أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: على شفا حفرة لمجدي جعفر

  1. #1
    قاص
    تاريخ التسجيل : Feb 2006
    المشاركات : 512
    المواضيع : 19
    الردود : 512
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي على شفا حفرة لمجدي جعفر

    على شـــفا حفــرة لمجدي جعفر
    رواية تستحلب طعم التاريخ


    بقلم : العربى عبدالوهاب

    مجدى جعفر يكتب فصول متواليته الروائية (1)، على سجاد مطرز ومنقوش بألوان زاهية ، تشكل تاريخا للمقاومة ضد الاستبداد منذ الثورة العرابية ، وصولا إلى 25 يناير .
    تاريخ مضئ ، ينضح بعبير الماضى الممتد فى لحم الحاضر ، والحاضر المنبعث من رحم الماضى .
    الشخصيات مشحونة بالخرافة ، وكأنها نابعة من ألف ليلة وليلة ، كأنها تحفر بحركتها المتألقة ، حياة أخرى موازية للتاريخ ، بينما الأرضية المكانية، والزمن بسيولته ومرونته فإنهما يجسدان ضعف وقوة هؤلاء الشخوص ، يبعثان ـ مرة أخرى ـ متاعبهم ، وأحلامهم المهدرة .
    لم يكن الباعث المركزى للكتابة فى هذه المتوالية الروائية سوى طرح هذه المعاناة على مرآة التاريخ ؛ كأن حركة الشخصيات واندفاعهم الحميم مؤمنين بالمعتقد الشعبى فى حكايات عالم الجن ؛ يؤكد مواجهتهم بإرث قديم ، قار فى وعيهم ، يعود بالمكان إلى عهوده الباكرة ، كأنه الوجود البدائى الأول للمكان بمخلوقاته وحكاياته . حين كانت المدن لم تزل فى طور النشأة وكانت الحياة مع ذلك يحكمها ومنذ الأزل الطبقية والاستبداد .
    "كان النقاد, منذ عقدين أو ثلاثة, يسلمون بكفاية الاعتقاد السائد بأن الأدب مصدر المعرفة- ومعرفة مهمة. كانوا, على الأقل, يفهمون أنه مخزن المعرفة الوثائقية. يخبرنا كيف عاش الآخرون ؛ وكيف يحكمون بعضهم على البعض الآخر, كيف يقيّمون العادات الجيدة, كيف يعشقون ويقعون في الحب, كيف كانت حياتهم الأسرية, كيف بنوا مجتمعهم, متى يتناولون عشاءهم, كيف ترعرعوا واحتلوا مكانتهم في عالم الراشدين " (2)

