامله بحزم وبشكل لا يعطي الانطباع بأنها تعرفه منذ سنين .. وكان مبارك قد ضم إليه ابن الجيران ( عصام ) شقيق سحر واغدق عليه الاموال طمعاً في التقرب من سحر وأسرتها تمهيداً لخطبتها .. ولعل سحر التي تجرعت مرارة الغدر والإذلال من زوجها الأول القادم من احدى زوايا الاسرة بكل ما فيها من ثراء فاحش وكان قد فرض عليها رغم تحفظها على سلوكياته .. فهو سكير عربيد وزير نساء تعرفه كل اوساط الحي .. وكان قد اقسم لعمته والدة سحر بانه قد اقلع عن التدخين وشرب الخمر ولعب القمار وأنه سيضع سحر بين حدقات العيون وسيرعاها كزوج وكفرد من العائلة .. وهكذا جمّلوا لها صورته وبأنه قد تغير كثيراً منذ تعلقه بها .. فوافقت على مضض علّ وعسى .. ولكن ما أن انتهت أيام شهر العسل حتى عاد لسلوكياته القديمة .. يجتمع هو وبطانته كل مساء في حديقة منزلهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر وعندما ينفض سامرهم ينهال عليها ضرباً وإهانة .. وبقيت على هذا المنوال ردحاً من الزمن وهي تنتقل من منزل الزوجية غاضبة متمر دة إلى منزل أسرتها فيتدخل الأجاويد من رموز العائلة العريقة فيعيدونها إليه بعد أن يتوسل إليها لترضي وبأنه لن يعود إلى سابق عهده .. ولكن سرعان ما تتملكه نزعة الفوضى والشللية من جديد .. فيعود إلى البيت أواخر المساء وهو مخمور فيسبها ويضربها بسبب أو بدون سبب إلى أن حصلت على الطلاق .. هاهو مبارك الاكثر دهاء وذكاءاَ والذي يكبرها قليلاً يعاود الكّرة معها فما كان منها إلا أن أوقفته عند حده لدى أول محاولة .. استشاط الرجل غضباً فصار يراقب تحركاتها من على البعد ليكتشف انها تغادر منزلها لتعرج على صالح وتاخذه معها يمضيان معاً أجمل الاوقات لتعيده إلى منزله وتؤوب قافلة وشعور رائع بالامتلاء والسعادة يملأ قلبها .. فما كان منه إلا أن اخبر شقيقها بحقيقة ما يحدث بل واصطحبه معه في عربته ليرى بأم عينه شقيقته المترفة سحر وهي تتهافت نحو سائق والدها السابق .. فتربص بها في احدى الامسيات وكان يجلس مع والده ووالدته يتفرجون على التلفاز .. سلمت عليهم وهمت بصعود الدرج نحو غرفتها فاستوقفها بغلظة وهو يسألها أين كنت ومع من ؟ ! .. ارتبكت سحر وقد فاجأها شقيقها بالسؤال في حضرة والديها .. قالت له أنها كانت في زيارة لإحدى زميلاتها بمناسبة خطوبتها .. قال لها انت تكذبين وقد كنت مع حربي .. وتخرجين معه كل يوم .. طلبت منه أن يلحق بها في غرفته إذا كان يريد أن يعرف أين كانت .. حال بينها وبين الدرج وجذبها من شعرها وهو يوجه لها اقذع السباب ويضربها على مسمع ومرأى من والديها .. جن جنون والدتها وهي ترى ابنها وابنتها يصلان إلى هذه المرحلة الخطيرة من التجاذب والملاسنة فولولت وصاحت تطلب النجدة من الجيران .. اما الوالد فقد ألجمته المفاجأة فتسمر في مكانه غير قادر على الحركة .. ركضت سحر نحو غرفتها وارتمت على سريرها تبكي بحرقة وأسى .. لم تنجح نداءات والدتها ووالدها في حثها على فتح باب غرفتها فقد خشى الاثنان على وحيدتهما .. إذ لربما تقدم على إيذاء نفسها .. وعندما يئسا من اقناعها .. تذكرت والدتها شقيقها المحامي إسحق وهي تعلم عمق العلاقة التي تجمع بينهما .. فاتصلت به هاتفياً في تلك الساعة المتأخرة من الليل .. فجاء على عجل ومعه زوجته وعندما تعرفت سحر على صوته فتحت له الباب .. فتحلق الجميع حولها يخففون عليها ما تعرضت له من إهانة وضرب .. واعاد والدها على مسامعها رفضه لأي تقارب مع سائقه السابق حربي .. لأنه غير كفء وغير جدير بها وعليها أن لا تنزلق إلى علاقة كهذه .. قالوا لها أشياء كثيرة ونصائح أكثر .. فاكتفت بالدموع وبالصمت الرهيب تجاوبهم به .

