أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 40

الموضوع: جاندا

  1. #1
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 55
    المشاركات : 40,230
    المواضيع : 1079
    الردود : 40230
    المعدل اليومي : 6.52

    افتراضي جاندا

    ...

    انْطَلقَتْ تُسابِقُ الرِّيحَ لا تلوِي عَلَى شَيءٍ، يَلهَثُ خَلفَها ذُعرُهَا المَكلومُ بِوجَعِ عَجْزٍ. كَانَ النُّعَاسُ قَد بَدَأَ يُداعبُ عَينَيِ النَّهارِ حِينَ أَرهَقَتْهَا أَنْفَاسُهَا وَخَانَتهَا أَطْرافُهَا فَأَسنَدَتْ جَسَدَها لِجِذْعِ شَجَرَةٍ عَجْوزٍ تَلعَقُ جِراحَهَا النَّازِفَةَ فِي صَمتٍ وَوُجُومٍ، وَتُهَدْهِدُ صَدْرَها المُتَهدِّجِ لِيَستَكِينَ. وَفجْأَةً؛ دَوَّتْ زَأْرَةُ مَخَاضٍ مُبَكِّرٍ لِبِكْرٍ تَضَعُ ذَكَرَين.

    لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ بَاجِيرَا وَهيَ تَجتَهدُ في تَطوِيرِ قُدُرَاتِها في الرَّصْدِ وَالصَّيدِ وَتَتَرَقَّى بِثِقةٍ لأَعلَى التَّرْتِيبِ الهَرَمِي لِلجَمَاعةِ أَنَّ فِضِّيةَ العَينِ سَتُناصِبُها العَدَاءَ وَستَترَصَّدُهَا في كُلِّ مَرَّةٍ تُظْهِرُ فِيهَا بَرَاعتَهَا أو تُلْفِتُ إِلَيهَا نَظَرَ الأَسَدِ المُسَيطِرِ. جُنَّ جُنُونُ فِضِّيةِ العَينِ وَهيَ تَرَى بَاجِيرَا تَضَعُ مِنَ الأَسَدِ مَولُودَين فَانْقَضَّت عَلَيهَا حَتَّى قَتَلَتهَا وَالشِّبْلَ الذَكَرَ قَبلَ أَنْ يعُودَ الأَسَدُ فَتُقْعِي قَدَرًا لِنَجَاةِ المَولُودَةِ الأُنْثَى التِي احتَضَنتهَا لَبؤَةٌ أُخْرَى.

    كَبُرَتْ جَانْدَا عَلى مَا كَانَتْ عَليهِ أُمُّهَا مِن حُبِّ التَّميُّزِ وَرَغبَةٍ في التَّفوُّقِ فَاصْطَدمَتْ مِثْلهَا بِاللبُؤةِ المُسَيطِرَةِ فِضِّيةِ العَينِ، وَكَانتْ تَشعُرُ دَومًا بِالمَقتِ يَنْضَحُ مِنْهَا وَبِالغَدْرِ يَلُوحُ مِنْ عَينِهَا فَكَانَتْ تَتَحَاشَى أَبَدًا أَنْ تَمْنَحَها فُرصَةً لِلانقِضَاضِ عَلَيهَا وَلَمَّا تَكتَمِلْ قُوَّتُهَا وَتُصقُلْ قُدُرَاتِهَا. وَمَضَى الزَّمنُ وَئيدًا يَأخُذُ بِالسِّنينِ مِنْ فِضِّيةِ العَينِ الرَّهِيبَةِ وَيَمنَحُ جَانْدَا قُوَّةً وَخِبرَةً جَعَلتهَا فِي مُنَافَسْةٍ مَعَهَا عَلَى دَورِ اللبُؤَةِ المُسَيطِرَةِ فَلَمْ تَعُدْ تَحْذَرُ مِنهَا.

