أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 18

الموضوع: الخائنُ الصغير!

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    المشاركات : 1,359
    المواضيع : 107
    الردود : 1359
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي الخائنُ الصغير!

    الخائن الصغير!


    فراسُ ، ذلك الفتى الذي يبلغُ عمرُه نحوا من أربعِ عشرةَ سنة..أو قاربها. يسير الآن مع والدته نحو السَّجن الذي يقبعُ فيهِ أبوه ..و ما زال الأثر النفسي للكدمات التي تلقاها من رفاقهِ قبل أكثر من شهر..رغم أن الآثار على وجهه قد اختفت تماما..إلا أن ذكرى ذلك الحدث مافتئت تخالج الخيال و الوجدان والنفس ..كانت الحافلة التي أقلتهما تلك المسافة البعيدة..قادمة من البلدة التي يقطنان فيها..وهي بلدة من ضواحي القدس.
    تقدَّم فارسُ وأمُّهُ إلى نقطة التفتيش التابعة لقوات الاحتلال ، والمقامة أمام السجن الكبير ، وبعد أن تم تفتيشهما أبرزت أمُّ فراس تصريح الدُّخول والهويتينِ الشَّخصيتينِ لكليهما..فكانت تتصرف في ذلك كمن خبر الأمر في تلك الزيارات.. وسُمح لهما بالمرور بعد تفتيشٍٍ جسمانيٍ دقيق.
    سارا في دهليز لا يتعدّى عرضهُ مترين.. سارا في دهليزٍ طويل طُلِيت جدرانهُ بدهانٍ أزرقَ قاتم، يبعث الرهبة في الظلمة قبل أن يبعث الرهبة في ظلام الاحتلال.
    دهليز يذرعه جنود الاحتلال و جنديّاتُه جيئةً وذهابا... يا إلهي كيف هذا يحتمل، كيف يحتمل أبي البقاء في هذا المكان الكئيب.

    تذكّر الألم..تذكر الكدمات التي مافتئت توقظُ نفسَهُ كلَّما نسي، وما له لا يتذكرُ الآن
    وهو في موقفٍ لا يُحسدُ عليهِ. إنّه ذاهب إلى والدٍ يجدِّفُ في بحرِ آلام لا ينتهي عنده شاطىءٌ آمنٌ..إنه ذاهبٌ يحدوه الكبرياء للقاء بطل..إنه أبوه.

    وتذكر آلام الكدمات ..تلك الكدمات التي ما كان أقساها على النفس والجسم عند حدوثها..وما أعذبها على النفس عند ساعات المساء... ولولا العم أبو شديد القصّاب، الذى ترك ساطوره الذي يُقطِّع به اللحم و العظم، كما يقطِّعُ الطفلُ قطعة الورق، لولا أن ترك َ الزبائن الذين اكتظَّ بهم المحلُ لكان قضى أو قارب على يدي أقرانه في المدرسة والحارة الَّتي يقطنُ فيها بعد أن وصموه بالخيانةعندما لم يصاحبهم في الخروج للمظاهرة. قالوا: يا عميل ..قالوا: يا خائن الوطن ..وقالوا: يا ابن الخائن... وقد سمع هتافهم أبو شديد، فهاله ماسمع، وكأنّ أفعى لدغته، فانقضَّ عليهم كأسدٍ هصورٍ تهاوى على قطيع غزلان..فتناول أقربهم إليهِ بيدٍ تتصلُ بساعدٍ مفتولٍ وقذفهُ خلفهُ دون أن يلتفتَ إليهِ وقد رضَّه بالأرضِ رضّا،فقام يزحف في سرعة على ركبتيه حتى وجد منفذا من بين أرجل الناسِ الَّذين تحلَّقوا حول ساحة المعركة.
    ثمّ في ثوانٍ خمسٍ انهال على معظمهم وكانوا ثلاثة أو أربعة، لكما ولطماً، وفرَّ الباقون النّجاةَ..النّجاة، تحملهم سبابه وشتائمه، ولسان حالهم يقول" انجُ سعد فقد هلك سعيد".

    وأطلق أبو شديد، بعد أن أرغى وأزبدِ جرعة أخرى من السباب والشتائم، لأنَّ ذراعهُ لم تطل الباقين، و بعد أن هدأ جامُ غضبه قال: كلاب..أولاد كلابْ..أبوه خائن ..أينَ أبوه..يا أولاد ال..! أين آباؤكم! ..
    أين ينام أبوهُ الآن ..بينا آباؤكم في أحضان نسائهم يغطّون..!

    واستدار أبو شديد صوب الملحمة وقد رفع يديه إلى السَّماء وقال " اللهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا" ثم َّ شقَّ صف الزبائن، و تسنّم موقعه خلف طاولة الجِزارة، وقد حمل سيفَهُ ، وشرع لنفث غضبه في تقطيع الخرافِ وسلخ العجولِ بين صمت بعض الزبائن ، وإطراء زبائن آخرين على نخوة أبي شديد.ثمَّ توقَّف فجأة وتنهَّد تنهيدة طويلة ثمَّ قال : والله لأُسمِعنَّ آباءهم كلاماً لاذعاً يستحقونه.. واللهِ لأَرينَّ آباءَهم اليومْ من هو الخائن العميل!!

    وفي المساء قبيل الغروب، طرق أبوشديد بيت أبي فراس، يصطحبُهُ ثلةُ الأشقياء التي اجتمعت على فراس في الطريق إلى المظاهرة.. فتح فراسٌ الباب، ذُهلَ من رؤية الواقفين ببابه.. تلاقت العيون...
    طأطأالأ شقياءرؤوسهم..قال أبو شديد: نحن ضيوف..جئنا نشرب عندكم كأس شاي..هل تقبلنا؟!

    قال فراس: نعم يا عم..أهلا وسهلا ..تفضلوا!
    ...
    سار فارسٌ وأمُّهُ حتى وصلا نهاية الدهليز ..وظنَّ أنَّ الرحلة شارفت أو قاربت نهايتها..إ ّلا أنَّ والدتهُ أخبرته : يا بني ..بقي أن نجوزَ هذا الدهليز الآخر ..حيث عند نهايته السجن فترى أباك!
    كان الدهليز الثاني يعامد الدِّهليز الأول و يكمل الطريق حيث فراسُ ينازعه في الطريق الشوق لرؤية والده، الذي لم يرهُ مذ كان عمره سنتين، وعواطفُ ملؤها شجون وآلام..كيف لطفلٍ عمره سنتان أن يحدد معالم صورة واضحة لوالده..هو رجلٌ ككل الرجال..وإلا فكيف يكون؟!
    .....
    وبعد المعركة عادت أمُّ فراس، وكانت في جولةفي سوق المدينة، ومرّت بدكان أبي شديد..أعلمها ما كان من أمر الصِّبية السفهاء مع ابنها فهرعت إلى البيت وقلبها يسابق قدميها ..وما هدأ لهيبها حتى دلفت المنزل واستقرت عيناها على فراس الجالس خلف طاولة الدراسة الصغيرة...وعيناه تسمرّتا في الحائط لا تزوغان..سلّمت فلم يرد السلام!

    اقتربت منه..سألته"أي بني..مالك؟" لم يجب..كررت السؤال مرة ..ومرة..ولم يجب..
    فالت: أخبرني أبوشديد ما كان من أمر أصحابك..رمشت عينه مرة..فاسترسلت:

    لقد كذبت عليك عندما قلت لك أنّ أباك سافر إلى البرازيل للعمل..والله إنّ أباك لمن أشرف الرجال...بكت ...رمشت عيناه مرة ومرة..لكنه لم يتكلم...ثمّ كفكفت وقالت:

    ما ضمّ السجنُ أباك لإنه قاتلٌ أو لأنه ارتكب جرما مُـخلا بالشرف...لكنه طعن جنديا إسرائيليا..كان يحرس الجرافة التي جاءت لهدم الغرفة الإضافية التي بناها لتكون لك عندما تصبح فتى يافعا..تدرس فيها وتستقبل فيهاأقرانك..فجاء قرار المحكمة العليا أن البناء غير مرخص...فكان أمر الهدم..ورغم أن الجندي لم يمت فقد حُكم أبوك خمس عشرة سنة..وما منعي لك الاشتراك في المظاهرات..إلا خوفي أن أفقدك...كما فقدت أباك..فأنت النور الذي أبدد به ظلمة الطريق...واعلم أنّ أبوك كان يحبك..واعلم أنّه الآن في السجن لشديد الشوق لكي يراك!

