أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة موجزة في للنصر فلسفة البلابل

  1. #1
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 11.17

    افتراضي قراءة موجزة في للنصر فلسفة البلابل

    للنصر فلسفة البلابل
    قصيدة نافست كل ألوان الأدب الحديث بانتقاء المفردة الغنية بالدلالات، وتوظيفها في أسطر يغني الواحد منها عن قصيدة، ويرسم متفردا لوحة متكاملة ناطقة تحمل مضمونا كبيرا ، فزخرت الأسطر بالرموز في توظيف تواءم ومحمولها بما يعطيها بعدا رحبا وحركة فاعلة جيشت موسيقى ومعاني حرفه

    لِلنَّصْرِ فَلسَفَةُ البَلابِلِ
    تتجلى مهارة القول منذ استهلاله إذ تبدأ القصيدة بالمفردة المفتاح " النصر" فتهيئ وعي المتلقي لنكهة شموخ لا أنين فيها مما اعتاد كلما ذكر الوطن، ولا روح تظلم وشكوى
    ثم يمنح النصر من الوصف ما يتعدى الحدث المباغت فهو فلسفة ونهج، لم يكن قيد غلطة خصم ولا سهم حظ أصاب، بل حق وجب بالعزم والفداء وصدق الهمة والعطاء وتكاتف الاخوة وتعاضدهم
    ثم تنطق البلابل في كل قطعة منها بمعنى جديد في توائم ساحر مع بناء السطر والقطعة وتناغم مميز مع إيقاع القول الداخلي وجرس كلماته

    لا تُغَرِّدُ فِي الـمَدَى إِلا إِذَا انْحَنَتِ السَّنَابِلْ
    والبلابل في استهلال القصيدة هنا بلابل مغردة لا تجود بعطائها إلا إذا انحنت السنابل ، تلك السنابل التي تنحني حين تمتلئ وتتأهب لطرح خيرها يغمر الآفاق ويرمي بذار مواسم خير آتية

    بِالشَّدْوِ تَشْرَحُ صَدْرَ أُمْنِيَةٍ وَتَطْرَحُ صَرْدَ ذَاهِلْ
    ويحتل الشدو مساحته من روح التلقي فما يدري القارئ أهي البلبل بدشوها تشرح الصدر وتناغي الأماني أم أنه رقص السنابل المحملة بوعود الشموخ في غد وضعت قواعد انتصاراته محررة الأمة من صرد الذهول وجموده

    وَعَلَى رُبَـى الآلامِ تَحْكِي كُلَّ آمِلْ
    هُوَ هَكَذَا عَاشَ الـمُحَلِّقَ بِالصَّلاحِ إِلَى الجَلائِلْ
    وَاخَتَارَ دَرْبَ القَابِضِينَ عَلَى الزِّنَادِ ...
    وَلَمْ يُخَاتِلْ

    ولعل الغنى عن القول يتجلى في هذا الوصف الشعري الجميل يعرّف بالمناضل ويرسم أفلاك تحليقه نحو الجلائل وقد عرف دربه واختار سبيل ربّه لا متأهبا لصورة تحتل صفحة صحيفة ولا طامعا بخبر تتناقله الفضائيات

    ألَقَى عَلَى الأَسْرَى السَّلامْ
    ثُمَّ انْحَنَى لله فِي البَلَدِ الحَرَامْ
    فَاخْتَارَهُ القُدُّوسُ - لَمَّا عَادَ فِي طُهْرٍ - شَهِيدًا فِي الأَنَامِ
    لِيَكُونَ فِي الـمَوتِ الحَيَاةُ وَفِي الـمَآثِرِ نَصْرُ بَاسِلْ

    والجهاد درب ومراتب، وللصدق فيه محطات واجبة المرور بها، إكليل غارها الشهادة وكل أدوارها عبادة، وقد وعى الشاعر ذلك وراعاه فلم يفوت في مهرجان الاحتفاء بالنصر هنا حق مجاهد في الإطار الذي أراده الله لجهاده،

    لِلنَّصْرِ فَلسَفَةُ البَلابِلِ
    لَمْ تَزَلْ تَسْقِي شِفَاهَ الصَبْرِ مِنْ ظَمَأِ الوَسَائِلْ

