أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 13

الموضوع: أغلبية مفرد!‏

  1. #1
    الصورة الرمزية م. تامر مقداد شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : غزة-فلسطين
    المشاركات : 200
    المواضيع : 21
    الردود : 200
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي أغلبية مفرد!‏

    كانت لعبتي المفضلة، مثلثٌ خشبيٌّ فوقَ الطاولة، كراتٌ من الخشبِ مرقومةً تُرصُّ، مضاربُ ‏بنهاياتٍ مدببةٍ، تتربصُّ بالكراتِ رفعَ الطوقِ؛ لتنقضّ فتقنصَ بعضًا وتتركَ بعضًا يموجُ في بعض!

    لكنْ وديعةً ‏كنتُ رفيقةً، يوشكُ مضربي ألا يمسَّ الكرةَ؛ فتمضيَ وئيدةً، ليطولَ على القُساةِ الأمدُ، وينفرون، وأؤثرُ اللعبَ ‏وحيدة!‏

    مشكلةٌ أنَّ القسوةَ لم تُصِبْ قلوبَ اللاعبين – رجالاً بخاصةٍ – فحسب، بل امتدت عواملُ التقسيةِ ‏للكراتِ ذواتِها؛ لتغدوَ أصلبَ و.. وأكبرَ حجمًا!.. وتنشأَ عقدةُ الحشرِ!
    يا إلهي!.. كم هو عسيرٌ حشرُ ‏آخرِ الكراتِ داخلَ النطاقِ – وقد زحفتْ على حصتِها الأخرياتُ – وكم أبذلُ من جهدٍ.. وأبكي مشدودةَ ‏الأعصابِ أوقاتا!‏

    يتابعُ أبي المشهدَ من طرفٍ خفيٍّ، مكتّمًا ضحكاتِه؛ لئلا أشعرَ بوجودِه، فتنتابَني حالةٌ من الارتباكِ ‏والرعبِ الشديدين!.. لطالما أثارت دهشتَه واستهجانَه:‏
    - ماذا بها؟
    - خائفة
    -‏ مني أنا!‏
    -‏ من كلِّ الرجال
    -‏ ولكني أبوها!‏
    -‏ غدا تكبرُ وتعي هذا
    -‏ ولكن...‏
    -‏ ‏"ولكن.. ولكني.. ولكنها.."! ألا تكفَّ عن هذا!.. دعها وشأنَها.. ما زالت طفلة.. لماذا تشغلُ ‏نفسَكَ بالتفاهات؟!‏
    - ‏ماذا؟.. تفاهات!‏
    يحتدمُ الصراعُ بينَهما.. يفقدُ أبي صوابَه.. تصرخُ أمي في وجهِه.. ينهالُ عليها ضربًا وشتمًا.. أتشبّثُ بالفراشِ.. ‏أدفنُ رأسي تحتَ الوسادةِ.. أنتحبُ.. ثم ألوذُ من رمضاءِ عراكِهم بنارِ الكوابيس!‏

    هؤلاءِ المتوحشون – الرجالَ – يحاولون عبثًا إثباتَ صلتِهم بالرقةِ واللينِ! ودائما يثبتُ العكسُ؛ لا ‏صلةَ لهم بغيرِ الوحشيةِ، القسوةِ، الدمويةِ، والجنونِ!..
    عندما كنتُ عصرَ يومٍ أحاولُ حشرَ كُرتي الأخيرةَ ‏كالعادةِ؛ تقدّمَ مني أبي – أحدُهم! – ورفع يديَ الممسكةَ بالكرةِ، ووضعَ محلَّها كرةً أخرى، جديدةً.. صغيرةً.. ‏وجميلةً، استقّرت في قلبي قبلَ أن تستقرَّ في موضعِها! غيرَ أنَّ حالةَ الرعبِ المعتادةِ حالت دونَ أن أكملَ ‏اللعبَ؛ فرفعَ أبي الطوقَ الخشبيَّ، وأمسكَ مضربًا.. ليسددَ به ضربةً – كما توقعتُ! – رجوليةً/ قاسيةً/ ‏متوحشةً/ دمويةً/ مجنونة! ولم تحتملْ كرتي المسكينةُ ضربةً كهذه من أمامٍ، ومن خلفٍ ردةُ فعلٍ أعنفَ لكُراتٍ ‏عتيقةٍ قاسيةٍ!.. و.. يا إلهي!.. انفلقتْ!‏