    الحياة تجرى فى عروق المكان
    فى البدء يفرض المكان سطوته على شخصيات الرواية الذين هدهم التعب كـ (أجرية) تركوا قيادهم لمخلوقات أخرى كانت تسكن المكان قبل مجيئهم وبعد حلولهم حلوا فيهم ، وتلبسوهم ، نحس بمفردات وملامح المكان عبر المنظور الشعبى الذى شكل طبقات الوعى ورسخ للمعتقد الذى فرش ـ بدوره ـ ظلاله على المكان المركزى فى الرواية ، وهو (أرض البركة) . مما حول مجرى الأحداث خلال الـ (90 ) صفحة الأولى تقريبا .
    بالإضافة لتعدد وتنوع المقولات التى أوردها الكاتب فى مطلع الرواية عن (البركة) وقامت بدورها فى إثراء المكان بالتأويلات . ذلك المكان المنخفض بمقدار خمسين مترا بين الزقازيق والمنصورة كمدينتين فى وسط الدلتا . تتجاور على ربوعه الرؤى ( الرؤية التأريخية ، والرؤية النابعة من المعتقد الشعبى ـ حكايات النداهة والجن ـ والرؤية الوصفية لمكان كان غير مأهول وبدأت الناس (الأجرية) تفد إليه ) إن متابعته فى حال نموه ونشأة الحياة على أرجائه . يجعل من حياة البشر مفردة جديدة تمنح المكان المبرر الفنى للولوج وسط تعاريجه ومنحنياته .
    بشــر ينزحون مع شجرة القطن ، سعيا وراء الرزق ، ولقمة العيش ؛ كتب عليهم أن يعيشوا كبشر مرتحلين ، أجرية ، عبيد ، لا يعرفون من الحياة سوى البحث عما يقيم الأود . ويستر العورة .
    جاء ذكر المكان فى الصفحات الأولى للرواية ..أيام شق الترع والمصارف منذ حكم محمد على وأولاده .. حيث تشكلت العزبة التى سميت بعد ذلك باسم (عزبة العايق ).وتم ذلك بسعى النهرى بك العايق كبير عائلة العايق وزوج أخت خورشيد باشا .
    وكأن المكان يتشكل ويأخذ اسمه نسبة للسادة الحكام ، ليس لأبناء الأرض الفلاحين .
    يقول واصفا البركة
    " وتشكلت البركة ، ونمت أشجار الغاب ، والبوص ، والحشائش ، ونبات الحلفا ، ونباتات متسلقة ، وأشجار شوكية .
    وحول البركة انطلقت الحكايات : " ص7/8
    هل فعلا تكونت البركة من "صفاية" مياه المصارف والترع ، والخلجان ؟؟ . أم نشأت مع بدأ الحياة وترعرت فيها الحشائش ونبات الحلفا وتغذت بماء البركة ، هذا التنوع ، يؤكد أن لا حقيقة مجردة وأن كل الاحتمالات قائمة ، طالما تسقط الناس برؤاهم وتدلى بدلائهم كل واحد حسب توجهه وتمكن المعتقد الشعبى لوعيه ، وهذا يبدو مبررا وطبيعيا مع جملة ( وحول البركة انطلقت الحكايات )
    بمعنى أن تاريخ المكان بدأ فى التشكل ، وتسرب إلى صفحات الحياة ؛ من خلال تاريخ سرى غير مدون ، يعكس رؤى شعبية نابعة من تصورات الإنسان عبر أزمنة بعيدة بوجود عالم آخر يتقاسم معه الحياة فى هذه البركة بل يتزاوج معه كما حدث لأم فقرية ، ولزوجة أحمد الضعيف ، وبالطبع كما حدث وصارت تاريخا حكاية (أبوكلبة)
    النداهة التى اجتذبت الشاب ، فيما بعد سيحصل على لقبه أبوكلبة قبل أن يموت بشهرين ، أغرته برقصها وعريها وجمالها الفتان ، استدرجته إلى البركة ، رقصت له فوق الماء ، وبين أشجار الغاب فانعكس على عودها لون الشمس الذهبى ، ولما حدث الولوج صرخ صرخة مدوية لأنها تحولت وصارت كلبة ، لما وصله أهل العزبة ورأوه عاريا والحال هكذا أشاروا عليه أن يقفز بها فى الماء ، سرد الأحداث على هذا النحو فى الرواية وهنا جاء بغية إيضاح أن السرد سعى إلى تفسير المعتقد ، وتجسيد الخرافة من خلال هذه الشخصية العابرة التى حضرت كأيقونة دالة على تاريخ المكان ، ومخلوقاته وبدأ تشكل الحياة فى أرض العزبة ، خلال عهود سابقة تتجاوز قرن مضى من الزمان .