    وينتصب للبلابل معنى جديد يباغت بمهارة توظيفه وحذق هذا الاستدعاء للمفردة من قاعدةى لغوية معجمية تشهد لصاحبها بالتفوق في ميدانه، فالبلبل في لسان العرب قناة الكوز إلى جانب رأسه منها يستسقى الماء، وقد جاء النصر تتويجا لعمر من النضال يروي ظمأ الصابرين المرابطين على ثغر الوطن لم يعيهم حصار ولا أكدهم قتل ولا تجويع

    وَتَـمُدُّ أَلْسِنَةَ التَّفَاوُضِ كَي تُغِيظَ بِهَا الحُلُومَ
    وفي سطر واحد يتشفى الشعر كلّه من صفحات التفاوض والتنازل في عمر القضية، مسلطا ضوء الصورة الشعرية على مفاوضات لطعم جديد ومعطيات مختلفة يجلس فيها المفاوض باسم الأمة مسندا ظهره بعد اليقين بالله لهمة رجال الله وعزمهم، ومحققا تفاوضيا ما أعجز الجيوش والدول

    وَغَرْبَ أَرْصِفَةِ التَّسَوُّلِ دَمْعُ أُحْجِيَةِ الـمُخَيَّمْ
    تَجْرِي عَلَى خَدِّ الأَزِقَّةِ فِي وُجُومْ
    وَاللاجِئُونَ كَأَنَّهُمْ نَهْبٌ لِكُلِّ مُعَاوِيَةْ

    وفي هذه اللوحة تتصدر صورة المخيم واجهة الرؤية بحزنه وضيق حال أهله وشظف العيش فيه والصبر والقهر ، يختزلها الشاعر في أسطر ثلاث تحكي تاريخا من التشرد والمعاناة ببراعة استثنائية وتكثيف للمشهد ودلالات المفردات المستخدمة في تصويره


    وَاللَيثُ يَزْأَرُ فِي السَّلاسِلْ
    قَدْ أَشْهَرُوا المِفْتَاحَ: إِنَّا عَائِدُونْ
    فَالأَرْضُ تَعْرِفُ أَهْلَهَا
    لا يَسْتَقِرُّ عَلَى ثَرَاهَا العَابِرُونْ
    وَالدَّهْرُ يَلْبِسُ ثَوبَهُ الـمَنْسُوجَ مِنْ عَادٍ وَعَادِلْ
    وإذا كانت ملامح النصر قد ارتسمت في غزة، فإن في غزة من اللاجئين من لم يغادر المفتاح المعلق في صدر جده مخبأه حتى رحل الجد موصيا بالدار هناك وبالشجرة التي زرع قبل اغتصابها وبأحلامه، والنصر لهؤلاء لم يكن أكثر من خطوة على درب العودة، وتنهمر الرسائل في سطور المقطع محملة بالوعد والوعيد
    الليث يزأر في السلاسل
    أشهروا المفتاح
    إنا عائدون
    الأرض تعرف أهلها
    لا يستقر على ثراها العابرون


    لِلنَّصْرِ فَلسَفَةُ البَلابِلِ
    سَرْجُ خَيلِ الشُّمِّ يُوقِظُ كُلَّ غَافِلْ

    ولون آخر لفلسفة النصر تحمله مفرد بلابل جديدة
    فبلبل القوم بلبلة وبلبالا: حركهم وهيجهم والاسم البلبال وحمعه البلابل ورجل بلبل وبلابل: خفيف في السفر معوان، ورجل بُلابل: خفيف اليدين وهو لا يخفى عليه شئ
    ومنها يتسق المعنى وإيقاظ الغافلين وإعلان الثوابت اليقظة القائمة على الوعي وسرعة التجاوب ودقة التفاعل تقول بإرادة واثقة أن
    لا سَلامَ مَعَ الأَسَافِلْ
    لا رَسَائِلَ غَيرَ مَا تَحْكِي القَنَابِلْ

    وترتسم بذات المعنى صورة حشود البلابل التي حركها الإباء وهيجها العزم هادرة في زحفها لتحقيق الوعد الذي تقدم .. عائدون
    كُلُّ القُلُوبِ حُشُودُ زَحْفٍ هَادِرَةْ

    وَعَلَى جِبَالِ القُدْسِ جَلْجَلَ هَاتِفٌ أَنْ أَبْشِرِي يَا طَاهِرَةْ
    قَدْ عَادَ لِلمُقَلِ الأَمَلْ
    قَدْ وَضَّأَتْ كَفُّ البُطُولَةِ عَزْمَهَا تَمْحُو السِّنِينَ الغَابِرَةْ