    أَدْرَكتْ جَانْدَا حِينَ جَفَّ ضَرْعُهَا وَجَاعَ صَغيراهَا أنَّ عَليهَا أنْ تَبحثَ عَن طَعامٍ، فَنَقلتْ شِبلَيهَا إِلى مَأْمَنٍ فِي دَغلٍ قَريبٍ ثُمَّ جَاهَدتْ رَهَقَها بَحثًا عنْ طَرِيدةٍ تَستَطِيعُ أنْ تَصِيدَها وَلَمْ يكُنِ الأَمْرُ يَسيرًا لَكِنَّهَا عَادَتْ وَهيَ تَلعقُ بَقِيَّةَ دَمِ ظَبيٍ صَغِيرٍ. شَلَّتها الفَجِيعَةُ حِينَ وَلجتْ فَلمْ تَجِدْ شِبليهَا حَيثُ تَرَكَتهُما، وَمَا إِنْ ابتَلعَتِ الصَّدمةُ حتَّى انطَلَقتْ تَبحًثُ بِلَهْفَةٍ لِتَجِدَ عِصَابَةً مِن الضِّباعِ خَلفَ الدَّغْلِ تَنْهَشُ جَسَدَ شِبلِها حَيًّا وَهوَ يَصِيحُ بِأَلمٍ فَانْطَلقَتْ كالسَّهمِ تُخَلِّصهُ مِن بَينِ أَنيابِهَا ثُمَّ تُطَاردُها بِضَراوةٍ حَتَّى أبعَدَتهَا.
    حَاوَلَتْ جَانْدَا أنْ تَحمِلَ الشِّبلَ بَعيدًا عنِ الخَطَرِ فَأوهَاهَا بِصُرَاخِهِ. لَعَقتْهُ بِحَنانٍ تَستَحِثُّهُ لِيمْشِيَ فَاكتَشَفَتْ أَنَّهُ مَكْسُورُ الظَّهْرِ مُمَزَّقُ الأحشَاءِ مَيِّتٌ لا مَحَالَة. رَفَعتْ رَأْسَهَا وَأَغْمَضَتْ عَينَيهَا بَعضَ وَقْتٍ تُغالبُ دُموعَهَا ثُمَّ أَطْلقَتْ صَيحَةَ أَلَمٍ هَزَّتِ الأَرْجَاءَ. عَادَت تنظُرُ إلى وَليدِها نَظرةً أخِيرةً وَمَضَتْ تُجَاهِدُ أَقدَامَهَا التِي تَرْتَعِشُ كُلَّمَا نَاجَاهَا شِبلُها الزَّاحِفُ خَلفَهَا حَتَّى إِذَا مَا أَوجَعَهَا النِّدَاءُ أَطْلَقَتْ سُوقَهَا لِلرِّيحِ تَفرُّ مِن إِحْساسِ الأُمُومةِ المَكْلومِ إِلى نَامُوسِ الطَّبيعَةِ المَحْتُومِ.