    فانتفض من كرسيه واستدار إلى والدته...تلاقت عيناهما..تعانقا..وانفرط من عينيهما عقدان من الدموع...وانخرطا في البكاء..

  2. #2
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,557
    المواضيع : 73
    الردود : 4557
    المعدل اليومي : 1.56

    افتراضي

    ألا لعنة الله على غسرائيل ومن يواليها ويعينها ..
    قصة أكثر من رائعة في السرد والوصف القوة , بدأت باقتطاف من ذكرى حياة هذا الابن وأبويه , واعقبتها بمشهد سخرية اصدقاءه عليه ويتضح منه نه لايعرف مالسبب الحقيقي خلف سجن ابيه
    وكان موقفا رائعا وشهما من أبو شديد ليلقن هؤلاء المشاغبين درسا قاسيا حتى كانت النهاية وأتت أمه توضح له السبب الشريف الذي سجن من أجله الأب
    كانت نهاية على روعتها إلا أنها توحز وخز الإبرة في القلب مرات متتالية
    تقديري
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  3. #3
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,494
    المواضيع : 196
    الردود : 14494
    المعدل اليومي : 5.10

    افتراضي

    مابين السرد الحكائي والأسترجاع ـ وبين التشويق والإمتاع
    تتآزر خيوط هذه القصة , وببراعة تدخل المتلقي جو النص
    لتقص علينا في لغة سهلة وصورا معبرة نابضة بالحياة
    حدثا من أحداث القص الفلسطيني , وتلقي الضوء على الأم
    الفلسطينية ودورها الجهادي الذي تبثه في أبنائها .
    دام أبداعك ودمت مشرقا.

  4. #4
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    المشاركات : 1,359
    المواضيع : 107
    الردود : 1359
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    ألا لعنة الله على غسرائيل ومن يواليها ويعينها ..
    قصة أكثر من رائعة في السرد والوصف القوة , بدأت باقتطاف من ذكرى حياة هذا الابن وأبويه , واعقبتها بمشهد سخرية اصدقاءه عليه ويتضح منه نه لايعرف مالسبب الحقيقي خلف سجن ابيه
    وكان موقفا رائعا وشهما من أبو شديد ليلقن هؤلاء المشاغبين درسا قاسيا حتى كانت النهاية وأتت أمه توضح له السبب الشريف الذي سجن من أجله الأب
    كانت نهاية على روعتها إلا أنها توحز وخز الإبرة في القلب مرات متتالية
    تقديري
    أيتها الغالية يراءة:

    تحية إكبارٍ وود...أشكر لك تكريمك البهي للنص...ما زاده القاً وشروقا..وذائقتك الأدبية التي أعطت للنصِ بعداآخر...ونكهة جديدة!

    أجل ايتها العزيزة...هم كثيرٌ الذين نتسرع بالحكم عليهم متجنين لا منصفين...فكان هذا الطفل الذي أغنت بسالة والده وشهامته ورفضه الظلم بسكينه عن الخروج بألف مظاهرة...وإلا فكيف لا يكون هذا الفراس إلا من ذلك الأسد!

    تقديري الكبير وودي المتصل!

    أخوكم:

    فوزي

  5. #5
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    المشاركات : 1,359
    المواضيع : 107
    الردود : 1359
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نادية محمد الجابى مشاهدة المشاركة
    مابين السرد الحكائي والأسترجاع ـ وبين التشويق والإمتاع
    تتآزر خيوط هذه القصة , وببراعة تدخل المتلقي جو النص
    لتقص علينا في لغة سهلة وصورا معبرة نابضة بالحياة
    حدثا من أحداث القص الفلسطيني , وتلقي الضوء على الأم
    الفلسطينية ودورها الجهادي الذي تبثه في أبنائها .
    دام أبداعك ودمت مشرقا.
    الغالية نادية:

    تحية كبيرة وود...أشكر لك زيارتك الكريمة...وأقدر عاليا ثقتك الغالية...وتقديرك الثمين للنص..ثقة غالية لطالما اعتززت بها!