    طالعني لحظةَ انفرجَ بتثاقلٍ جفناي وجهُ أمي الحنونِ باسمةً:‏
    -‏ حمدًا للهِ على سلامتِكِ يا ابنتي..‏
    مسحَت بكفِّها شَعري:‏
    -‏ ماذا أصابَكِ؟.. انهيارٌ عصبيٌّ.. وغيبوبةٌ ليومين.. من أجلِ كرةٍ انفلقت!‏
    أغمضتُ عينيَّ وأنا أستذكرُ الموقفَ، وأمي تستطردُ:‏
    -‏ سامحَ اللهُ أباكِ!.. الكرةُ الجديدةُ أضعفُ من أن تتصدرَ المجموعةَ.. لولا وضَعَها في الخلفِ.. أو حتى ‏وسطَ الكُراتِ فتحميَها..لا عليكِ.. سأشتري لك كرةً أجملَ منها...‏
    -‏ لا!..‏
    صحتُ أقاطعُها.. وعيناي تجحظان.. فانتابها الذعرُ، وهبّتْ من مجلسِها هاتفةً:‏
    -‏ كما تشائين.. كما تشائين..‏
    جاهدتُ لأرسمَ على شفتيَّ ابتسامةً مطمئنةً.. قبلَ أن أعتدلَ جالسةً؛ لأقرّرَ بصوتٍ قويٍّ:‏
    -‏ أريدُ مجموعةً كاملة.. من الكراتِ الجديدة!‏
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,557
    المواضيع : 73
    الردود : 4557
    المعدل اليومي : 1.56

    افتراضي

    قصة جميلة جدا , أحيانا قد يتشاجر الزوجين من أجل أمورٍ تافهة لاتستدعي التكبير خصوصا إن كانت خلافاتهم عن الابناء وكل يؤمن برايه دون تفهم وجهة نظر الآخر فيشعر الابناء حينها بالذنب ويزيد الطين بلة فبدلا من إضفاء جو المرح والمشاركة مع الأبناء اصبحت الدنيا صخبا ومشاكلا , وحين رؤية الفتاة ضرب ابيها لأمها زادت عقدتها النفسية اتجاه الرجال ولم يحاول الاب الحل أو تفهم ابنته بشكل جيد وماسبب خوفها حتى يعدل من أسلوبه مع زوجته وأبناءه ..
    ترسخ في ذهن الفتاة أن الرجال قساة جنونيون دمويون لأن هذا كل مارأته ..
    وكانت نهاية رائعة وردة فعل لطيفة من الاب أن يشتري لها جديدة
    أسلوب قوي وجميل وسرد طريف للقصة
    تقديري
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  3. #3
    الصورة الرمزية محمد عبد المجيد الصاوي شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : فلسطين ـ غزة
    المشاركات : 1,300
    المواضيع : 181
    الردود : 1300
    المعدل اليومي : 0.50

    افتراضي

    أبا ليث .. لا أزال أذكر هذه القصة التي مضى على كتابتك لها عقد من الزمان ..
    وأذكر أنني ناقشتك بخاتمتها ..
    لكن يبقى أن الصحوة من ضربات موجعة وقاسية
    وإن استغرقت أمدا .. إلا أنها تتحق
    ليعتاد الصبر أهله .. فتصبح مرارة الحياة وفظائعها .. أمرا اعتياديا لدى من وطنوا النفس على خوض معترك الصدارة .
    أعدت بعضا من الحنين لكتابتك
    ونكأت جراح عمرٍ .. آن له أن يبتسم .