    وَقَفَتْ جَانْدَا علَى تِلكَ التَّلةِ المُشْرِفةِ تَسترجِعُ مَا دارَ لهَا في أَقصَى الوَادِي هُناكَ حَيثُ غَافَلتهَا فِضِّيةُ العَينِ وَهَاجَمَتهَا فَأحدَثتْ فِيهَا جِراحًا اضطرَّتهَا للهَربِ بعِيدًا. مَضَى وَقتُ طَويلٌ وَهيَ تَعِيشُ وَحيدَةً تَجُوبُ الأَدغَالَ فَصَقلَتِ المُمَارسَةُ قُدُراتِهَا وَهَذَّبتِ المُثابَرةُ خِبرَاتِهَا حتَّى بَاتتْ قَادرَةً عَلى صَيدِ الفَرَائِسِ الكَبيرَةِ مِمَّا يَعجَزُ عَنهَا جَمعٌ مِنَ الأُسُودِ. لَقَد قَرَّرتْ أنْ تَعُودَ وَلنْ يُثنِيَهَا عنِ العَودَةِ بَعدَ كُلِّ هذَا الغِيَابِ شَيءٌ.
    كَانتْ الشَّمسُ تُطِلُّ عَلَى استِحيَاءٍ مِن خَلفِ الأَكَمةِ تُرَاقِبُ جَانْدَا تَسيرُ بِخُطَى وَاثقَةٍ عَبرَ السَّفحِ نَحوَ وَادِي الأُسُودِ، تُجِيلُ عَينَيهَا في الأُفُقِ المُمتَدِّ بَحثًا عنْ جَمَاعتِهَا التِي طُرِدَتْ مِنهَا. لَمْ يَطُلِ الأَمَدُ حتَّى أَطَلَّتْ فِضِّيةُ العَينِ بِرَأسِهَا وَأَقْبلَتْ تُهَروِلُ مُستَفَزَّةً وَقَد عَرفَتهَا. وَقَفتْ في ثَبَاتِ القَوِيِّ تُؤَكِّدُ أَنَّها مَا عَادتْ لِسُوءٍ، وَلكِنَّ فِضِّيةَ العَينِ بَادَرَتهَا بِهُجُومٍ تَصَدَّتْ لهُ بِقُوَّةٍ حَتَّى طَرَحَتهَا أَرضًا وَنَظَرَت فِي عَينِهَا بِتَحَدٍّ وَإصْرَارٍ. أَدْرَكتْ فِضِّيةُ العَينِ أنَّ جَانْدَا لمْ تَعُدْ تِلكَ التِي هَزَمَتهَا مِنْ قَبلُ فَتَرَاجَعتْ بِهُدُوءِ المَذهولِ تَتَقبلَّهَا عَلَى مَضَضٍ في الجَمَاعَةِ مِنْ جَدِيدٍ.

    عَلى الضِفَّةِ الأخرَى منَ النَّهرِ عَنَّ قَطيعٌ منَ البَقَرِ الوَحْشِيِّ اسْترْعَى انتِبَاهَ جَمَاعَةِ الأُسُودِ الجَائِعةِ لأَيَّامٍ، وَسَاقتهَا الغَريزَةُ حَتَّى حُدودِ النَّهْرِ ثُمَّ نَظَرتْ اللبُؤَاتُ إِلى فِضِّيةِ العَينِ القَائدَةِ يَنتَظِرْنَ مِنهَا المُبَادَرَةَ حتَّى إِذَا طَالَ أَمَدُ تَردُّدِهَا خَطَتْ جَانْدَا خُطُواتٍ نَحْوَ النَّهْرِ المُتَدَّفِقِ عبرَ السُّهولِ تَتَحسَّسُ المَاءَ تَخُوضُهُ بِحِرصٍ وَإِصرَارٍ. تَلَكَّأتِ اللبُؤَاتُ قَليلا فَلمَّا رَأيْنَ فِضِّيةَ العَينِ عَاجِزَةً لا تُبَادِرُ لِشَيءٍ تَرَكْنَها وَحِيدَةً وَتَبِعْنَ جَانْدَا الوَاحِدةُ تِلوَ الأُخرَى. شَعَرَتْ جَانْدَا بِأنَّ المَوقِفَ قَد نَصَّبَها قَائِدَةً لِلجَمَاعَةِ فَبَدَأتْ تَتَصرَّفُ بِمُستَوَى المَسؤُولِيَّةِ. أَجَالتْ بَصَرَها في قَطِيعِ البَّقَرِ حتَّى رَصَدَتْ صَيدًا مُنَاسبًا فَحَدَّدتْ لَحظَةَ الانْطِلاقِ وَتَبِعتْهَا اللبُؤَاتُ في هُجُومٍ قَوِيٍّ أَسْقَطَ ثَورًا سَمِينًا وَلكِنْ عَادَ قَائِدُ القَطِيعُ مَع مَجمُوعَةِ الثِّيرَان القَوِيَّةِ لِتخلِيصَهُ قَبلَ أنْ يَتَمكَّنَّ مِنْ قَتلِهِ.
    وَبَينَا كَانَتْ اللبُؤَاتُ تُعِيدُ تَنظِيمَ أَنفُسِهَا لِهُجُومٍ جَدِيدٍ إذْ بفِضِّيةِ العَينِ تَقتَربُ مِنهنَّ بِهُدُوءِ مُتَربِّصٍ مُقَطَّبةَ الجَبِينِ فَأَقعَينَ فَزَعًا يَتَحَسَّبْنَ مِنْ سَطْوَةِ شَرَاستِهَا المَعهُودَةِ. لمْ تَلتفِتْ إِليهِنَّ وَوَاصَلتْ حتَّى إِذَا وَصَلتْ إِلى جَانْدَا - التِي وَقَفتْ فِي شَمَمٍ وَحَذَرٍ - انْحَنتْ أَمَامَهَا تُعْلِنُ الوَلاءَ لَهَا كَقَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ لِلجَمَاعَةِ فَتَعَانَقَتا بِحَكٍّ لَطِيفٍ لِلرِّقَابِ. عَادَت جَانْدَا فَقَادتْ هُجُومًا جَديدًا شَارَكتْ فِيهِ فِضِّيةُ العَينِ كَتَابِعَةٍ لأَوَّلِ مرَّةٍ مُنذُ عَهْدٍ بَعيدٍ وَتَمكَّنَّ جَميعًا مِن اقتِناصِ الثَّورِ الجَرِيحِ وَفَصْلِهِ عَنِ القَطِيعِ.

