أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: قراءة في قصيدة "الأخوة نهج" للدكتور سمير العمري

  1. #1
    الصورة الرمزية وائل محمد القويسنى شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2007
    الدولة : المنصورة
    المشاركات : 1,987
    المواضيع : 33
    الردود : 1987
    المعدل اليومي : 0.44

    قراءة في قصيدة "الأخوة نهج" للدكتور سمير العمري

    الحبيب د. سمير
    لتسمح لى أن أقطف زهرة من هذا البستان الذى فاضت زهوره جمالا وطيوره غناءً وأشجاره ظلا.
    وحين نقف على هذه القصيدة سنجد اعتمادا على التصوير والإيحاء.
    وحين نتحدث عن التصوير فى شعر العمرى نقف على لون من ألوان التصوير التى يصعب الوصول إليها ألا وهى تلك الصورة التى أسميها -جوازا- (الصورة العامة) وهى تلك الصورة التى يتحدث فيها الشاعر عن طبيعة شئ أو ظاهرة طبيعية أو حكمة تلقاها الشاعر فى مدرسة الحياة ويقوم الشاعر بوضع رابط بينها وبين حالته الشعورية ولكنه لا يصرح به ويتركها للقارئ وبها تظهر قدرة الشاعر على التصوير ويظهر فيها مدى خياله ولعل هذه ما قال فيها رسول الله -والبخيل من سمع اسمه ولم يصل عليه- : (إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة) فهذه الصور الشعرية وحدها من الشعر تصلح لأن تكون حكما تتوارثها الأجيال للتعبير عن مواقف فى الحياة بأجواء نفسية مختلفة وهذا ما سيتضح لنا فى هذه القراءة السريعة ومن أراد أن يستزيد من هذه الصور فلينظر هذا الرابط الذى حاول فيه شاعرنا جمع أبيات الحكمة فى قصائده وكلها من هذه الصور.
    أبيات الحكمة فى شعر العمرى
    العنوان (الأخوة نهج) ....
    وهذا وحده صورة عامه (حكمة) فالشاعر هنا يقول أن الأخوَّة نهج يجب الإلتزام به وإلا فلا فلها حقوق وواجبات يجب الإلتزام بها وليست كلمة تقال.
    إلا أن هذا العنوان لم يخلُ من إيحاء فهو يوحى بحسرة وغضب أنتجا هذه الحكمة وكأن هناك من تعدى حدود هذه الكلمة واعتدى على واجباتها فالشاعر يوضح له معنى الأخوَّة فيقول أنها منهاج وليست كلمة فلا تسمِّ نفسك أخا إن لم تكن تصون حقوق الأخوة.
    مَنْ يَدَّعِ الحُبَّ لا يُؤْذِ المُحِبِّينَا وَلا يُبَدِّلْ بِشَهْدِ الوُدِّ غِسْلِينَا
    وَلا يُقَدِّمْ يَدًا بِالعَهْدِ وَاهِيَةً بِهَا يُقَدِّمُ لِلأَعْدَاءِ سِكِّينَا