    هذه هي الأم الفلسطينية التي تشرق على الدنيا بشمسها...تحتمل غياب الزوج وتربية الولد...وتعده الإعداد الذي يجب...لكي يحمل رسالة الوالد...رسالة الوطن...التي نقرؤها كلَّ يوم!

    دعائي وودي المتصل!

    اخوكم:

    فوزي

  6. #6
    الصورة الرمزية نور اسماعيل قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    الدولة : سوريا
    المشاركات : 113
    المواضيع : 8
    الردود : 113
    المعدل اليومي : 0.04

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فوزي الشلبي مشاهدة المشاركة
    الخائن الصغير!


    فراسُ ، ذلك الفتى الذي يبلغُ عمرُه نحوا من أربعِ عشرةَ سنة..أو قاربها. يسير الآن مع والدته نحو السَّجن الذي يقبعُ فيهِ أبوه ..و ما زال الأثر النفسي للكدمات التي تلقاها من رفاقهِ قبل أكثر من شهر..رغم أن الآثار على وجهه قد اختفت تماما..إلا أن ذكرى ذلك الحدث مافتئت تخالج الخيال و الوجدان والنفس ..كانت الحافلة التي أقلتهما تلك المسافة البعيدة..قادمة من البلدة التي يقطنان فيها..وهي بلدة من ضواحي القدس.
    تقدَّم فارسُ وأمُّهُ إلى نقطة التفتيش التابعة لقوات الاحتلال ، والمقامة أمام السجن الكبير ، وبعد أن تم تفتيشهما أبرزت أمُّ فراس تصريح الدُّخول والهويتينِ الشَّخصيتينِ لكليهما..فكانت تتصرف في ذلك كمن خبر الأمر في تلك الزيارات.. وسُمح لهما بالمرور بعد تفتيشٍٍ جسمانيٍ دقيق.
    سارا في دهليز لا يتعدّى عرضهُ مترين.. سارا في دهليزٍ طويل طُلِيت جدرانهُ بدهانٍ أزرقَ قاتم، يبعث الرهبة في الظلمة قبل أن يبعث الرهبة في ظلام الاحتلال.
    دهليز يذرعه جنود الاحتلال و جنديّاتُه جيئةً وذهابا... يا إلهي كيف هذا يحتمل، كيف يحتمل أبي البقاء في هذا المكان الكئيب.

    تذكّر الألم..تذكر الكدمات التي مافتئت توقظُ نفسَهُ كلَّما نسي، وما له لا يتذكرُ الآن
    وهو في موقفٍ لا يُحسدُ عليهِ. إنّه ذاهب إلى والدٍ يجدِّفُ في بحرِ آلام لا ينتهي عنده شاطىءٌ آمنٌ..إنه ذاهبٌ يحدوه الكبرياء للقاء بطل..إنه أبوه.

    وتذكر آلام الكدمات ..تلك الكدمات التي ما كان أقساها على النفس والجسم عند حدوثها..وما أعذبها على النفس عند ساعات المساء... ولولا العم أبو شديد القصّاب، الذى ترك ساطوره الذي يُقطِّع به اللحم و العظم، كما يقطِّعُ الطفلُ قطعة الورق، لولا أن ترك َ الزبائن الذين اكتظَّ بهم المحلُ لكان قضى أو قارب على يدي أقرانه في المدرسة والحارة الَّتي يقطنُ فيها بعد أن وصموه بالخيانةعندما لم يصاحبهم في الخروج للمظاهرة. قالوا: يا عميل ..قالوا: يا خائن الوطن ..وقالوا: يا ابن الخائن... وقد سمع هتافهم أبو شديد، فهاله ماسمع، وكأنّ أفعى لدغته، فانقضَّ عليهم كأسدٍ هصورٍ تهاوى على قطيع غزلان..فتناول أقربهم إليهِ بيدٍ تتصلُ بساعدٍ مفتولٍ وقذفهُ خلفهُ دون أن يلتفتَ إليهِ وقد رضَّه بالأرضِ رضّا،فقام يزحف في سرعة على ركبتيه حتى وجد منفذا من بين أرجل الناسِ الَّذين تحلَّقوا حول ساحة المعركة.
    ثمّ في ثوانٍ خمسٍ انهال على معظمهم وكانوا ثلاثة أو أربعة، لكما ولطماً، وفرَّ الباقون النّجاةَ..النّجاة، تحملهم سبابه وشتائمه، ولسان حالهم يقول" انجُ سعد فقد هلك سعيد".