    كَانَتْ اللبُؤَاتُ مُنشِغلاتٍ بِالافْتِراسِ حِينَ انْتَبهَتْ جَانْدَا فجْأَةً وَمِنْ خَلفِ بقَايَا غُبَارِ المَعرَكَةِ إِلَى شَيءٍ جَعَلَها تَقِفُ بِذُهُولٍ عَلَى أَطْرَافِ بَراثِنِهَا للِحَظَاتٍ قَبلَ أنْ تَنطَلِقَ نَحْوَهُ بِجُنُونٍ. تَشَمَّمَتهُ فَنَاجَاهَا بِنِدَاءٍ رَقِيقٍ تَعْرِفُهُ. جَثَتْ أَمَامَهُ يَتَمَرَّغُ في حِضنِهَا، وَشَعَرَتْ كَأَنَّ الكَونَ قَد تَوَقَّفَ دَهْرًا قَبلَ أنْ تَلعَقَ وَجْهَهُ وَتَطْبَعَ قُبلَةَ أُمٍّ حَنُونٍ عَلَى رَأْسِهِ الصَّغِيرِ.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.83

    افتراضي

    بديعة عمريّة جديدة بحبكة تعتمد الاسترجاع والتقطيع المشهديّ الشائق فتحمل القارئ على استحضار ميدان الحدث والمشاركة في رسم تفاصيله اعتمادا على ما يطرح السرد بأحداثه من فكرة تأطيرية لصراع وحشيّ على هامش مصلحيّ عبادة الذات منطلقه وهزيمتها منتهاه

    في الفكرة ابتكار وفي الرمز دهشة وفي القص جمال اللغة التي نحب

    حجز مقعد متقدم في شرفة النظارة

    ولي إلى النص عودة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية هَنا نور أديبة
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    المشاركات : 477
    المواضيع : 94
    الردود : 477
    المعدل اليومي : 0.20

    افتراضي


    أديبنا الكبير دكتور سمير العمري
    أسعد الله أوقاتك

    هكذا تكون النفوس الكبيرة ؛ نفوساً مَلَكية .. تتحدى الصعاب وتقهر اليأس وتعلو على الأحقاد .

    أبكيتني حزناً على الشبل الجريح ، الهالكِ لا محالة ، لكن عودَتَه مسحت دموعي ومنحتني جرعة أملٍ كنت في حاجةٍ إليها.