  7. #57
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة الثالثة والأربعون
    لم أكن راضياً عن أدائى فى المؤتمر الصحفى .. وشعرت أننى بحاجة الى مزيد من التعلم .. وكان الاستاذ عامر قد حاضرني اثناء وجودى معه بالسجن فى المرة الثانية عن فن الخطابة وفن الالقاء واساليب التفاوض وحدثنى عن ادبيات القانون الدولى والاتفاقيات الدولية التى وقعها السودان مع الدول المجاورة ومع بقية دول العالم .. كذلك شرح لى تكوينات منظمة الامم المتحدة بما فى ذلك مجلس الامن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة .. وحتى أكون فى مستوى القيادة التى منحتنى لها القاعدة كان لابد من الاستزادة .. فرحت اجوب المكتبات بالخرطوم طولا وعرضا أقتنى الكتب والمراجع فى شتى ضروب الثقافة وكنت أجد فى كل مكتبة فتاة او أكثر تستقبلنى بكل لطف وأريحية .. فتيات مثقفات .. تلخص لك هذا الكتاب او ذاك وهى تقودك من قسم الى آخر .. هنا قسم التراجم الاجنبية .. لدينا كل كتابات كولن ولسون وماركيز وهنا روايات جديدة لغادة السمان .. وهذا هو قسم المؤلفات السودانية من رواية وشعر وفكر .. هذه مثلا المجموعة الكاملة للطيب صالح .. وهذا آخر ديوان لمصطفى سند وعندنا مؤلفات دكتور عون الشريف .. وكنت استمتع بتلك الحوارات مع تلكم الفتيات الأنيقات وكثيرآ ما سالت نفسى عن العلاقة بين المكتبات والجمال .. ولماذا كل المكتبات بهذا الثراء وهذا التنوع وحتى ارففها تبدو أنيقة ومصقولة .. ووصلت الى قناعة بأن المكتبات وهى تحتضن بين دفتيها خلاصة الفكر الانسانى .. ذلك الفكر الذى سطره أناس رائعون موصوفون بالشفافية والإنسانية لابد ان تكون الفتيات العاملات بها بذات القدر من الرقة والوداعة والجمال .. وكنت أشعر بان أجمل الأوقات التى أمضيها هى هناك لاسيما اذا كانت سحر بجانبي .. نراجع معاً السير الذاتية للكتاب من عرب وعجم واحياناً نقرأ بعض المقاطع الشعرية ونتبادل النظرات .. لقد كانت سحر لوحدها عالماً من الجمال والرقة والحنين .. سحر الرائعة .. أيتها الساحرة الانيقة .. يا من جلست على فناء قلبي تعمقين فيه أخاديد الفرح وتزرعين على حوافه الروعة والسحر .. إذن أنا أقرأ كتاباً جديداً كل يوم .. وكأنني أحاول تعويض ما فاتني في قاعات الدراسة ولم أعد أمياً جاهلاً كما كنت .. وجاءت لحظة الاختبار الحقيقي عندما أعلن عن بدء الحملة الانتخابية لمجلس الشعب .. وكان على نقابات المحامين والمهندسين والاطباء والعاملين بالدولة من عمال وموظفين .. التنافس على خمسة مقاعد .. وتقدم العشرات لترشيح أنفسهم على أسس حزبية .. اما أنا فقد اقنعتني سحر بترشيح نفسي كمستقل استناداً على رصيدي النضالي من أجل الطبقة العاملة لا سيما وأنني قد دخلت السجن لأكثر من مرة دفاعاً عنهم .
    في البداية اعتقدت أن الأمر لا يعدو عن كونه فورة من الحماس ستنحسر مع مرور الوقت .. ولكن سحر أخذت الأمر محمل الجد .. وانفقت كل ما لديها من أموال في طباعة الملصقات وإيجار (المكرفونات ) للندوات والمنتديات التي نظمناها بالمصالح الحكومية وبالجامعات .. ولقد راق للكثيرين تقديم نفسي على أنني مستقل وأنني لا أعمل لحساب حزب أو جهة وبأن منطلقاتي هي رفع المعاناة عن كاهل الطبقة المسحوقة في المجتمع وتوفير لقمة العيش الكريم والدواء والسكن والتعليم .. وسرعان ما التفت من حولي نخبة من المثقفين وعلى رأسهم الاستاذ إسحق المحامي وآخرون سئموا اطروحات الاحزاب ووعودها التي لا تتنزل علي أرض الواقع .. وكنت أمثل لهم بكل ذاك العنفوان والحماسة التي اخاطبهم بها .. الأمل القادم على اجنحة الثورة السياسية الطالعة .. وضوءاً في آخر النفق السياسي الذي ظل السودان يتخبط في دهاليزه منذ الاستقلال .. ونسيت في خضم هذا الزخم الانتخابي صديقي (شنكل ) وشقيقتي سلمى .. وكنت نادراً ما ألتقيهم .. وقد أعود أواخر المساء وأجدهم يغطون في نوم عميق .. أما الرائعة سحر .. فقد رجوتها بأن لا تصحبني في الليالي السياسية خوفاً من تكرار ما حدث لها عشية عودتها للمنزل متأخرة بعض الشيء وموقف شقيقها ( عصام ) الذي وضعهما على حافة الخصومة الأبدية لولا رقة ونبل سحر .. التي كانت تحرص على تحيته في اقتضاب كلما صادفته وهي داخله للدار أو هي مغادرة .. أما هو فقد كان يتجاهل تحيتها ولا يرد عليها .