    وهنا براعة استهلال حيث بدأ شاعرنا قصيدته بنفس النوع من التصوير وهو يقدم حكمة لأولى الألباب فالمحب لا يؤذى محبوبه ولا يعلن له الوفاء ويخفى ما دون ذلك وهو بذلك يقدم حكمة صالحة لكل مكان وزمان فى تعريف معنى الأخوة والصداقة فمن يدع الحب لا يؤذ المحبينا.
    لنتطرق قليلا إلى التركيب واختيار اللفظ هنا...
    كلمة (يدعى) ... وما ظننت أن هناك كلمة أقوى من هذه للتعبير هنا فلم يقل الشاعر (من ذاق طعم الحب لا يؤذ المحبينا) مثلا فكلمة يدعى لها دلالات أعمق فحتى من ادعى الحب وخالف ذلك مكنونه لا يؤذ المحبينا ولمن عارض الشاعر فى هذه أقول أن الشاعر لم يقل (من يدع الحب لا يؤذ المحبوبين) وإنما قال (المحبين) وهى اسم فاعل أى أن الشاعر بتركيب بليغ قال (من يدع الحب وإن أخفى غير ذلك لن تطاوعه نفسه أن يؤذى من يحبه). فهو وإن لم يحب فلن يؤذى تقديرا لما يكنه له الطرف الآخر من حب.
    ثم التضاد بين كلمتى (شهد وغسلين) وهو تضاد معبر أجاد إظهار الفارق بين شهد الحب وغسلين الكره والنفاق والخداع والأذى.
    ثم المقابلة بين شطرى البيت الثانى التى أظهرت طبيعة النفاق والمنافق الذى يعاهدك ثم يخلف العهد ويتحالف مع عدوك أما كلمة (واهية) فأظن ان هناك ما هو أبلغ منها كان يقول مثلا كاذبة أو أى معنى آخر يحمل معنى الكذب والنفاق بدلا عن الضعف والوهن فالمنافق حين يقدم يده بالعهد يجيد التلون والتخدد ويظهر لك قوة العهد وهو كاذب. ولعل لشاعرنا فى هذه ما قصده ولم يصل إلى.
    ثم ننتقل إلى كلمة (يقدم سكينا) ... فكلمة يقدم توحى بالود والتهادى وكأن ذلك الشخص يهدى العدو سكينا بنفس اليد التى يصافح بها ويعطى العهد الكاذب للمحب المخلص.
    الشاعر هنا يحاور ذلك الشخص الذى خان العهد بحديث عن شخص وذكر أفعاله فى أسلوب يوحى بالحكمة والأسى.
    مَاذَا اعْتِبَارُ أَخٍ دَسَّ الفِرَاقُ لَنَا يَأْتِي التَّخَاتُلَ حِينًا وَالأَذَى حِينَا؟
    لَمْ يَأْلُ عَهْدُ صَحِيحِ الوُدِّ مُنْتَهَكًا حَتَّى تَرَدَّى بِكَفِّ العَفْوِ مَطْعُونَا
    تَزَوَّجَتْ مِنْ إِنَاثِ الغَدْرِ نَزْوَتُهُ فَأَنْجَبَتْ مِنْ ذُكُورِ الكِبْرِ قَارُونَا