    رائعةٌ قصتُك ، وجاءت بوقتها .

    دمت مبدعاً أستاذنا الكريم ،
    ودمتَ بكل خيرٍ وسعادة .

  4. #4

  5. #5
    الصورة الرمزية أحمد عيسى قاص وشاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2007
    الدولة : هـنــــاكــــ ....
    المشاركات : 1,960
    المواضيع : 176
    الردود : 1960
    المعدل اليومي : 0.43

    افتراضي

    جاندا / قصيرة العمري و المعارك الأربعة


    ليس جديداً على الأدب ، منذ كليلة ودمنة ، وما قبلها ، أن يتم تناول القصص عبر الحيوانات ، غير أن القصص أصبحت لا تعرض على لسان الحيوان وحسب ، وانما صار الحيوان هو حدث القصة وموضوعها الأساس ، وأصبح استخدام الحيوان أكثر انسجاماً مع القصة الحديثة ، بحيث يوظف بطريقة غير مباشرة ، الى ما هو أبعد من المقاصد الحكمية والوعظية المباشرة ، نحو غايات فنية وجمالية ، وأبعاد سياسية واجتماعية ، ورؤى أكثر عمقاً ، وتناول أشد تأثيراً ، ويمكن القول أن التجريب صار سمت هذا اللون الصعب الذي لا يخوضه الكثيرون .
    وقصص الحيوان تنبني على مستويين" " الأول سردي عبارة عن حكاية تتعلق بعالم الحيوان ، لكنها في العمق تحمل معنى انسانياً يهدف الى ترسيخ غاية أخلاقية وتربوية ، والأىخر تقرير حكمي ، يؤكد الغاية نفسها ، في شكل مثلٍ سائر أو عبارة مأثورة ، أو حكمة أخلاقية " ..1( د.سعاد مسكين ، الحيوان في القصة المغربية)
    ان تناول قصة عميقة الطرح كقصة جاندا للأديب الكبير :د.سمير العمري ،ـ تتطلب منا دراسة شاملة مفصلة ، لنتمكن من سبر أغوار هذه الرؤية الفلسفية ، وتحليلها وتفكيكها ، للوصول الى الرمز ، وهو أمرٌ غير يسير مع من يعتبر الرمز أداة وليست غاية ، ويسلك في ذلك الطريق الصعب ، عبر لغة قوية ميزت كتاباته دائماً ، وأسلوب سهلٍ يتمنع عليك كلما ظننت أنك أمسكته بين راحتيك ، انها جاندا ، ورحلة البحث عن الذات .
    الاعجاز الأساس في القصة يأتي عبر سؤال واحد : كيف تحتوي قصة عن الحيوان هذا الكم الهائل من المفاهيم الانسانية والأخلاقية ؟ وكيف تطبعت الحيوانات بطباع البشر ؟ عبر شخصيات متنوعة ثقافياً ، مختلفة سياسياً ؟ متنافرة اجتماعياً رغم أنها تشترك في ذات النوع ، فكلها أسود ، وكلها من قطيع واحد .
    ان جاندا اليتيمة ، تعرضت لجريمة شنعاء منذ الصغر ، فقتلت والدتها وأخيها من صديقة ، بدعوى الغيرة لا أكثر من تلك المكناة ( فضية العين )
    والابنة جاندا تكبر في بيئة قاسية لا ترحم ، وذكرى طفولتها تنغص عليها حياتها ، والجريمة ماثلة أمام ناظريها ، فيشتد عودها أكثر ، وتصبح ماهرة أكثر ، ولا تبالي بقيود المجتمع الذي لا يرحم ، وانما تكون صلبة كما يتطلب قانون الغاب ، الذي يعرفه البشر اليوم أكثر مما تعرفه الحيوانات .
    المعركة الأولى : التي خاضتها جاندا في حياتها كانت معركة فرار ، وكان فرارها هو ميلادها ، حين يكون الفرار أحياناً هو القرار السليم .
    المعركة الثانية : التي خاضتها جاندا كانت ضد قطيع من الضباع ، قطيع لا يرحم ، لم يبال بيتمها ، ولم يحزن لمأساة طفولتها ، وانما هجم على وليدها ، وترك الآخر حياً شاهداً على الجريمة
    المعركة الثالثة : كانت صراع نفسي خاضته مكسورة الفؤاد ، حين تركت شبلها ، ممزق الظهر ، ومضت تاركة اياه وخلفها الآخر ، أن تترك وليدها للحياة ، كأنها تكرر مأساتها .
    المعركة الرابعة : كانت معركة اثبات الذات ، حين عادت قوية صلبة ، ورغم ذلك لم تهاجم ، في مبدأ أخلاقي جميل ، أن القوة لها متطلباتها ، قوتك لا تعني أن تهاجم من هم أقل منك ، أو تثبت ذلك في كل مناسبة ، لكن فضية العين تهاجمها ، فتنتصر جاندا ، وتثبت زعامتها .
    وتأكيداً لمبدأ العفو عند المقدرة ، فان جاندا لا تستغل هذه القوة للنيل من أعدائها ، وانما تستقبل بحب كل أعدائها ، فتكون فضية العين في فريقها ، وتشكل فرقاً عند المعركة ، فتنتصر هي وقطيعها بمساعدة العدو السابق ، وحين يحدث ذلك فقط ، حين تتوحد الأسود في القطيع ، يأتي الابن المصاب ، وقد انجلت كل جراحاته ، وعاد من جديد ، وكأنها رسالة واضحة المعالم : بالوحدة فقط ، يحيا الأبناء ، وحدة الوطن الواحد ، وطن يجمع المفارقات كلها ، في وعاء واحد ، ينبذ الخلافات ، ويتغاضى عن الجراح ، ويكون مستعداً لاستيعاب الجميع ، دون أي تمييز .

