أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فنون عنكبوتيّة

  1. #1
    الصورة الرمزية حسين أحمد سليم قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Oct 2008
    العمر : 67
    المشاركات : 163
    المواضيع : 130
    الردود : 163
    المعدل اليومي : 0.04

    افتراضي فنون عنكبوتيّة

    فنون عنكبوتيّة

    بقلم: حسين أحمد سليم
    قضى ردحا زمنيّا من عمره, بعد أن وعى ذاته, وودّع نعومة أظافره الثّالثة, حسب المراحل الكشفيّة التّربويّة للأطفال, وهو يُمارس التّسمّر اليوميّ, لساعات طوال, أمام مختلف أنواع العناكب, وهي تنسج بيوتها الواهية, بين جذوع الورود والنّباتات والأشواك, والأغصان المتدلّية من الأشجار إلى الأرض, وسيقان القصب, وجذوع أشجار المشمش والتّفّاح والإجاص, ودوالي العنب, والمنتشرة في حاكورة البيت القرويّ, الذي يسكنه وجدّاه وأبواه, غربي مدينة الشّمس, في ريف البقاع اللبناني...
    طموحه الغريب العجيب, نما في كينونته من بدايات ممارسته للكشفيّة, وقضاء معظم أوقاته في أحضان الطّبيعة, يُمارس التّجوال نهارا في السّهول والمرتفعات والهضاب وبين أشجار الحور والسّنديان واللزّاب, ويتعرّف إلى مكوّنات عناصر الطّبيعة, وصنوف النّباتات, والأحياء من الحشرات والزّواحف والطّيور والحيوانات وغيرها... ويأوي إلى الخيمة الجماعيّة ليلا, برفقة ثلّة من أفراد الكشّافة, الذين هم من جيل عمره... وينفرد بتسجيل ملاحظاته, حول كلّ شاردة وواردة, ممّا صادفه ولفت إنتباهه في تجواله...
    مراقبته الدّقيقة للعناكب في سهول قريته, وبين أشجارها ونباتاتهاوصخورا, ومتابعته لها في نشاطاته الكشفيّة والتّجواليّة, دفعته إلى سبر أغوار فنون عديدة, تقوم بها بعض الحشرات والزّواحف والطّيور, ومن أهمّ ما لفت إنتباهه, عمل مجموعات النّحل, ونشاط مجموعات النّمل, وأخذت العناكب جلّ غهتمامته... بحيث إنصرف لمتابعة ومراقبة ودراسة, نسج العناكب لبيوتها الواهية... فأقدم على البحث عن هذه العناكب في البرّيّة, بين الأشجار والصّخور وجذوع الأشواك والورود والرّياحين, وإنتقاء عدد من أنواع هذه العناكب, رغم خطورتها, والتي لم يسلم من لدغاتها السّامّة, والتي كثيرا ما كانت تسبّب له الأورام والإحمرار في أصابعه وكفّيّه, والسّرعة في المعالجة الفوريّة, وتناول المضادّات الحيويّة...
    ولم تمض فترة من الوقت, حتّى قام بجمع ما إنتقاه وإختاره منها, ووضعه في غرفة صغيرة خاصّة, صنعها من الخشب والكرتون فوق سطح البيت الذي سكنه وأبواه لاحقا في حيّ السّلّم, من ضواحي بيروت الجنوبيّة, والقريب من ضفاف نهر الغدير... وعمل على تأمين ما تيسّر له من أغصان وجذوع, وزّعها في زوايا وأنحاء الغرفة, مع تأمين متطلّبات بدائيّة مختلفة, كحفنات من أنواع التّراب, وأغمار من القشّ, وباقات من بقايا الأزهار والورود, وملابس بالية, وأوعية مائيّة بسيطة, وبعض أنواع من الحبوب وفتات الخبز... وعلّق في حائط من جدران الغرفة أقفاصا صغيرة وضع بداخل كلّ منها بعض العصافير المختلفة, والتي إستطاع الحصول عليها من بين الأشجار... ووضع عدسة آلة تصوير مراقبة في أحدى زوايا الغرفة, ووجّهها حيث العناكب تعمل على نسج وبناء بيوتها الواهية, وعكف قناعة خاصّة, يستطلع يوميّا ويراقب حركات عناكبه, وما يجري في الغرفة المختبر...
    غالبا ما كان يغرق في تأمّله اليوميّ, لحركات العناكب وهي تنسج خيو ط بيوتها الحريريّة, وكثيرا ما كان يتفكّر وطويلا في ظاهرة الإبداع المعماري, والدّقّة الهندسيّة المتناهية في فنون البناء والتّصميم, لمراحل نسج البيوت العنكبوتيّة... وكان كلّما أغرق في التّفكّر في عظمة بديع صنع الخالق, كان بالتّزامن يسترجع معلوماته التي تلقّاها على مقاعد الدّراسة الهندسيّة والفنّيّة, ويُحاول المقارنة والمطابقة بينها وبين القواعد الهندسيّة, المعتمدة في دراسة وتصميم وإنشاء الكثير من البيوت والجسور الحديثة, والتي تمّ إنشاءها, إقتباسا من أفكار وفنون مهارة العناكب, في أساليب التّنظيم, وهندسة الإنشاء والنّسج لبيوتها...
