أحدث المشاركات
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 31 إلى 35 من 35

الموضوع: إصدار جديد بعنوان: سخف الحداثة وخواء الحداثيين

  1. #31
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.76

    افتراضي

    متابعة نسخ كتاب سخف الحداثة وخواء الحداثيين
    لكاتبه محمد محمد البقاش

    محمد الفيتوري


    وهذا محمد الفيتوري في ديوان الفيتوري صفحة: 1/ 113 يقول:
    ((والنبوات مظلة
    ـ والديانات تعلة
    ـ هب من كل ضريح في بلادي
    ـ كل ميت مندثر
    ـ كل روح منكسر
    ـ ناقما على البشر
    ـ كل أعداء البشر
    ـ كافرا بالسماء
    ـ والقضاء والقدر)).
    الكفر بالسماء كلام مجرد لا يحاكم صاحبه عليه لأنه مفتوح، والنصوص
    المفتوحة لها عدة تأويلات، وما تنطوي عليه النفس لمعرفة حقيقة مثل هذا
    الكلام يسار إليه بكلام آخر حتى يفسر، لا يهمنا، ولكن الكفر بالقضاء
    والقدر كفر بواقع يعيشه الإنسان ويعيشه الكون وتعيشه الطبيعة..
    فالقضاء لفظ مشترك يعني الكثير ويهمنا منه ما عناه الكاتب، ولا أعتقد
    عنايته به غيره وهو أن ما يقضى به على الإنسان قضاء، فالإنسان قدم إلى
    هذه الدنيا مرغما، على غير إرادته إذ لم يخيره أحد، وعليه فقد قضي ذلك
    قضاء، وسيرحل عنها مرغما أيضا وهنا يحاول أن لا يرحل فيقهر على الرحيل
    قهرا، ويحمل عليه حملا، وعليه فقد قضي عليه في ذلك قضاء، وطوله الذي هو
    عليه الآن مقضي عليه فيه. وإذا تحكم في إفراز هرمونات الغدة الدرقية
    ليظهر إنسانا قزما، فإن الذي يأتي متصرفا في غدته وهرموناته يكون قد
    قضي عليه ذلك قضاء في شأن لا يقتضيه نظام الوجود، في شكل تدخل الإنسان
    فيه، ومع ذلك فهو قضاء ولو وقع من الإنسان على الإنسان وهكذا، وإذن
    فالقضاء شأن حياتي تخضع له الكائنات الحية والجمادات، وهو قوة قاهرة
    يظهر للعاقل أنها فوق الكون والإنسان والطبيعة..
    وأما القدر فهو أيضا من الألفاظ المشتركة، وأحسبه هنا يعني به المكتوب.

    فالمكتوب أيضا قضاء من نوع آخر، انظر إلى سنك قانونا تعاقب به المخالف،
    فهل ما سيأتي به المخالف غائب عن علمك؟ كلا، وإذن فالقدر علم بما يقوم
    به الغير، وهذا أعتقد ليس من اختصاص البشر، لا يستطيع أحد معرفة ما
    سيفعل الآخر، ولكنه إذا قدر شيئا ورتب عليه عقوبة فسيتصور سلوكا يأتي
    به المخالف، وهو في الإسلام علم الله تعالى، فالله قد كتب في لوحه
    المحفوظ أن الرماديين سيقولون كذا وكذا، وسيفعلون كذا وكذا، سبهم له
    وإهانتهم إياه سبحانه وتعالى باختيارهم، لأن لهم إرادة الاختيار التي
    تقع في دائرة القضاء الذي إن وقع يسحب منهم اختيارهم؛ فلا يعاقبون
    عليه، وعليه فالكفر بالقضاء والقدر، والكفر بالله والملائكة والنبيين
    والآخرة معلوم عند الله ومكتوب لديه في لوحه المحفوظ. فقد كتب أن كل ما
    ذكر سيقع بإرادة هؤلاء واختيارهم، وهذا لعمري منتهى العدل، فلا يعاقب
    إنسان على فعل لا خيار له فيه، بل يثاب في شريعة الإسلام.
    المعلم والأستاذ يعرف النبهاء من تلاميذه، وحين يأتي الامتحان يمتحنهم
    أساتذة آخرون، وإذا سألته عن نتيجة امتحاناتهم قبل أن تحصل فسيقرر أنهم
    سينجحون، ويكون كذلك، هذا علم بسيط ممن يملك معلومات عن تلاميذه، يعرف
    قدراتهم، مستوى فهمهم، يعرف حفظهم ونباهتهم؛ ولذلك يقرر وفق ما علم،
    فيكف يكون المحيط بكل شيء علما؛ الله تعالى؟.
    ..............
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #32
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.76