    ان القارئ لقصة جاندا للعمري سيتذكر دون شك ، حكمة الخنزير : ماجور في قصة مزرعة الحيوانات للكاتب البريطاني جورج اورويل ، ثم صراع نابليون وسنوبول ، رغم أن رمزية مزرعة الحيوانات كانت شديدة الوضوح مع مبالغات أكثر ، وكانت رمزية قصة العمري أقل وضوحاً مع واقعية أكثر .

    أن ترى كل هذا الكم ، من الحكمة ، والصراع ، والألم ، والأمل ، بهذا الأسلوب الأدبي الفريد ، وهذه اللغة القوية ، وهذه الدلالات السياسية والاجتماعية ، في قصة واحدة بهذا العدد من السطور القليلة ، لهو أمرٌ لا تجده كثيراً بقدر ما عشناه في قصة العمري ، مع جودة في الوصف ، وبديع الكلم ، كما في هذه المقتطفات :
    "كَانتْ الشَّمسُ تُطِلُّ عَلَى استِحيَاءٍ مِن خَلفِ الأَكَمةِ "
    "كَانَ النُّعَاسُ قَد بَدَأَ يُداعبُ عَينَيِ النَّهارِ"
    وأخيراً أشكر الدكتور سمير على هذه القصة التي ستكون اضافة غنية ولا شك لقسم القصة ، وشكراً على لمحة الأمل بالأخير ، لمحة أمل تجعلني رغماً عني أتذكر جراحات سوريا وأدعو الله أن تندمل وأن تعود كما كانت وأجمل . .. تحية تليق

  6. #6
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,635
    المواضيع : 386
    الردود : 23635
    المعدل اليومي : 5.76