    ثم نجد انكسارا وانتقالا مباشرا من هذه الحكمة إلى جو من الأسى وكأن صوتك ينخفض -ولا أقول تدريجيا- فى البيت الثالث وهنا يغلب الأسى الغضب -والأسى فاعل- وهو دليل على طيبة نفس ذلك المحب الذى لاقى الغدر من محبوبه الذى ادعى حبه وهذا هو الفرق بين الإنسان الذى سكنه الخير والإنسان الذى سكنه الشر فكلاهما يغضب ولكن من سكنه الخير يبدأ غضبه كبيرا ثم يتضاءل حتى تغلبه الحسره ثم يفوض أمره لله وربما دعى الله أن يسامح من ظلمه أما من سكنه الشر فيبدأ غضبه صغيرا ثم يزداد ويكبر ولربما أصاب جريمة فى نهاية الأمر. دعونا من الفلسفة وهيا نعود للقصيدة...
    حين قرأت القصيدة كان صوتى عاليا فى البيتين الأول والثانى ثم انخفض صوتى فى البيت الثالث الذى انتقل فيه الشاعر من غضب تحكمت فيه الحكمة إلى حسرة أصابت قلبه.
    ماذا اعتبار أخ دس الفراق لنا....
    والفراق فاعل أى أن الفراق قد دس هذا الأخ (السم) والغالب بعد كلمة أخ أن تأتى كلمة كالولادة -ورب أخ لك لم تلده أمك- ولكن ذلك الأخ لم يحفظ حقوق الأخوة وإنما جار عليها واعتدى لذا فليس لكلمة الولادة هنا من سبيل وبذلك كان على الشاعر أن يختار كلمة غير تقليدية فجاء بكلمة دس فالفراق دس ذلك الأخ كما يُدس السم وهنا تتجلى الحسرة. وهى من الصور العامة (الحكم) فى القصيدة.
    ننتقل سريعا إلى البيت الثانى وفيه يقول الشاعر أن عهد صحيح الود لم يأل منتهكا حتى أنه تردى مطعونا بكف العفو -ولا أشرح البيت وإنما أرد التركيب لأصله- فالود الخالص والعهد الصادق قد قتلا ولكن بكف من؟؟؟ يقول الشاعر بكف العفو ويا لهذه من طعنة ولكنها لا تصيب إلا من كان فى قلبه حياة فذلك الود الصادق قد أصابه الإعياء من كثرة العفو ولا يخفى جمال الصورة هنا على أحد كما أن فيها من الإيحاء ما لقيه الشاعر من تعب وحسرة بعد طول عفو وصفح وتكرار خيانة ومكر.
    ننتقل إلى الصورة فى البيت الثالث
    وهى صورة مركبة أجاد فيها الشاعر وأبدع فهو يقول (تزوجت نزوته من إناث الغدر فأنجبت قارونا من ذكور الكبر)
    وفى (تزوجت وأنجبت) دليل على تجدد الخيانة فالابن سر أبيه -كما يقولون- وكما قال شاعرنا هنا فجاء الابن كما كان الأب ثم يوحى شاعرنا فى لفظة (نزوته) أن هذا الزواج غير شرعى فهى نزوة لمنافق تزوج من إناث الغدر فما كان له إلا أن ينجب كبرا ومكرا وتخاتلا.