    وتتواتر بعودة الأمل بنود الوعد وقد محت كف البطولة والنصر خيبات الماضي
    لَنْ يُفْلِحُوا فِي قَطْعِ أَلْسِنَةِ المَآذِنْ
    لَنْ يُفْلِحُوا فِي لَـجْمِ أَجْرَاسِ الكَنَائِسْ
    لَنْ يَهْدِمُوا بِالـحَفْرِ مَسْجِدَكِ العَتِيقَ
    وَلا تَنَازُلَ لا تَخَاذُلْ


    لِلنَّصْرِ فَلسَفَةُ البَلابِلِ
    حِينَ يُقْبِلُ نَحْوَهُمْ بِالذُّعْرِ صَارُوخُ التَّحَدِّي
    بِالنَّارِ يَقْمَعُ رَادِعًا صَلَفَ التَّعَدِّي

    وبإسقاط جديد مختلف حتى في ميدانه للبلابل تروح المفردة لديار الخصم فبالبلة والبلابل والبلبال: شدة الهم والوشواس في الصدور ، ولا أقوى من فلسفة البلابل بهذا المعنى حين يقبل نحو العدو صاروخ التحدي يقمع صلفه ويذيقه حتفه ويريه الوجه الآخر لأيقونة الوجع الذي اعتاد أن يكون مذيقه فذاقه

    فِي الدَّارِ يَصْفَعُ مَنْ ثَغَا أَنْ لَيسَ يُجْدِي
    وله قبل انطلاقه قول في الأهل يحي الهمم ويذكر من اعلنوا أنفسهم نعاجا أن البطولة قرار والرجولة خيار يعلنها مجلجلة و
    يَطِيرُ يَحْمِلُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ
    وبانطلاقه تنتصب المعاني في السماء يقرأها الفرقاء أصدقاء وأعداء، فالموت يا أوباش قيد سقوطه يسم السقوط بسوطه ويعيد لروح الأمة الحياة ولقلبها النبض إذ تراهم في رعبهم قابعين
    لا قُبَّةٌ تَحْمِي وَلا قَلْبٌ يُطِيقْ
    وَحِجَارَةُ السِّجِيلِ تُنْذِرُ بِالحَرِيقْ



    ولا أحلى من خاتمة تغلف بأغنية الإباء أنشودة النصر
    سَتُهْزَمُونَ وَتُقْتَلُونَ وَتُسْحَقُونْ
    ثم الدعاء مباركا "سَلِمَتْ يَـمِينُكَ يَا مُقَاتِلْ"

    للنصر فلسفة البلابل
    قصيدة لم تكن كما تعودنا في قصائد الوطن لحنا نضاليا ينادي في الأباة أن هلموا، ولا كانت أنين شجن على جسد الأمة الجريح يناشد الأوفياء ويستحث النبلاء، بل تصوير تعبيري امتطى الكلمة ليرسم للغد لوحة مشرفة تحكي فرحة اليوم وأسرارها
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    قلم منتسب الصورة الرمزية عمر مسلط
    تاريخ التسجيل : Feb 2013
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 28
    المواضيع : 2
    الردود : 28
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر مسلط مشاهدة المشاركة
    أديبتنا / ربيحة الرفاعي


    قراءة .. منحتنا لحظة تأمل في فلسفة النصر .. في ضوء فلسفة حرفٍ .. وروعة تأويل .. أرغمتنا أن ننحني كالسنابل ...

    سعدتُ لجمالية القراءة ... ومتانة الكلمة ...

    هذا احترامي وتقديري ...
    سَيدتي .. أجملُ الوَرد .. هو الذي تُغطيه الأوراق !

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة موجزة في قصيدة للنصر فلسفة البلابل
    بواسطة ربيحة الرفاعي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 12-06-2016, 01:32 AM
  2. للنصر فلسفة البلابل
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 57
    آخر مشاركة: 10-03-2016, 02:54 AM
  3. للنصر فلسفة البلابل
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى دِيوَانُ الشِّعْرِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-12-2012, 11:57 PM
  4. قراءة موجزة في قصيدة زعاف وسلاف
    بواسطة بندر الصاعدي في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-05-2012, 02:32 AM
  5. فلسفة اللا فلسفة
    بواسطة مصطفى سلام في المنتدى التَّفكِيرُ والفَلسَفةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 22-12-2006, 02:39 PM

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة