أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: إجهاض مشروع إنسان

  1. #1
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي إجهاض مشروع إنسان

    بعض النازحين إلى المدن يحبون غسل أرواحهم من تلوث المدينة بالتوجه نحو البادية، ينعشون رئتهم بهواء نقي يسري في كيانهم سريان الإكسير في الجثث الهامدة، يتلذذون بنعمها كالغرباء الذين لا يربطهم بالمكان أية أواصر.... يأتون بسياراتهم الفارهة محدثين فوضى في الأحلام العادية لشباب البلدة...
    يأتون في الغالب بمشاريع اجتماعية في الظاهر ونفعية في الخفاء، يربحون من ورائها أموالا طائلة، ويحاولون تطهير أنفسهم من خلال توزيع حلوى رخيصة على أبناء البادية الصغار أمام نظرات الكبار المبتلعة غضبها إكراما لحق الضيف....
    هؤلاء الناس لا ينظرون إلى ما في أيدي غيرهم كما لا ينتظرون صدقة من أحد، يتمتعون بالاكتفاء الذاتي والقناعة والرضا ، صفات يفتقد إليها هؤلاء الوافدون بنظرتهم الضيقة إلى الحياة...
    هكذا تمر الأسبات واللآحاد في هذه البلدة الآمنة، فقد اعتاد السكان على استقبال القادمين من المدن الكبرى في بيوتهم وإكرامهم بكل ما لديهم بدون مقابل..... ولكن في هذا السبت انقلب إيقاع الحركة الهادئة إلى إيقاع متوتر، إذ ترك السكان أشغالهم التي لا تخضع لقانون العطل والراحة، وخرجوا عن بكرة أبيهم يهرولون في اتجاه الغابة وعلامات الانزعاج قد كست وجوههم، كانوا على عجل من أمرهم وكأنهم كومبارس في فلم حربي عن العصر الوسيط؛ بعضهم تسلح بالمناجل وأخرون بالعصي، والنساء بدورهن خرجن وفي يد بعضهن مذراة أو رفشا تلوّح به....
    منظر امرأة تجري حافية، وعويلها الموجع يذيب الصخر، كان يثير الغموض ويبعد فرضية الصراع حول حدود أرض أو عين ماء كما جرت عادة الفلاحين؛ لقد كانت تندب عائلتها وهي تتساءل: كيف يمكن غسل هذا العار، وكيف سنعيش بين الناس.....
    تجمهر بعضهم تحت شجرة على حافة الطريق الغابوية، حيث طوقت عناصر من الدرك المكان، وحيث تقف بعض الفتيات متوجسات وقد اغتال الرعب ابساماتهن الوديعة فاسحا المجال لدموع تنهمر بغزارة على وجوههن البريئة، حاول أحدهم تهدئتهن ولكنهن ازددن بكاء، وهن يومئن إلى الأسفل.... بدت هناك أحذية صغيرة مبعثرة ومحفظة بالية تطل منها بعض الدفاتر قد علقت بغصن شجرة....
    حاول دركي أن يمنع سيدة من الاقتراب، ولكنها تجاوزته بقوة مندفعة ودقات قلبها تتصاعد، قالت بأنها رئيسة جمعية الترافع عن حقوق القاصرات بالعالم القروي، اقتربت أكثر وهي تندد بغياب الأمن في المنطقة...رأت رجلا صغيرة مغطاة بالدماء، ويدا متدلية كأنها انتزعت من مكانها، ووجها مشوها عن آخره كأن وحوشا تنازعته، كان اللون الأحمر يغطي الأرض، وذلك الجسم الهزيل الصغير ممدد هنالك يستغيث....
    لم تتمالك السيدة نفسها بسبب هول المنظر، فصرخت في وجه عناصر الشرطة كي يفسحوا الطريق لإسعاف الضحية، متخيلة بأنها تعرضت لهجوم الخنازير البرية الموجودة في المحمية القريبة، خاصة وأن السكان قد توجهوا نحو الغابة باحثين عن الهدف، لم تلاحظ السروال الصغير الممزق مرميا على مقربة الفتاة إلا عندما سمعت إحداهن تصف الجاني: ذلك الوحش مديني يبدو في الثلاثينيات من عمره أو أقل، وسيم وحسن الهندام ولا يثير أية ريبة، وكان لابسا....
    سقطت السيدة مغشيا عليها.
    لقد تعودت زهرة، الطفلة التي لم يتجاوز عمرها تسع سنين، الذهاب إلى المدرسة رفقة صديقتيها وقريبتها يوميا عبر الطريق الغابوية آمنات... فالسكينة سمة الأماكن الصغيرة حيث يعرف السكان بعضهم بعضا، مما يجعلهم مطمئنين على فلذات أكبادهم من مخاطر الطريق، كما أن انشغالهم بتوفير القوت اليومي يمنعهم من مرافقة صغارهم إلى المدرسة البعيدة والتي يتطلب الوصول إليها وقتا ومشقة يؤثرون استغلالهما في السعي الدؤوب لتأمين أدنى شروط العيش البسيط.
    صبيحة ذلك السبت، توجهت زهرة كالمعتاد إلى المدرسة مع رفيقاتها، فناداها سامي، ذهبت إليه مسرعة مستبشرة، فناولها حلوى ولعبة مقترحا أن تخبئ لعبتها تحت الشجرة وويقوم بحراستها إلى أن تخرج من المدرسة.
    انطلقت خلف رفيقاتها مسرورة وهي تتمنى انتهاء الدوام لتعود وتعانق لعبتها الجميلة شاكرة كرم العم سامي.
    في طريق العودة، لم تأبه لتحذير قريبتها وهي تذكرها بكلام جدتهما عن عدم الاستئناس بالغرباء: العم سامي ليس غريبا، إنه طيب ولطيف جدا، كما أنه فرد من العائلة .. لقد أرضعته جدتي....
    عندما وصلت الفتيات إلى البلدة بدون زهرة، قلقت والدتها ولكنها اطمأنت لما علمت بأنها في عهدة سامي البعيد عن الشبهات، فهو دائم التردد على دارهم رفقة عائلته....
    قبل العصر، سمع السكان استغاثة امرأتين كانتا تحطبان في الغابة، فخرجوا مستفسرين... قالت لهم المرأتان بأنهما فاجأتا شخصا وهو يهوي على فتاة بصخرة على وجهها، وإنه عدا نحوهما عندما صرختا مذعورتين... ولما تأكد من عدم الإمساك بهما، انطلق هاربا عبر الغابة...
    انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، فانطلق الجميع إلى الغابة متوعدين الفاعل.....
    أما السيدة المغشي عليها، فقد استعادت وعيها وأجرت ثلاث مكالمات هاتفية، ثم انطلقت مسرعة لتلتقي ابنها سامي وتضعه على متن أول طائرة تغادر البلد، تاركة زهرة تواجه قدرها بملامحها المشوهة وعاهتها الدائمة و........
    {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}