  8. #58
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي


    الحلقة الرابعة والأربعون
    أحدث اكتشاف جثة الصغيرة أريج ما يشبه الصدمة لكل الناس الذين تابعوا مأساتها وخيم الحزن على نفوس كل المجموعات التي تطوعت للبحث عنها وإعادتها إلى أحضان أمها .. وخصصت بعض الصحف صفحات بأكملها لإستقبال ونشر خطابات المواساة والتعازي لأسرتها .. وتحولت أريج إلى رمز للأحلام الموئودة وخيبات الأمل التي تعصف بالكثيرين وكان مجرد الأمل في أنها لا تزال على قيد الحياة وبأن مسألة العثور عليها لا تعدو أن تكون مسألة وقت سراباً يخدر به الجميع مخاوفهم من أن تكون قد قتلت بالفعل .. وليس بعيداً عن هذه الاجواء الكئيبة .. توقفت عربة أنيقة أمام بوابة السجن ترجل منها رجل في مقتبل العمر تلوح عليه سيماء الجاه والثراء وكانت مفاجأة غير متوقعة لضباط السجن عندما قدم له نفسه بأنه يمت بصلة القرابة إلى المتهمة ( بطة ) .. وطلب في لطف وتواضع مقابلتها وتسليمها رسالة من شقيقتها بأرض المهجر .. رحب به الضابط ترحيباً حاراً وقد كان يتعاطف مع ( بطة ) تعاطفاً شديداً خاصة بعد أن انقطع الجميع عنها وأحجم عن زيارتها وهو يؤمن بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته ولو أن ذلك التعاطف قد خبأ قليلاً بعد العثور على جثة ( أريج ) .. جاءت بطة من حبسها الانفرادي بعد أن تحولت التهمة ضدها من مجرد خطف واختطاف إلى جريمة القتل العمد .. وكانت تنوء تحت حمل السلاسل التي قيدوها بها كما تقضي بذلك لوائح السجن .. وبدت متعبة وشاحبة وتلوح عليها علامات البؤس والكآبة .. وعندما أخبروها بأن أحد اقاربها يود مقابلتها وبأنه يحمل لها رسالة من قريب لها خارج السودان .. أصابها نوع من الحيرة والتردد .. ترى من هو هذا الزائر المجهول .. ومن تراه يكون ..؟ ولكنها على كل حال لن تخسر شيئاً بمغادرتها هذه الزنزانة الكئيبة ولو للحظات .. دخلت عليه وهي تقدم رجلاً وتؤخر أخرى وصليل السلاسل يتناهى إلى الأسماع وكأنه لحن جنائزي .. سلمت عليه من على البعد فوقف يرد تحيتها واستأذن ضابط السجن في أن يتركهما لوحدهما لبعض الوقت بيد أن الضابط رفض ذلك الطلب وأصر على أن تتم المقابلة في حضوره .. وطلب من ( بطة ) أن تجلس على كرسي قبالته .. قال لها كلاماً طيباً وهو يواسيها في مصابها ويوصيها بالصبر وأخبرها بموضوع الرسالة التي يحملها لها مع شيء من المال وأدخل يده في جيب سترته ليخرج الرسالة المزعومة ولكنه بدلاً عن ذلك أخرج مسدساً وبدأ يطلق النار تجاهها وهو يردد يا قاتلة يا ملعونة .. إنطلقت الرصاصات الخمسة ولحسن الحظ لم تصبها سوى طلقة واحدة في كتفها الأيمن .. إقتحمت مجموعة من الحراس المكتب عندما سمعت صوت الرصاص وسيطر الضابط والحراس على الرجل وأرسلوا ( بطة ) على عجل للمستشفى لاسعافها من الجرح الذي سببه لها ذلك الطلق الناري وقد تلطخت ثيابها بدماء غزيرة .. كانت واجمة ولم تبد أي نوع من المقاومة .. ولعلها تمنت في تلك اللحظات الغريبة لو أنه اصابها في رأسها لتموت .. تم تسليم الرجل المجهول للشرطة للتحقيق معه بتهمة الشروع في القتل لتكتشف الشرطة أنه والد (أريج) المنفصل منذ سنوات عن والدتها ..سمع بقصتها عبر وسائل الاعلام فاستقل أول طائرة تغادر الخليج ولم يمض على تواجده بالخرطوم سوى يوم واحد فقط تمكن فيه من شراء مسدس غير مرخص وعدد من الطلقات النارية .