    افتراضي

    متابعة نسخ كتاب سخف الحداثة وخواء الحداثيين
    لكاتبه محمد محمد البقاش

    وفاء سلطان


    في العدد 148/ 18 ـ 24 أبريل 2008 لمجلة نيشان نُشر حوار مع ((الطبيبة
    النفسانية)) الأمريكية الجنسية: وفاء سلطان، أجرته معها: فدوى مساط
    لحساب نيشان في واشنطن.
    ابتدأ الحوار بالسؤال عن مشاركة وفاء في مؤتمر فلوريدا السنة الماضية
    عن الإسلام العلماني، وهل هي مسلمة علمانية؟ فردت بقولها:
    "أنا امرأة علمانية الفكر والهدف، مسلمة التربية والنشأة، لقد قضيت
    ثلثي عمري كمسلمة… الإسلام تاريخي ولهذا التاريخ دور في أن أكون من أنا
    اليوم".
    إن الطرح في هذه الفقرة باطل من أساسه، ذلك أن الأمر لا يتعلق بالرمز
    ولا بالكناية، بل هو للحقيقة والحقيقة فقط، أضف إلى ذلك عنصر الجانب
    الفكري الذي يحكم النصوص بالعقلانية، وعليه فطرح الإسلام العلماني
    يقابله الإسلام غير العلماني، والإسلام الرأسمالي يقابله الإسلام
    الاشتراكي، والإسلام المتطرف يقابله الإسلام المعتدل وهكذا علما بأن
    الاعتدال لا يأتي مناقضا للتطرف كما في منجد الطلاب وهو بمعنى تجاوز حد
    الاعتدال، لأن التطرف في لسان العرب وهو قاموس معتبر عن منجد الطلاب،
    بل منه كان يجب أن يعتمد صاحب المنجد لشرح كلمة التطرف، أقول: إن
    التطرف في لسان العرب يعني غير ما قصد به تضليل الناس، فالمتطرِّف هو
    الذي لا يثبت على أمر. والمُطَرِّف من الرجال هو من طرَّف حول القوم،
    أي قاتل على أقصاهم وناحيتهم، وبه سُمِّي. وتطرَّف الشيء صار طرَفا.
    ولا يقال مثلا: جلس متطرفا ويعنى به أنه جلس في أقصى الطرف، لا يقال
    ذلك، بل يقال: جلس متطرفا في أقصى المجلس، أما أن يقال جلس متطرفا
    فمعناه جلس في طرف لا يعلم مداه، ولكي يتعين يجب ذكر المدى وتحديده
    تقديرا بالكليات، أو بالجزئيات، كما يمكن تقديره بالأرقام والأطوال
    والأعراض.. وإلا فهو بمعنى الطرف والطرف فقط، أي الجانب والناحية
    بالنسبة للمكان، والقطعة والطائفة بالنسبة للناس إذا طرفوا، أي مالوا.
    وتطرَّف عليهم أغار، وطرَّف الشيء وتطرَّفه بمعنى اختاره، ولم يرد شيء
    مما يروج لكلمة التطرف في القواميس التي تفصل الخلاف على ألفاظ اللغة
    ومدلولاتها، وينسحب الأمر على كلمة الاعتدال أيضا، فالاعتدال بمعنى
    التوسط بين حالين لا يصلح للإنسان، يصلح لطعام الإنسان ولباسه، فالتوسط
    في وضع الملح في الطعام يجعل الطعام معتدلا، والتوسط في اللباس يجعل
    لحركة الإنسان طلاقة مطلوبة، والاعتدال في الجو يجعله مناسبا للجسم
    بحيث لا يحتاج الإنسان أن يتدثر ويلبس الخشن اتقاء للبرد، ولا يتعرى من
    القيظ، بل يترك عليه لباسا مناسبا للحرارة والبرودة، ولكن إذا تجاوزت
    ذلك إلى المواقف والأفكار والمفاهيم لا تجد للاعتدال معنى، فالتوسط
    مثلا بين الظالم والمظلوم لا يقيم الحق، واتصاف المرء بالوسطية يجعله
    يقف كعقرب الميزان لا يميل إلى هذا ولا إلى ذاك، حتى الكيل عقلا ومنطقا
    لا ينبغي أن يجعل المرء ميزانه يتوقف عند الوزن بثبات العقرب في الوسط،
    فلو حصل كان الوزن تطفيفا وبخسا لأنك بوقوفك ذاك تجعلك غير منحاز،
    والانحياز يقتضي إقامة الحق، والحق في أن توفي الكيل والميزان لا أن
    تبخسهما، وكل ذلك لن يحقق العدل، ولا يقيم الحق، فوجب أن لا يكون
    الإنسان معتدلا، فلا بد له من الانحياز، فالقاضي في المحكمة منحاز إلى
    الحق، ومواقف الإنسان تدل على انحياز، فإذا اعتدل لم يكن مع هذا ولا مع
    ذاك، فهو حينها سلبي لا رأي له ولا موقف، وهذا ليس مطلوبا، أما إذا
    انتقلت إلى ما يسمى عندهم بالوسطية وانخداع كثير من علماء الإسلام
    والدعاة بها، ثم نعت الإسلام بالوسطية تجدهم بنعتهم يستعملون ألفاظا في
    غير محلها، فالوسطية لغة لا علاقة لها إلا بالعدل والشهادة، فهي لغة لا
    تعني الاعتدال أبدا إلخ، هذا يفتح باب النقاش على مصراعيه لاختراع
    أفكار ومفاهيم لا واقع لها من حيث انطباقها على واقع الإسلام، لأن
    الإسلام إسلام وكفى، متميز مستقل متفرد معلوم غير مجهول، فإن كان
    علمانيا، فهو علماني، وإن لم يكن كذلك، فهو كما هو، والناظر المدقق
    لمنظومته العَقَدية والفكرية والحضارية يجد نفسه راكبا بساطا لا يترك
    ناحية من نواحي الحياة إلا وغطاها، وبذلك تنتفى عنه العلمانية، وما
    ادعاء العكس سوى سطحية ممارسة من طرف الجهَلة، أو خبث نفسي يملأ قلوب
    الحقَدة، ما هو إلا تزوير للحقيقة، وعليه فلا مجال لعقد مؤتمر عن
    الإسلام العلماني، كما لا مكان لمناقشة مثل هذا الطرح لأنه غير واقعي.
    وأما قولها بأني علمانية الفكر والهدف مسلمة التربية والنشأة فهو قول
    يحتاج إلى استقامة حتى يمكن مناقشته، فكون المرأة مسلمة فلا كلام، ولكن
    بحصره في الماضي، لأنها لا تعترف اليوم بالإسلام، بل ترفضه وتحاربه،
    ومن يفعل ذلك لا ينتسب إليه، ومن يسعى إلى إلصاقه به، فهو في الخبث
    يقعد، وفي التضليل يقبع، لأن كوني مسلما في الماضي، ثم تحولت عنه إلى
    النصرانية مثلا أو اليهودية، أو كنت ماركسيا، ثم تحولت عنها إلى
    الإسلام، أو كنت مسلما، ثم تحولت عنه إلى العلمانية، كل ذلك يؤخذ في
    سياقه؛ وينظر إليه كما هو حيث هو، وأما التغيرات الطارئة فيجب أن تتبع
    سياقها هي الأخرى، فإن كنت مسلما، ثم صرت ولا زلت علمانيا لا يمنحني
    المطابقة في القول أني مسلم بمعية التناقضات بين الإسلام والعلمانية،
    قس على ذلك كل فكر وكل ثقافة وكل حضارة وكل عقيدة تتناقض مع غيرها،
    وعليه فقد كانت وفاء مسلمة، وهذا لا تعليق عليه وقد أعلنته المرأة
    بنفسها، وأما القول بأنها مسلمة اليوم فهذا هو الخطل عينه ليس لأنها
    ترفض الإسلام، بل لأن الإسلام صفاء ونقاء لا يلتقي مع القذارة
    والأدران، فلا قيمة لإسلامها، كما لا قيمة لإلحادها، وإذا أمكن توزيعها
    بين الإسلام ونقيضه، فإن الفيتو الأمريكي سيرتفع، ولا داعي لإثارة فكرة
    التكفير التي يتذرع بها من لا يعجبه مثل هذا الكلام، فالإسلام إسلام
    يتناقض مع العلمانية بتدخله في جميع مناحي الحياة، والعلمانية علمانية
    بفصلها الدين عن الحياة، فالإسلام فكر وثقافة وحضارة وعقائد وأحكام
    وأنظمة لقضايا الناس وشؤون الحياة..
    انظر إلى سطحية المرأة وبعدها عن الدقة والتحديد في قولها: "…علمانية
    الفكر والهدف" وتساءل كيف يكون الإنسان حاملا فكرا وثقافة وحضارة وهو
    يمارسها في حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… ثم يكون علمانيا
    في قلبها؟ كيف تتأتى العلمانية في الفكر؟ وكيف تتعلق العلمانية بالهدف؟
    هذا الكلام لا يقول به عميق الفكر، واضح العبارة..
    وأما قولها بأنها مسلمة التربية والنشأة، فهو مثل قول الذي اعتنق
    الإسلام بأنه قد كان مسيحي التربية والنشأة، أو يهودي التربية والنشأة،
    أو ماركسي التربية والنشأة، وهكذا.
    وأما قولها بأن الإسلام تاريخها وأن له دور في أن تكون من هي اليوم،
    فقول تافه، لأنها ليست نتاج الإسلام، إنها نتاج نفسها، ونتاج المجتمع
    غير الإسلامي، وأنا هنا أتحدث عن سلوك الذهن، وسلوك الجوارح، فهما لا
    يتحركان إلا بالفكر والمفاهيم، والمرأة لها اليوم مفاهيم غير إسلامية،
    وعليه فقد انقطع الحبل بينها وبين الإسلام، هذا من جهة، أما من جهة
    كونها جزءا من تاريخ الإسلام، فهو قول بالتبعية والتقليد، ولقد تجاوزته