  2. #2
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.68

    افتراضي

    بدت لي المقدمة طويلة بالنسبة لقصة قصيرة، غير أني وجدتها فائقة الأهمية لوضع القارئ في جو النص القاسي بفكرته وحدثه المحوري وخاتمته الصادقة الصاعقة المطابقة بقوة لكل ما يشهد به الواقع من نقائض وتشوهات النفس البشرية
    سردك مدهش بتشويقه وترابطه ومهارات رصفه التفاصيل الصغيرة لتشكيل المشهد وصولا للحدث الرئيس
    ولغتك تريح المتلقي بقوتها وصحتها

    سرّني أن كنت أول متلقف لهذه الرائعة وأن أبدأ جولتي في قسم القصة بها

    شكرا لكم غاليتي

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية هَنا نور أديبة
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    المشاركات : 477
    المواضيع : 94
    الردود : 477
    المعدل اليومي : 0.20

    افتراضي


    أديبتنا المبدعة أستاذة كريمة سعيد

    قصةٌ رائعة بحجم ما صورته من الفاجعة .. ونهايةٌ مفاجئة صادمة.

    كم في هذه الدنيا من زهرةٍ اقتطفتها أيادٍ دنيئةٍ غيرُ سامية ؟!

    وكم في هذه الدنيا من ضمائرَ تحضرُ وتغيبُ وفق مصالحها الشخصية ؟!


    دمتِ سيدتي مبدعةً ودام قلمُك للإنسانية نافعا

    تحاياي

  4. #4
    الصورة الرمزية وليد عارف الرشيد شاعر
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    الدولة : سورية
    العمر : 56
    المشاركات : 6,280
    المواضيع : 88
    الردود : 6280
    المعدل اليومي : 2.15

    افتراضي

    قص محترف وكاتبة متمكنة وقصة ماتعة مؤثرة مشوقة مليئة، وكيف لا وهي تسلط الضوء على واحدة من أخطر المشكلات البشرية المعاصرة ..هذا التشوه الأخلاقي الكبير .. دون أن تغفل سبر المناخ والبيئة والظروف في كلا محيطي الجاني والضحية ببراعة واقتدار
    شكرا لهذه المتعة ولهذا الفكر قدمهما قالب إبداعي ملفت وجميل
    كنت هنا وأترك لمبدعتنا التحايا العطرات والإعجاب والتقدير

  5. #5
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيحة الرفاعي مشاهدة المشاركة
    بدت لي المقدمة طويلة بالنسبة لقصة قصيرة، غير أني وجدتها فائقة الأهمية لوضع القارئ في جو النص القاسي بفكرته وحدثه المحوري وخاتمته الصادقة الصاعقة المطابقة بقوة لكل ما يشهد به الواقع من نقائض وتشوهات النفس البشرية
    سردك مدهش بتشويقه وترابطه ومهارات رصفه التفاصيل الصغيرة لتشكيل المشهد وصولا للحدث الرئيس
    ولغتك تريح المتلقي بقوتها وصحتها

    سرّني أن كنت أول متلقف لهذه الرائعة وأن أبدأ جولتي في قسم القصة بها

    شكرا لكم غاليتي

    تحاياي
    وسرني أن أجد هنا بصمة أختي الراقية المتمكنة ربيحة الرفاعي،
    ولا أخفيك، غاليتي، سعادتي بقراءتك وملاحظاتك التي تكون قيمة إضافية لأي نص
    لك شكري ومحبتي وتقديري

  6. #6
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هَنا نور مشاهدة المشاركة

    أديبتنا المبدعة أستاذة كريمة سعيد

    قصةٌ رائعة بحجم ما صورته من الفاجعة .. ونهايةٌ مفاجئة صادمة.