    الشطر الثانى كان نتيجة للشطر الأول وهى نتيجة منطقية فالتزاوج ينتج عنه الحمل والولادة وإن كان التزاوج مع بنات الغدر فالنتيجة الحتمية أطفال الكبر.
    التضاد بين كلمتى (إناث وذكور) ... كلمة (إناث) توحى بالضعف (ضعف الأنثى) ولذا قال نبينا (رفقا بالقوارير) إلا أن الإناث هنا هن إناث الغدر أما كلمة (ذكور) فهى توحى بالقوة ولذا جعل ربنا القوامة للرجال وجعل الرجل مسئولا عن زوجته -وما هذا إلا دليل على مبدأ الضعف والقوة- وفى هذا التضاد بلاغة وحسن ترتيب فكما ذكرت أن من سكنه الشر يبدأ غضبه صغيرا ثم يكبر وهكذا يكبر غيظه ويزداد قلبه سوادا ثم يورث ذلك لأبنائه (من بنات الغدر) الذين ازدادوا قوة على قوتهم فجاءوا ذكورا أقوياء.
    كلمة (قارون) ... وقد قال فيه ربنا (وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سابقين) وهنا ثقافة الشاعر الدينية والتاريخية فربنا قد وصف قارون بالكبر من قبل وهذا ما وصف به الشاعر قارونه فى هذه الأبيات وإن كان الشاعر قد قصد قارونا غير قارون الذى ذكرته الآية فإنه توظيف محكم للكلمة فى بنية القصيدة.
    واسمحوا لى أن أنتقل سريعا متجاوزا بعض أبيات القصيدة فقد ذكرت أنى سأقطف زهرة ولم أقل أنى سأقطف الزهور كلها....
    يَا مَنْ يُبَرِّرُ بِالأَسْبَابِ كَيفَ تَرَى عَذْلَ الزَّبَرْجَدِ صَلبًا وَالنَّدَى لِينَا؟
    المَرْءُ يَمْضِي عَلَى دِينِ الخَلِيلِ وَهَلْ بَرٌّ يُصَاحِبُ فِي عُرْفِ الهُدَى دُونَا؟
    وَالحُرُّ يَأْنَفُ إِنْ يُعْرَفْ بِمَنْقَصَةٍ فَكَيفَ يُنْقِصُ فِي العُرْفِ المَوَازِينَا؟
    وَكَيفَ يَقْضِي مِنَ الأَوطَارِ مَا ابْتَذَلَتْ وَكَيفَ يُفْضِي إِلَى الأَعْذَارِ تَسْكِينَا؟
    حَقُّ المَبَادِئِ فِي الأَحْرَارِ رَاسِخَةً كَمَا العَقِيدَةُ فِي الأَحْشَاءِ تَمْكِينَا
    وَلِلعَدَالَةِ عَينٌ غَيرَ مُبْصِرَةٍ لَيْسَتْ تُمَيِّزُ ذَا سَطْوٍ وَمِسْكِينَا
    وَمَا الأَمَانُ اجْتِنَابُ البَأْسِ مِنْ وَجَلٍ وَلا الأَمَانَةُ غَمْطُ الحَقِّ تَزْيِينَا
    أَلَيسَ مِنْ تُرَّهَاتِ الحَالِ أَلْسِنَةٌ رَعْنَاءُ تَلْحَنُ فِي قَدْرِ المُجِلِّينَا؟
    وَخَائِنٌ يَشْتَكِي مِنْ غَدْرِ أَهْلِ وَفَا لَمَّا تَسَمَّى بِأَوصَافِ الوَفِيِّينَا؟
    قَدْ مَلَّتِ الرُّوحُ لَمْ تُدْرِكْ غَلالَتَهَا مِمَّا اسْتَقَرَّ لَهَا فِي الصَّدْرِ مَكْنُونَا
    وَضَجَّتِ النَّفْسُ مِنْ حَالٍ تَكَادُ تَشِي بِمَنْ يَسُلُّ لِسَانَ الوُدِّ تَلْقِينَا

