أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: آيات السجود دراسة أسلوبية

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد عبد المجيد الصاوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : فلسطين ـ غزة
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 181
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي آيات السجود دراسة أسلوبية

    آيات السجود ـ دراسة بلاغية ـ وفق المنهج الأسلوبي .
    الباحث / محمد عبد المجيد الصاوي
    قدم هذا البحث ضمن متطلبات مساق الأسلوب والأسلوبية في برنامج ماجستير اللغة العربية ، كلية الآداب ، في الجامعة الإسلامية بغزة . آيار ـ 2013 .
    وسنقدمه لرواد واحتنا على مدار حلقات ثلاث ، كل حلقة تشمل دراسة لخمس آيات .
    الحلقة الأولى : آيات السجود في سور : الأعراف ، الرعد ، النحل ، الإسراء ، مريم .
    الآية الأولى : " إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون " الأعراف / 206 .
    المفردات :
    عند ربك : المراد بهم الملائكة .
    يستكبرون : يتكبرون .
    الأسلوب : جاء خبرا طلبيا ، حملت الحث للمؤمنين والتعريض من خلال بيان حال الملائكة .
    نجد المفسرين قد أجمعوا على تفسير الآية .
    فالزمخشري يرى فيها : ( 1)
    " إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ هم الملائكة صلوات الله عليهم. ومعنى عِنْدَ دنوّ الزلفة، والقرب من رحمة الله تعالى وفضله، لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته وَلَهُ يَسْجُدُونَ ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، وهو تعريض بمن سواهم من المكلفين " .
    ويؤكد ذلك الثعلبي : ( 2)
    " عِنْدَ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ "
    وذهب في معنى العندية كذلك أبو حيان في البحر المحيط ( 3).
    وكذلك ابن عطية ذهب مذهبهم في معنى العندية (4 ) .
    كما نجد أبا حيان قد بين لفتة بلاغية في التقديم والتأخير ( 5) :
    وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصَاصِ أَيْ لَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لَهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَدَّمَ الْمَجْرُورَ لِيَقَعَ الْفِعْلُ فَاصِلَةً فَأَخَّرَهُ لِذَلِكَ لِيُنَاسِبَ مَا قَبْلَهُ مِنْ رؤوس الْآيِ وَلَمَّا كَانَتِ الْعِبَادَةُ نَاشِئَةً عَنِ انْتِفَاءِ الِاسْتِكْبَارِ وَكَانَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ عِبَادَةٍ قَلْبِيَّةٍ وَعِبَادَةٍ جُسْمَانِيَّةٍ ذَكَرَهُمَا، فَالْقَلْبِيَّةُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَالْجُسْمَانِيَّةُ السُّجُودُ وَهُوَ الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
    ويرى صاحب تفسير التحرير والتنوير ( محمد الطاهر عاشور ـ معاصر ـ )
    أن العندية هنا " عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ وَكَرَامَةٍ " (6).
    كما نراه يعقب تعقيبا بلاغيا جميلا حول الأسلوب الخبري المبدوء بإن :
    " تَتَنَزَّلُ مُنْزِلَةَ الْعِلَّةِ لِلْأَمْرِ بِالذِّكْرِ، وَلِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِ إِنَّ الَّتِي هِيَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ، لَا لِرَدِّ تَرَدُّدٍ أَوْ إِنْكَارٍ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ يُغْنِي غَنَاءَ فَاءِ التَّفْرِيعِ، وَيُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَالْمَعْنَى: الْحَثُّ عَلَى تَكَرُّرِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي مُخْتَلَفِ الْأَحْوَالِ " (7 ).
    ويؤكد الرازي :
    لفتة بلاغية في قوله جل وعز : وَلَهُ يَسْجُدُونَ ، يُفِيدُ الْحَصْرَ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ لِغَيْرِ اللَّه.
    ويدلل بسجود الملائكة لآدم بالنقل عن الغزالي أن السجود كان من ملائكة الأرض ( 8).
    ونقول أن المتعارف عليه سجود الملائكة أجمعين وهو ما حملته الآية التي ذكر فيها سجود الملائكة ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) فكلهم دلت على سجود الملائكة جميعهم ، وأجمعون دلت على سجودهم في وقت واحد ، وأن سجودهم كان سجود تشريف لا سجود تكليف .