    كم في هذه الدنيا من زهرةٍ اقتطفتها أيادٍ دنيئةٍ غيرُ سامية ؟!

    وكم في هذه الدنيا من ضمائرَ تحضرُ وتغيبُ وفق مصالحها الشخصية ؟!


    دمتِ سيدتي مبدعةً ودام قلمُك للإنسانية نافعا

    تحاياي
    نعم غاليتي، يحز في النفس تناقضات مجتمعاتنا، فكم من زهرة بريئة تعرضت للاعتداء والاغتصاب، وبدل الحنو عليها ومحاولة التخفيف عنها نحكم عليها بدون رحمة بالنبذ ونصمها بالعار الأبدي، خصوصا بالعالم القروي...

    الرائعة هنا نور
    أسعدني وجودك هنا بين حروفي وأشكرك على إثراء قصتي
    تقبلي عزيزتي أجمل التحيات وأخلص الأمنيات بدوام السعادة والتألق
    محبتي وتقديري

  7. #7
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.64

    افتراضي

    ما أقسى ذئاب الغابة البشريّة! أنّها أشدّ وحشيّة من الذئاب الحقيقيّة.
    قصّة رغم قسوة الأحداث كانت رائعة الحبك والسّرد حتّى النّهاية
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  8. #8
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.64

    افتراضي

    ما أقسى ذئاب الغلبة البشريّة! إنّها أكثر وحشيّة من الذّئاب الحقيقيّة
    قصّة رائعة السّرد والحبك حتّى النّهاية
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  9. #9
    الصورة الرمزية الفرحان بوعزة أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 2,346
    المواضيع : 186
    الردود : 2346
    المعدل اليومي : 0.87

    افتراضي

    نص قصصي جميل تطرق لمعضلة اجتماعية كانت تمر في الكواليس ، ولكن في العصر الحاضر طفت على السطح ،
    فظاهرة الاغتصاب أصبحت مستشرية بشكل فظيع ، فرغم وجود القوانين الزجرية لم تستطع أن تقضي على الظاهرة أو تخفف منها ..
    نص جميل، قربتنا الساردة من الظاهرة بسرد متين ، ولغة جميلة وفصيحة ،فقد تمكنت الساردةأن تتحكم في آليات السرد ، بعدما ركزت في في بداية النص على العلاقة الطيبة الموجودة بين أهل المدينة والبادية ،المبنية على الثقة وحسن الجوار ، فإذا بالبطل يستغل هذه العلاقة ويجهز على الثقة بنصب فخ لهذه الطفلة البريئة .. اغتصب وطار خارج الحدود ، أفلتته أمه من العقاب ، ألم يكن لها بنت في عمر هذه الطفلة ..؟ من الغرابة أن الضعفاء يسقطون في الشباك والأقوياء يمزقونها ..
    عرفت الكاتبة كيف تجر القارئ بهدوء إلى مكمن الحدث ، بعدما تحكمت كلياً في دفة السردعن طريق خطاطة سردية مكتملة البناء .. وإخضاعها للغة قد تبدو بسيطة لكنها شيقة غير مغرقة في الاستعارات التي تثقل كاهل جسد النص ،
    جميل ما كتبت أختي المبدعة كريمة ..
    تقديري واحترامي ..
    الفرحان بوعزة ..

  10. #10
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,635
    المواضيع : 386
    الردود : 23635
    المعدل اليومي : 5.68

    افتراضي

    نص مائز بسرديته الرائعة ولغته السامقة وخاتمته المباغتة
    وفكرة تطرقت لمشكلة خطيرة تفشت في المجتمع العربي والاسلامي بقوة
    ولا أدري لم ذكرتني بقضية الاغتصاب الجماعية للفتاة الهندية في الفترة الماضية
    شكرا لك د. كريمة على نص احتل من الذائقة مسكنا
    ومرحبا بك في واحتك
    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. حالة إجهاض
    بواسطة حسام السبع في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 07-07-2013, 08:44 PM
  2. إجهاض!
    بواسطة بشرى العلوي الإسماعيلي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 08-05-2012, 08:54 PM
  3. إجهاض لذكرى رجل
    بواسطة شجاع الصفدي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 03-03-2008, 01:23 PM
  4. إجهاض
    بواسطة فرع النخيل في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 25-08-2006, 07:42 AM
  5. إجهاض أنثى الفِكْر فِكرَ بَنَاتي
    بواسطة كلمات في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 31-08-2005, 07:33 PM