    وكل بيت من هذه الأبيات صورة عامة (حكمة) ستجرى على الألسن وكأن شاعرنا يقول (فستذكرون ما أقول لكم) وهى أبيات يمكن فصلها دون شعور البيت بوحشة فهى رغم تعبيرها هنا فهى جائزة فى جوانب الحياة المختلفة وليحاول القارئ هنا بعد قراءة القصيدة أن يقرأ كل بيت من هذه الأبيات منفصلا سيجد أن كل بيت يجرى مجرى حكمة ووالله إنى عجبت هنا فمن أى بحر كان الشاعر يستقى الحكمة حين كتب كل هذه الحكم (الأبيات).
    (يَا مَنْ يُبَرِّرُ بِالأَسْبَابِ كَيفَ تَرَى***عَذْلَ الزَّبَرْجَدِ صَلبًا وَالنَّدَى لِينَا؟)
    وهنا يخاطب الشاعر كل ذى عقل رشيد فيقول يا من يبرر بالأسباب كيف ترى -باطلا- أن عذل الزبرجد صلبا وكيف ترى الندى لينا؟؟
    وقد ذكرنى هذا البيت -والشعر بالشعر يذكر- بقول المتنبى
    أعيذها نظرات منك صائبة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

    فالبيت يدعو إلى الغوص فى الذات البشرية والتفريق بين الندى واللين والشحم والورم وإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور فالشاعر يربط صورته العامة هنا بتبرير موقفه من عذل وعفو وغضب وحلم. وفيها إيحاء بظلم قد وقع ليس من الخائن فقط وإنما ممن لم ير من ندى الشاعر ندى ومن أراد أن يراجعه فى شئ من ذلك فقد أرخى حبال الصبر حتى المنتهى.
    (المَرْءُ يَمْضِي عَلَى دِينِ الخَلِيلِ وَهَلْ ***بَرٌّ يُصَاحِبُ فِي عُرْفِ الهُدَى دُونَا؟)
    حكمة أخرى وفيها تبرير لموقف الصد بعد نفاد الصبر والإستفهام بلاغى للاستنكار وفيها ثقافة الشاعر الدينية. وقد أحسن الشاعر اختيار لفظة (عرف) فلم يقل (شرع) مثلا فأظنها أبلغ فهى قائمة فى البشر والمرء على دين خليله كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ولمن أراد (شرعا) نأتى بحديثه صلى الله عليه وسلم (كاد العرف ان يكون شرعا) فالشاعر يخاطب كل الفئات لذا فالأقرب ان يقول (عرف).
    (وَالحُرُّ يَأْنَفُ إِنْ يُعْرَفْ بِمَنْقَصَةٍ***فَكَيفَ يُنْقِصُ فِي العُرْفِ المَوَازِينَا؟)
    حكمة اخرى واستفهام بلاغى إستنكارى آخر وفيها عتاب.
    لفظة (يأنف) وهى مشتقة من المصدر (أنف) والأنف رمز لسمو الرجل وعزته عند العرب وهى توحى بترفع الحر وأنفه من أن يعرف بمنقصه وقد قال ابن الأعرابى فى رفعة الأنف:
    بِيضُ الوُجُوهِ كَريمةٌ أَحْسابُهُمْ*** في كلِّ نائِبَةٍ، عِزازُ الآنُفِ
    لفظة (منقصة) والشاعر قال منقصة ولم يقل (عيب) مثلا فالمنقصة أقل من العيب والحر يأنف أن يعرف بها ونفى القلة ينفى الكثرة بيد أن نفى الكثرة لا ينفى القلة.
    حَقُّ المَبَادِئِ فِي الأَحْرَارِ رَاسِخَةً***كَمَا العَقِيدَةُ فِي الأَحْشَاءِ تَمْكِينَا
    حكمة وصورة عامة وتشبيه غير الملموس بغير الملموس فلم يقل الشاعر راسخة كما الجبال مثلا وإنما قال كما العقيدة رغم ثبوت رسوخ الجبال وتفاوت رسوخ العقيدة وفى هذه يترك الشاعر المجال لخيال المتلقى وحالته النفسية ...هذه واحدة أما الأخرى فهى تفاوت رسوخ المبادئ فى نفوس أصحابها أيضا لذا فإن هناك توافقا متعمدا.
    (وَلِلعَدَالَةِ عَينٌ غَيرَ مُبْصِرَةٍ***لَيْسَتْ تُمَيِّزُ ذَا سَطْوٍ وَمِسْكِينَا)
    وفى هذه حكمة (صورة عامة) وفيها تأثر بموروث الشاعر الدينى فللعدالة عين لا تبصر وإنما لها أذن تسمع ولربما كان ذو السطو أبلغ لسانا وقد قال نبينا الكريم ( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض , وإنما أنا بشر , فمن قضيت له من مال أخيه شيئا بغير حق , فإنما أقطع له قطعة من النار).
    ومثل هذا النوع من الصور فى باقى الأبيات المقتبسة...
    ومثلها فى هذا البيت الذى جاء من موروث شعبى
    يَبْقَى الغُرَابُ غُرَابًا لا يَطِيبُ لَهُ إِلا الخَرَابَ وَإِنْ سَمَّوهُ شَاهِينَا

    فالبيت حكمة وفيه الموروث الشعبى وفيه الرمز (الغراب) وهو رمز للخراب. وهنا أسلوب قصر بلاغى.
    (وإن سموه شاهينا) ... إن تفيد الشك وهذا دليل على أن الشاعر يشك أن يظن أحد أن الورم فى ذى الورم شحم وهى هنا أبلغ من إذا التى تفيد التوكيد.
    (غراب وشاهين) نوعان من الطيور لذا فالمقارنة مقبولة ولفظة شاهين أظهرت مساوئ الغراب وبضدها تتميز الأشياء.
    نَفْسِي فِدَاءُ فِلِسْطِين التِي نَزَفَتْ منِهْاَ الكَرَامَةُ مَقْتُولا وَمَسْجُونَا

