أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: صدق الكلمة

  1. #1
    الصورة الرمزية عبد الرحيم صادقي أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 106
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي صدق الكلمة


    كانت كلمات الشيخ إمام تلامس شَغاف قلبه. كان يضع شريطا متهالكا في مسجّلة متهالكة وقد أحكم إغلاق الباب والنافذة، ثم يخفض الصوت ويترنم مع الشيخ وهو يشدو:
    غابة كْلابها ذيابَه
    نازلين في الناس هَم
    غابة وناسها غَلابه
    خِيخه لا نابْ ولا فم
    وتزلزله كلماته وهو يصدح:
    شيّدْ قصورك عَ المزارع
    مِن كدّنا وعمل إيدينا
    والخمارات جنب المصانع
    والسجن مطرح الجنينة
    كان إمام عيسى الفارسَ المحبوب في دنيا الناس تلك، وما زاده الحظر غير حُبّ، ولا التضييق غير رفعة. ومَن ذا لا يَذكر "حطّه يا بطّه" و"مرمر زماني" و"أنا الأديب وأنتم أدرى" و"مسافر.. مسافر" و"بقرة حاحا" و"أنا الشعب ماشي" و"وهبت عمري للأمل"؟ آه يا سليمان، لقد كدتُ أنساك! باءَ بدمِك الغَدور، ودمُك وحده يُنزِل القصاص بمن صرّح كما يصرِّح الحقّ عن مَحْضه حين بلَغتْه شهامتُك "أنه في غاية الخجل". لكن هيهات! فماذا حين يحاكِم اللّكعُ اللكع؟ لكِ الله يا مصر! وكان بعض العزاء في سماع الرثاء، وأبدع محمود الطويل، فلله درّ الشاعر! ثم صدح الشادي:
    وآخر كتابي أيا مُهجتي
    أمانة ما يمشي وَرا جُثتي
    سوى المتهمين بالوطن تهمتي
    فداك بدماي اللي شاغلة الخواطر بطول الزمان.
    وقُتل سليمان وهو يقول لأجنادِ الكنانة بثقة أولي العزم: "اذهبوا واحرسوا سيناء! سليمان لا يريد حراسة".
    ولقد كنتَ تطلب نسخةَ شريطٍ رديء التسجيل بثمنٍ غالٍ ولا تجده، وكوكبُ الشرق تباع بثمن بخس. ولم يكن يضاهي الشيخَ حينها إلا شيخ آخر، ذلك هو عبد الحميد كشك رحمة الله عليه. ومع أن الأول فنان والآخر عالم دين، فقد اجتمعا على قول الحق بلا لفّ ولا دوران. ربما لم يكن يعلم أكثر المحبين أن المغناطيس الذي يملكانه ليس سوى الصدق. الله! ما أجمل الصدق! وما أروع الوضوح! ما أعظم أن يقال للأبيض أبيض، وللأسود أسود! وَلْيَهِمْ بالرّمادي عُشّاقه حبا! الصدق هو ما يفتقده سياسيّونا وعلماؤنا وكُتابنا وأدباؤنا وشعراؤنا وحكامنا وصحافيونا... لقد استمرأ هؤلاء النفاق وغرقوا في وحَل الميْن والزور. كنتَ حين تسمع الشيخ يصدح: "هنا مدرسة محمد" ينتصب شعر رأسك وأنت لا تدري لِم. لكنه الصدق وفعلُه في الأنفس. ثم أتى على الناس حين من الدهر أصبحتَ ترى فيه أشرطة الشيخ تباع على الأرصفة والناس فيها من الزاهدين. ولو استمعوا إليها لما حركت فيهم ساكنا ولا رفعت همّة، لأن صدق الملقي خانه صدق المتلقي. وأنّى للغيث أن يُنتفع به وقد أصاب الجلاميد؟
    يَذكر اليوم دخولَ المعلم قاعةَ الدرس ذات شتاء، وكانت القاعدة أن يقف التلاميذ للداخل احتراما، فوقفوا جميعهم ولم يقف. وكان قد قرأ حديثا -الله أعلم بصحته- في اليومية العصرية "لبوعياد"، يوم كانت اليومية مصدر ثقافة، فلا إنترنيت ولا فيس بوك، وعلى الكتاب هالة قداسة. يقول الحديث: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتوكِّئًا على عصًا فقُمنا إليه فقال لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يُعظِّمُ بعضُها بعضا". كان حينها ابن عشرة أعوام. سأله معلم الفرنسية: "tu es fatigué Mr Marwan?!"، فأجابه:
    "non Mr, je suis malade".
    لم يعلم حينها أن سبب المرض انفصامٌ بين الحلم والواقع. لكنه أقنع نفسه بالوقوف احتراما للمعلم لا تعظيما حين درس المفعول لأجله. وبقي في النفس شيء من أنفة وعزة. يَذكر الآن وقد اشتعل الرأس شيبا ذلك الطفلَ وعزّته الطفولية، متأمّلا تلكم الخشب المسندة وهي تقبّل يد الحاكم بهواه، وتهوي راكعة أمام جسد من طين. ثم بدا لرُوح هائمة أن تسأل: أرُكوع احترام هو أم تعظيم؟!
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    المشاركات : 6,062
    المواضيع : 182
    الردود : 6062
    المعدل اليومي : 1.17