    بمرور الزمن يستأنس سكان العزبة المكان/البركة ؛ ونتعرف على تفاصيل البركة مع حركة السيدات بحثا عن الحشائش والكلأ ؛ تضع أم فقرية طفلتها التى حملت بها سفاحا من الجنى ، تترك العزبة بعد حريق نشتم منه رائحة أفاعيل الجان .
    تهرب أم فقرية مخلفة وراءها قنبلة منزوعة الفتيل ، الرجال يقفون متشككين فى رجولتهم باحثين عن اليقين الذى اهتز ، وكأن سكان المكان السابقين عن أهل العزبة ينتقمون من البشر القادمين عليهم ، أو العكس المكان يفرض شروطه على ساكنيه ، يختمهم بخاتمه ، يصم نسائهم بعار الخيانة ، يمنح رجالهم الشك ، والقلق ، صورة هذا المكان تظل مسيطرة ولا تخفت إلا كلما ازداد العمران ؛
    زوجة أحمد الضعيف ، والاسم دال على عدم القدرة على تهدئة أنوثة مهرته الحرون ، تتفاعل هى مع الجان وهو يفقد فى النهاية حياته على يدى الجنى العاشق لزوجته ، حكاية أحمد الضعيف وزوجته مع الجان ، تجسد هيمنة المكان على ناس العزبة ، وتمنح الرواية آلية التحول فنرى زوجة الضعيف وابنة عمه تثأر لمقتله ، بأن تسلك دروبا وعرة لا يعرفها إلا هى " وفجأة ، لاحت بجسمها الفارع ، كانت مربدة الوجه ، تلف رأسها بقماشه سوداء ، كانت تمشى بخطى وجلة ومخيفة ، تبدو كمارد عملاق ، وهى تزيح من طرقها ، الرجال والنساء الذين يمنعونها من دخول البركة .. عيناها لا ترمشان ، لا تدمعان . يقدحان بالشرر ، لا ترد على أحد ، ولا تنبس ببنت شفة . ولجت البركة كانت تعرف طريقها تماما ، رغم الظلام الدامس ، تسير بلا شعلة ، وصلت إلى هناك ، لتراه، مكورا على نفسه ، فاقدا النطق ، جلست بجواره تبكيه ، وفجأة لاح لها ، فى الظلام بجسده العملاق ، عاريا ، يملأ الشعر جسده .. شعر رأسه طويلا منكوشا ، وذقنه سارحة إلى أسفل ، يعمل فكه فى كتف شاة شواها توا ، يحمل فى يده شعلة نار آخذة فى الذبول .. ما إن رأته ، حتى قامت ، وعلى حين غرة ، استلت السكين التى دستها فى ملابسها ، وراحت تغمدها بغل وعنف فى عنقه ."ص74/75
    هى لم تولول مثل نسوان العزبة ، ولأنها ممسوسة بالجان ، فقد أجاد الكاتب حين منحها بعضا من السمات فوق الطبيعية ، فهى تعرف طريقها جيدا ، لذلك داست أرض البركة رغم الظلام كانت تسير بلا شعلة ، وتخلصها من الجنى قاتل زوجها وابن عمها يعد انتصارا للبعد الإنسانى ، تجاوزت حالة التعاشق مع الجنى ، وذهبت لتواجهه ، ثم قتلته عامدة ، هنا تنفرد إرادة الإنسان وتسيطر على المكان /البركة لا تهاب الجن أو الخرافة ، تبرز وجودا جديدا حيا ومتجسدا وملموسا بقوة فى نهاية الجزء الأول .
    جاء رد الفعل من "معزوزة" زوجة أحمد الضعيف فرديا لأن المواجهة لم تزل فى طور التشكل ، تتطور المواجهة و تنمو أكثر وأكثر بالعمران عن طريق الشيخ ( عبدالعاطى ) صهر أحمد الضعيف .. نرى الكاتب يجيد استغلال الشخصيات والاستفادة منها فى بناء عالمه ، فأحمد الضعيف يكتسب بموته على يدى الجنى لقبا جديدا من أهل العزبة هو (أحمد الطيب) ثم يستغله صهره وينادى ببناء مقام ، أتقن بقيامه على خدمة سيدى ( أحمد البدوى) فى طنطا ، تعلم كيف تدار حركة الحياة حول المقام ، وعى الدرس ، وأخذ فى تنفيذ الشق الاقتصادى بزيادة الرقعة العمرانية حول المقام والضريح والساحة ، صنع الصهر للولى الجديد شجرة عائلة تصل إلى الشريف ابن الشريف كبير أشراف عائلة (... ) التى تصل فى نسلها إلى (أشراف العرب) .