    في تجاربه هذه, إستطاع أن يتعرّف مباشرة, ويتعلّم بكثير من الصّبر والتّؤدة, ومن خلال متابعته ومراقبته الدّقيقة لحركات العناكب, وهي تقوم ببناء ونسج خيوط بيوتها الواهية, المتنوّعة الأشكال والطّرز, وكيف تقوم بفنون بنائها, بتلك المهارة الفنّيّة المثاليّة, والتّقنيّة الهندسيّة الفريدة, إضافة للعمليّات الأخرى, الفيزيائيّة والكيميائيّة المغمورة في أسرار تكوين بنية العناكب الأنثويّة منها, وصناعة الخيوط الحريريّة العنكبوتيّة, التي تمتاز بصلابتها المعادلة لصلابة حبال الفولاذ, فيما لو تمّ جدل الحبال منها...
    تعلّم من أحد العناكب, كيف يبني البيت الشّبكي غير المنتظم, والذي هو عبارة عن شبكة معقّدة, غير منتظمة, تُحيّر من يُحاول تفحّصها, وغالباً ما يستخدمها العنكبوت كمصيدة, ولعلّ أمهر العناكب التي إشتهرت في بناء هذا النّوع من البيوت, هي عناكب من فصيلة Theridiidae فهي لا تعتمد على هذا البيت كمصيدة فقط, بل تتّخذه مأوى لها, فتقوم أوّلاُ, بشدّ حبال متينة مظفّرة حريريّة لاصقة من خيوطها, وتقوم بإنشاء شبكة من الخيوط فوقها فيما بعد, في حين أنّ الحبال التي شدّتها أوّلاً تكون الزّناد الذي يطلق القذيفة... فما أن تعبث بها حشرة, حتّى ينطبق الفخّ عليها بلا رحمة, والذي بدوره يُرشد العنكبوت إلي مكانها, فينقضّ عليها جاعلاً منها وجبة شهيّة له... ومكوّنات هذا البيت العنكبوتي, هي عبارة عن غلالة نسيجيّة متّقنة الصّنع, مطعّمة بموادّ غريبة كأوراق نبات وحبّات رمل وغيرها...
    وتعلّم من عنكبوت أخرى, كيفيّة بناء البيت الفسطاطي, ويأخذ هذا البيت, شكل الفسطاط أو الخيمة العربيّة المشهورة, وتعدّه عناكب من فصيلة Erigone أساتذة هذا البناء, وبعد أن ينتهي العنكبوت من بناء خيمته هذه, فإنّه يُفضّل أن يتعلّق بسطحها السّفلي, كما لو كان شخص حقيقي, يجلس تحت خيمته, وربّما يقوم هذا العنكبوت, ببناء بيت آخر, تحت هذه الخيمة أيضاً... وفي نفس الوقت فإنّه يكون قادرا علي إصلاح خيمته هذه, إذا تعرّضت لتلف أو تمزّق, أثناء عمليّات الصّيد أو من هجوم خصم ما أو هبوب ريح قويّة, وقد تستغرق الصّيانة ساعات, ولكن في النّهاية تعود الشّبكة الخيميّة, كما كانت... هذا, ويتكوّن هذا البيت العنكبوتي من نسيج مسطّح أفقيّ على شكل خيمة مزوّد بخيوط هوائيّة, تقوم بعرقلة الحشرات الهائمة وإرباكها لتسقط في الفخّ...
    وتعلّم من عنكبوت أخرى, كيفيّة بناء البيت القمعي, والذي يتشابه كثيراً مع البيت الفسطاطي, خاصّة إذا كان مبنيّاً على الأرض, أمّا إذا كان معلّقاً في فروع النّباتات, نجده على شكل أرجوحة, وتقوم العناكب من فصائل Agelenidae ببنائه مزوّدة إيّاه بعدد من الدّهاليز للإيقاع بفرائسها... ويتكوّن هذا البيت العنكبوتي من دهليز ناعم الملمس, وما أن تدخل حشرة لهذا الدّهليز, حتّى تجد نفسها منزلقة على أنسجة ناعمة إلى أن تسقط بين فكّيّ هذا العنكبوت...
    وتعلّم من عنكبوت أخرى, كيفيّة بناء البيت الدائري النّسج, وهذا البيت عبارة عن أعجوبة هندسيّة بكل ما للكلمة من معنى, بل إنّ القناطر المعلّقة, تمّ تصميمها بطريقة مقتبسة من أسلوب بناء العنكبوت لبيوته الدّائريّة... ويتكوّن هذا البيت من قنطرة معلّقة, وهي عباره عن خيط مغزلي, ينصبه العنكبوت بين مكانين مرتفعين, ليكون الرّكيزة الأساسيّة, ومن منتصف هذه القنطرة, يمدّ خيوطه في كافّة الإتّجاهات, ليكون منها بيته الدّائري النّسج...
    إستمرّ فترة زمنيّة ممتدّة على هذه الحال, يُراقب ويتفحّص ويتابع ويدرس ويُحلّل ويُنقّب ويبحث... حتّى توصّل وعرف من خلال متابعاته ومراقباته للعناكب في غرفة مختبره الصّغير, أنّ العنكبوت ليس حشرة عاديّة, وليس عامل بناء عاديّ, بل هي مهندس مبدع ومبتكر, وعامل بناء محترف, وهي تقوم ببناء بيتها بفنّ وحنكة ومهاره... فأوّلاً, هي تقف فوق جزء مرتفع, وتنظر للإتّجاه الموازي لها في الإرتفاع, فتلقي بإتّجاهه, بخيط حريريّ, تعتبره فيما بعد جسرا للبناء, أو بأن تقف في مكان ما, ثمّ تلقي غزلة هائمة في الهواء, فإن لامس شيء إلتصق به, وعندها تقوم بشدّه وتدعيمه... وفي المرحلة الثّانية, وهي تدعيم جسر البناء حيث تقوم العنكبوت, بتدعيم هذا الخيط الذي شدّته بربطه من كلتا الطّرفين, بخيوط متينة وتدعيمها حتّى لاتنقطع, وبعد ذلك تقف العنكبوت في منتصف هذا الجسر, فتلقي بخيط حريريّ رفيع نحو الأرض, تستخدمه كسلّم أو سقالة, لنقل أدوات البناء, التي قد تحتاج إليها, من ورق وحصي وأوراق أشجار وغيره... ثمّ تقف العنكبوت في منتصف الجسر الذي بنته أوّلاً, وتلقي بخيوط شعاعيّة في كلّ الإتّجاهات, وتقوم بدعمها بحبال إضافيّة من وقت لآخر, وحول هذه الخيوط الشّعاعيّة, تقوم بمدّ حبال حلزونيّة, تّسمّى هذه بالسّقالة الحلزونيّة, تفرز العنكبوت أعلاها خيوط جافّة غير لزجة, وتفرز الخيوط اللزجه في الأركان وأماكن أخرى عديدة, تملأ بها البيت... وبعد شدّ الخيوط الشّعاعيّة وإنشاء السّقالة الحلزونيّة, فإنّ العنكبوت تطوف على هذه السّقالة غازلةً أشرطة بيضاء متعرّجة حول البيت... وأخيراً وبعد الإنتهاء من العمل, تقوم العنكبوت بقطع السّقالة لأنّها لم تعد في حاجة إليها...
    تلك الفترة الزّمنيّة التي أمضاها في تجاربه مع العناكب, من خلال المراقبة الدّقيقة لها وهي تقوم بممارسة ما أوحى لها الخالق, في تطبيق فنونها الإبداعيّة الهندسيّة والجماليّة, في بناء ونسج بيوتها الواهية والعديدة الأشكال... كان لها إنعكاساتها الإيجابيّة في تطوير سعة ثقافته الفنّيّة والهندسيّة, وتنمية حركة فعل الخلق والإبداع والإبتكار في مساراته التّطبيقيّة الفنّيّة, بحيث إنتقل من حقل مواكبة ومتابعة ومراقبة العناكب في فنونها الإبداعيّة البنائيّة, إلى حركة فعل التّطبيق والتجريب العملي, محاكاة للعناكب في تطبيقات فنونها الإبداعيّة البنائيّة... فوضع نظريّاته الهندسيّة والفنّيّة من خلال قواعد رياضيّة, لفنون أشكال وأنواع البناء العنكبوتي, وفق ثوابت منتظمة وأخرى غير منتظمة,وأجرى عليها تجاربه الفنّيّة العديدة, والتي أدّت به في نهاية المطاف إلى إبتكار فنّ جديد مستحدث, تحت مُسمّى فنّي إبداعي, فنّ الرّسم العنكبوتي, أو مدرسة فنون الرّسم العنكبوتي, معتمدا على التّقنيّات والبرمجيّات الحاسوبيّة الرّقميّة, التي ساعدته في عمليّات إرساء وتثبيت قواعد هذا الفنّ المستحدث, على أسس وقواعد هندسيّة فنّيّة مثاليّة ودقيقة وقياسيّة, تُحاكي فنون الزّخرفة الهندسيّة, إنّما بكثير من المرونة, التي تعكس إستنباط رسومات فائقة الجمال, برؤى وزوايا مختلفة اللقطات...
    وهكذا, تكون العنكبوت التي ساهمت في الدّفاع عن رسول الحقّ, يوم لجأ إلى غار ثور في جبل النّور, بضواحي مكّة, تواريا عن أنظار الأعداء, وذلك ببناء ونسج لوحتها التّاريخيّة, التي ضلّلت ببنائها عند مدخل الغار, الأعداء عن المكان الذي لجأ إليه محمّد وصاحبه... هذه العنكبوت, هي ذاتها تُؤدّي رسالتها الرّياديّة في كلّ زمان ومكان, وهي ذاتها من إتّخذها ذلك الطّفل الكشفيّ, معلّمة له وأستاذة وملهمة, في الإبداع والخلق والإبتكار, وفي إجتراح مشهديّات ورسومات ولوحات, فنون عنكبوتيّة, تحت عنوان: الرّسم الفنّي العنكبوتي... والذي كان الفضل للعنكبوت التي أوحت له بإجتراح هذا الفنّ الجميل, والذي يُضاف على أنواع الرّسم الفني والهندسي والتّشكيلي...
    حسين أحمد سليم
    hasaleem