    المرأة باختيارها غير الإسلام دينا وسلوكا لها، وعليه فالمتلقي ينتظر
    قولا جديدا ناضجا لا قولا يقول به الطفل وهو قولها هذا.
    وحين سئلت عن دراستها لكتب التفسير أجابت قائلة: "درست كتب التفسير من
    ألفها إلى يائها" ويفترض بهذا الكلام وهو بتاريخ الاستجواب؛ أن تكون
    المرأة قد اطلعت فعلا على جميع كتب التفسير، لأن عبارة: من ألفها إلى
    يائها تفيد الابتداء بمنته، والانتهاء بمبتدئ، لأن حروف اللغة العربية
    مبتدئة ومنتهية في حدود 28 حرفا، كما تفيد الحصر بالكناية، ومعنى ذلك
    أنها قد درست جميع كتب التفسير دون استثناء، ونحن نصدقها في قولها،
    ولكننا نحصر دراستها في قراءة العناوين فقط، بل حتى العناوين لم تمر
    عليها جميعها، لأن منها ما لم يصلها، لأنه لا يزال مخطوطا، وهي لم تصل
    إليه بعد، فكفى كذبا، وكفى استغباء للناس.
    الفكر والحديث الفكري دقة وتحديد وبلورة.. انظر إلى قولها: ".. أجمعت
    معظم كتب التفسير، إن لم يكن كلها، على أن المقصود بالسفهاء هم النساء
    والصبيان.." انظر إلى تعبيرها: "إن لم يكن كلها" إنه تعبير يفيد الشك،
    وهذا يدل على أنها لم تطلع على جميع كتب التفسير، بل لم تطلع حتى على
    تلك التي "سفّهت" النساء والصبيان، وهذا هو التناقض عينه مع قولها:
    "درست كتب التفسير من ألفها إلى يائها" هذه المرأة يكذب عليها لسانها،
    وهيهات أن ينطلي علينا كذبها..
    وأما طعنها في كتب التفسير فليس سوى حقدا وكراهية، لأن الناقد الحق لا
    يعبأ بالنتيجة التي تأتي بعد نقده أو نقضه، ولكنها لا تسلك سبُل النقد،
    ولا سبل التبكيت بالحجة والبرهان، إنها تسلك سبل السبّ. ماذا لو أجمعت
    جميع كتب التفسير على اعتبار السفهاء هم النساء والصبيان علما بأنه ليس
    بهذا الإطلاق، ثم نقضتهم جميعا؟ فكتب التفسير اجتهاد مجتهدين، وأقوال
    مفسرين، وهم بشر يصيبون ويخطئون، ثم إنه إن تناولنا قول الله تعالى في
    سورة البقرة: "وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنومن كما آمن
    السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون" الآية: 13. انظر إلى كلمة
    السفيه في القرآن ودقق في استعمالاتها، فالمدعوون للإيمان يعتبرون
    المؤمنين سفهاء بدليل قولهم: أنومن كما آمن السفهاء" فالذين ينعتون
    الناس بالسفاهة هنا هم أولئك الذين لم يقبلوا الإيمان بالله ورسوله
    واليوم الآخر، وهم أناس، والذين آمنوا أناس، ولكن اسم السفاهة أطلق من
    طرف غير المؤمنين ليلصق بغير النساء وبغير الصبيان، فالذين آمنوا بمحمد
    صلى الله عليه وسلم شباب مثل: سعد بن أبي وقاص، ورجال مثل: أبي بكر
    الصديق، وأطفال مثل: علي بن أبي طالب، وعليه فاسم السفاهة يلصق بأبي
    بكر وهو فوق الأربعين من العمر، كما يلصق بحمزة وعمر وعامر وسعد وطلحة
    ومصعب وغيره، هؤلاء هم السفهاء بلسان المشركين، والإسم لأهل اللغة؛
    العرب الأوائل قبل فساد اللسان العربي، وإذن فالسفاهة اسم، والسفَه
    مصدر، والسفيه صفة مشبهة باسم الفاعل وهو الرجل والمرأة والطفل، انظر
    إلى اسم السفاهة في المقابل: "ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون"
    فالله تعالى جعل السفاهة لاصقة بهم، فهي اسم لهم، وقد سماهم رجالا
    ورجالا فحسب، فأين النساء هنا؟ وأين الأطفال؟
    إن السفاهة لغة ليست صفة للجنس، بل هي اسم، والسفَه مصدر يعمل عمل فعله
    مثل قولنا: ترك نوال السفه فضيلة، والفعل المسفَّه لا يأتي إلا من غير
    الناضج، فوفاء هنا سفيهة فكرا ولغة..
    لا تنحني يا وفاء من شدة الإعجاب بخوائك المعرفي، بل انحني خجلا من
    سفاهتك الفكرية والثقافية..
    ما أعجب جوابك عن سؤال فدوى الثالث. ما أعجب ما تحملين في رأسك الذكي.
    تقولين أن: "الإسلام جهاز عقائدي مسؤول أولا وأخيرا عن انحطاط الإنسان
    المسلم فكريا وأخلاقيا، لقد شوه الإسلام المفاهيم وسمى الأشياء بغير
    مسمياتها".
    أمرك عجيب والله، "الإسلام جهاز عقائدي انحط بالمسلمين فكريا وأخلاقيا،
    وشوه المفاهيم، وسمى الأشياء بغير مسمياتها". لنقف قليلا هنا. كيف يكون
    الإسلام مسئولا عن انحطاط المسلمين فكريا وأخلاقيا وهو جهاز عقائدي؟
    كيف يتأتى للجهاز العقائدي أن يتسبب في انحطاط وهو جهاز عقدي يفترض أن
    لا يمس الحياة كلها، يفترض أن يظل حيث هو في رعاية علاقة الإنسان بربه،
    أو علاقته بما يعتقد وبمن يعتقد؟ ولو كان غير ذلك ـ وهو كذلك بالنسبة
    للإسلام ـ فيفترض أن لا يكون جهازا عقائديا فحسب، بل جهازا عقائديا
    ومفاهيميا وفكريا وثقافيا وحضاريا إلخ، وهذا يسمح لنا باتهام المرأة
    بالسطحية وعدم الدقة وهي تتناول موضوعا فكريا يفترض فيه الدقة
    والتحديد، وكم أنا ضجر من متابعة نقضي ونقدي لهذه المرأة مع إشفاقي على
    وقتي الثمين.
    الإسلام شوه المفاهيم، هذا القول مردود. الإسلام خالق المفاهيم، ومُقر
    مفاهيم، وناسف مفاهيم وليس مشوِّهها، الإسلام ينأى بنفسه عن العمل
    الوضيع، الإسلام يسمي الأشياء بمسمياتها، فالمشوه مشوه يعلن تشويهه
    ويعمل على تقويمه. والإسلام خالق مفاهيم باحتوائه على منظومة ربانية
    خالف بها الناس وحملهم خيارا على اعتناقها إذا كانوا مسلمين. والإسلام
    مقر بمفاهيم إنسانية، ولكنه قد هذّبها ونقّاها وقوّمها فأصبحت مفاهيمه،
    فعل معها مثلما فعلت اللغة العربية بالتعريب حتى صارت الألفاظ المعربة
    عربية. والإسلام ناسف مفاهيم، وليس مشوهها، فالمفاهيم التي ترجع
    بالإنسان إلى الخلف باسم الحريات مثلا نسفها نسفا، وحاربها دون هوادة.
    فالنظام الاجتماعي الذي حوى منظومة سرعان ما انقرضت؛ والتي تقر بجماع
    الأخ بأخته، والأخت بأخيها قد طوي بشكل طبيعي، وهكذا بعُد وبعُد حتى
    استقر على النظام الاجتماعي الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة
    المرأة بالرجل وما ينشأ عنها من نظام الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة
    والخؤولة والعمومة والحفادة والصِّهْرة.. لن يسمح الإسلام بالرجوع إلى
    الخلف لأنه ليس رجعيا مثل الحداثة والديمقراطية… فمفهوم المثْلِية لا
    وجود له في الإسلام، هذا المفهوم لن ينبت في ظل تحكيم الإسلام، بل ينبت
    في ظل فكرة العصر الخبيثة؛ الديمقراطية، وهو موجود في أوروبا وأمريكا،
    وقد نبت أيضا في بعض البلاد العربية مثل المغرب، وأحداث مدينة القصر
    الكبير ليست منا ببعيد.. وهنا لا يشوه الإسلام مفهوم المثلية، بل ينسفه
    نسفا رغم زعم تضارب ذلك مع الحرية الشخصية، وهنا، هنا بالذات تسمى
    الأشياء بمسمياتها، وتنعت المفاهيم بأماراتها..
    وقولها في الجواب على السؤال الرابع:
    "عندما يتعلق الأمر بالعلاقة الغيبية بين الدين والخالق، أعتبر أتباع
    كل الأديان والديانات مغرر بهم وليس المسلمون فقط".
    قولها هذا به سفاهة لغوية، فضلا عن السفاهة الفكرية. السفاهة اللغوية
    تتجلى في وضع كلمة الأديان جمع دين، والديانات جمع ديانة، وكلاهما يعني
    الملة والمذهب، كلاهما اسم لجميع ما يعبد به الله، ويعبد به الإله وهو
    المعبود مطلقا سواء كان الخالق البارئ جل وعلا، أو كان الهوى والحجر
    والصنم والشمس والمال والفكرة والإنسان...، فهل نحن بصدد نص أدبي
    تَريفٍ لغةً يطلب المتعة العاطفية، وربما الفحولة اللغوية؟ فالدين
    والديانة لفظان مترادفان يجدر إزالة أحدهما خوفا من التشويش، وحرصا على