    يجلب العم جرجس القبطى أيضا أبناء جلدته ليشعر بالعزوة ، يبنى لهم البيوت حول المقام ، تزداد رقعة الدكاكين والمهن ، والحياة تدب فى أوصال البركة المكان ،هنا يقوم الإنسان ، بتوجيه المكان وتربيته ، القبض عليه وتشكيله كقطعة الجبن . يتضافر هذا مع بناء النهرى بك العايق للجامع الكبير على روح زوجته الهانم أخت الباشا ، وينادى ابن النهرى العايق ببناء مدرسة على روح والده ، تيمنا بروح العلم ونزعة الإصلاح التى يؤمن بها مع الزعيم مصطفى كامل . ذلك التطور يتوازى تماما مع حركة الزمن فى الرواية قرابة ربع قرن من الزمان ، كانت البركة وأرض العزبة غير مأهولة كما كانت مدينة الزقازيق أيضا فى طور النشأة بعد تنفيذ القناطر التسع ، وشق الترع والسدود ، قامت الحياة على ضفتى النهر الصغير المتفرع من فروع النيل ، تحولت عشش العمال فى القناطر على يدى إبراهيم الزقازيقى إلى بيوت من الطين والحجر ، دبت الحياة فى أوصال المكان وتحول إلى مدينة .
    يقول الشيخ سعدون أحد حفدة إبراهيم الزقازيقى الذين فشلوا فى قراءة كيفية نشأة المدن وتطورها ؛ ولم يجد سوى أم فقرية فى نهايات مشواره ليرتحل معها تاركا المدينة الأم الزقازيق ، قادما للمكان المركزى الدال فى الرواية وهو عزبة العايق ، يقيم فيها تجارة بثمن الدار التى كانت تقيم فيها من قبل الحريق زوجته / أم فقرية، يقول :" ظل أبى نادما على عدم إقامته لدار أو تشييده لمنزل أو لقصر ، على أحد جانبى القناطر، فالتغيرات التى حدثت بعد عودته لكفر الزقازيق ، كانت أسرع من تفكيره ، بل الذين بقوا أنفسهم ، وشيدوا دورا ومنازل ، ما كانوا يظنون أن القدر يحمل لهم هذا العز ، بل بقوا لفقرهم المدقع ، ولأنهم لا يملكون دورا يقيمون فيها ، استصلحت الأراضى ، وزادت الرقعة المنزرعة ، وزاد العمار والعمران ، أقاموا فى الدور وفلحوا الغيطان وانتعشت الحياة ، وبعد إنشاء السكك الحديدية ، وتفرعها من محطة الزقازيق إلى القاهرة والمنصورة وبورسعيد ، أصبح للزقازيق شأناً" ص 120/121
    فى العزبة أيضا يستمر مسلسل فشل الشيخ سعدون وتستمر العزبة فى التشييد والبناء والاتساع بينما هو لم يستثمر الفرصة ، لأنه توقف أمام بث الفرقة بين أهإلى العزبة والعم جرجس .. بينما استطاع جرجس بمشورة زوجته أن يساهم فى حركة التعمير والإنشاء والتطور مستغلا الموضوع لصالحه ، هنا تتحول العلاقة بين المكان وساكنيه علاقة متكافئة ومتبادلة وفاعلة ، هم يريدون للمكان النمو والتطور والمكان يحتويهم بدفئه ضافيا عليهم محبته باتساع الرزق ، وتتراجع بالتإلى مع زيادة العمران المعتقدات الخرافية وحكايات الجن وإن ظلت قارة فى الوعى لا تبرحه . لكنها ارتكنت إلى الظل ، تراجعت عن حيز الفعل ، وباتت فى منطقة الظل التى تنتظر فرصة ما للحلول فى بؤرة الفعل والتواجد .
    إذن العلاقات بين الإنسان والمكان علاقات دينامية ، بدأت بأفعال ومواجهات فردية وتطورت إلى حركة مجتمع ، حدث هذا بشكل علمى (تتضاءل الفرصة أمام الخرافة كلما تطورت المجتمعات وصار العلم فاعلا ومحركا لها ) والعمران هو أحد أهم النتائج المادية للوجود البشرى .