    تحيتي .. صديقي
    https://www.facebook.com/photo.php?fbid=387397961395449&set=pb.100003757443  881.-2207520000.1388969228.&type=3&theater

  4. #4
    الصورة الرمزية آمال المصري عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,643
    المواضيع : 386
    الردود : 23643
    المعدل اليومي : 5.46

    افتراضي

    لينشأ جيل أسوياء أفراده خالية نفوسهم من شوائب يتركها الآباء فتطبع على سلوكهم فلزام على المنشأ " الأسرة " مراعاة ذلك في كل التصرفات
    حيث يترجم الطفل بعينه ماتختلف ترجمته بالعقل وقد ينعكس سلبا على شخصيته
    تربوية أنيقة الفكرة والبيان .. قوية اللغة أوصلت الرسالة باقتدار
    بوركت شاعرنا الفاضل واليراع
    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,499
    المواضيع : 196
    الردود : 14499
    المعدل اليومي : 5.10

    افتراضي

    أحسنت في هذه القصة الحبكة الدرامية لقصة تناقش أثر المشاكل التي تحدث بين الوالدين
    وكيف أن العنف الذي يتخذه الأب في معاملة الأم قد أثر سلبا على نفسية الطفلة فتكونت لديها
    شخصية ضعيفة قلقة, خائفة دائما, تتسم بالخجل والحساسية الزائدة , فاقدة للثقة بالنفس, يسيطر
    عليها الشعور بالتقصير وعدم القدرة على الإنجاز.
    لقد رسمت بالحرف المشهد لتجعلنا داخل إطار الصورة من خلال أسلوب سلس وسرد رائع.
    أسجل إعجابي العميق بقلمك .. ولك تحياتي تقديري.

  6. #6
    الصورة الرمزية م. تامر مقداد شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : غزة-فلسطين
    المشاركات : 200
    المواضيع : 21
    الردود : 200
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    قصة جميلة جدا , أحيانا قد يتشاجر الزوجين من أجل أمورٍ تافهة لاتستدعي التكبير خصوصا إن كانت خلافاتهم عن الابناء وكل يؤمن برايه دون تفهم وجهة نظر الآخر فيشعر الابناء حينها بالذنب ويزيد الطين بلة فبدلا من إضفاء جو المرح والمشاركة مع الأبناء اصبحت الدنيا صخبا ومشاكلا , وحين رؤية الفتاة ضرب ابيها لأمها زادت عقدتها النفسية اتجاه الرجال ولم يحاول الاب الحل أو تفهم ابنته بشكل جيد وماسبب خوفها حتى يعدل من أسلوبه مع زوجته وأبناءه ..
    ترسخ في ذهن الفتاة أن الرجال قساة جنونيون دمويون لأن هذا كل مارأته ..
    وكانت نهاية رائعة وردة فعل لطيفة من الاب أن يشتري لها جديدة
    أسلوب قوي وجميل وسرد طريف للقصة
    تقديري
    أشكرك أختي الفاضلة براءة.. إذ كنتِ أول المعطّرين لهذا النص ممن مروا وتركوا أثرهم الطيب نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    وأعتب عليكِ لأخطاء نحوية أثق أن مثلك لا يقع فيها إلا سهوًا أو تعجلا نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    أما قراءتك للنص فجميلة ومباشرة.. وللنص - فيما أزعم - قراءات أخرى تحتاج أن تمري - ويمر الآخرون - من هنا غير مرة نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    أكرر شكري وتقديري.. وأسأل الله أن يسعد أوقاتك بكل الخير نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7
    الصورة الرمزية م. تامر مقداد شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : غزة-فلسطين
    المشاركات : 200
    المواضيع : 21
    الردود : 200
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آمال المصري مشاهدة المشاركة
    لينشأ جيل أسوياء أفراده خالية نفوسهم من شوائب يتركها الآباء فتطبع على سلوكهم فلزام على المنشأ " الأسرة " مراعاة ذلك في كل التصرفات
    حيث يترجم الطفل بعينه ماتختلف ترجمته بالعقل وقد ينعكس سلبا على شخصيته
    تربوية أنيقة الفكرة والبيان .. قوية اللغة أوصلت الرسالة باقتدار
    بوركت شاعرنا الفاضل واليراع
    تحاياي
    بارك الله فيكِ أختنا الفاضلة