    متانة النص السياسي، فالنص السياسي غير النص الأدبي. فالخالق ديّان،
    وهو قاض وقهّار في ملكه، وقد حمل وفاء قهرا على المجيء إلى هذه الدنيا
    على غير إرادتها، وسيحملها على الرحيل عنها بغير إرادتها أيضا، بينما
    الدين تذلّل وخضوع للديّان. وبالدين، أي بالتذلُّل والخنوع تجد وفاء
    نفسها مقهورة على الاستجابة لرئتيها حتى لا تختنق، فلا تحبس نفسها لأن
    فيه موتها، لا توقف نفسها وهو ممكن وفيه إرادة، وعليه فهي هنا متدينة
    دون إرادتها وبإرادتها. وقهرها على الاستجابة للحاجات العضوية تديُّن
    هو الآخر، واعتقادها بالآخرة أو عدمه تديّن بإرادة، وتقديسها للخالق أو
    الكون أو الطبيعة تديّن بإرادة أيضا، وهكذا. وأما المغرر بهم فإن وفاء
    منهم، وهم من غير المسلمين، ومن كان منهم وهو ينفي تلك الحقيقة جهلا،
    ويتجاوزها عمى لا يستحق الإصغاء إلى تفاهاته، هذا إذا لم نتهمه في
    أمانته. التدين خضوع بإرادة، ووفاء سلطان خاضعة لمنظومة فكرية وعقدية،
    وممارِسة لطقوس لا ضرورة أن يظهر فيها الركوع والسجود، لا ضرورة أن
    يظهر فيها الصليب ولو كان معقوفا ولا الشعارات ولا الرسوم أو الحركات..
    فهي بتلك التصرفات متدينة أقرت أم رفضت، ورفضها وإقرارها لا قيمة له في
    منطق الحقيقة. إن من يسقط تركيبه أولى أن يسقط فكره ويهجر رأيه، فكم من
    طبيب سقط مريضا فعالجه طبيب غيره، ووفاء طبيبة نفسية مريضة لغويا، وقد
    تكون مريضة نفسيا، سنرى. سأستمر لعلي أجد لديها عقلا فيما سيأتي.
    إن مجرد ذكر الخالق ينفي الاستخفاف في البحث عن المصداقية، لأن الخلق
    أمر جلَل، والخلق من عدم أكبر وأجلّ، فالخالق مسألة يحسها الإنسان
    ويجدها رغما عنه، فالملحد كذّاب وهو يرى الخلق والإبداع بأمّ عينيه،
    ومنكر المصداقية كسول ومُغرّر به، إما من طرف فكره، أو من طرف غيره،
    والمصداقية مصداقية موجودة ذاتيا وموضوعيا، ذاتيا عند السطحيين،
    وموضوعيا عند العميقين والمستنيرين، فقولها:
    "آمنْ بالحجر ولكن لا تضربني به"
    يعني افعل ما شئت، ولكن لا تؤذني، أو قل ما شئت، ولكن لا تضرّني، وهذا
    لا تقبله نفس وفاء إذا كانت سليمة عقليا. فالإيمان بالحجر ظلم لنفس
    الإنسان، ووفاء سلطان من جنس الإنسان. ذلك الاعتقاد فضلا عن كونه
    سفاهة؛ فهو مس بكرامة الإنسان، هذا الإنسان الذي يوقن بأفضليته على
    سائر المخلوقات ينزل إلى أقل مما هو دونه مباشرة، فالحيوان أعلى مرتبة
    من الحجر، فكيف يسفل الإنسان ويخلد إلى معتقد منحط وهو كريم مُكرَّم،
    وسيد الكون؟ هذا لا يجوز في حق الإنسان، فلو اعتدي عليها لهرعت
    للاقتصاص أو المحاكمة، ويمكن التراشق معها بالفكر فأرميها بقولي: آمني
    بالكلمة الحرة، ولكن لا ترمني بالسباب ورذاذ فمك النتن لأني أتأذى
    منهما..
    وأما الدخول في المفاضلة للوصول إلى المصداقية بحجة العدد في المعتنقين
    لأي دين أو مبدأ؛ فقول من سقط في الجهل وهو السفيه لغة بالمترادفات.
    متى كان العدد دليلا على الصحة؟ ومتى كان العدد دليلا على المصداقية؟..
    وقولها:
    "لا أعتقد بأن أمة تؤمن بالغزو والغنائم وسبي النساء أصلح من امرأة
    ترفض أن تؤمن بتلك التعاليم.."
    هذا القول يحملني على القول:
    لا أعتقد أن امرأة مثل وفاء سلطان يخرج من فمها القيء والقيح تصلح
    للقُبْلة السوداء لمن لم تكن تلك القبلة السوداء من ثقافته الجنسية.
    الغزو قديما كان غزوا يشمل جميع الشعوب والأمم، وقد جاء الإسلام وشرع
    الغزو، هذا صحيح، ولكن تشريعه ـ ليس دفاعا عنه لأنه غني عن الدفاع ـ
    جاء ليزيل ويزيح كل حاجز مادي يقف في وجه دعوته، هذه إرادة الله، يريد
    الله أن يصل دينه إلى كل الناس بشكل لافت، ثم يختارون اعتناقه، أو رفضه
    لأنه قد رتب على ذلك مثوبة وعقوبة، والمثوبة والعقوبة لا تكون عادلة
    عند الإلزام، فحمل الإنسان على الطاعة قهرا وترتيب المثوبة على ذلك ليس
    من العدل في شيء، وحمل الإنسان على المعصية قهرا وترتيب العقوبة على
    ذلك ليس عدلا أيضا، وحاشى أن يقهر الله عباده على المعصية، ثم
    يعاقبهم.. وفي حال رفض الإسلام أوجب لحمايتهم في أعراضهم وأموالهم
    وأديانهم مبلغا من المال يؤخذ من القادر، وسمه ما شئت بلغة اليوم، ولا
    داعي للخجل من ترداد ذلك، لأن القرآن يتضمنه، والألسن ترتله، وقد شهد
    التاريخ في بعض الغزوات رد المسلمين أموالا على من عجزوا مؤقتا عن
    حمايتهم، وأما ما يترتب على الغزو، فهو القتل والغنائم، ومنها السبي،
    وفي التعامل الإسلامي أثناء الحروب شرع ما لم تعرفه البشرية قديما
    وحديثا، صحيح يوجد تعامل بالمثل، وتوجد مقايضة، ولكن الإسلام في مواطن
    كثيرة يتجاوز المعاملة بالمثل؛ إلى الحِلم والسماح، لأنه مبدأ
    المكرمات، فكم سبية رفضت العودة إلى الوضع الذي كانت عليه من حرية هي
    في حقيقتها عبودية وقهر، وكم سبية أطلقها المسلمون إكراما لنبيهم
    واستجابة لدعوة ربهم، وكم رجال من غير المسلمين صاروا من المقاتِلة
    قاتلوا مع المسلمين أهل ملتهم لاطمئنانهم إلى عدل الإسلام وسماحته..
    انظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ والمرأة تحمل جنسيتها دون
    مقارنة. انظر إلى الدولة الدموية التي قامت بإبادة شعب كان آمنا في
    بلده، وهو شعب أمريكا الأصلي من الهنود الحمر. انظر إلى ساديتها
    ولصوصيتها وغرورها وغطرستها.. فلماذا تغزو بلداننا؟ تغزونا في الصومال
    والعراق وأفغانستان من أجل سرقة خيراتنا وإكراهنا على دينها الذي هو
    فكرة العصر الخبيثة؛ الديمقراطية، فأي ظلم هذا؟ وأي جبروت ذاك؟ انظر
    إلى همجية جنودها في العراق بسجن أبو غريب مثلا، انظر إلى الأُنْصات
    الذهبية التي عثر عليها جنودها في العراق، فهل غنمتها أمريكا، أم ردتها
    لأصحابها؛ وهو الشعب العراقي والأمة الإسلامية؟ انظر إلى اغتصابها
    للنساء، بل وقتلها لهن، والتمثيل بجثثهن، هل في هذا نبل وشجاعة وشهامة؟
    انظر إلى محرقة غزة وصبيانها وأطفال فلسطين، ألم تحرقهم إسرائيل بسلاح
    أمريكا ودعمها؟ وانظر إلى المسلمين عبر التاريخ وحاول أن تستخرج من
    حروبهم ومعاركهم ظلما وجورا، فلن تجد شيئا من ذلك باعتراف من قاتلوهم..
    وتقول في الجواب على السؤال الخامس:
    "يتوقف الأمر على تعريفنا لكلمة ((اعتدال))،. إذا قصدنا بالاعتدال رفض
    التورط في الإرهاب والتطرف، فالشريحة المعتدلة من المسلمين كبيرة جدا."
    كلمة "اعتدال" والقصد منها، إذن فالمرأة تبحث عن القصد من الكلمة،
    والقصد من الكلمة إما أن يكون لغويا، أو اصطلاحيا، وهي في جوابها
    وكديدنها تبدو سطحية، فالاعتدال وإن اختُلف بشأنه اصطلاحا يظل نفس
    الاختلاف قائما، وعليه فاستعماله يكون بحسب ما يخدم به كل مصالحه
    ومبدأه، فالمعتدل عندي قد يكون متطرفا عندك، والمتطرف عندي قد يكون
    معتدلا عندك، هذا في بعد عن اللغة، أما إذا دققنا النظر لغة، ثم
    اصطلحنا على مصطلح له علاقة بالوضع، وكان التعريف جامعا مانعا فتلك
    استنارة، ووفاء لا تملك منها شيئا، وكيف تملكها وهي عن العمق أبعد،
    وبغرورها أسعد؟ لقد وقعت في شَرَك فكري لم تقع فيه صاحبة شوقي التي:
    "خدعوها بقولهم حسناء ............. والغواني يغرهن الثناء"
    بل وقعت صاحبتنا في شرك الغرور، فقد:
    خدعوها بقولهم مصباح ............ والعَمِياتُ ضُرُّهُنَّ الضِّياء