    ثم يدلل الرازي في إفادة أخرى في الآية : " يُفِيدُ أَنَّهُمْ مَا سَجَدُوا لِغَيْرِ اللَّه، فَهَذَا يُفِيدُ الْعُمُومَ. وَقَوْلُهُ: فَسَجَدُوا لِآدَمَ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ " (9).
    ويرى الباحث أن الآية قد حملت من لفتات وملامح بلاغية ما يقطع بالدعوة إلى التنزيه والتسبيح سجودا وركوعا ، فابتداء الآية بإن المؤكدة وحدها ( الطلبية ) دون الاعتماد على مؤكدات أخرى ، يستشف منه أن الدعوة موجهة للمؤمنين وحملت على الطلب لبيان الإلزام .
    كما نرى في الحصر في تقديم الجار والمجرور دورها في سياق الآية وتناسقها ، وهو نوع من الإعجاز البياني تجلى في الآية .

    الآية الثانية :
    " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ " الرعد / 15 .
    معاني المفردات :
    من : قصد به عموم المخلوقات .
    ظلال : جمع ظل .
    الغُدُو : جمع غداة
    الآصال جمع أصيل .
    آراء المفسرين في الآية :
    نظر المفسرون إلى أن المراد من السجود طوعا ، هو سجود المؤمن ، والمراد من السجود كَرها هو سجود الكافر .
    وذهب إلى ذلك : الزجاج (10 ) ، والكرماني (11 ) ، والثعالبي (12 ) .
    ويرى الثعالبي في قوله في سجود الظلال :
    " أن الكافر يسجد لغير اللَّه، وظله يسجد للَّهِ، وقيل وظلالهم أشخاصهم، وهذا مخالف للتفسير " ( 13) .
    ويرى الكرماني
    سجود تعبدٍ وانقياد "طوعاً" سجود الملائكة والمؤمنين، "وكرها" من
    أمره على الإيمان، وقيل: الطواعية والكراهية في سجود من في الأرض، وأما الملائكة، فهم يسجدون طَوْعًا، وقيل: طبعا، وفيه نظر .
    ويرى في قوله (وظلالهم) :
    أي ويسجد ظلالهم، جمع الظل، وهو ما ستره الشيء
    عن شعاع الشمس، يقصُر مرة ويمد أخرى، وقد قيل: ظل كل شيء من كل جنس يسجد لله، وقيل: سجوده دلالة على الوحدانية، فظل الكافر يسجد طَوْعًا، وهو كاره، وظل المؤمن طَوْعًا وهو طائع ( 14) .
    ويبين معنى مَن في الآية (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
    وفي موضع سورة النحل : (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ؟
    أن : في هذه السورة تقدم آية السجدة ذكر العلويات ، من البرق والسحاب والرعد والصواعق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم ذكر الأصنام والكفار، فبدأ في آية السجدة بذكر من في السماوات لذلك، وذكر الأرض تبعاً، ولم يذكر من فيها استخفافا بالكفار والأصنام، وأما في سورة الحج ، فقد تقدم ذكر ما خلق الله على العموم فلم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح ، فاقتضى للآية ما في السماوات وما في الأرض، فختم كل آية بما اقتضاه أول الآية ( 15) .
    ومن اللفتات واللمحات البلاغية :
    نرى محمد الطاهر عاشور يشير إلى مَن الموصولة :
    وَالْعُمُومُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ مَنْ الْمَوْصُولَةِ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ الْكَاثِرَةُ .
    ونراه يشير إلى العدول عن الضمير في قوله تعالي في الآية السابقة : " لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ "
    إلى التصريح بلفظ الجلالة : في قوله تعالى : " ولله يسجد " .
    أن الجملة الثانية : ولله يسجد ، قد بينت : حَالَ خَيْبَةِ الدَّاعِي بِالتَّصْرِيحِ عَقِبَ تَبْيِينِهِ بِالْكِنَايَةِ . فَبِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ وَالْأُسْلُوبِ حسن الْعَطف، وبالمئال حَصَلَ تَوْكِيدُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَتَقْرِيرُهَا .
    ثم نراه يعقب بعد ذلك تعقيبا ويربطه بسابقه ، لا نقبله :
    وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ كَالْفَذْلَكَةِ لِتَفْصِيلِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى (16 ) .
    لما تحمله كلمة فذلكة من معنى في عصرنا يراد به غير المعنى المعجز في القرآن .
    ثم نجد صاحب ظلال القرآن ينقلنا إلى تصوير بلاغي للآيات :
    " ولأن الجو جو عبادة ودعاء، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو اقصى رمز للعبودية، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض، ظلالهم كذلك. ظلالهم بالغدو في الصباح، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال. يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال. وهي في ذاتها حقيقة، فالظلال تبع للشخوص. ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد، فإذا هو عجب. وإذا السجود مزدوج: شخوص وظلال! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء. كلها تسجد لله.. وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون الله! وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية. فما يجدر بالمشرك بالله في مثل هذا الجو إلا التهكم، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء " ( 17) .
    ونجد أبا حيان يرى بأن الخبر في الآية :
    وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ يَسْجُدُ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، وَمَدْلُولُهُ أَثَرٌ ( 18) .
    ونأتي الآن لتناول الآية تناولا بلاغيا في ضوء دراستنا :
    نجد الآية بدأت كما أشرنا بلفظ الجلالة وهو الاسم الصريح عدولا عن الضمير لما تحمله من تنوع وذلك كما يقتضيه النسق القرآني .
    وكذلك نجد التقديم في الآية حمل معنى خصوص السجود وقصره على رب العزة .
    كما أن الخبر جاء هنا ابتدائيا وخلى من المؤكدات كون الآية كما يرى أبو حيان أريد به مدلول الأثر .
    الآية الثالثة :
    " ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون " النحل / 49 .
    المفردات في الآية :
    دابة : بيان لما في السموات وما في الأرض جميعا ، ذكره الزمخشري ، كما سيأتي .
    مر بنا معنى لا يستكبرون : وهو بمعنى لا يتكبرون .
    ويذهب الزمخشري إلى أن " ما " عدل بها عن " مَن " للتغليب لدخول الملائكة والأناسي وغير العاقلين انقيادا لإرادة الله في السجود ( 19) .

    ثم يربط الآية بما بعدها فيقرر أن يخافون يجوز بها أن تكون للحال من الضمير في يستكبرون .
    ثم يشير للفتة بلاغية في ( لا يستكبرون ) فيرى وجها بلاغيا أن تكون :
    بيانا لنفى الاستكبار وتأكيداً له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته مِنْ فَوْقِهِمْ إن علقته بيخافون ( 20) .
    ونجد صاحب التحرير والتنوير يلفت إلى الحصر في قوله تعالى ولله يسجد :
    وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بالحصر، أَي سجد لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَام (21).
    ويرى ابن عطية في عطف الملائكة :
    ويحتمل أن يكون قوله: وَالْمَلائِكَةُ هو الذي يعم «السماوات والأرض» ، وما قبل ذلك لا يدخل فيه ملك، إنما هو للحيوان أجمع (22 ).
    ويرى صاحب البحر المحيط في عطف الملائكة :
    وَهُمْ مُنْدَرِجُونَ فِي عُمُومِ مَا تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِمُ الْحَفَظَةُ الَّتِي فِي الْأَرْضِ، وَبِمَا في السموات مَلَائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي العموم.
    وذهب الشوكاني مذهب أبي حيان(23 ) :
    ويرى الصابوني في أن عطف الملائكة يقع في باب : ذكر الخاص بعد العام ( 24).
    ونخلص إلى أن الآية شملت من اللفتات البلاغية :
    ذكر الخاص بعد العام ، وهو هنا جاء للبيان والتفصيل .
    أن التقديم جاء للحصر .
    أن مجيء ما جاء لعموم التغليب .
    فالآية حملت من الإعجاز البياني والبلاغي ما يدل على مكانة السجود وللحض عليه ، فإخبارنا بسجود من في الكون فيه تعريض إيجابي لنا .
    الآية الرابعة :
    " قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا " الإسراء / 107 .
    المفردات :
    أوتوا العلم : أصحاب الديانات ، وأتباع الرسل السابقين .
    الأذقان : جمع ذقن وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ .
    الألوان البلاغية في الآية :
    الأمر المبدوء به في الآية وغرضه : التحقير .
    الخبر الطلبي الذي تلى الأمر : تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم ، والذي جاء في نسق متصل يتآزر فيه الإنشاء والخبر .
    نجد المفسرين قد تقاربت تفسيراتهم في معنى الآية .
    فالزمخشري يذكر في تفسيرها :
    " قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، وأنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدّقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وأفضل- وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب وعلموا ما الوحى وما الشرائع- قد آمنوا به وصدّقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربيّ الموعود في كتبهم، فإذا تلى عليهم خرّوا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه " (25 ) .
    وكما نلحظ فإن الآية تحمل وتيرة مترفعة في الخطاب تلى آيات تحدث على استهزاء الكافرين ومطالبتهم بالإتيان بالملائكة والآيات ، فجاءتهم على نسق أشد بالاستهزاء والاحتقار ، فكان الغرض من الأمر كما حملت التحقير ، ويرى ابن عطية والواحدي أن الغرض كان التهديد والوعيد .
    ونجد الإيجي في تفسيره : جامع البيان في تفسير القرآن ، قد ذكر لفتة جميلة قد حملتها الآية في التعبير عن الأذقان وأن المقصود به مجمه الحيين وليس الوجه :
    يسقطون على وجوههم وذكر الذقن للمبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحى على التراب أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله واللام لاختصاص الخرور بالذقن (26) .
    وذهب عاشور في التحرير والتنوير إلى أن الغرض من الأمر هو : التسوية . فالآية ساوت بين إيمانهم وعدم إيمانهم (27 ) .
    ويذهب قطب في الظلال أن الغرض في الآية من الأمر هو : التخيير ، فهو كما يرى يخيرهم بين الإيمان وعدم الإيمان .
    ويحسن بنا أن ننقل تصويره البياني البلاغي وهو الأديب المفسر :