    السادة والعبيــد
    عندما نقرأ التاريخ ونتوقف أمام حوادثه ، لا نمتلك حياله إصدار أحكام القيمة أو التوصل للدروس المستفادة ، أو البكاء على مصائر الشخصيات ربما ننشغل كأفراد من العامة بأحد هذه الأسباب أو بها مجتمعة ولكن عندما يستلهم المبدع التاريخ ويوظفه فى عمل فنى فإنه يقوم عمليات هدم وبناء كبيرة ، يستعيض بعادات وأعراف بل بنظريات اجتماعية ، رصدها علماء الاجتماع كما فعل هنا مجدى جعفر ، قامت العلاقات ، ونشأت بشكل فنى ، روائى ، وانسانى طبيعى ، هكذا تتحرك الحياة وتتم التجارة ، بيد أنها تنضج وتستوى على نار هادئة هى التاريخ ، بأقانيمه وكل مرحلة فيه تخضع للأسس الفاعلة والمحركة فيه .. نرى نوال ابنة الجناينى والبواب والخفير فى سراية صفوت باشا تربت بين جدران هذا القصر لبست عند غيابهم من ملابس أبنائهم بل هى أحلى وأروع جمالا وروحا من أولاد وبنات القصور ، هى الزهرة المصرية التى نبتت فى بيئة محكوم عليها فيها أن تكون خادمة لأنها ابنة خادم ، تلك النظرة الطبقية تجعل من الأب يرفض طلب ابن الباشا الاقتران بابنته ، رفض مرجعيته طبقية متأصلة فى لحم التاريخ فى عنفوان وسيطرة الإقطاعيين على مصر، عصر الباشاوات والبكوات ، الألقاب يتم توريثها وتتناقل من كبراء ترك وأغوات لطبقات تليهم فى المرتبة كأشراف العرب . لكنها لا تصل أبدا للمصرى الفلاح ، يقوم الكاتب بتحليل هذه العلاقات ، يتوقف أمامها ويعمل كفنان يحمل ريشة الفن ، طارحا نماذج إنسانية ، آلاما تكاد تفتك بالأرواح نوال الصبية تذبل تهذى ، ابن الباشا يعاقر الخمر ، مصير مشئوم ناله من قبل الأخ الأصغر للباشا انتهى به إلى الجنون حين أحب ابنة فلاح ، رموز وأبعاد دلالية يفرش لها الكاتب جيدا ، ومصائر الشخصيات متعلقة بالفلقة الطالعة من دفاتر التاريخ .
    إذن جاءت الأفعال منطقية ، مستمدة شرعيتها من النظرة الطبقية المتأصلة وأى محاولة للمساس أو التفكير فى خلخلة الأسس والنظريات التى قام عليها المجتمع إبان هذه الحقبة يعد ضربا من الجنون ، تتحد مصائر الشخصيات على ذلك والجميل فى الرواية أن الشخصيات لا تستسلم ، ولا تسلم قيادها للسلطة الأبوية .
    خوف الأب جناينى صفوت باشا من الفتك به وبأسرته جعله يهرب تحت جنح الظلام ، أما خوف إبراهيم العايق من فكرة إنشاء مدرسة فى العزبة فيمثل محافظة رموز هذا المجتمع على طبقية وقلقه من تنوير عقول أبناء الفلاحين البسطاء ، لأن هذا يعد تهديدا صريحا لهم كبكوات وأسياد .
    كان النهرى بك العايق يحافظ على الفلاحين ويقيم عدالة اجتماعية بشكل فردى ، يمنح ذوى العاهات فرصة العمل ويتصدق على الفقير والمحتاج ، يحافظ على الحياة الاجتماعية لهذا المجتمع الصغير (العزبة) لا يمانع من تنمية وعيهم حتى لا يقعوا فريسة للمحتل الذى يوفر لهم حياة اجتماعية أفضل قليلا .. يناقش هنا الكاتب فى الرواية تيمة الانتماء ، (الأُجريَّة) والفلاحين والعمال ، هم ملح الأرض والأغلبية ، عملية إخضاعهم بالكرباج وتجويعهم فى ظل الفوارق الطبقية الكبيرة يمنح المحتل أيا كان .. فرصة كبيرة كى يدخل فى منافسة ، مع الطبقة الحاكمة من الباشاوات والبكوات يوفر لهؤلاء الأغلبية حياة أفضل قليلا من التى يعيشونها كسبا لرضائهم ، واتقاء لشرهم .. قلق النهرى بك العايق ومن بعده ابن أخيه (عبده) فى موضعه تماما .
    هم لا يرغبون فى خلخلة اسس المجتمع بقدر ما هم يجمعون شمل الوطن بجميع طبقاته ليشكل كتلة متوحدة ومتعاونة فى مواجهة محتل غاصب ، دون تذويب هذه الفوارق التى تجعل منهم سادة ومن الفلاحين عبيدا .
    مجدى جعفر طرح فى روايته القضايا الكبرى فى إطار فنى دال ، يتسم بالبساطة والعمق معا .
    ظلت النظرة الطبقية فاعلة أيضا من خلال أنماط وصور العلاقات على مستوى الأفراد فى سعيهم الدءوب نحو تحقيق الحب ، نرى كيف تنشأ العلاقات وتنمو ثم تصطدم تارة بخيانة الطرف الآخر ، لأنه من طينة أقل من طينة الأسياد ، لاحظ علاقة (عبده العايق ولواحظ العالمة) وتتكرر نفس العلاقة مع زنوبة ونفس الخيانة .
    ثمة خيانات ربما يبررها النظرة القارة فى وعى الكاتب ووعى المجتمع أيضا أنه ثمة مهن يستحيل معها تحقيق الشرف ، كمهنة العالمة فى الماضى .
    هل الخلفيات التاريخية تحكمت فى مصائر الشخصيات وقادت الرواية إلى منحنى ضيق من اللافاعيلة ، حيث نشعر بكل الحكايات تم طبخها من قبل فى معمل التاريخ ؟؟
    أحيانا نشعر بذلك
    وفى معظم دروب الرواية لا نشعر الا بالحركة الواقعية ، حركة شخوص من لحم التاريخ ودمه تصنع الآن تاريخا جديدا يتوازى تماما مع الأحداث الآن .
    يبدو هذا فى الفصل الأخير الذى أفرده الكاتب لصراع الشيخ سعدون والعم جرجس القبطى ، وانتهى بالفتنة الطائفية ، يصر الشاب القبطى (هانى ادجار جرجيوس) أن يضع حجر الأساس للكنسية ، أليست حرية العبادة مكفولة للجميع ، النهرى بك العايق أنشأ مسجدا ، لماذا لا تترك الأقباط تبنى كنسية لما تتوقف فى وجوههم القوانين والأعراف ، هذا طرح الكاتب على ألسنة شخصيات روايته وليست مقالة سياسية فى الحقوق والواجبات ، أقصد أن الرواية تحركت فى الفصل الثالث (الأخير) منها بالوقوف أمام حدث حادث الآن بالرغم من أنها متوالية والكاتب لم يزل قادما فى درب التاريخ لم يصل بعد للوقت الراهن ، لكنها الانعكاسات الدلالية التى تمنح الرواية ثراء وغنى .
    تأتى المصالحة من مدحت بك وعبده بك العايق ، لهانى جيرجيوس ، ومعالجته ، يتم السيطرة على الفتنة ، يعزمهما العم جرجس على الغداء وهما يقرران الذهاب أولا بالشاب للعلاج فى مدينة المنصورة .
    لنقرأ ما تقوله الصبية القبطية حبيبة الشاب القبطى :
    " ـ قم يا هانى ، مدحت بيه بذات نفسه جى يشوفك وعبده بيه ، طلتهم عليك تشفيك ، البيه بيستنكر اللى اتعمل فيك ، وبيشكر محاولتك لبناء بيت للرب ، قم يا هانى ؟ انت عملت اللى عليك ، كفاية إن الرب والبيه راضيين عليك ، والمسيح والعذرا وكل الآباء العظام اللى عرفتنى عليهم راضيين عليك " ص 201
    طرح الكاتب على لسان الصبية أبعاد القضية الكبيرة ، أوضحت الصبية روح المحبة بين المسلمين والأقباط ، تحدثت بلغة من تقدم شعرية كنسية ملئها الحب والرجاء أن ينهض لير الحب والمودة المتبادلة ، وينفى الكاتب الرؤية السائدة بالحكم على الكتلة من خلال تصرف بعض الأشخاص مثلما فعل ابن إبراهيم بك بجر الشاب وسحله أمام الناس، بعنف وغلظة ، تطرح الرواية وجهات نظر متعددة بسلاسة، وبكثير من الموضوعية دون تحيز أو شوفينية .