    انظر إلى كلمة "الإرهاب" فكل مخالف لأمريكا إرهابي، وكل ساكت على
    جرائمها معتدل.. ومن يحرض على الإرهاب ويفعله مبدءا؟ إنها أمريكا
    بظلمها وجبروتها، ومن يدافع عن نفسه وبلده إرهابي في نظرها، وهنا نقف
    عند الاصطلاح، فالاصطلاح لكلمة اعتدال وتطرف وإرهاب يحتاج إلى إعادة
    نظر، وعليه يمكن القول الفصل أن المتطرف هو أمريكا ومن يتعلق بدبرها،
    والإرهابي هو أمريكا ومن يسايرها، والمعتدل هو ذلك السطحي الذي يتلهى
    بكلمات لا يستطيع الحسم في مدلولاتها، هو ذلك الجبان البليد الذي يخشى
    قول الحق وفعله..
    وفي جوابها على السؤال السادس ترى إمكانية تأهيل المسلمين، والحل عندها
    بعد اعتقادها في المشكل أنه الإسلام عينه؛ هو: "ضمان حرية العقيدة في
    العالم الإسلامي وفتح ذلك العالم لكل العقائد والأفكار" ولست أدري كيف
    أنبه المرأة إلى سطحيتها، وتورُّم ذهنها، تبدو نسخة طبق الأصل هنا
    لنوال السعداوي، فالأولى والثانية يريان سيادة الإسلام في العالم
    الإسلامي وهو غير صحيح. كيف يفتح العالم الإسلامي لجميع العقائد وهو
    مفتوح أكثر من أي مجتمع آخر باستثناء مناطق بعينها مثل السعودية مثلا
    وها قد بدأ معول إلحاقها بغيرها يعمل بيد التدخل الأمريكي؟ الناظر إلى
    قول المرأة يتوهم أن العالم الإسلامي منغلق على العقائد والديانات
    والمفاهيم وهو عكس ذلك، والمشكلة في الفشل والإخفاق رغم تآمر كثير من
    المثقفين والحكام في نفس الاتجاه. المسلمون رغم انحطاطهم الفكري
    والعقَدي والحضاري محصنون ضد أية عقيدة غير عقيدة الإسلام، وإتيان مثال
    اعتناق بعض الناس للمسيحية مثلا لا يصلح دليلا، لأن المسلمين مثل باقي
    الناس كأفراد، ولكن في مجموعهم ليسوا كغيرهم، انظر إلى الماركسيين
    الذين كتبت لهم النجاة من القتل، لقد اهتزت قناعاتهم ومفاهيمهم وبدأوا
    يميلون إلى أصولهم الفكرية والحضارية، وهذا كاف للدلالة على عظمة
    الإسلام وقوته في الاحتفاظ بمجموع معتنقيه رغم غياب دولته، فلا يمكن
    إجماع المسلمين على انحراف عقَدي وفكري، وبه ينتفي القول بصيانة
    العقيدة الإسلامية في نفوس الناس بقوة السيف، فالسيف هو الذي يعمل في
    المسلمين منذ القرن السابع عشر الميلادي، وازداد استعمالا منذ هدمت آخر
    دولتهم سنة 1924م، والنتيجة معتنقون جدد..
    إن منافسة الأفكار والمفاهيم والفلسفات والمنظومات العقدية للإسلام غير
    موجودة، فلا منافسة ولا مقارنة ولا مقاربة، كل ما في الأمر أن الإسلام
    في منظومته الفكرية والثقافية والعقَدية سلاح لا يوجد نظير له، وما لا
    يوجد شبهه ونظيره يتميز بقوته، وقوته في حجته وبرهانه، في صفائه
    واستنارته، ومن أراد المناظرة بشأنه فأنا أول المسجلين في اللائحة..
    وأما قولها بأن الإسلام: "ليس دينا محضا، وإنما هو دولة" فكلام موفق،
    وصحيح. وأما ما جاء بعده ففيه مناورة غبية، ذلك أن العنف الممارس من
    طرف الدولة لفرض وجودها هو عنف يسمى القانون، فالقانون هو الذي يفرض
    وجهة نظر الذين يتداولون بالرعاية والسياسة مصالح الناس ويسوسون لهم
    علاقاتهم بمبدأ يعتنقه الحكام حتى ولو لم يكن دين الشعب والأمة مثل
    واقع الأمة الإسلامية اليوم، فهي تُحمل حملا وتُقهر قهرا على تطبيق غير
    الإسلام، ومع ذلك تُستهدف خوفا منها ورهبا من الحق الذي جاءها من رب
    العالمين المتمثل في الدين العظيم؛ الإسلام..
    وفي معرض جوابها على السؤال السابع بعد أن قالت كلاما لا أحب الرد عليه
    لسطحيته، رأت أن المسلمين: "العرب هم الأشد خطورة لأن الإسلام دين
    عربي" وقد صدقت في الشق الأول بحديثها عن الخطورة، وهي بالمنظور السليم
    نعمة وسعادة، فالعرب بالعربية، والعربية لغة الإسلام، والمنظومة
    التركيبية العربية هي التي تحمل المنظومة العقدية والمفاهيمية
    الإسلامية، وباللغة العربية يحصل الفهم، وبها وحدها يحصل الاجتهاد..
    وهذا متجل في نفس وفاء سلطان بضعفها اللغوي، صحيح في الإسلام خطر، وخطر
    كبير، ولكن على أعداء البشرية ممن يعيثون في الأرض الفساد؛ يسرقون
    ويفسدون ويظلمون.. والإسلام مانعهم ومقيم العدل لو حضر في الموقف
    الدولي بدولته الحاضرة الغائبة، ستنسحب دولته من الأمم المتحدة وتسفه
    فكرتها، تجتمع الأمم المتحدة بقيادة عنصرية طبقية ظالمة فتجعل الحق في
    النقض مثلا ـ الفيتو ـ لخمسة، وتمنعه عن المآت من الدول، سترد الحقوق
    إلى أصحابها، ولا تقبل إلا بذلك مهما كلفها ذلك.. وأما الشق الثاني من
    الجواب الذي كذبت فيه هو قولها أن: "الإسلام دين عربي وأهل مكة أدرى
    بهضابها"، متى كان الإسلام دينا عربيا؟ لو كان عربيا كما تقول
    المتثَيْقِفة لانتهى منذ زمن بعيد، لأن العرب والعربية في تغير مستمر
    يمنع البقاء على الحال كما هو، انظر إلى القرآن وهو الركيزة المانعة،
    فلماذا لم يضمحل ويتلاشى حتى يحل محله دين جديد؟ أو يضمر كالمعتقدات
    الوضعية التي من أتباعها ما لا يزيد عن ألف فرد مثل السامريين بفلسطين
    مثلا؟ انظر إلى العربية كلغة، فلماذا لم تسلك مسلك اللاتينية مثلا في
    اقتعادها رفا من رفوف التاريخ، وفسح المجال للفرنسية التي كانت عامية
    حتى حدود سنة 1000م وكانت اللاتينية اللغة الرسمية للدولة، ولغة الفكر
    والثقافة؟ لماذا لم تثبت للإسبانية وقد استنبتت ما بين 1400 و1500
    للميلاد؟
    اللغة العربية متميزة عن سائر اللغات، لن تضمحل، ولن تتغير، ستنمو
    وتثرى، وكم هي ثرية، ولكنها لن تحاكي اللغات الأخرى لسبب بسيط هو حملها
    للطاقة الإسلامية التي بها تحيا، وفيها تسكن، ومنها تستمد طاقتها..
    وفي سياق جوابها على السؤال الثامن تقر المرأة بحصول تغيير في حياتها
    تسبب فيه جرائم الإخوان المسلمين في سوريا: "التي لعبت دورا كبيرا في
    تغييري وفي موقفي لاحقا من الإسلام كتعاليم إرهابية".
    في هذا الجواب إدانة كبيرة يجدر بالدولة الأمريكية أن تمنع وفاء سلطان
    من ممارسة عملها كطبيبة نفسية؛ لأنها مريضة نفسيا، ومرضها حصل لها إثر
    اغتيال الدكتور يوسف اليوسف، ولقد: "شهدتُ عملية القتل الوحشية…" ـ
    قرأت ما يكذب زعمها، لا يهم ـ هنا يجب التوقف عن مسايرة المرأة في الرد
    عليها؛ لأنها مريضة نفسيا، لقد تأثرت بالمشهد الرهيب الذي هزّ مشاعرها،
    استسلمت له فهز كيانها الفكري والعقَدي حتى ما عادت تكره وتمقت أحدا
    غير الإسلام، فإشفاقي عليك يا سيدة كبير..
    نعم في أجوبتها على السؤال الذي جاء بعد الفائت ثبت مرضها النفسي، كما
    ثبت أيضا أن المرأة لم تتحول بناء على قناعات، بل تحولت بناء على طرش
    فكري، ويؤسفني استسقاؤها من قيئ الضباع وقيح الأذهان المتورِّمة. تأتي
    المرأة بقول نفرها من الإسلام منسوب لرسول الله صلى الله عليه وآله
    وصحبه: "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو
    نصرانيا" هذا القول عندها يتعارض مع مبادئها كما تقول، ولا ينطبق مع
    أخلاقياتها، ولكن بالنظر إلى عدم تخريجها للحديث أضع أسئلة باحثا عن
    أجوبة لها من ذوي الاختصاص، أو ممن يملكون علما..
    لقد ورد في "الحديث" إلا، وإلا أداة استثناء على أن يكون الكلام قبلها
    تاما مثبتا، أو يكون للحصر إذا كان الكلام قبلها ناقصا وهو هنا ناقص،
    وإذن فالأداة للحصر، وسؤالي في الماضي والحال والاستقبال هو:
    كم عدد الذين يدخلون النار من النصارى واليهود؟ هل يكون الجواب على ذلك
    بأن عدد الداخلين النار هم بعدد المسلمين منذ وفاة أول مسلم إلى وفاة
    آخر مسلم؟ وإذا كان عدد غير المسلمين من اليهود والنصارى يفوق عدد
    المسلمين منذ وفاة أول مسلم إلى ميتة آخر مسلم، فهل سيدخل الجنة من
    تبقى من اليهود والنصارى؟ وإذا كان كذلك فما بال النصوص التي تخلد غير
    المسلمين في النار؟
    وفي معرض الجواب عن السؤال قبل الأخير دارت المرأة ودارت كذبابة التسي
    التسي، ثم نزلت على القاذورات. تنطلق المرأة من حقد دفين استحال مرضا
    نفسيا لا تستطيع التخلص منه. تمعن في الحقد فتقول: "الإنسان المسلم
    سحقته ثقافته وذوبته في محيطه غصبا عنه" وقبل الاسترسال في الرد لا بأس
    من إثارة كلمة "محيطه" ذوَّبَتْه في محيطه كما تقول، والضمير يعود على
    الثقافة الإسلامية، والسؤال هو: كيف تسحق الثقافة الإسلامية المسلم
    وتذوِّبه، ولكن في غير محيطها؟ إن محيط المرء غير محيط الثقافة
    والحضارة، وقد يكون محيطه؛ هو محيط ثقافته التي تصنعه عند تطبيق
    مفاهيمها وأفكارها وأحكامها وتعاليمها، ولكن بغير ذلك لا يكون المحيط
    إلا محيط الرجل حيث تسود الثقافة غير الإسلامية، والحضارة غير
    الإسلامية، فيكون في النهاية مسحوقا بغير الثقافة الإسلامية، ومذوَّبا
    في غير محيطها، بل في محيط الثقافة الرأسمالية والاشتراكية.. مذوبا في
    محيط الديمقراطية والعولمة والحداثة وما بعد الحداثة.. وبذلك تكون
    المرأة من ألفها إلى يائها كيانا سكنته شخصية غير التي ابتدأت فيه،
    إنها كالمسكونة من الجن لا تتكلم كلامها، بل تتكلم كلام غيرها دون
    وعي..
    وفي الأخير تجيب عن سؤال: "هل سبق لك أن مارست الشعائر الإسلامية؟
    بقولها: "توقفت عن ممارستها بشكل شبه قطعي في أواخر الثمانينات، وكان
    ذلك إثر الأعمال الإرهابية"، وقد سجلنا آنفا أن المرأة تعاني مرضا
    نفسيا لم تبرأ منه إلى غاية كتابة هذه السطور، وأخيرا تقول: "أعطيت ذلك
    الإله إجازة كي يخرج من حياتي". لقد أخرجت الله من حياتها بسبب القتل
    الذي حصل بين يديها.
    في بيت أقيم عند مزبلة للتاريخ بدينة بالحداثة والعلمانية، عجفاء
    بالاشتراكية والديمقراطية استقرت وفاء سلطان. خُصِّصت لها غرفة مليئة
    بالظربان والضباع والأفاعي.. جمالها مختلَف بشأنه، والقياسات غائبة
    للقدّ والقوام.. خُصِّصت قياسات للأورام الخبيثة، وعند شق الرأس
    المتخشِّب للقياس وجد أن العقل نفسه متورِّم.. صُرفت الأنظار إلى غرفة
    أخرى تقع أسفل. نزلت وفاء عبر نفق بابه ثغر مخصص لقضاء الحاجة، لابد من
    عبوره إلى الغرفة في الأسفل، ومجرد أن يطأه الداخل تنزلق رجلاه في ريق
    نتن، لكل الناس غدد تفرز ريقا طيبا إلا وفاء، تزحلقت حتى بيت الداء.
    طافت بغرفتها وهي تحمل ذهنها المتورِّم تبغي معالجته، لفظتها المعدة
    ودفعت بها نحو المعي الغليظ، ظلت تدور نازلة في كيان ممسوخ حتى خرجت من
    المؤخرة إلى العراء ملطخة بالقاذورات عارية إلا من السفاهة والوقاحة.
    تأذت بها الأرض واستصرخت هباءها علّ صراخها يصل آذان الكناسين لكنسها
    من فوقها، كائناتها الحية بدت خارجة كما لو كانت ديدان فزعة تخرج من
    مخابئها في الصخور البحرية وقد صبّ عليها صياد السمك ماء الحديدة
    الزرقاء، فزعت فزع المفاجأة، ولما تبينت وفاء صاحت بها: "ما بك ملفوفة
    بالقاذورات، ألست من طينة طيبة؟" فأجابت:
    ـ نعم أنا من طينة طيبة.
    ـ ولكن الطينة الطيبة من معدن رفيع لا يتناقض مع الحقائق.
    ـ وأنا أيضا.
    ـ ولكنك تحملين على الإسلام وكأنه عدوك.
    ـ أجل إنه عدوي، والعداء قائم بيني وبينه حتى يزول.
    ـ وإذن إلى مستشفى المجانين، كنت أشفق على مرضك النفسي، وكنت أعتبره
    بسيطا يمكن الشفاء منه، ولكنني الآن تبينت أنك من معدن رخيص، وطينة
    قذرة يتبرأ منها حتى أبواك. بينما وفاء تدور في تيه ملتحفة سماء
    مزوَّرة غيضت في الأرض، ولما لفظتها الأرض متأذية من نتن ذهنها لحقها
    الأمان، وطالها الإشفاق فكان كيانها الذي صنعها هو الذي استقبلها، ثم
    دخلت في تابوتها قردة ممسوخة، وسفيهة متأمركة.
    ...................

