أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: عناصر البناء الفني عند الأديب الملتزم بالإسلام

  1. #1
    الصورة الرمزية فريد البيدق أديب ولغوي
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : مصر
    المشاركات : 2,694
    المواضيع : 1048
    الردود : 2694
    المعدل اليومي : 0.58

    افتراضي عناصر البناء الفني عند الأديب الملتزم بالإسلام

    (1)
    لماذا قلت: عند الأديب الملتزم بالإسلام، ولم أقل: عند الأديب المسلم؟
    قلت ذلك حتى يتضح المراد من أول وهلة.
    كيف؟
    إذا قلت: عند الأديب المسلم- فكل من ولد لأبوين مسلمين يعد نفسه مسلما حتى لو كان علمانيا أو ملحدا أو مقدسا لكل شيء إلا الإسلام وأصوله وما يتصل به، بل قد يسمي نفسه مفكرا إسلاميا، وقد يسميه الناس بذلك.
    وهذا النوع لا أعنيه.
    لماذا؟
    لأنه متشبع بما يضاد ما سأقوله.
    إذا: من أخاطب؟
    إنني أخاطب ذلك الأديب الذي يحاول القضاء على العلمانية في الأدب بتعميق القيم الإسلامية في أدبه، ويبحث عن وسائل تحقيق ذلك بعيدا عن الشبهة التي يرددها من يتشبع بالنموذج الأدبي العلماني: أدب الوعظ.
    هذا هو مستهدف مقالي.
    فماذا أريد أن أقول؟
    (2)
    إن الأدب فعل من أفعال البشر التي تنحصر تحت الأحكام الشرعية الخمسة من حرام وواجب ومكروه ومستحب ومباح؛ فهو قد يكون في سياق حراما وقد يكون في سياق آخر واجبا وقد يكون في سياق ثالث مكروها وقد يكون في سياق رابع مستحبا وقد يكون في سياق خامس مباحا.
    ماذا يجعل السياق يختلف؟
    إنها القيم التي يتغياها الأديب، وإنها الوسائل التي ينتهجها لتحقيق تلك القيم.
    وهل يختلف الأديب الذي يتخذ الإسلام منهجا عن غيره في ذلك؟
    نعم.
    كيف؟
    إن الأدب انعكاس لصورة الأديب؛ لأنه يضع قناعاته النفسية والفكرية والحياتية في أعماله؛ فإذا كان متشبعا بالإسلام انعكس على إنتاجه، وإن كانت الأخرى فالموجود الأدبي الغالب هو النتاج.
    وكيف يكون ذلك؟
    (3)
    يكون ذلك بالمنطلق الفكري.
    وما منطلق الأديب الفكري الذي يتغيا الإسلام؟
    إنه منطلق يتمثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 4]، فيعلم أن البيان الذي يمثله الأدب نعمة من الله ومنة تستوجب الشكر الذي يقتضي صرفها في طاعة.
    ويتمثل قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، فيعلم أن القراءة مادة الإبداع والإبداع الذي يعكسه بأدبه مرتبط بمنهج الله تعالى؛ فهو يقرأ ويكتب متمثلا مقام الإحسان الذي بينه الرسول في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: {قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ}.
    كذلك يعرف ذلك الأديب أنه مسئول عن وقته وعمره وعلمه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه الألباني: {لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ}.
    ويستحضر ما يملأ النموذج الإسلامي للمسلم الملتزم بالإسلام في كل الحياة تحقيقا لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].
    ولنا أن نسأل: كيف يؤثر هذا المنطلق على أدوات الأديب؟ وهل يؤدي به إلى اختراع أدوات جديدة؟ أم هل ينحصر الأمر في توظيف الأدوات الموجودة توظيفا يتلاءم مع المنطلق السابق؟
    (4)
    سنرجئ أمر اختراع أدوات فنية جديدة إلى سياق آخر، وسنحصر الكلام في هذا المقال على استثمار الأدوات المتاحة وفق منطلقه الفكري الإسلامي.
    كيف يكون ذلك؟
    سنعرض لأدوات فنية رئيسة هي الآتي:
    1- الموضوع