    " وهو مشهد موح يلمس الوجدان. مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم يسمعون القرآن، فيخشعون، و ـ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ـ إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ثمّ تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا . ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ ، وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ، فوق ما استقبلوه به من خشوع .
    إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة ، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله . والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن، فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله.
    هذا المشهد الموحي للذين أوتوا العلم من قبل يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أو لا يؤمنوا، ثم يعقب عليه بتركهم يدعون الله بما شاءوا من الأسماء- وقد كانوا بسبب أوهامهم الجاهلية ينكرون تسمية الله بالرحمن، ويستبعدون هذا الاسم من أسماء الله- فكلها أسماؤه فما شاءوا منها فليدعوه بها:
    " قُلِ: ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ. أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى " .
    وإن هي إلا سخافات الجاهلية وأوهام الوثنية التي لا تثبت للمناقشة والتعليل " (28) .
    فهو كما انطلق في تصويره يقرر بوجود مشهد يبعث النفس على التأمل والوقوف أمامه ، وهذه الآية من آيات السجدات حظيت بمزية هذه الصورة المؤثرة في النفس الداعية لها للانطلاق نحو التأثر والتبتل .
    الآية الخامسة :
    " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً " مريم / 58 .
    المفردات :
    خروا : أقبلوا على الأرض يطؤونها بجباههم .
    سجدا : جمع ساجد .
    بكيا : جمع باكٍ .
    ويرى القرطبي أن الآية ذكرت في موطن التأثير في القلوب ( 29) .
    وقد وقعت الآية استئنافا لسابقتها التي بينت حال الأمم السابقة وصلاح متبعي أنبيائها .
    وقد بينت الآية حال المؤمنين من الأقوام السابقة المتبعين للنبيين المنعم عليهم عند تلاوة الآيات من ذكر ربهم ، فكان الشرط المبدوء به الآية ( إذا تُتلى ) هنا في مقام وصف الحال .
    كما أن الفعل الذي لم يسمَ فاعله ( بني للمجهول ) تتلى ـ يأتي في نسق جمالي منسحب مع منظوم الآية .
    ونجد المفسرين متفقين في دلالة الآية ومعناها .
    وهذه لفتة بلاغية يقدمها عاشور في التحرير والتنوير :
    جُمْلَةُ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ مُسْتَأْنَفَةٌ دَالَّةٌ عَلَى شُكْرِهِمُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ وَتَقْرِيبِهِ إِيَّاهُمُ بِالْخُضُوعِ لَهُ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِهِ وَبِالْبُكَاءِ.
    وَالْمُرَادُ بِهِ الْبُكَاءُ النَّاشِئُ عَنِ انْفِعَالِ النَّفْسِ انْفِعَالًا مُخْتَلِطًا مِنَ التَّعْظِيمِ وَالَخَوْفِ (30 ) .
    ملاحظة قائمة المصادر والمراجع ستقدم بإذن الله في الحلقة الثالثة
    (1 ) الكشاف 2/192 .
    (2 ) الجواهر الحسان 3/109 .
    (3 ) البحر المحيط 5/264 .
    (4 )المحرر الوجيز 2/492 .
    (5 )البحر المحيط 5/264 .
    (6 ) التحرير والتنوير 24/301
    (7 )التحرير والتنوير 9/243 .
    (8 )مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) 15/455.
    (9 ) مفاتيح الغيب 15/456.
    (10 ) معاني القرآن للزجاج : 2/144 .
    (11 ) غرائب التفسير : 1/565 .
    (12 ) الجواهر الحسان : 3/305 .
    (13 ) المرجع نفسه .
    (14 )غرائب التفسير وعجائب التأويل : 1/565 .
    (15 )غرائب التفسير وعجائب التأويل : 1/565 .
    (16 ) التحرير والتنوير 13/110 .
    (17 ) في ظلال القرآن 4/2052 .
    (18 ) البحر المحيط : 6/368 .
    (19 ) الكشاف 2/609 .
    (20 )الكشاف 2/609 .
    (21 )التحرير والتنوير 14/170 .
    (22 ) المحرر الوجيز : 3/366 .
    (23 ) البحر المحيط : 6/535 و فتح القدير : 3/196 .
    (24 ) صفوة التفاسير 2/119 .
    (25 ) الكشاف 2/699 .
    (26 ) جامع البيان 2/420 .
    (27 ) التحرير والتنوير 15/232 .
    (28 ) في ظلال القرآن 4/2254 .
    (29 ) الجامع لأحكام القرآن 11/120 .
    (30 )التحرير والتنوير 15/232 .