  3. #33
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.76

    افتراضي

    متابعة نسخ كتاب سخف الحداثة وخواء الحداثيين
    لكاتبه محمد محمد البقاش

    عبد الوهاب مؤدب



    في العدد 06 السبت/ الأحد 24/ 25 مايو 2008 لجريدة: الجريدة الأولى،
    صفحة: 6، نشر حوار مع: عبد الوهاب مؤدب حاوره: أحمد نجيم.
    ابتدأ سؤاله لضيفه في موضوع تجديد الفكر الإسلامي باعتباره مجددا لهذا
    الفكر، ومن أسرة متدينة، وهل كان للانتماء علاقة بتجديد الفكر
    الإسلامي؟
    فرد المفَيْكِر المتثَيْقِف بقوله: "صلتي مع الإسلام قديمة، فلي محبة
    للإسلام بحكم التربية، أبي كان عالما في أصول الفقه، وقبله كان جدي
    عالما بالقراءات، من هذا العالم بدأت علاقتي بالدين الإسلامي. هذه
    التربية تجعلني أجزم بأن الظواهر الجديدة للإسلام السياسي تشويه للدين
    الذي تربيت فيه، هذا الدين أعطاني البعد الرمزي والخيالي وكوّن
    شخصيتي".
    بداية الحوار هذا تبدو عرجاء بحيث فتحت رحما كبيرا يرى من خلاله ما
    بالداخل، وللأسف ما بداخل الرحم كان جنينا مشوها. فالمؤدب الذي تربى في
    أحضان أب عالم بأصول الفقه، وجدٍّ لا أعرف إن كان قد لحقه في نضجه
    وشبابه؛ لم يطابق قوله عن ماضيه ما يظهر عليه في حاضره، فالتربية التي
    جعلته يجزم بأن الظواهر الجديدة للإسلام السياسي تعتبر تشويها للإسلام،
    هي تربية ناقصة لم تستطع أن تفتح له باب المجتمع حتى يدرك طبيعة
    تركيبته، فالمجتمع الذي عاش فيه أبوه كان مليئا ببقايا إسلام مطبّقٍ
    عمليا في تونس وفي جميع البلاد العربية والإسلامية، وكذلك أحكامه
    وأنظمته في العلاقات العامة، ولكن حين فتح الاستعمار العالم الإسلامي
    عسكريا أزاح من العلاقات العامة أحكام الإسلام وأنظمته، وترك ما ينظم
    علاقة الرجل بالمرأة أو ما يسمى بالنظام الاجتماعي، وكذلك أحكام نظام
    علاقة الإنسان بربه من عبادات وأذكار وقراءات جماعية للقرآن... فلم
    يتعرض الاستعمار للمساجد، ولم يمنع الناس من الصلاة... فعل ذلك فبقيت
    بقايا إسلام، بقي المسلمون يتزوجون ويرثون وفق أحكام الإسلام، بقوا
    يصلون ويصومون ويزكون، ولكنهم في النظام الاقتصادي والحكم وغيره مما هو
    من الشؤون العامة منع الاستعمار عنهم تحكيم كتاب ربهم كما كان من قبل،
    أبقى ما لا يمس الحياة العامة، وهو قبل ذلك وفي ذلك وبين ذلك يغرز
    أفكاره ومفاهيمه، ويطبق نظامه وقوانينه، فجاء المؤدب في مجتمع لا يكاد
    يكون إسلاميا، وتقدم في العمر حتى عاش في مجتمع غير إسلامي ولم يزل،
    والحالة الطبيعية لكل من فقد حضارته من السيادة في حياة الناس أن يعمل
    على إعادتها، والطبيعي لكل من وجد مبدأه مُزاحا عن الحياة وأنظمة
    الحياة أن يعمل على استئناف تلك الحياة بمبدئه، فكان التكتل على تلك
    الأفكار والنضال من أجلها، والعمل على سيادتها، واستهداف دولتها مشروعا
    وطبيعيا لا يستغربه إلا السطحي من الناس، بصرف النظر عن نوعية ما
    يستهدف، فكيف لا يرى المؤدب هذا؟ كيف يعتبر التكتل والعمل السياسي
    للإسلام وبالإسلام تشويها للإسلام والإسلام مغيب من حياة الناس، ومعزول
    عن عيشهم؟ إن الأصل أن يعمل المسلم بالسياسة، والأصل أن يتكتل المسلم
    على أفكار الإسلام ومفاهيمه، ويعمل سياسيا على استئناف الحياة
    الإسلامية، وهذا ما قامت عليه التكتلات الإسلامية، وهو طبيعي، ولو تحول
    المجتمع البريطاني إلى مجتمع إسلامي، وسادته أحكام الإسلام، وطبقت فيه
    شريعته، وقامت فيه دولته، ثم ظهر للبريطاني أن يعمل على إعادة بريطانيا
    إلى نظامها العلماني ووضعها الرأسمالي، وحضارتها المادية؛ فما عليه إلا
    أن يتكتل سياسيا على أفكار ومفاهيم كانت وزالت وهي الأفكار الرأسمالية
    والحضارة الرأسمالية، وذلك هو المسلك الطبيعي، وهو العمل الذي يجب أن
    يقوم به الإنسان، لأن تركيبة المجتمع: أفكار ومفاهيم وأنظمة وقيم ومثل
    متبناة. تركيبة المجتمع أي مجتمع: علاقات معمِّرة ما عمّرت الأفكار
    والمفاهيم في المصالح المتبادلة لأناس في بقعة جغرافية لا بد منها حتى
    يظهر المجتمع ولو كان شكلا قبليا، ومن لا يجد أفكاره ومفاهيمه وأنظمته
    موجودة في علاقات الناس، وسائدة في حياتهم، وقام بالعمل على إيجادها؛
    يكون قد قام بعمل دل أولا على أنه ناضج يعرف كيف يسلك، ودل ثانيا على
    أن عمله مشروع فيه من الوعي الشيء الكثير، فما بال هذا المؤدب ينعق بما
    لا يفهم؟
    وأما الدين الذي يعطي الإنسان البعد الرمزي والخيالي فلا يكوِّن شخصية
    الإنسان، لأن شخصية الإنسان لا تقوم على الرمز والخيال، صحيح يمتد
    الرمز في تفكيرها، والخيال في تصورها امتدادا إلى حد ما، ولكنهما ليسا
    مما تقوم به الشخصية الإنسانية إطلاقا، وهذا كاف للدلالة على أن المؤدب
    ضعيف فكريا، ومجال بحثه ضيق حتى عليه، إنه كمن يلبس حذاء طفل رضيع لن
    تجد له مطابقة مهما حاولت، أي أنه يتناول ما ليس في مقدوره تناوله
    لضعفه، سنكمل معه. وليعذرنا القارئ لوصفنا عبد الوهاب مؤدب بالمُفَيْكر
    والمتثيْقِف في أول الفقرات من النقد والنقض المَمْدَري، لتعذرنا،
    فالواجب أن ننعته نحن وينعته القارئ والمتلقي معنا، ولكن بعد دراسة،
    هذا خطأ مني وأستسمحك حضرة القارئ المحترم.
    فالشخصية في الإنسان كلّ مؤلَّف من عقلية ونفسية. والعقلية تقوم على
    غير ما تقوم عليه النفسية. العقلية تبنى بأفكار ومفاهيم، وبالتالي
    تتحول عند القناعة؛ إلى مقاييس يسلك الإنسان وفقها في حياته، وعند
    العمل تأتي الجوارح التي لا تقوم بالعمل إلا بعد إذن من العقل الذي
    يكون قد اقتعد على منظومة قيمية تقوم على التحسين والتقبيح، والخير
    والشر، فيندفع الإنسان بجوارحه للإتيان بتلك الأعمال، فتراه في النهاية
    مسلما يطبق شرع الله ويسلك في حياته وفق أفكار الإسلام ومفاهيمه، أو
    بتعبير آخر يأتي بالأحكام الشرعية التي تعين له الحلال والحرام
    والمندوب والمكروه والمباح، أو يكون شخصية رأسمالية فتراه يسلك وفق
    الأفكار الرأسمالية والمفاهيم العلمانية فيأتي بسلوك منسجم مع أفكاره
    ومفاهيمه فتراه وفق منظومته القيمية يستقبح اليوم ما حسنه بالأمس،
    ويستحسن في الغد ما استقبحه اليوم، فالخير والشر عنده خاضع لمزاجه،
    وتابع لهواه، وكذلك الأمر بالنسبة للشخصية الاشتراكية وهكذا.
    وإذن لا يأتي الرمز والخيال إلا متأخرا جدا لأن الحقائق سبّاقة عليه،
    وعليه فإن الرمز والخيال لا تقوم عليه الشخصية الإنسانية، قد تقوم عند
    المجنون، وهذا الأخير لمن يتأمله، أو يكون قد عاشره لا يأتي إلا
    بالحقائق في أسلوب مستهجن خارج ذاته، انظر إليه حين يطلب طعاما وشرابا،
    يصدر عن أفكار ومفاهيم نابتة في أعماقه نبتا، ولكنه لا يستطيع تصريفها
    في أوجهها، ولا التحكم فيها لغياب خاصية الربط من دماغه وهي إحدى شروط
    العقل بعد الإحساس والواقع والمعلومات السابقة.. هذا ليس بحثنا.
    إن حياة الإنسان ليست أدبا، بل هي فكر، ولا يعني ذلك أن الإنسان دون