    الحقيقة أن في القصة إشارتين:

    الأولى (وقد انصرف إليها تفكير كل من شرّفوني بالمرور هنا) هي أخطاء التربية وإقحام الأطفال في خلافات الزوجين؛ وما يعكس من آثار نفسية وسلوكية على براءة الصغار!

    أما الثانية (ولن أصرّح بها نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي ) فذاتُ علاقة بمدلول الكرات العتيقة وعقدة الحشر وتصدّر الكرة الجديدة وانفلاقها.. وأخيرًا: "أريد مجموعة كاملة.. من الكرات الجديدة!" نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    أسعد بمروركم هنا.. وفي كل موضوعاتي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #8
    مشرفة عامة
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    الدولة : palestine
    المشاركات : 8,891
    المواضيع : 91
    الردود : 8891
    المعدل اليومي : 2.25

    افتراضي

    نصّ ذكيّ حاذق بدأت رموزه تجذب القارئ منذ النّظرة الأولى إلى العنوان " أغلبيّةُ مفرد " فمن يقرأ العنوان يجول في خياله باحثًا عن تحليل لمدلول هذا المفرد الذي له أغلبيّة، هنا سيختلف القرّاء في تحليلهم للعنوان ولمدلول الفرد وكلّ قارئ منهم سيرى النصّ من الزاوية التي انطلق منها في تحليل العنوان.
    قد يكون هذا الفرد رئيسا أو صاحب نفوذ، أو قد يُعنى به الذّكر في مجتمعٍ يُعطي الذّكرَ نفوذًا، وقد .......


    ولنبدأ مع القصّة:
    "كانت لعبتي المفضلة، مثلثٌ خشبيٌّ فوقَ الطاولة، كراتٌ من الخشبِ مرقومةً تُرصُّ، مضاربُ ‏بنهاياتٍ مدببةٍ، تتربصُّ بالكراتِ رفعَ الطوقِ؛ لتنقضّ فتقنصَ بعضًا وتتركَ بعضًا يموجُ في بعض!

    وصفٌ تمّ اختيار مفرداته بعناية وذكاءٍ شديدَيْنِ للفتِ نظرِ القارئِ ولجعله يتسائل ويحاولُ فكّ تلك الرّموز التي استعملها الكاتب في وصف لعبته.
    فاللعبة لها اسم معروف وهي لعبة البلياردو الشّهيرة لكنّ الكاتب لا يريد اللعبة لذاتها بل يُريدها مجموعة من الرّموز تصف ألعابا عدّة قد يتبادر لها الذّهن وفقَ ما يلجُ خيالَ القارئ من صورٍ ذهنيّة نتيجة سماعه لهذه الرّموز فاللّعبة عبارة عن مثلّث خشبيّ، والمثلّث كما هو معلوم من أكثر الأشكال الهندسيّة حدّة ودقّة، وأقلّها قدرة على احتواء غيره لما يشتمل عليه من زوايا، والكرات المرقومة من الخشب وهنا قد نربط الكرات المرقومة بكلّ الأشخاص الذين يتبعون لهيئة لا تعرّف أعضاءها إلّا برقم فيصبح الإنسان في نظرهم رقمًا لا غير، والمضارب التي تتربّص بالكرات ما إن يُرفع عنها الطّوق، والكرات التي تنقضّ لتقنصَ بعضها بعضا ولتترك البعض يموج في بعض، جميعها رموز تشابكت لتصف مجتمعًا تحرّضه المَضارب(أسنان السّلطة) ليضرب بعضه بعضًا.
    قد نرسم في أذهاننا أنّ لعبة الباولنج ما هي هنا إلّا كناية عن مجتمعاتنا العربيّة بكلّ ما تحويه من تخبّط وقمع وجور للسّلطة فالمضرب في يد الحاكم والمثّلث هو قوانينه الصّارمة والمضرب هم جيش وسلطات الحاكم التي يسلّطها لتظلم النّاس لا لتعدل بينهم.