    كان خائفاً مذعوراً وكأن الموت يتربص به من كل جانب .. لماذا أنت خائف ومضطرب هكذا يا أخانا .. هل نسيت حتى اسمك بالكامل .. ( في الحقيقة يا جنابو ... دي أول مرة أدخل فيها مركز شرطة أو محكمة .. وعمري لم أشهد في قضية ) .. نحن بشر مثلك لدينا إحساس ونقدر ما تقوم به نحو بسط العدل والأمن في ربوع المجتمع .. أنت حينما تخاف هكذا من وجودك أمام ضابط شرطة نكون نحن قد فشلنا في إرساء علاقات سليمة مع الجمهور ..( ياخي عليك أمان الله .. انت قول بس الحاجة الأنت فعلاً شفتها بدون زيادة أو نقصان .. والقال ليك لو شهدت ناس البوليس بختوك في الحراسة انسان غلطان .. إهدأ وخت الرحمن في بالك .. وخلينا نبدأ من الأول .. قلت لي اسمك بالكامل منو ؟..) ومضى الرجل بعد تجرع كوباً من الماء في الإدلاء بشهادته .. كنت في بقالتي ضحى ذلك اليوم أمارس عملي بالتجارة كالمعتاد .. وفجأة توقفت عربة أجرة أمام البقالة وترجلت منها امرأة في حوالي الثلاثين من العمر ترتدي ثوباً أخضر وتلبس في يديها مصاغ ذهبية توحي بأنها امرأة ثرية وميسورة الحال واشترت كمية من الشوكولاتة والمثلجات وقد لاحظت أن بداخل العربة طفلة صغيرة في حوالي الثالثة من العمر ترتدي فستاناً أحمر بقيت مع السائق .. أخذت تلك السيدة الحلوى والمثلجات وعادت للعربة لتنطلق مغادرة المكان .. وهل بامكانك التعرف على تلك السيدة إذا عرضت عليك ؟ .. بالطبع يا سيدي فقد كانت قسمات وجهها على قدر من الوسامة والثراء ولاحظت أيضاً أن طريقتها في الكلام لا توحي بأنها قد تلقت شيئاً من التعليم بل أن بعض ألفاظها لا تخلو من الوقاحة والجلافة وتصرفاتها سوقية ومتخلفة وكانت تمضغ ( اللبان ) بطريقة مستفزة ولو أنها وبرغم كل ذلك تلفت الانظار بأناقتها المفرطة وجسدها المتناغم .. وكيف وصلت إلى استنتاجك حول جلافتها وتخلفها ؟ .. نعم يا سيدي .. فقد كانت تنطق اسماء الشوكولاتة بطريقة تختلف عن اسمائها الحقيقية .. كأن تقول مثلاً ( آيس كرين ) بالنون وهي تقصد بالطبع ( آيس كريم ) بالميم وأشياء من هذا القبيل .. مثل ماذا ؟ .. مثلاً سألتني إ ن كانت السينما الواقعة قبالة البقالة تعمل اثناء ساعات النهار وقد نطقتها هكذا ( السيلما ) أخذت وأعطيت معها بالكلام .. هذا ما حدث فعلاً .. نحن نشكرك على هذه الإفادة … سنرتب لطابور تعرف على الاشخاص وسوف تكون المتهمة ضمن مجموعة من السيدات وعليك التعرف عليها ثلاث مرات .. هذا باختصار مضمون طابور التعرف على الاشخاص .. أنا جاهز جنابك واتمنى أن أوفق .. وإحساسي بحجم الجريمة المرتكبة سيجعلني أركز أكثر فأكثر .. لقد كانت طفلة رائعة الجمال وقد لاحظت شقاوتها وحيويتها لدرجة أنها أخرجت ثلاثة أرباع جسدها خارج العربة عبر نافذة الباب الخلفي .. فانتهرتها تلك السيدة وامرتها بأن تبقي هادئة ومؤدبة حتى لا تسقط .. هكذا إذن يا بطة .. قد نحتاج لبعض الوقت حتى يتم شفاؤك من الجرح الذي أصابك به ذلك الأب المفجوع .. لقد كاد أن يطمس كل معالم القضية فيما لو تسبب في قتلك .. ولكن من هو ذلك السائق وما دوره في الجريمة المرتكبة .. لابد من العثور عليه .. لو أن ذلك الشاهد حفظ رقم السيارة لوفر علينا الكثير من الوقت ولكن لا بأس سنبحث عنه وسنجده ان شاء الله .