    ونلقاكم في الحلقة الثانية بحول الله وقوته .
    https://www.facebook.com/photo.php?fbid=387397961395449&set=pb.100003757443  881.-2207520000.1388969228.&type=3&theater

  2. #2
  3. #3
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان شاعر وناقد
    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,318
    المواضيع : 59
    الردود : 4318
    المعدل اليومي : 0.80

    افتراضي

    الأخ الغالي الأديب الشاعر محمد عبد المجيد الصاوي
    تشرفت بمتابعة هذه الدراسة الأكاديمية , وقد لفت نظري هذه المقدرة على الرؤى البلاغية ,
    والربط المباشر مع المراجع القوية المناسبة , ضمن إطار وحدة الفكرة والهدف , طبعا
    استفدت وتعلمت , والدراسة فتحت عيني على الكثير من أدوات الإبداع البلاغية , في النص
    القرآني , وطريقة الإشارة إليها , وتذوق البلاغة العالية .
    أشكر لك ايها الأديب الباحث هذا العمل , وأتوقع لهذه الدراسة النجاح والتفوق بإذن الله .
    تقبل تقديري واحترامي

    د. محمد حسن السمان

  4. #4
    الصورة الرمزية محمد عبد المجيد الصاوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : فلسطين ـ غزة
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 181
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    جزاك الله خيرا وافرا دائبا أخي الأكبر الشاعر والناقد المعلم د. محمد حسن السمان
    هذه الدراسة مما اكتسباه من أستاذنا البرفوسور : نعمان علوان ـ أسلوب البلاغة في جامعتنا
    فقد كنا ننهل منه الفكر البلاغي الذي يزودنا بأدوات النقد البلاغي
    لك الحب والمودة من تلميذك
    محمد عبد المجيد الصاوي

  5. #5
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.25

    افتراضي

    دراسة علمية بقالب أكاديمي متقن وأداء مائز كان فيه الدارس حاضرا بمراجعه ليغطي موضوعه بقوة وإحاطة تامة، وقدرة على تلمس الأبعاد البلاغية المدهشة في الصورة والتعبير القرآني وشرحها بتيسير ووضوح

    متعة ومنفعة كان حضوري في ظلالها
    لا حرمك البهاء

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  6. #6
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,097
    المواضيع : 123
    الردود : 19097
    المعدل اليومي : 5.32

    افتراضي

    هذه دراسة من أروع ما قرأت تدبرا في القرآن الكمريم واجتهادا لرؤية اإعجاز فيه وتعلمه

    شكرا لك أخي

    بوركت
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة أسلوبية في شعر نادية بوغرارة
    بواسطة محمد عبد المجيد الصاوي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-06-2015, 02:37 PM
  2. آيات السجود دراسة أسلوبية ( 2 )
    بواسطة محمد عبد المجيد الصاوي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 05-01-2014, 12:23 AM
  3. علامات الترقيم .. سمة أسلوبية
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى عُلُومٌ وَمَبَاحِثُ لُغَوِيَّةٌ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 19-12-2010, 11:00 AM
  4. تجليات البوح الشعري/قراءة أسلوبية في قصيدة "تمتمات"
    بواسطة محمد الأمين سعيدي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 28-03-2009, 02:54 PM
  5. عجائب السجود لله من الناحية الطبية
    بواسطة زاهية في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 29-11-2005, 01:05 AM