    كل أحداث الحياة تصلح مادة للأدب حسب النوع الأدبي، لكن الأديب الملتزم إسلاميا لا يختار موضوعا حراما.
    كيف؟
    لا يبني عمله الأدبي على مومس يستعرض من خلالها الحياة ويحكم على البشر والأحداث، ويجعلها محبوبة إلى القارئ لإلفه إياها لأنها المتحدثة والبطلة للعمل الأدبي، ومعذورة لديه بأسبابها الإنسانية التي قد تكون محض شهوة.
    ولا يبني عمله الأدبي على إنسان مقهور محطم يائس وتكون تقنيات تعامله مع هذه المعايشة سيجارة وكأس خمر وغانية، وينسى ربه ودعاءه وسلوكيات المؤمن في المصيبة.
    ولا يجعل موضوعه تمجيد ما هو غير إسلامي والحط مما هو إسلامي كما فعل علاء الأسواني في روايته "شيكاغو" التي كانت فيها المحجبة ساقطة في الفاحشة والملتحي منافق مراء أما الشيوعي والنصراني فهما النموذجان الناصعان المخلصان.
    ولا يبني عمله الأدبي على انتهاك ما هو مقدس ديني اعتمادا على كون الحكومات لا يعنيها أمر الدين بقدر ما تعنيها الأمور المتصلة بالحكم والسلطة كما فعل صاحب رواية "وليمة لأعشاب البحر".
    و... و... إلخ.
    والسابق يكفي مثالا والمتابع يمكنه أن يقرأ ويصنف ويحلل.
    2- الصراع
    الصراع هو قوام الحركة الأدبية للأحداث على تفاوت في ظهوره، والأديب الملتزم الإسلام منهجا يظهر التزامه في عنصر الصراع في سببه ومسيرته وإنهائه.
    كيف؟
    لن يدير الأديب الملتزم إسلاميا صراعا حول الإيقاع بامرأة في شهوة فاسق يظل يحكي ويحيك الحيل، ولن يجعل لحظات الضعف الإنساني موضوعا للصراع يبني عليها حبكته الفنية فيظل البطل يسيطر على الضحية خوف الفضيحة وتظل هي خاضعة للسبب ذاته، ولن يجعل الجنس سببا للصراع، ولن ... ولن ... إلخ.
    3- مصادر ثقافة أبطاله
    لن يحصر الأديب مصادر ثقافة أبطاله في الثقافة الغربية ولا يرى الأدب إلا ذلك، بل سيجعل القرآن والسنة وسيرة الصحابة وأعلام الحضارة الإسلامية المصادر الأولى الأساسية، ثم ينوع بما يلائم ذلك من الثقافة الغربية فلسفة أو نقدا أو غير ذلك.
    ويظهر ذلك في عادات شخصياته وسلوكياتها في حياتها الأسرية والعملية والاجتماعية والثقافية، فلا تجد رجل أعمال يقيم غداء عمل تشرب فيه الخمر، ولا تجد تاجرا يجري عقدا يعلم فيه حراما، ولا تجد مثقفا يدير حوارا حول المقدس من دون علم، و... إلخ.
    4- الشخصيات
    عند رسم شخصيات عمله سيستحضر هدي القرآن في التعبير عن أشد اللحظات خصوصية بما يُعرِّفها ويصون سامعها عما يدنس الطهر.
    كيف؟
    قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [الأعراف: 189].
    فهو يتأمل جملة {تَغَشَّاهَا} ويستحضرها ويتمثلها فلا يتجاوز عند رسم شخصياته رسما خارجيا أو داخليا؛ فلن يظهر الفحش في العبارة، ولن يسرف في وصف النساء الجسدي؛ لأنه يعلم أن الوصف المطلوب هو ما يخدم سياق العمل الأدبي، ولن تكون الشهوة وإثارتها هدفا له.
    5، 6، 7، 8، 9- الحلم، وتيار الوعي، والحوار الداخلي "المونولوج"، والمذكرات، والرسائل
    لن يحمله كون الحلم خارج السيطرة، وكون تيار الوعي غير منظم، وكون الحوار الداخلي غير معلوم عند شخصيات العمل الأدبي الأخرى، وكون المذكرات يكتبها الإنسان في عدم وجود آخرين، وكون الرسائل فعل شخصي محصور بين المرسل والمرسل إليه- على أن يقترب من الحرام؛ لأنه يعلم أن أدبه فعل من أفعال الوعي الخاص به.
    10 - الحوار
    لن يدير حوارا بين رجل وامرأة في خلوة، ولن يشيع جو الاختلاط، ولن يشعر القارئ أن الأدب ابن بيئة المعصية فقط، ولن يسف بحجة مواءمة طبيعة الشخصية.
    احرص على أن تنادي أشياء حياتك الإيمان وشريعة الله تعالى!