    الصورة فى هذا البيت ليست من الصور العامة ولكن جمال التركيب أرغمنى على الإقتباس
    ولنقارن أولا بين هاتين (فداء فلسطين نفسى) و (نفسى فداء فلسطين) وكلاهما للتخصيص ولكن الأولى تخصيص الفداء على النفس فهو يفدى فلسطين بالنفس ولا يفديها إلا بالنفس أما الثانية فنفسى فداء فلسطين ولا تفدى إلا فلسطين لذا فالثانية أبلغ.
    التركيب (فلسطين التى نزفت منها الكرامة مقتولا ومسجونا) ..... كلمة (نزفت) تتطلب دما ولكن الدم هنا هو الكرامة وهو تشبيه قاس وصفعة على جبين كل أبى حتى يفيق ففلسطين تنزف الكرامة ولكن كيف تنزفها؟؟؟ هى تنزفها قطرات من القتلى والمساجين أو ربما تسحها.
    تركيب بليغ جميل صعب التطبيق فهى تنزف الكرامة قطرات من قتلى ومساجين.
    وفيها إيحاء بالذل واستنهاض للهمم.
    مَا قِيمَةُ السَّيفِ فِي غِمْدَينَ مِنْ ذَهَبٍ حَتَّى نُجَنْدِلَ مَنْ بِالذُّلِّ يَرْمِينَا؟

    استفهام بلاغى وحكمة وصورة عامة ولكن المعروف أن السيف له غمد فلماذا قال الشاعر (غمدين)؟؟؟
    ربما أراد الشاعر غمد السيف المعروف وغمدا آخرا هو يد صاحب السيف فحتى وإن كان غمد السيف من ذهب ويد صاحبه من ذهب -وبهذا يكون السيف قد غطى تماما بالذهب- فلا قيمة له حتى يسيل دم الأعداء الذين يرموننا بالذل ولم يقل الشاعر يرموننا بالموت أو بالسيف أو بالسهم ... إلخ لأن جرح الكرامة أعمق ولا أظنه يبرأ كما أنه إيحاء بالذل والمهانة وفيه استنهاض للنفوس وللكرامة التى داستها النعال.
    وتتوالى الصور العامة.......
    واسمحوا لى أن أقفز فقد أطلت...
    وَمَا الإِخُوَّةُ إِلا النَّهْجَ مَا حَفَظَتْ فَإِنْ تَوَلَّتْ فَإِنَّ اللهَ يِكْفِينَا

    صورة عامة... أسلوب قصر... تضاد بين (حفظت وتولت) وما هنا بمعنى (إن) لكن ما أبلغ من إن هنا إذ أن (إن) تفيد الشك أما (ما) فمعناها (ما دامت حافظة).
    (فإن الله يكفينا) ... إيحاء بالتعب والإرهاق وفقد الأمل وكأن دروب الدنيا قد سدت ولم يعد هناك إلا باب واحد هو باب الله تعالى وهى وإن أوحت بفقد الأمل فما هو إلا فى هذا الشخص ولكن الأمل فى الله قائم وهى توحى أيضا بالقوة فهو يستطيع العيش بدونهم وهو يستمد قوته من الله سبحانه. وفيها السكينة والراحة بعد الألم وقد جاءت فى موضعها ووظفت توظيفا محكما.
    إِذْ قَالَ نُوحٌ فَقَالَ اللهُ فَانْطَلَقَتْ تَحْكِي السَّفِينَةُ مَنْ مِنَّا وَمَنْ فِينَا