  2. #2
    مشرفة عامة
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    الدولة : palestine
    المشاركات : 8,890
    المواضيع : 91
    الردود : 8890
    المعدل اليومي : 2.20

    افتراضي

    سبحان الله الذي أبدع في خلق كائناته ليكون كلّ مخلوق منها لوحة تشي وتوحي بفنّ خاصّ

    التأمّل في خلق الرّحمن يقود الإنسان لاكتشاف الكثير من آيات الإبداع والجمال ليتعلّم منها ويحاكيها.

    قصّة حملت الكثير من المعاني السّامية والعبر خلف سطورها.

    بوركت مساعيك أستاذنا.

    مودّتي

    فاتن
    غبنا ولم يغبْ الغناء
    يا فاتن الأسحار حيّاكِ الربيع إذا أضاء


المواضيع المتشابهه

  1. لغز يجمع فنون العربية ! فمن له ؟
    بواسطة احمد حمود الغنام في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 14-06-2008, 11:36 PM
  2. فنون ورقية ...!!
    بواسطة سلطان السبهان في المنتدى فُنُونٌ وَتَّصَامِيمُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 17-12-2006, 12:50 PM
  3. فنون التعامل مع الناس...!!!
    بواسطة ابو دعاء في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-02-2003, 01:18 AM