    افتراضي

    ربما لم يكن يعلم أكثر المحبين أن المغناطيس الذي يملكانه ليس سوى الصدق. الله! ما أجمل الصدق! وما أروع الوضوح! ما أعظم أن يقال للأبيض أبيض، وللأسود أسود! وَلْيَهِمْ بالرّمادي عُشّاقه حبا! الصدق هو ما يفتقده سياسيّونا وعلماؤنا وكُتابنا وأدباؤنا وشعراؤنا

    السلام عليكم
    كان النص رائعا ممتعا متين المتن
    واللغة قوية جميلة
    طبعا أخي الصدق هو الأروع, والوضوح دائما مريح
    ورغم هذا الإعلام الهائل ما زلنا نفتقد لهذا الصدق والوضوح
    شكرا لك
    ماسة

  3. #3
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.39

    افتراضي

    ثم أتى على الناس حين من الدهر أصبحتَ ترى فيه أشرطة الشيخ تباع على الأرصفة والناس فيها من الزاهدين. ولو استمعوا إليها لما حركت فيهم ساكنا ولا رفعت همّة، لأن صدق الملقي خانه صدق المتلقي. وأنّى للغيث أن يُنتفع به وقد أصاب الجلاميد؟
    ***
    لم يعلم حينها أن سبب المرض انفصامٌ بين الحلم والواقع. لكنه أقنع نفسه بالوقوف احتراما للمعلم لا تعظيما حين درس المفعول لأجله.

    لم تثن الفتى ابن العاشرة عزّته الطفولية عن أن يقدم لمدرسه تبريرا بـــ " انا مريض" ، لكنها حثته على البحث عن تبرير يقدمه لنفسه لينخرط في الواقع، فأقنعها مستعينا بدرس المفعول لأجله أن الوقوف للمدرس احترام، ولم يسألها " أما كان سيد الخلق جديرا بالاحترام يوم نهاهم عن الوقوف؟"

    تنقضي اعمارنا في دوامة من الأسئلة والتبريرات لنتمكن من المواصلة، فطوبى لحرف يغوص بكل هذا الذكاء في أعماق قسوة ذلك، مخففا عن القلب ثقل الهزيمة فيه
    نص بديع حسبي منه ما ارتشفت من شهد عمق الفكرة في جميل الحرف

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4
    الصورة الرمزية عبد الرحيم صادقي أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 106
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاطمه عبد القادر مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    طبعا أخي الصدق هو الأروع, والوضوح دائما مريح
    ورغم هذا الإعلام الهائل ما زلنا نفتقد لهذا الصدق والوضوح
    شكرا لك
    ماسة
    وعليكم السلام ورحمة الله ماسة
    كما كان للإعلام في بيان الحقائق فضل
    فإنه رتع في الكذب والتزوير أيضا
    بوركت أيتها الكريمة
    تحياتي