    عواطف، كلا، ولكن العواطف لا تظهر إلا على خام الفكر والمفهوم، ثم يأتي
    لاحقا الرمز والخيال فينتج الإنسان الروائع من التجريد اللغوي والرمز
    والاستعارة والكناية اللغوية، ينتج في الأدب القصة والرواية والشعر
    والفنون.. وينتج في الأدب المَمْدَري القصة الظليلة، والقصة الوجيهة،
    ونصوارية الأضداد، ولغة البكوك، والكناية العلمية غير المسبوقة ـ نسبة
    إلى العلوم التجريبية ـ بتقنية التثقيف الفني والرياضة الذهنية،
    واستهداف غاية مزدوجة هي: المتعة العاطفية، والمتعة الذهنية..
    ويأتي السؤال الثاني ليدل على خواء السائل أولا، ثم ليدل على عدم
    احترافية، يأتي إلى الظواهر الجديدة التي يصفها ويقول: "لكن هذه
    الظواهر الجديدة كما تصفها، تعتمد في شرعيتها على ما هو ديني، وهذا
    يخلق نقاشا كبيرا، إذ تسوغ القيام بأعمال تصفها هي بـ (الجهادية)،
    وتصنف من طرف الغرب بكونها (إرهابية) بآيات قرآنية، وقس على ذلك في
    أمور أخرى".
    لنتجاوز اضطراب السؤال لغويا فنضع الآيات القرآنية مباشرة بعد كلمة
    الجهادية لتدل على السببية، ثم نذهب إلى الذي يزعم أن النصوص المذكورة
    ضمنا وهي نصوص قرآنية تتعلق بالجهاد؛ ليست قطعية الدلالة.
    جميل من المفيكر أن يقول قطعية الدلالة ليفهم منه أن القرآن قطعي
    الثبوت، أي أن ما بين دفتي المصحف الشريف من سورة الفاتحة إلى سورة
    البقرة قطعي الثبوت عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا، عن رسول
    الله صلى الله عليه وآله وصحبه، عن الله عزل وجل بواسطة الوحي.
    القضية كما يقول قضية تأويل، لنرى وقد وضعت أمامي كتاب الله تعالى
    واستخرجت منه جميع ما يتعلق بالجهاد فكانت كلمات الجهاد فعلا وفاعلا
    واسم فاعل واسم مفعول وجمع ومصدر 31 الواردة في القرآن الكريم. والقتال
    على نفس الوتيرة 152. والحرب بنفس الإيقاع 6. قرأت فيه كل آية تتعلق
    بذلك، ونحيت ما ليس له علاقة كقوله تعالى: "وإن جاهداك على أن تشرك بي
    ما ليس لك به علم فلا تطعهما" الآية: 15 لقمان، وقد وردت أيضا بجميع
    حروفها في آية أخرى عدا حرف الجر (على) الذي استبدل بحرف اللام في
    قوله: "لتشرك ما ليس لك به علم" الآية: 8 العنكبوت. نحيت الجهد وهو جزء
    من الجهاد لأن الجهاد فعلا جهد مبذول بالنفس والمال والعلم، كما نحيت
    كثيرا من الآيات التي لا علاقة لها بموضوعنا كقتل قابيل لهابيل وقتل
    اليهود لأنبيائهم وقتل الرجل الصالح ـ الخضر ـ للغلام، وقتل داوود
    لجالوت وأمر الله لليهود بقتل أنفسهم وهو مجاز يكني به عن حبسها عن
    الظلم والشهوات واقتتال المؤمنين فيما بينهم في موضوع الطائفتين إلى
    غير ذلك، لم أتناول إلا ما يدخل في موضوعنا لنرى فيه صدق عبد الوهاب
    مؤدب وعلمه، أو كذبه وجهله، فلقد دفعني مشكورا للاستزادة من المعرفة
    وحفزني لترك ما لا يستقيم إن أنا وجدت عنده علما..
    نظرت في تفاسيرها فاستخلصت ما يلي:
    لنبدأ بالآيات التي وردت فيها كلمة الحرب، فكلمات الحرب وردت ست مرات،
    وردت في عدة مواضيع، فلا تعني الحرب في آية مثلا مثل ما تعنيه في آية
    أخرى، وهنا يصدق القول بظنية الدلالة، و هذا مشروع لغة ومشروع شرعا،
    فمحاربة الله ومحاربة رسوله ليست محاربة لذات الله وذات الرسول، بل هي
    محاربة لما جاء به الرسول عن الله من وحي، وعليه فمحاربة الله ورسوله
    هي محاربة للخير، للعلم، للقيم الرفيعة، للمثل العليا، للعدل، للحياة،
    للسلم، للتعايش.. يبقى الوقوف على أيها معنية في الآية. فالذين يسعون
    في الأرض فسادا هم الظلمة، ولكن تعيين الأداة والوسيلة يحتاج إلى إعمال
    عقل بفقه لغوي وفقه شرعي، وعليه فالفساد قد يكون بالمال، وقد يكون
    بالمخدرات، وقد يكون بقطع السبيل، وقد يكون بإكراه الناس على
    الديمقراطية كما تفعل أمريكا رغم نتانة ديمقراطيتها وعفونة ركابها، وقد
    يكون بسرقة أملاكهم حين يملك ما هو للجماعة فيما يسمى بالخوصصة أو
    الخصخصة لأفراد.. قد نتفق على واحدة من هذه، وقد نختلف، لا يهم، المهم
    أن الآيات مفتوحة على عدة تأويلات بسبب كونها ظنية الدلالة، وهنا يصيب
    عبد الوهاب، ولكن إطلاقه للحكم ربما يكون سفها، لنرى.
    لنأخذ قول الله تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرِّقاب حتى إذا
    أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء حتى تضع الحرب
    أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين
    قاتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم" الآية 4/5 من سورة محمد.
    هاتان الآيتان ورد فيهما ذكر سبيل الله، وما ذُكر سبيل الله في القرآن
    إلا كان مقرونا بالقتال والحرب والجهاد، وهما بالنظر السليم لغة وشرعا
    يبدوان واضحين لا يحتاجان إلى تأويل غير تأويل ـ أي تفسير ـ أنهما
    بدلالة قطعية، فثبوتهما قطعي الدلالة، ودلالتهما قطعية أيضا، ومن هنا
    يمكن اعتمادهما لدى من يحمل السلاح بتفسير لا علاقة له بواقع الآيتين،
    بل بمناطهما، فهما من الآيات التي عمل بها رئيس الدولة رسول الله صلى
    الله عليه وآله وصحبه حين قاد الجند، وأمّر من يقود الجند لأن ذلك من
    صلاحياته، واليوم لا وجود لرئيس دولة إسلامية، لا وجود لدولة يرأسها
    خليفة للمسلمين يقود الجيش أو يعين أمراء له، قد نختلف هنا، ولكن
    خلافنا لن يكون إلا على المناط، وهذا بحث آخر.
    ثم إن كلمة إرهاب كلمة لا يراد منها معناها اللغوي ولا معناها
    الاصطلاحي الذي اتفق عليه في السبعينيان من القرن الماضي حين اعتبروا
    أن القيام بأعمال عنف لأغراض سياسية إرهاب، ليس المقصود منها أي شيء،
    فكيف أضحى المقصود منها كل شيء؟ فهي ذريعة الطغاة واللصوص الذين
    يتمتعون بقوة قاهرة يستعملونها لقهر الضعفاء وسرقة خيراتهم، إنها أغنية
    بالية وسيمفونية مقيتة، كما أنها كذبة كبيرة بدأتها أمريكا بإسقاط
    البرجين عن عمد بتمثيلية بليدة مثل فيها الجُعل الأسود، ثم تلتها أعمال
    مسرحية ذهب ضحيتها أبرياء في آسيا وأوروبا وإفريقيا.. لا أحب مناقشة
    هذا في معرض الحديث عن الجهاد حتى لا نخرج إلى موضوع آخر، وعليه دعونا
    نأخذ من الجهاد ما يتفق عليه العرب والمسلمون في الأعمال الاستشهادية
    التي يقوم بها الفلسطينيون بفلسطين المغتصبة.. هؤلاء لا تنطبق عليهم
    الآية المذكورة، كما لا تنطبق على غيرهم في غياب دولة الإسلام، ولكن لا
    يعني ذلك استبعاد استعمال السلاح انتصارا لقضية شرعية، ولكن بعمل يأخذ
    أسلوبا آخر لا يخلو من أمير ومأمور، لا يخلو من جماعة تقوم به
    كالمقاومة والمجاهدين في فلسطين والعراق والصومال... وعليه فالعمل من
    أجل طرد المحتل بشتى الوسائل؛ ومنها القوة العسكرية يقره الإسلام بنصوص
    قطعية الدلالة، كما يقرها القانون الإنساني إذا كان النازل بساحة قوم
    مستعمرا محتلا غير مرغوب فيه مثل إسرائيل بفلسطين كلها وليس فلسطين ما
    بعد 1967، ومثل أمريكا حين نزلت بساحة الفيتناميين والصوماليين، وتنزل
    بساحة الأفغانيين والعراقيين...