  9. #59
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي


    الحلقة الخامسة والأربعون
    وهل اعجبتك الحياة بامريكا يا شنكل ؟! .. طبعاً أعجبتني يا حربي .. لا سيما وأن وجود سلمى ووالدتي جوليا قد وفرا لي الكثير من الراحة والطمأنينة .. وكم كان المستر رتشارد كريماً وعطوفاً معي .. لقد أدركت أخيراً أهمية أن تكون لديك أسرة .. لابد أنك عانيت في البداية من ملاحقة الامريكيات لك .. ولماذا يلاحقنني .. لا أحد يلاحق أحد .. والعلاقات الانسانية في المجتمع الأوروبي لا تقوم بالشكل الذي كنا نتخيله .. ( حكاية الخواجيات يطاردوك في الشارع وأشياء كهذه .. ) لا وجود لها .. هذا فهم متخلف كان سائداً في اذهان الكثيرين ولكن التواصل الذي نشأ بين الأمم ووسائل الاعلام من وصحف إاذاعات بدد هذا الفهم الخاطئ .. وأقول لك بصراحة شديدة ربما يظل المواطن الافريقي أو العربي في حالة ملاحقة لاعوام بحالها ليظفر بواحدة .. هذه الاشياء تقوم على المعرفة اللصيقة .. وعلى الإقناع والاقتناع .. صحيح هنالك دور متخصصة لممارسة البغاء تحت الإشراف الصحي والإداري للدولة كواحدة من البثور القميئة في وجه المجتمعات الحديثة .. وبعض الولايات تمنع مجرد نشر صور بائعات الهوى .. هنالك حتى اليوم أسر عريقة لا تفرط في أبنائها وبناتها وفي أعرافها وتقاليدها وقد تأثرت المجتمعات الحضرية بإيقاع الحياة السريع وبالعلاقات العابرة كنتيجة حتمية للتحول الصناعي الذي يسيطر على جميع الانحاء .. وأنت كيف تسير الامور بالنسبة لك .. أموري أنا ؟! .. أرسلت زفرة حارة خرجت من اعماق نفسي وقلت له والله لا ادري بم أجيبك يا شنكل أشعر وكانني لست أنا .. صالح حربي البسيط الضاحك الذي ينشر الفرح على كل من حوله .. أشعر وكانني حزمة من العقد النفسية والآمال الضائعة والتوهان بين نمط حياتي الذي تعودت عليه بالحي العشوائي وفي المنطقة الصناعية وبين نمط حياتي هذا في منزلنا الجديد وفي المصلحة والنقابة .. ونحن على وشك الدخول في معركة إنتخابية حاسمة وهنالك أشياء أخرى تسهدني وتؤرقني .. مثل ماذا يا حربي ؟!.. هات كل ما عندك فنحن أصدقاء ويا طالما وقفت إلى جانبي تشد من ازري وتزرع الأمل في صدري حتى عثرت على أمي وعرفت من أنا ومن أكون .. من هو أبي ومن هي والدتي .. هل تذكر يا حربي تلك الأيام الموحشة .. أيام اللا إنتماء لأي إنسان أو جهة أو فئة .. كنت وقتها أطالع النجوم وأنا أنام على رصيف الشارع .. النجوم أنيستي وصديقتي الوحيدة أقرأها نجمة .. نجمة .. وأحكي لها مخاوفي وأحزاني .. كنت خائفاً ومذعوراً .. يا الهي كم كنت خائفاً يا حربي .. حتى دبيب الحشرات بين الأوراق الجافة والأوراق المهملة يشعرني بالرعب وكأن إنسانا ما من أولئك الصعاليك يتربص بي .. فترتعد فرائصي من الخوف .. لأنني أعلم مدى قسوتهم وحقدهم وأنا بعد لم أزل في هشاشة عظامي وضعف قواي .. ولكن .. الحمد لله .. كل تلك الهواجس مضت إلى غير رجعة .. الانتخابات ؟! وهل ستترشح للانتخابات ؟!.. لقد ترشحت وانتهى الأمر والاقتراع بعد أسبوع .. وبطة ؟! .. كيف تسير الأمور معها ؟! .. ألا تزال تحبها وتنوي أن تتزوجها ؟؟! بطة ؟!.. وأين هي بطة ؟! .. إنها في السجن بتهمة استدراج وخطف وقتل طفلة مسكينة اسمها ( أريج ) .. لقد خذلتني هذه المرأة على أكثر من صعيد .. ولكن الله عوضني بسحر .. تلك المضيفة التي كنت تقوم بصيانة عربتها ؟!.. إنها هي .. ولكن الاحوال تبدلت .. انها الآن أمل حياتي وأحلام عمري ومشتهى النفس والخاطر .. هل تحبها يا حربي ؟! ... بل أموت من أجل إبحار ولو لدقائق في بحار عينيها الواسعتين .. ولكن مشواري مع سحر يا شنكل مشوار طويل وملئ بالمفاجآت والأخطار .. مشواري مع سحر .. مشوار حياة أو موت .. لقد أقسمت بانها ستكون لي بإذنه تعالي وأقسم بأنني سأتزوجها أو أهلك دونها .. لهذه الدرجة يا صالح ... بل أكثر .. أكثر بكثير يا صديقي .