    "لكنْ وديعةً ‏كنتُ رفيقةً، يوشكُ مضربي ألا يمسَّ الكرةَ؛ فتمضيَ وئيدةً، ليطولَ على القُساةِ الأمدُ، وينفرون، وأؤثرُ اللعبَ ‏وحيدة!‏"

    ويدخل هنا العنصر الانثويّ في اللّعبة، عندما تمسك الانثى زمام الامور لجماعةٍ ما خاصّةً في مجتمع ذكوريّ لن يرضى مَن حَولها بحكمها وطريقة تسييرها للأمور، فهيَ ليّنة وديعة تمسك مضربها برفق فيتمرّد رجالها ويتمرّد الرعيّة، فمن جهة من ينفّذ أوامرها يجد أنّه مهان لكونه ينصاع لحكم امرأة ومن يقع عليه الأحكام يتمرّد على من ينفّذها لكونه يأتمر بحكم أنثى.

    "مشكلةٌ أنَّ القسوةَ لم تُصِبْ قلوبَ اللاعبين – رجالاً بخاصةٍ – فحسب، بل امتدت عواملُ التقسيةِ ‏للكراتِ ذواتِها؛ لتغدوَ أصلبَ و.. وأكبرَ حجمًا!.. وتنشأَ عقدةُ الحشرِ!"


    هنا نرى وصف للحكّام الرّجال ولرعيّتهم من الرّجال من وجهة نظر الأنثى فهي لا ترى فقط أنّ الحاكم هو الذي يمتاز بالقسوة بل إنّه قد أورث قسوته لكلّ من يحكمهم فمن شدّة فسوته عليهم قست قلوبهم هم أيضًا على نسائهم وأطفالهم، ولكثرة ما يتعرّضون له من حَشرٍ وعصرٍ وتعذيب وتضييق وقمع وبطش نراهم يحاولون الاستبداد هم بدورهم بما ملكت أيمانهم.
    "يا إلهي!.. كم هو عسيرٌ حشرُ ‏آخرِ الكراتِ داخلَ النطاقِ – وقد زحفتْ على حصتِها الأخرياتُ – وكم أبذلُ من جهدٍ.. وأبكي مشدودةَ ‏الأعصابِ أوقاتا!"


    آخر الكرات هو من يقف في ‏" بوز المدفع " كما اصطلح تسميته، ذلك الذي يتعرّض للضرب وللصّفع وللإهانة لأنّه أوّل من يقع تحت الانظار، وقد تمثّل هذه الكرة القادة والطّلائعيون من الشّباب الذين يتكلّمون باسم الشّعب ويطالبون بحقوقه.
    فهم يتحمّلون الكثير من شعبهم ومن النّظام وفي النّهاية تكون سعادتهم بمقدار ما قدّموه من تضحية لأجل الآخرين.