    ثنــائيــــات دالة
    ينهض البناء فى رواية مجدى جعفر على بعدين هامين هما (التاريخى والواقعى) ويتبادلان الأدوار، يندمجان فى وحدة فنية منسجمة ، بل ومنصهرة طوال الرواية ، يكتب الدكتور جمال التلاوى على ظهر غلاف الرواية : "على شفا حفرة رواية تطل على الماضى لتواجه الآتى ، تدخل الوثائق ويدخل التاريخ ، لكننا لا نغفل اللحظة الآنية" .
    الماضى والآتى .. التاريخى الوثائقى والواقعى الآنى ..كل هذا يمثل ثنائيات دالة ، تنهض الرواية على توظيف العديد والعديد منها .هذه الثنائيات تتجادل جدلا فنيا ، ينتج عنه إيقاعا دراميا متوترا وسريعا يجعل من السرد فى الرواية فعلا ديناميا ، متحركا ومتحولا ، يغازل حركة الواقع وإيقاعه، ويجسد قلق الشخصيات وسعيهم الذى لا يقر على حال ، كأنهم يسعون قدما نحو نهاياتهم المحتومة؛ ليطويهم التاريخ فى صفحاته ، أو ليتخطفهم الزمن ويمنحهم بعد القوة ضعفا ووهنا .
    مصير الشخصيات معلق على مشجب التاريخ ، مرهون بالعقدة داخل هذه المتتالية الروائية التى لم يظهر منها بين أيدينا حتى الآن سوى ثلاثة فصول ، وإذا كانت قد بدأت مع مقدم الثورة العرابية فإنها لن تتوقف كما حدد الكاتب فى تصديره الا مع ثورة 25 يناير.
    من هذه الثنائيات
    • الماضى والحاضر ، أو التاريخى والآنى
    • السادة والعبيد
    • الخرافة والعلم
    • البداوة والعمران
    • المسلم والقبطى
    • صراع المصالح الخاصة أمام المصالح العامة ، مثل مصلحة العمال (الأجرية) ومصلحة الوطن ؛ أمام مصالح المحتل
    • القيادة والتبعية
    وعلى مستوى الشكل
    • تحول ضمير الغائب / الرواى .. إلى ضمير الأنا / أنا الشخصيات
    يتم الانتقال بيسر وبساطة مما يمنح الإيقاع السردى حركة ورشاقة .
    • الفصحى والعامية وتزاوجهما فى لحمة واحدة داخل بنية الحوار داخل الرواية