    وأطلق أبو شديد، بعد أن أرغى وأزبدِ جرعة أخرى من السباب والشتائم، لأنَّ ذراعهُ لم تطل الباقين، و بعد أن هدأ جامُ غضبه قال: كلاب..أولاد كلابْ..أبوه خائن ..أينَ أبوه..يا أولاد ال..! أين آباؤكم! ..
    أين ينام أبوهُ الآن ..بينا آباؤكم في أحضان نسائهم يغطّون..!

    واستدار أبو شديد صوب الملحمة وقد رفع يديه إلى السَّماء وقال " اللهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا" ثم َّ شقَّ صف الزبائن، و تسنّم موقعه خلف طاولة الجِزارة، وقد حمل سيفَهُ ، وشرع لنفث غضبه في تقطيع الخرافِ وسلخ العجولِ بين صمت بعض الزبائن ، وإطراء زبائن آخرين على نخوة أبي شديد.ثمَّ توقَّف فجأة وتنهَّد تنهيدة طويلة ثمَّ قال : والله لأُسمِعنَّ آباءهم كلاماً لاذعاً يستحقونه.. واللهِ لأَرينَّ آباءَهم اليومْ من هو الخائن العميل!!

    وفي المساء قبيل الغروب، طرق أبوشديد بيت أبي فراس، يصطحبُهُ ثلةُ الأشقياء التي اجتمعت على فراس في الطريق إلى المظاهرة.. فتح فراسٌ الباب، ذُهلَ من رؤية الواقفين ببابه.. تلاقت العيون...
    طأطأالأ شقياءرؤوسهم..قال أبو شديد: نحن ضيوف..جئنا نشرب عندكم كأس شاي..هل تقبلنا؟!

    قال فراس: نعم يا عم..أهلا وسهلا ..تفضلوا!
    ...
    سار فارسٌ وأمُّهُ حتى وصلا نهاية الدهليز ..وظنَّ أنَّ الرحلة شارفت أو قاربت نهايتها..إ ّلا أنَّ والدتهُ أخبرته : يا بني ..بقي أن نجوزَ هذا الدهليز الآخر ..حيث عند نهايته السجن فترى أباك!
    كان الدهليز الثاني يعامد الدِّهليز الأول و يكمل الطريق حيث فراسُ ينازعه في الطريق الشوق لرؤية والده، الذي لم يرهُ مذ كان عمره سنتين، وعواطفُ ملؤها شجون وآلام..كيف لطفلٍ عمره سنتان أن يحدد معالم صورة واضحة لوالده..هو رجلٌ ككل الرجال..وإلا فكيف يكون؟!
    .....
    وبعد المعركة عادت أمُّ فراس، وكانت في جولةفي سوق المدينة، ومرّت بدكان أبي شديد..أعلمها ما كان من أمر الصِّبية السفهاء مع ابنها فهرعت إلى البيت وقلبها يسابق قدميها ..وما هدأ لهيبها حتى دلفت المنزل واستقرت عيناها على فراس الجالس خلف طاولة الدراسة الصغيرة...وعيناه تسمرّتا في الحائط لا تزوغان..سلّمت فلم يرد السلام!

