عِنْدَمَا يَبْكِي القَمَرُ



لَيسَ أَقْسَى عَلَى النَّفْسِ مِنْ لَحَظَاتِ الغِيَابِ حِينَ يَعْزِفُ نَايُ الشَّوقِ لَحْنَهُ الشَّجِيِّ وَتُغَنِّي بَلابِلُ التَّوقِ أُنْشُودَةَ الأَلَمِ وَالأَمَلِ. وَيَكُونُ الوَقْعُ أَشَدُّ قَسْوَةً حِينَ يَكُونَ غِيَابًا بِطَعْمِ الفَقْدِ غَائِلَ البَوحِ وَاحتِسَابًا بِنَكْهَةِ الوَجْدِ مُوْجِعَ الرُّوحِ. وَبَينَ هَذَا وَذَاكَ تُسَافِرُ الأُمْنِيَاتُ بِجَنَاحِ الذِّكْرَى تَارَةً وَبِرِيَاحِ الشَّكْوَى تَارَةً أُخْرَى تَبْحَثُ فِي الأُفُقِ عَنْ مَرْفَأِ دَافِئِ وَوَطَنٍ حَنُونٍ يَحْتَوِي فِيهِ القُلُوبَ الوَاجِفَةَ ، وَتَرتَوِي مِنْهُ العُيُونُ الذَّارِفَةِ.

وَفِي اللَّيلِ إِدْ يَنْتُشُر الدَّيجُورُ غَلَسَهُ رَسُولَ وَحْشَةِ وَغُرْبَةٍ يُفْتَقَدُ القَمَرُ ، فَتَرنُو إِلَيهِ البَصَائِرُ مَعِ الأَبْصَارُ تَبْحَثُ فِي الأُفُقِ عَنْ بَقَايَا قَبَسِ مِنْ نُورِهِ المُؤْنِسِ وَجَمَالِهِ المُبْهِجِ نَدِيمَ سَهَرٍ للسَّاهِدِين وَرَفِيقَ سَفَرٍ لِلسَّارِينَ وَمُتْعَةَ نَظَرٍ لِلحَالِمِينَ. وَيَّكَأَنَّ القَمَر قَدْ كُتِبَ عَلَيهِ أنْ يَحمِلَ كُلَّ أَوشَالِ البَشَرِ! وَيَّكَاَنَّ قَدَركَ أَنْ يَحْتَمِلَ مِنْهُم الأَخْطَاءَ بَلْهَ الخَطَايَا! وَلا يَزَالُ مَلُومًا مُؤَنَّبًا مَا أَتَى ؛ إِنْ غَابَ سُئِلَ ؛ وَإِنْ أَطَلَّ جُهَلَ ؛ وَإِنْ خَسَفَ عُذٍلَ ؛ وَإِنْ طَلَبَ خُذِلَ ؛ وَإِنِ اشْتَكَى يُلامُ.

أَيُّهَا القَمَرُ المُشْرِقُ فِي نُفُوسِ مَنْ أَدْمَنُوا بِكَ الضِّيَاءَ ، وَعَرِفُوا فِيَكَ الوَفَاءَ ، وَاعْتَادُوا مِنكَ العَطَاءَ ، وَأَدْرَكُوا بِكَ الاحْتِمَاءَ. أَيُّهَا القَمَرُ الذِي أَتْقَنَ فَنَّ التَفَانِي وَالتَّدَانِي ، وَأَضَاءَ وَجْهَهُ بِابْتِسَامَةِ حُبٍّ وَبَذْلٍ وَكَتَمَ فِي القَلْبِ أَنِينَهُ. أَيُّهَا القَمَرُ الذِي يَغْرِسُ فِي يَبَابِ شجُونِهِ زَهْرَ بَنَفْسَجٍ وَفِي بَسَاتِين مَنْ حَولَهُ زُهُورَ اليَاسَمِينِ وَالنَّرْجِسِ وَشَقَائِقِ النُّعْمَانِ رَبِيعًا يُسْعِدُهُمْ وَرَوَابِيَ عَاطِرَةً تُبْهِجُهُمْ وَتَمْسَحُ عَنْهُمْ كُلَّ لأيٍ وَكَدَرٍ. أَيُّهَا القَمَرُ الذِي لا يَنَامُ وَإِنْ رَقَدَ ، وَلا يَضِنُّ وَإِنْ جُحِدَ وَلا يَشْتَكِي وَإِنْ وَجَدَ ؛ يَنَابِيعَ مِنْ سُقْيَا عَذْبَةٍ لا تَعْرِفُ نَضْبًا ؛ وَمَصَابِيحَ مِنْ رُؤْيَا وَاعِيَةٍ تُنِيرُ دَرْبَ السَّالِكِينَ.

أَيُّهَا القَمَرُ الذِي لا يَحْتَوِي معْجَمُهُ إِلا عَلَى مَعَانِي العَطَاءِ وَالوَفَاءِ ، هَذَا قَدَرُكَ فَاسْعَدْ بِهِ وَلا تَسْخَطْ ، وَقَدْ حَانَ وَقْتُ البُّكَاءِ فَابْكِ وَإِنْ أَبْكَانِي بُكَاكَ.

إِبْكِ فَإِنَّ لِلدَّمْعِ شَآبِيبَ تَغْسِلُ حُزْنَ الفُؤَادِ وَتَمْسَحُ الأَنِينَ عَنِ الشِّغَافِ ، وَإِنَّ لَهُ لَصَولَةً تَجْتَثُّ عَرَاقِيبَ الأَسَى وَتَبُثُّ فِي الصَّدْرِ فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَةً وَأزَاهِيرَ رَطِيبَةً تُعَبِّقُ النَّفَسَ وَتُجَدِّدُ الحِسَّ وَتُحْيِي الشُّعُورَ.

إبْكِ فَإِنَّ لِلبُكَاءِ مَعَانِيَ أُخْرَى ، وَإِنَّ فِي البُكَاءِ حَمَائِمَ سَلامٍ وَهَدِيلَ يَمَامٍ وَنَسِيمَ صَفَاءٍ وَوِئَامٍ.

ابْكِ حَتَّى يَمَلُّكَ البُكَاءُ أَو تَمَلُّهُ ثُمَّ ارْفَعِ الرَّأسَ وَابْتَسِمْ ، وَقُلْ فِي َشَمَمْ: يَكْفِينِي فَخْرًا أَنْ أَكُونَ أَنَا القَمَرَ.