    "يتابعُ أبي المشهدَ من طرفٍ خفيٍّ، مكتّمًا ضحكاتِه؛ لئلا أشعرَ بوجودِه، فتنتابَني حالةٌ من الارتباكِ ‏والرعبِ الشديدين!.. لطالما أثارت دهشتَه واستهجانَه:‏
    - ماذا بها؟
    - خائفة
    -‏ مني أنا!‏
    -‏ من كلِّ الرجال
    -‏ ولكني أبوها!‏
    -‏ غدا تكبرُ وتعي هذا
    -‏ ولكن...‏
    -‏ ‏"ولكن.. ولكني.. ولكنها.."! ألا تكفَّ عن هذا!.. دعها وشأنَها.. ما زالت طفلة.. لماذا تشغلُ ‏نفسَكَ بالتفاهات؟!‏
    - ‏ماذا؟.. تفاهات!‏
    يحتدمُ الصراعُ بينَهما.. يفقدُ أبي صوابَه.. تصرخُ أمي في وجهِه.. ينهالُ عليها ضربًا وشتمًا.. أتشبّثُ بالفراشِ.. ‏أدفنُ رأسي تحتَ الوسادةِ.. أنتحبُ.. ثم ألوذُ من رمضاءِ عراكِهم بنارِ الكوابيس!‏"


    هنا نرى التّشابك بين القصّة الأصليّة وبين الرّمزيّة التي خلف سطورها، فهذه الأسرة مثال حيّ على ما ورثه الرّجال في مجتمعنا الذكوريّ من قسوة حكّامهم نتيجة القمع الدّائم لحريّاتهم، والكبح لشخوصهم، فإنّهم يُديرون شؤون الأسرة بذات المقاييس والمعايير والنّهج الذي يُمارس ضدّهم، يقمعون زوجاتهم وأطفالهم ويستهزؤون بالفتيات ويسخرون من ضعفهنّ.



    "هؤلاءِ المتوحشون – الرجالَ – يحاولون عبثًا إثباتَ صلتِهم بالرقةِ واللينِ! ودائما يثبتُ العكسُ؛ لا ‏صلةَ لهم بغيرِ الوحشيةِ، القسوةِ، الدمويةِ، والجنونِ!.."

    هي هنا تتّهم كلّ الرّجال بما في ذلك والدها بالوحشيّة والقسوة في حكمهم وتعاملهم، وهي لم تستثنِ منهم أحدًا.


    "عندما كنتُ عصرَ يومٍ أحاولُ حشرَ كُرتي الأخيرةَ ‏كالعادةِ؛ تقدّمَ مني أبي – أحدُهم! – ورفع يديَ الممسكةَ بالكرةِ، ووضعَ محلَّها كرةً أخرى، جديدةً.. صغيرةً.. ‏وجميلةً، استقّرت في قلبي قبلَ أن تستقرَّ في موضعِها! غيرَ أنَّ حالةَ الرعبِ المعتادةِ حالت دونَ أن أكملَ ‏اللعبَ؛ فرفعَ أبي الطوقَ الخشبيَّ، وأمسكَ مضربًا.. ليسددَ به ضربةً – كما توقعتُ! – رجوليةً/ قاسيةً/ ‏متوحشةً/ دمويةً/ مجنونة! ولم تحتملْ كرتي المسكينةُ ضربةً كهذه من أمامٍ، ومن خلفٍ ردةُ فعلٍ أعنفَ لكُراتٍ ‏عتيقةٍ قاسيةٍ!.. و.. يا إلهي!.. انفلقتْ!‏"


    تبديل الكرة التي في المقدّمة بكرة أخرى أصغر حجما وأكثر لينا تعني ظهور قيادات نسويّة، ولكنّ الصدّ الطّاحن الذي تلقّته تلك القيادة أدّى إلى كسرها وتحطيمها نهائيّا.