    لم يجد شنكل صعوبة تذكر في الوصول إلى منزل جده وجدته .. فقد كان وجدي معروفاً بالحي .. لذلك ما أن سأل أول سيدة بالقرب من المنزل حتى قادته إليه وهي تردد ( سبحان الله .. سبحان الله .. ) هل يكون إبنه؟ تساءلت تلك السيدة بينها وبين نفسها .. ولكن وجدي غير متزوج .. وهذا الفتى كأنه هو .. استقبلته عمته ماريا لدى باب الدار ورجته بالدخول وشكرت قريبتها تلك على توصيله لهم وهمست في أذنها وهي تغادر ( ما لاحظت حاجة ؟ ! .. حاجة زي شنو يعني ؟! ) بيد أن المرأة تلك ذهبت لحال سبيلها .. إتفضل .. والدي لم يعد بعد ولا يوجد أحد سواي ووالدتي .. البقية في حياتكم .. قال لها .. حياتك الباقية .. قالت له ذلك وهي تترنح من حجم المفاجأة .. إنه الغالي وجدي .. كأنه هو ..هل بإمكاني مقابلة والدتك فعندي بعض الوصايا رجاني المرحوم وجدي تسليمها لها .. طبعاً .. لحظة من فضلك .. كانت نائمة لحظة وصول شنكل أو أنها تتظاهر بالنوم فمنذ أن بلغها نبأ وفاة إبنها بأمريكا وهي تتفادى الناس والأشياء .. وحتى أقرب الأقربين لها .. وكأن الهروب وسيلة تداري به أحزانها .. لطالما تمنت لو أنه تزوج جوليا بنت الجيران الفتاة الطيبة الجميلة والموظفة المرموقة بالمنظمة التي يعمل بها .. وهي تعرف أسرتها فرداً فرداً .. كيف لا وقد قاسمتهم الحلو والمر وكانت كل أسرة تفتح قلبها وبيوتها لدى أي طارئ سعيداً كان أم حزيناً للأخري .. يااه عشرة عمر .. وحاولت أن تتظاهر بالنوم كعادتها .. ولكن ابنتها قالت لها في حزم .. هناك ضيف قادم من امريكا وعنده وصايا من المرحوم .. هنا قفزت من سريرها واعتدلت في جلستها وهي تفرك عينيها .. خليه اتفضل .. لقد فرحت عمته بوصول هذا الضيف المحيّر فهو لابد سيحمل معه بعض المال الذي هم في أمس الحاجة إليه فقد ساءت أحوالهم المالية بشكل مرعب .. ولم يعد الوالد قادراً على العمل في دكانته بسوق الخرطوم لاسيما والكساد الاقتصادي قد ألقى بظلاله على الجميع ... وراحت تتخيل حجم المبلغ … عشرة ألف دولار ؟*.. لا هذا كثير .. خمسة ألف دولار تكفي لمقابلة الديون المستحقة لصاحب السوبر ماركت ولتسديد فواتير الماء والكهرباء ولصيانة العربة المتوقفة منذ شهور .. السلام عليكم يا جدة البركة فيكم .. البركة فيك يا ولدي .. قالت ذلك وهي تسبل غطاءها على وجهها كعادة السيدات الكبار .. عادة قديمة تتمسك بها هؤلاء السيدات المسنات برغم الحداثة والتكنلوجيا وكل مظاهر الحياة العصرية التي يعيشها الاولاد والبنات ولكن في صوت هذا القادم من عند ولدها شيئاً من صوت وجدي .. يا إلهي .. كأنني اسمع صوت وجدي وقد بعث من جديد .. السيدة العجوز وهي تحدث نفسها .. سوف أتفرس في وجه هذا الشاب .. يا الهي كم يشبه صوته صوت الغالي وجدي .. وما أن رفعت رأسها تتأمله حتى شهقت وراحت في شبه غيبوبة .. وجدي ولدي .. ولدي وجدي ..