    تقيم هذه الثنائيات المتضادة جدلا واسعا منه ما يعد تيمة متكررة ومحركة للرواية مثل الفوارق الطبقية المبنية على ثنائية السادة والعبيد ، ومنها ما يغازل الواقع الآنى مثل الفتنة الطائفية وتحريكها الآن وهى قائمة على ثنائية كانت وسوف تظل تشكل لحمة ونسيجا واحدا للمجتمع المصرى ، يصعب رصده فى ثنائية (المسلم والقبطى)
    مثل المصالح الخاصة المتحققة فى السادة ، والسواد الأعظم من المجتمع كعبيد ، والكاتب يتحرك بين هذه الثنائيات بخفة ورشاقة مانحة كل واحدة منها طرفا للتحاور والتجاور والجدل القائم على احترام الآخر ، قائم على تجاور هذه الثنائيات ولضمها فى خيط واحد يساعد على حيوية الأحداث ويمدها بطاقات إيحائية متجددة ، تجعل الرواية غنية برؤاها وأبعادها الدلالية .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

    هــوامـــــش

    1 ـ مجدى محمود جعفر ـ رواية على شفا حفرة ـ الناشر نادى القصة 2011م
    2 ـ ميرون ماغنيت
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 3,946
    المواضيع : 71
    الردود : 3946
    المعدل اليومي : 1.48

    افتراضي

    حقا تبدو رواية مثيرة في شخصياتها , عميقة الفكرة محللة للواقع وتجمع بين أمور كثيرة
    اشكرك أخي على هذه القراءة المفيدة
    تقديري
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

المواضيع المتشابهه

  1. حفرة
    بواسطة فاطمة بلحاج في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 10-01-2016, 11:39 PM
  2. على شفا حفرة
    بواسطة عبد السلام دغمش في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 28-03-2014, 03:23 PM
  3. حفرة أبي جهل ( محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم )
    بواسطة محمد محمود محمد شعبان في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 30-10-2012, 05:19 PM
  4. على شفا حُـلم.........
    بواسطة محمد فقيه في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 09-05-2007, 10:25 AM