    "طالعني لحظةَ انفرجَ بتثاقلٍ جفناي وجهُ أمي الحنونِ باسمةً:‏
    -‏ حمدًا للهِ على سلامتِكِ يا ابنتي..‏
    مسحَت بكفِّها شَعري:‏
    -‏ ماذا أصابَكِ؟.. انهيارٌ عصبيٌّ.. وغيبوبةٌ ليومين.. من أجلِ كرةٍ انفلقت!‏
    أغمضتُ عينيَّ وأنا أستذكرُ الموقفَ، وأمي تستطردُ:‏
    -‏ سامحَ اللهُ أباكِ!.. الكرةُ الجديدةُ أضعفُ من أن تتصدرَ المجموعةَ.. لولا وضَعَها في الخلفِ.. أو حتى ‏وسطَ الكُراتِ فتحميَها..لا عليكِ.. سأشتري لك كرةً أجملَ منها...‏
    -‏ لا!..‏
    صحتُ أقاطعُها.. وعيناي تجحظان.. فانتابها الذعرُ، وهبّتْ من مجلسِها هاتفةً:‏
    -‏ كما تشائين.. كما تشائين..‏
    جاهدتُ لأرسمَ على شفتيَّ ابتسامةً مطمئنةً.. قبلَ أن أعتدلَ جالسةً؛ لأقرّرَ بصوتٍ قويٍّ:‏
    -‏ أريدُ مجموعةً كاملة.. من الكراتِ الجديدة!‏"

    وهنا نرى الرّموز تتكامل فردّة فعل الفتاة كانت قويّة بحجم الصّدمة التي تعرّضت لها حين همّ الذّكور بقمع وكبح جماح الكرة الرّقيقة الليّنة، وهنا نرى اقتراح الأمّ والذي يعكس الموقف السلبيّ للمرأة في بلاد القمع والذّكور، كانت تفضّل لو أنّ تلك الكرة بقيت كغيرها في الخلفيّة مهمّشة مهضومة الحقوق.
    ونرى الفتاة تعلن ثورة على مجتمعها الذّكوريّ بأكمله بحكّامه ونظامه وشعبه الخانع القامع في ذات الوقت.
    إنّها تطمع في مجموعة كاملة جديدة، تطمع بمجتمع جديد، تكون به شخصيّة مستقلّة، ويكون من حولها يحملون أفكارا جديدة أيضا، ويتعاملون بأسلوب يختلف عن أسلوب من حولها.
    هي تطمح لأن تحظى بمجتمع يقدّرها كامرأة ويحترمها، وتحصل به على الأدوار المختلفة دون أن تخضع لقمع الرّجل المقموع في هرمٍ من القمع والكبح والتّنكيل.



    راق لي الإبحار بين ثنايا قصّتك ورموزك مبدعنا.

    مودّتي
    غبنا ولم يغبْ الغناء
    يا فاتن الأسحار حيّاكِ الربيع إذا أضاء


  9. #9
    الصورة الرمزية م. تامر مقداد شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : غزة-فلسطين
    المشاركات : 200
    المواضيع : 21
    الردود : 200
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نادية محمد الجابى مشاهدة المشاركة
    أحسنت في هذه القصة الحبكة الدرامية لقصة تناقش أثر المشاكل التي تحدث بين الوالدين
    وكيف أن العنف الذي يتخذه الأب في معاملة الأم قد أثر سلبا على نفسية الطفلة فتكونت لديها
    شخصية ضعيفة قلقة, خائفة دائما, تتسم بالخجل والحساسية الزائدة , فاقدة للثقة بالنفس, يسيطر
    عليها الشعور بالتقصير وعدم القدرة على الإنجاز.
    لقد رسمت بالحرف المشهد لتجعلنا داخل إطار الصورة من خلال أسلوب سلس وسرد رائع.
    أسجل إعجابي العميق بقلمك .. ولك تحياتي تقديري.
    أختي الفاضلة نادية.. أشكر لك هذا المرور الطيب.. وأسجل احتراما وتقديرا لقراءتك التفاعلية مع النص نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  10. #10
    الصورة الرمزية م. تامر مقداد شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2013
    الدولة : غزة-فلسطين
    المشاركات : 200
    المواضيع : 21
    الردود : 200
    المعدل اليومي : 0.08

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاتن دراوشة مشاهدة المشاركة
    نصّ ذكيّ حاذق بدأت رموزه تجذب القارئ منذ النّظرة الأولى إلى العنوان " أغلبيّةُ مفرد " فمن يقرأ العنوان يجول في خياله باحثًا عن تحليل لمدلول هذا المفرد الذي له أغلبيّة، هنا سيختلف القرّاء في تحليلهم للعنوان ولمدلول الفرد وكلّ قارئ منهم سيرى النصّ من الزاوية التي انطلق منها في تحليل العنوان.
    قد يكون هذا الفرد رئيسا أو صاحب نفوذ، أو قد يُعنى به الذّكر في مجتمعٍ يُعطي الذّكرَ نفوذًا، وقد .......