( ما قالوا مت يا ود حشاي قالوا مت .. الكضابين .. المابخافوا من ربنا ..) انا لست وجدي ياخالة .. والله أنا لست وجدي .. هنا تدخلت عمته المذهولة هي الأخري بالشبه الشديد بينهما والله يا ماما ده ما وجدي .. أنت شبهتيهو وبس.. تعال لي يا ولدي .. تعال جنبي هنا في السرير .. تقدم شنكل وجلس إلى جانبها ورفع يدها يقبلها وهو يتمتم .. يا حبيبتي يا يما وانهمرت الدموع مدرارة من عينيه .. فأخذته إليها تضمه وتقبلّه وتشمه وهي تردد أنت منو يا ولدي ؟* .. أنت منو يا ود مصاريني .. انا ريمون ووجدي أبوي .. إنت ولد وجدي ..؟ .. إزداد العناق والبكاء حرارة .. وانضمت لهما ماريا لتنتزعه من بين أحضان أمها وتضمه إليها وهي في شبه هستريا .. أحياناً تضحك وأحياناً تبكي ورويداً رويداً هدأت الخواطر وعاد الشيخ المتعب لينضم إلى الجميع وهو غير مصدق .. ولولا الشبه الشديد بينهما لتصور أنه في حلم جميل سرعان ما تبدده اليقظة .. وقال لهم .. تزوج أبي المرحوم وجدي من والدتي الايطالية في بداية عمله بروما ولكنهما افترقا بعد أن انجباني وعشت كل هذه السنين مع والدتي .. وقبل عامين لحقت بوالدي بنيويورك .. ولكنك تتكلم اللغة العربية بطلاقة وبلهجة سودانية .. لقد حرصت والدتي أستاذة اللغات على تعليمي لها وقد كنت أؤثر الاختلاط بأبناء الجالية السودانية في روما بعد أن فهمت من والدتي أن والدي من أصل سوداني .. لم تتابع الجدة المنتشية باكتشاف حفيدها بقية الحكاية وظلت تردد في تتابع يثير الاعصاب ( الله يسامحك يا وجدي .. عندك ولد عايش على وش الدنيا وما تقوليش .. )

  10. #60
    أديب
    تاريخ التسجيل : May 2010
    المشاركات : 1,149
    المواضيع : 174
    الردود : 1149
    المعدل اليومي : 0.32

    افتراضي

    الحلقة السادسة والأربعون
    وقبيل مغادرته لهم أخرج من حقيبته مبلغ خمسون ألف دولار ومعها الاوراق التي تثبت دخولها للبلاد بصفة رسمية .. ودسهما في يد جده الذي أذهلته المفاجاة .. خمسون ألف دولار ؟* .. نعم وهذه عشرة ألف دولار هدية مني لكما .. والآن علىّ أن اذهب .. تذهب إلى أين ؟* .. والله لن تغادر هذا البيت شبراً واحداً .. ستبقى معنا وستمضي الليل هنا .. هذا بيتك يا ولدي وأنا أمك وهذا أبوك .. هل ستحرمنا منك كما حرمنا من ولدنا الغالي وجدي .. لا بل سأبقى يا جدة وسأقضي الليل معكم .. ومن ثمّ جلس إلى جانبها يؤانسها ويدعك يديها وأرجلها حتى نامت وهي قريرة العين .. مرتاحة الخاطر .. واستأذن من جده الانصراف على أمل أن يعود لهما قبل أن يقفل عائداً إلى نيويورك .