  2. #2
    الصورة الرمزية بندر الصاعدي شاعر
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    الدولة : المدينة المنورة
    العمر : 40
    المشاركات : 2,930
    المواضيع : 129
    الردود : 2930
    المعدل اليومي : 0.46

    افتراضي

    الأستاذ الأديب
    فريد البيدق
    أشيد بطرحك الجوهي وإيجازك البليغ وموضوعاتك القيمة التي هي محل إفادة وإضافة للقارئ الواعي والمثقف الرشيد , ولا أخفيك أنني أجد في الساحة الأدبية المعاصرة ضعفا في مواجهة التيارات المناوئة لما هو إسلامي وأخلاقي والأسباب متعددة كبيرها الإعلام المدار بأجندة علمانية تغريبية .

    نفعك الله بك ورفع قدرك

  3. #3
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.50

    افتراضي

    لقد أصبح الكثير من النتاج الأدبيّ لا يمتّ للأدب بصلة وربّما تصحّ تسميته بفن( اللا أدب أو قلّة الأدب). وإذا ما وجه النّقد لصاحب هذا الأدب كان الحجّة أنّ الرّاوي أو الشّخصية هما اللذان يعرضان ما يُعرض ، ولا دخل للكاتب في سير الأحداث...
    سيطر الفكر الشّهوانيّ على حساب الفكر الرّاقي والرّوحاني في عديد من الرّوايات والأشعار وغيرها... في الأدب الصّادر في الشّرق والغرب...
    أحيانا نبدأ بقراءة رواية ولا نرغب في إكمالها نظرا لما تقذفه السّطور من وخامة فكر واعتقاد... وأصبح الجنس في الرّوايات وسيلة للتّسويق والتّشويق والسّلّم الذي يرتقيه الكاتب للارتقاء بأدبه! وغيره من الأمور التي عرضها الأستاذ فريد في مقالته ...
    شكرا لك أستاذنا على ما تطرحه في هذا المقام... فالأدب يعكس حضارة وقيما وطريقة تفكير الشّعوب والأفراد
    تقديري وتحيّتي

  4. #4
  5. #5

المواضيع المتشابهه

  1. عناصر البناء الفني عند الأديب الملتزم بالإسلام
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 15-03-2016, 05:30 PM
  2. البناء الفني
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 04-02-2014, 01:24 PM
  3. العقيدة والشريعة في البناء الفني
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 06-07-2012, 02:28 PM
  4. الأدب سلاح .. فمتى يستخدمه الأديب المسلم الملتزم بالإسلام؟
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 05-01-2012, 11:06 PM
  5. التجربة الأدبية عند الأديب الملتزم بالإسلام
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 17-12-2011, 06:22 PM