  5. #5
    الصورة الرمزية عبد الرحيم صادقي أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 106
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيحة الرفاعي مشاهدة المشاركة
    لم تثن الفتى ابن العاشرة عزّته الطفولية عن أن يقدم لمدرسه تبريرا بـــ " انا مريض" ، لكنها حثته على البحث عن تبرير يقدمه لنفسه لينخرط في الواقع، فأقنعها مستعينا بدرس المفعول لأجله أن الوقوف للمدرس احترام، ولم يسألها " أما كان سيد الخلق جديرا بالاحترام يوم نهاهم عن الوقوف؟"
    تنقضي اعمارنا في دوامة من الأسئلة والتبريرات لنتمكن من المواصلة، فطوبى لحرف يغوص بكل هذا الذكاء في أعماق قسوة ذلك، مخففا عن القلب ثقل الهزيمة فيه
    تحاياي
    وما أجمله من غوص ونقد
    لا يقوم به إلا أهله
    وأنتِ له لا ريب.
    كل التحية والتقدير

  6. #6
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه أديبة
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.56

    افتراضي

    ربما لم يكن يعلم أكثر المحبين أن المغناطيس الذي يملكانه ليس سوى الصدق. الله! ما أجمل الصدق! وما أروع الوضوح! ما أعظم أن يقال للأبيض أبيض، وللأسود أسود! وَلْيَهِمْ بالرّمادي عُشّاقه حبا!
    الصّدق أضواء تبدّد عتمة الكذب، وتنير فوانيس الأمان
    بوركت الكلمة الصّادقة الهادفة
    تقديري وتحيّتي

  7. #7
    الصورة الرمزية عبد الرحيم صادقي أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 106
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كاملة بدارنه مشاهدة المشاركة
    الصّدق أضواء تبدّد عتمة الكذب، وتنير فوانيس الأمان
    بورك الحرف البهيّ
    والقول الحكيم.

  8. #8
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.34

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الرحيم صادقي مشاهدة المشاركة

    تلكم الخشب المسندة وهي تقبّل يد الحاكم بهواه، وتهوي راكعة أمام جسد من طين.



    هنا تبدأ اللحظة الحاسمة للتخلص من عبودية وصنمية لم تزل تتحكم في قرارنا المستقبلي ..







    لك الورد عاطرًا ...
    الإنسان : موقف

  9. #9
    الصورة الرمزية نسرين بن لكحل أديبة
    تاريخ التسجيل : Jul 2012
    الدولة : تبسة - الجزائر-
    العمر : 33
    المشاركات : 1,250
    المواضيع : 31
    الردود : 1250
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي

    كم نحن فقراء للصدق مع أنفسنا قبل غيرنا في زمننا الحالي ..صدق الملقي و المتلّقي و صدق الرسالة ..حين نصطدم بما لم يوافق ما جبلنا عليه،نضطر لتزييف أفكارنا كي نلبسها ثويا يليق بواقعنا،مسايرة لا انسجاما ..فنبرّر كثيرا من الأمور حفاظا على اتزاننا النفسي و تماشيا مع غيرنا..غير أنّ الصدق مع النفس أنجى .
    نصك رائع لغة و مضمونا،وهادف الفكرة و بديع الحرف .
    تحيّتي ..

    إنّ في حسنِ البيَان حكمةَ للعقل تُرتَجى،و فُسحة للرّوح تُبتغى..

  10. #10
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,097
    المواضيع : 123
    الردود : 19097
    المعدل اليومي : 5.40

    افتراضي

    أخي الكاتب الكبير عبد الرحيم الصادقي

    شهادتي في أدبك مجروحة
    ولكني لا أستطيع أن أمر دون تصفيق

    شكرا لك

    بوركت

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. لحظة صدق مضيافة
    بواسطة مهند صلاحات في المنتدى الروَاقُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 07-12-2004, 08:18 PM
  2. صدق الحب
    بواسطة عدنان أحمد البحيصي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 26-05-2004, 03:48 PM
  3. صدق أو لا تصدق(حصاد الحروب)
    بواسطة اسكندرية في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 08-10-2003, 01:20 AM
  4. صدق اولا تصدق!!
    بواسطة ابن فلسطين في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-10-2003, 11:38 PM
  5. صدق او لا تصدق
    بواسطة عدنان أحمد البحيصي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 25-09-2003, 02:41 PM