    إفتقدت ( مها ) في زحمة المعركة الانتخابية وقصتي مع سحر وكذلك تراجيدياً بطة .. التي كم اتمنى من كل قلبي أن تكون بريئة من تلكم التهم الفظيعة التي لا تشبهها من قريب أو بعيد .. وأخبرتني احدى صديقاتها بالمصلحة بأن ( مها ) في الحبس منذ ثلاثة أيام .. الحبس ؟! .. مها في الحبس هي الأخرى .. لا يا سيادة النقابي الكبير والنائب المرتقب .. لا تدع افكارك تأخذك بعيداً عن الموضوع نعم ( مها ) في الحبس .. ولكنه حبس لذيذ تتمناه كل فتاة .. هل فهمت يا زعيم .. ( مها ) ستتزوج ؟!.. كيف ومتى .. هل أزعجك الخبر ؟ .. لا ولكنك تعلمين كم هي عزيزة عندي وكان عليها إخباري .. كان يجب أن أكون أول من يعلم بهذا الأمر .. فهي معي بالمكتب .. وهي .. وهي ماذا يا زعيم ؟ لقد أحبتك مها وأخلصت لك إخلاصاً لا مثيل له .. كانت تتعذب وهي تتابع لهثك وركضك المحموم نحو تلك المضيفة ( بت المدير ) وكانت تلملم جراحاتها كل يوم على أمل أن تحس بها وتراها على حقيقتها .. ولكن تلك الغشاوة التي رانت على عينيك الذاهلتين عنها بسيماء الأبهة والعظمة التي تشكل سحر .. قد حجبت عنك رؤية ( مها ) .. البنت المهذبة .. الجميلة .. الانيقة .. بنت الناس الطيبين .. بنت الاستاذ ( عمر إبراهيم ) مربي الأجيال .. الشاعر المعروف .. هكذا أنتم معشر الرجال .. تتطلعون نحو الأعلى وتهملون الدرر الغالية وهي تتسرب كالماء من بين أصابعكم وعندما تضيقون من أحلامكم الخائبة يكون الوقت متأخراً جداً .. أولاً يا عزيزتي .. مها في مقام أختي وأهلها هم أهلي .. لذلك كان عليها إخطاري بأنها ستتزوج على الأقل أحصل لها على سلفية زواج وإجازة وأقف إلى جانبها وجانب أهلها .. قلت لها كلاماً مثل هذا وأكثر وفي واقع الأمر كنت أعاني من تأثير تلك الصدمة الرهيبة التي شعرت بها .. تماسكت أمامها وأنا اتمزق من الداخل .. كيف فات علي الاهتمام بك وانت تأتين في المرتبة الثانية مباشرة بعد سحر على سلم اهتماماتي .. لن أجد شخصاً أحلى منك يا مها يضمد جراحاتي واسفح عند قدميه أحزاني .. لكن كان لابد من أن يحصل ما قد حصل .. إن ( مها ) ومثيلاتها من الأنيقات المترفات لايمكن أن ينتظرن هكذا وإلى الأبد دون زواج .. ليمنحنك السلوي والدفء وأنت تتطلع إليهن في حنان ومودة .. مثل ( مها ) لا يمكن أن تكون متاحة لك إلى آخر العمر .. تقرأ عينيها كل صباح .. وتبحر في سمرة خديها وأنت تعيش ذاك الشعور المفعم بالسعادة والإمتلاء .. وكان لابد أن أتصرف .. لذلك عدت مسرعاً إلى البيت وأخذت الوالدة وشقيقتي سلمى وزوجها شنكل وطفلهما وشقيقتي نادية وزوجها ( كافو ..) والعم صباحي .. بالرغم من أن نادية قد دخلت في الشهر الثامن من الحمل .. وأخذنا معنا الحلوى والسكر والفواكه .. كانت أسرتها سعيدة بحضورنا على هذا النحو العائلي الفريد .. أما مها .. فقد خرجت علينا ووجهها كأضواء النيون زاده القاً وجمالاً ابتسامتها الرقيقة .. وزغردت والدتي وكذلك سلمى التي أرسلت زغرودة موسقتها بصوتها الرخيم .. وجلسنا في بهو المنزل نتبادل القفشات والتعليقات .. وهنا تدخل شنكل وقال لنا .. ما رأيكم أن تغني لنا سلمى ابتهاجاً بهذه المناسبة .. فاعترضت ( مها ) .. وطلبت منحها ساعة واحدة من الزمن تخطر خلالها صديقاتها وجاراتها .. ولم يمض كثير من الوقت حتى تحلقت الصبايا والنسوة حول ( سلمى ) وهي تغني بدون مايكرفون وبدون اوركسترا .. وأمضينا معهم المساء بطوله .. وشيئاً فشيئاً إتسعت حلقة الغناء .. وكانت كل واحدة من البنات تسارع في ابلاغ صديقاتها بأن الفنانة سلمى صاحبة كاسيت( نادية ) قد عادت من أمريكا وهي الآن معهم تعطر اجوائهم بالبهجة والحبور .

صفحة 6 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة لرواية ( قاع المدينة ) للكاتب عبدالغني خلف الله
    بواسطة عبدالغني خلف الله في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 25-06-2010, 07:56 PM
  2. رسالة من قاع الدست !
    بواسطة خليل انشاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 11-09-2008, 04:52 PM
  3. قصيدة: رسالة من قاع الدستِ .للشاعر د. خليل انشاصي .
    بواسطة خليل انشاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 03-09-2008, 01:27 PM
  4. ْ{ فِي رِحَابِ .. المَدِينَةِ المُنَوَّرَة }
    بواسطة عبدالملك الخديدي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 21-02-2007, 07:27 AM
  5. أسئلة في قاع البحر
    بواسطة بن عمر غاني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 29-06-2004, 04:50 PM