    افتراضي

    أن تأتي قصة من عالم الحيوان بها كل هذا الزخم اللغوي والبلاغي والجمالي وما تحمل من رموز على جميع الأصعدة .. وتبلغ الرسالة المرجوة بما يتفوق على الشخوص البشرية ؛ فهي حتما مدرسة عمرية لا يجيدها إلا أمير الشعر والأدب
    النص جميل حد الدهشة قرأته ولم أرتو وأظنني سأعود مرارا لأنهل من فيوض إبداعاتكم
    وسأنال شرف التثبيت
    بوركتم واليراع
    ولكم التحايا
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7
    الصورة الرمزية حارس كامل أديب
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    الدولة : مصر
    المشاركات : 570
    المواضيع : 66
    الردود : 570
    المعدل اليومي : 0.23

    افتراضي

    الدكتور سمير
    قرأت من مدارس أدبية شتي
    واستمتعت بمدارس لكبار كتاب القصة
    لكنني وللأمانة التي أسال عنها يوما
    فأنني أمام نص يضج بالتعابير الجميلة والجماليات والأساليب البيانية والأبداعية
    انتهاء بعناصر القص القصير
    بحق جميلة د.سمير
    تحيتي وتقديري
    لاتأسفن علي غدر الزمان لطالما
    رقصت علي جثث الأسد كلاب

  8. #8
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,097
    المواضيع : 123
    الردود : 19097
    المعدل اليومي : 5.67

    افتراضي

    مدرسة إنسانية أخلاقية وسلوكية رائعة بلغة عمريّة قويّة، وقصة من عالم الحيوان بكل ما فيه من الصراع والآمال والألام
    قرأت فيها وطني وجراحه وأحلامنا وعذابنا
    وقرأت فيها إنسانيتنا التي هزمتها الوحشية
    وقرأت فيها حكمة أميرنا الدكتور سمير العمري وإسقاطاته الأدبية السياسية والإجتماعية

    شكرا لك يا أمير الشعر والأدب

    بوركت

  9. #9
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,149
    المواضيع : 71
    الردود : 4149
    المعدل اليومي : 1.54

    افتراضي

    من بعدِ قراتي لقراءة الفاضل / أحمد عيسى لقصة معلمنا سمير لاأملك حقَّ التعليق أو قد أقول مازلتُ منبهرة بهذا التعليق الذي أعطى لقصة حقها فلن يجدي تعليقنا بعدها
    غير الشكر للاستاذ سمير لى قصصه التي عهدتها تناقش قضايا متنوعة وأغلبها تدعو للأخلاق والتربية
    جزيتم خيرا
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  10. #10
    أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    المشاركات : 6,062
    المواضيع : 182
    الردود : 6062
    المعدل اليومي : 1.21

    افتراضي

    ان جاندا اليتيمة ، تعرضت لجريمة شنعاء منذ الصغر ، فقتلت والدتها وأخيها من صديقة ، بدعوى الغيرة لا أكثر من تلك المكناة ( فضية العين )
    والابنة جاندا تكبر في بيئة قاسية لا ترحم ، وذكرى طفولتها تنغص عليها حياتها ، والجريمة ماثلة أمام ناظريها ، فيشتد عودها أكثر ، وتصبح ماهرة أكثر ، ولا تبالي بقيود المجتمع الذي لا يرحم ، وانما تكون صلبة كما يتطلب قانون الغاب ، الذي يعرفه البشر اليوم أكثر مما تعرفه الحيوانات


    السلام عليكم
    قصة رائعة من عالم الحيوان ,ولكنه ينطبق بلا شك على عالم الإنسان ,
    ينطبق على الأفراد والعائلات والشركات والمدن والدول والأمم ,
    فضية العينين تلك الشريرة القاسية الحاقدة, موجودة في كل مكان ,
    وقد نسيت بأمر من الله والأقدار والطبيعة أن تقضي على تلك الوليدة ,فقضت عليها ,
    قصة رائعة بحبكتها ولغتها وكل ما فيها
    شكرا لك أخي د سمير
    ماسة

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. جاندا
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى كِتابُ النَّثْرِ وَالقِصَّةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-05-2013, 03:11 AM