    اقتربت منه..سألته"أي بني..مالك؟" لم يجب..كررت السؤال مرة ..ومرة..ولم يجب..
    فالت: أخبرني أبوشديد ما كان من أمر أصحابك..رمشت عينه مرة..فاسترسلت:

    لقد كذبت عليك عندما قلت لك أنّ أباك سافر إلى البرازيل للعمل..والله إنّ أباك لمن أشرف الرجال...بكت ...رمشت عيناه مرة ومرة..لكنه لم يتكلم...ثمّ كفكفت وقالت:

    ما ضمّ السجنُ أباك لإنه قاتلٌ أو لأنه ارتكب جرما مُـخلا بالشرف...لكنه طعن جنديا إسرائيليا..كان يحرس الجرافة التي جاءت لهدم الغرفة الإضافية التي بناها لتكون لك عندما تصبح فتى يافعا..تدرس فيها وتستقبل فيهاأقرانك..فجاء قرار المحكمة العليا أن البناء غير مرخص...فكان أمر الهدم..ورغم أن الجندي لم يمت فقد حُكم أبوك خمس عشرة سنة..وما منعي لك الاشتراك في المظاهرات..إلا خوفي أن أفقدك...كما فقدت أباك..فأنت النور الذي أبدد به ظلمة الطريق...واعلم أنّ أبوك كان يحبك..واعلم أنّه الآن في السجن لشديد الشوق لكي يراك!

    فانتفض من كرسيه واستدار إلى والدته...تلاقت عيناهما..تعانقا..وانفرط من عينيهما عقدان من الدموع...وانخرطا في البكاء..

    الأخ فوزي تحية طيبة وبعد
    قصة رائعة جدا كدت أن أبكي منها
    لكن احترت في اسم الشاب أهو فارس أم فراس ؟
    لأنك في كل موضع تقلب الأحرف
    تحيتي ومودتي ..

  7. #7
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    المشاركات : 1,359
    المواضيع : 107
    الردود : 1359
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نور اسماعيل مشاهدة المشاركة
    الأخ فوزي تحية طيبة وبعد
    قصة رائعة جدا كدت أن أبكي منها
    لكن احترت في اسم الشاب أهو فارس أم فراس ؟
    لأنك في كل موضع تقلب الأحرف
    تحيتي ومودتي ..
    الغالية نور:

    أهلا بك صديقة دائمة...أشكر لك تقديرك الكريم...ثقة أعتز بها!

    إسمه فراس..وقد يكون حصل خطأ مطبعي!

    دعائي وودي!

    اخوكم:

    فوزي

  8. #8
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.25

    افتراضي

    حكائية مشوقة ، ومهارة سردية امتطت روعة الموضوع وزخم المشاعر وعمق الفكرة فنجحت بالتمكن من المتلقي

    دمت بخير أديبنا

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  9. #9
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    المشاركات : 1,359
    المواضيع : 107
    الردود : 1359
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيحة الرفاعي مشاهدة المشاركة
    حكائية مشوقة ، ومهارة سردية امتطت روعة الموضوع وزخم المشاعر وعمق الفكرة فنجحت بالتمكن من المتلقي

    دمت بخير أديبنا

    تحاياي
    الأديبة الغالية ربيحة:

    كما عودتِنا دائما فأنت تشرقين علينا بشمس فضلك وبهائك...هذا الشروق الذي ليس له غياب!

    تقديري الكبير ودعائي الخالص، وتقبل الله طاعاتكم في الشهر المبارك!

    أخوكم

  10. #10

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. بين الخائن والتمثال
    بواسطة هَنا نور في المنتدى القِصَّةُ القَصِيرَةُ جِدًّا
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 04-04-2018, 06:18 PM
  2. الرصيف الخائن..!!
    بواسطة فاكية صباحي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 08-04-2014, 01:41 AM
  3. رسالة إلى الأخ الخائن
    بواسطة سعيد بنعياد في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 38
    آخر مشاركة: 08-01-2011, 07:33 PM
  4. الخائن ..
    بواسطة الضبابية في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 07-01-2005, 08:31 PM
  5. الدكتور المثقف الخائن
    بواسطة قلم رصاص في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 27-11-2004, 01:02 PM