    إستوقفنى هذا البيت حتى دققت النظر وقدرت المحذوف ورجعت لكتاب الله فقد استوقفنى فى البداية الترتيب واستخدام الفاء كحرف يفيد الترتيب وكدت أرفضها لولا ذكرت قول الله تعالى (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) وبعدها أمره الله أن يركب ومن آمن السفينة وبهذا يكون الترتيب منطقيا موافقا لكتاب الله.
    تحكى السفينة من منا ومن فينا... تشخيص للسفينة لا يجوز أن نتحدث بشأنه هنا أما ما يوجب التحدث هو استخدام حروف الجر فكيف استخدمها الشاعر بهذه البراعة؟؟؟
    من منا ..... أى آمن بما آمنا به ورضى بنا أخوة يفرح لفرحنا ويحزن لحزننا ويدفع عدونا.
    من فينا .... أى بيننا ولا يشترط فيه ما سبق من شروط الفرح والحزن ودفع الضر.
    وإن كان الشاعر قد رسم هذه الصورة باستخدام حرفى الجر ولا شئ معهما بهذه البراعة فهو بالطبع يدقق فى كل لفظ فى القصيدة وهى صورة بديعة ذكرتنى بقول شاعر -لا أذكر اسمه:
    (لا والقلوب التى والأعين اللاتى)
    وأقفز الآن متجاوزا ما يستوجب الوقوف حتى لا أطيل أكثر من ذلك.
    البيت الأخير
    يَا مَنْ جَعَلْتُمْ إِلَى الكُرْسِيِّ هِمَّتَكُمْ خُذُوا الكَرَاسِي وَأَعْطُونَا فِلِسْطِينَا

    وهذا نداء قد بح صوته ببالغ الحسرة والأسى وكانه يقول خذوا ما شئتم فليس فى الكون ما يغلو والأرض فى الأسر والكرامة تحت النعال.
    النداء بمن الموصولة هنا عام أى يا كل الذين ..... وكأن أساميهم وكنيتهم لا تعنى له شيئا فلم يقل مثلا (يا أيها العُرْبُ) فالهمة أعلى والمطلوب أسمى والجرح اعمق.
    (إلى الكرسى همتكم) .... وأصلها (جعلتم همتكم إلى الكرسى) والتقديم والتأخير للتخصيص.
    (خذوا الكراسى وأعطونا فلسطينا) ... وهنا همة فى مقابل همة وشتان بين الهمتين.
    نداء مرهق قد أصابه اليأس وتملك منه الوجع فهو لا يكترث لأى شئ فى سبيل غايته العظمى السامية (الأرض) وهنا إيحاء وتأثير على المتلقى وتعبير بليغ عن جرح بالغ وكأنها آخر الكلمات من قلب تملكه الحزن وغلبه اليأس وكأنها آخر صرخت سيعقبها الصمت.
    من كل ما سبق نجد اعتمادا على الصورة العامة التى تجلت فيها حكمة الشاعر ونجد اعتمادا على الإيحاء اللفظى والتأثير الشعورى فتارة يقف الشاعر خطيبا حكيما نصوحا وتارة يجذب المتلقى لجوه النفسى الخاص فلم يعتمد على تجربته الشخصية فحسب وإنما اعتمد على حكمته وإيحاءاته وتصويره وتأثيره على المتلقى.
    عذرا أطلت فسامحونى!!!
    ودى ومحبتى للجميع
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    وائل القويسنى

  2. #2
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 10.24

    افتراضي

    عثرت على هذه القراءة البديعة ضمن الردود الثرية على قصيدة د. سميرالعمري"الأخوة نهج"
    ووجدتها جديرا برفعها لتحظى بحقها من القراءة

    دمت مبدعا شاعرا وناقدا
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية سامي عبد الكريم قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : بينكم
    المشاركات : 407
    المواضيع : 8
    الردود : 407
    المعدل اليومي : 0.13

    افتراضي

    سأعود الآن لقراءة القصيدة
    وأنا متأكد أني ساقرأها بعين أخرى بعد قراءتي لهذه الدراسة الرائعة

    جزاك الله خيرا

  4. #4
    الصورة الرمزية مصطفى السنجاري شاعر
    عضو اتحاد الأدباء والمفكرين

    تاريخ التسجيل : Oct 2008
    الدولة : العراق/ نينوى/ سنجار
    المشاركات : 4,285
    المواضيع : 145
    الردود : 4285
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي

    الشاعر البهي وائل القويسني

    أبدعت وأجدت في رفع الحجب عن الصور البديعة التي أخفاها العمري
    خلف مكنونات تعابيره بإسلوب التورية

    جزاك الله خيرا
    دم مبدعا قديرا
    أُحِبُّكّـ فَوقَ حُـبِّ الذّاتِ حَتّـــــى
    كأنّ اللهَ لَمْ يَخلقْ ســـــواكـ

    مصطفى السنجاري

  5. #5
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,097
    المواضيع : 123
    الردود : 19097
    المعدل اليومي : 5.92

    افتراضي

    قراءة رائعة سلطت أضواءها الساطعة على قصيدة م أروع الشعر الذي قراناه
    الشاعر والناقد وائل القويسني

    بوركت

  6. #6
    الصورة الرمزية وفاء حسن الأيوبي أديبة
    تاريخ التسجيل : Jun 2008
    المشاركات : 406
    المواضيع : 31
    الردود : 406
    المعدل اليومي : 0.10

    http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=46835


    الأستاذ وائل القويسيني الكريم

    ما شاء الله استاذ وائل ما أروع هذه القراءة !!

    لك مني كل تقدير
    اريد من زمني ذا أن يبلغني
    ما ليس يدركه من نفسه الزمن

  7. #7
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 54
    المشاركات : 39,992
    المواضيع : 1062
    الردود : 39992
    المعدل اليومي : 6.64

    افتراضي

    معذرة عن سهوي عن الرد بالشكر والتقدير على نشر هذه القراءة النقدية الإبداعية ووقعت عليها اليوم مصادفة فأثارت في النفس ما أثارت!

    وللحق فإن الأسلوب النقدي الذي اعتمده الشاعر والأديب المبدع وائل القويسني هو الأسلوب الذي أحبه وأتبناه في تناول البناء والمضامين والربط بين علاقة المبنى بالمعنى ، وهنا أجده وصل حد الإدهاش في قراءة معان وإيحاءات ومجازات وكنايات فأضاف للنص كثيرا وأفاد المتلقي جدا!

    لست أدري ما علي أن أقول أكثر ، والقلب يقول الكثير ... دام النقاء ودام الوفاء ودام هذا الألق الباهر للشاعر الأديب وائل القويسني!

    أشكرك ، وأشكر هذا الأداء المدهش ولا حرمنا الله من ودك ووفائك!

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #8
    الصورة الرمزية محمد نعمان الحكيمي شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 2,990
    المواضيع : 230
    الردود : 2990
    المعدل اليومي : 0.62

    افتراضي

    لله هذا القلم الجميل..أديب كبير .. و شاعر أمير
    كم هو رائع ان يكون الواحد منا شاعرا و ملماً بعلوم الشعر أيضا
    راقت لي هذه القراءة الغنية لهذه القصيدة العظيمة
    أدامكما الله للشعر و الأدب و اللغة و الأمة
    إعجابي و محبتي

    أرجو أن يتفهم المزن أمية الرمل

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة في قصيدة المبادئ والمواقف للدكتور سمير العمري
    بواسطة براءة الجودي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 28-11-2013, 09:12 PM
  2. الأخوة نهج - الدكتور سمير العمري
    بواسطة نداء غريب صبري في المنتدى كَرَوَانُ الوَاحَةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 05-03-2013, 06:17 PM
  3. قراءة في قصة "حرص" للدكتور سمير العمري
    بواسطة صفاء الزرقان في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 18-12-2011, 11:50 PM
  4. قراءة في قصة "حرص" للدكتور سمير العمري
    بواسطة صفاء الزرقان في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-08-2011, 01:55 AM
  5. قراءة في قصيدة الأخوة نهج
    بواسطة وائل محمد القويسنى في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-11-2008, 05:25 AM