    -------
    ملاحظة: موضوع عبد الوهاب مؤدب بدأت في كتابته قبل موضوع وفاء سلطان
    بأيام من نفس الشهر (شهر مايو) 2008، ولكنني لم أستمر فيه إلى غاية
    أبريل 2010، ثم استأنفت كتابته، وقد قررت إلحاقه بكتابي هذا: سخف
    الحداثة وخواء الحداثيين..
    ................

  4. #34
    الصورة الرمزية مرشدة جاويش أديبة
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    الدولة : سوريا
    المشاركات : 467
    المواضيع : 36
    الردود : 467
    المعدل اليومي : 0.15

    افتراضي

    اشكرك لجهدك وتقدمتك
    إن كان الطرح بالطريقة الحيادية والموضوعية
    فالحوار يكو ن أوسع
    وتبقى الثقافة مدارس و وجهات نظر تعتمد الدراسة
    والاسس والمرجعيات
    الادب يأخذنا إلى كل المنابع
    تحاياي
    انظروا فتنتي تترامى صارت الشمس عنقاء كوني
    انظروها كغيمة ورد وسألوا عاهل الشهد أيني

  5. #35

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

المواضيع المتشابهه

  1. أزمة الحداثة الغربية وإبداع الحداثة الإسلامية
    بواسطة سامح عسكر في المنتدى الحِوَارُ المَعْرِفِي
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 03-03-2012, 10:41 PM
  2. تقاسيم : إصدار شعري جديد للشاعر والكاتب الفلسطيني د . لطفي زغلول
    بواسطة لطفي زغلول في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 26-09-2011, 03:25 AM
  3. إصدار جديد
    بواسطة حسن كريم في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 24-02-2010, 01:04 AM
  4. إصدار جديد اسطوانة الموسوعة الإسلامية الكبرى للكتاب الالكتروني 250 كتابا
    بواسطة آمال المصري في المنتدى المَكْتَبَةُ الدِّينِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-12-2008, 07:45 PM
  5. إصدار جديد للأديب المغربي حسن كريــــم
    بواسطة أحمو الحسن الإحمدي في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18-03-2007, 08:19 PM