    ولنبدأ مع القصّة:
    "كانت لعبتي المفضلة، مثلثٌ خشبيٌّ فوقَ الطاولة، كراتٌ من الخشبِ مرقومةً تُرصُّ، مضاربُ ‏بنهاياتٍ مدببةٍ، تتربصُّ بالكراتِ رفعَ الطوقِ؛ لتنقضّ فتقنصَ بعضًا وتتركَ بعضًا يموجُ في بعض!

    وصفٌ تمّ اختيار مفرداته بعناية وذكاءٍ شديدَيْنِ للفتِ نظرِ القارئِ ولجعله يتسائل ويحاولُ فكّ تلك الرّموز التي استعملها الكاتب في وصف لعبته.
    فاللعبة لها اسم معروف وهي لعبة البلياردو الشّهيرة لكنّ الكاتب لا يريد اللعبة لذاتها بل يُريدها مجموعة من الرّموز تصف ألعابا عدّة قد يتبادر لها الذّهن وفقَ ما يلجُ خيالَ القارئ من صورٍ ذهنيّة نتيجة سماعه لهذه الرّموز فاللّعبة عبارة عن مثلّث خشبيّ، والمثلّث كما هو معلوم من أكثر الأشكال الهندسيّة حدّة ودقّة، وأقلّها قدرة على احتواء غيره لما يشتمل عليه من زوايا، والكرات المرقومة من الخشب وهنا قد نربط الكرات المرقومة بكلّ الأشخاص الذين يتبعون لهيئة لا تعرّف أعضاءها إلّا برقم فيصبح الإنسان في نظرهم رقمًا لا غير، والمضارب التي تتربّص بالكرات ما إن يُرفع عنها الطّوق، والكرات التي تنقضّ لتقنصَ بعضها بعضا ولتترك البعض يموج في بعض، جميعها رموز تشابكت لتصف مجتمعًا تحرّضه المَضارب(أسنان السّلطة) ليضرب بعضه بعضًا.
    قد نرسم في أذهاننا أنّ لعبة الباولنج ما هي هنا إلّا كناية عن مجتمعاتنا العربيّة بكلّ ما تحويه من تخبّط وقمع وجور للسّلطة فالمضرب في يد الحاكم والمثّلث هو قوانينه الصّارمة والمضرب هم جيش وسلطات الحاكم التي يسلّطها لتظلم النّاس لا لتعدل بينهم.



    "لكنْ وديعةً ‏كنتُ رفيقةً، يوشكُ مضربي ألا يمسَّ الكرةَ؛ فتمضيَ وئيدةً، ليطولَ على القُساةِ الأمدُ، وينفرون، وأؤثرُ اللعبَ ‏وحيدة!‏"

    ويدخل هنا العنصر الانثويّ في اللّعبة، عندما تمسك الانثى زمام الامور لجماعةٍ ما خاصّةً في مجتمع ذكوريّ لن يرضى مَن حَولها بحكمها وطريقة تسييرها للأمور، فهيَ ليّنة وديعة تمسك مضربها برفق فيتمرّد رجالها ويتمرّد الرعيّة، فمن جهة من ينفّذ أوامرها يجد أنّه مهان لكونه ينصاع لحكم امرأة ومن يقع عليه الأحكام يتمرّد على من ينفّذها لكونه يأتمر بحكم أنثى.

    "مشكلةٌ أنَّ القسوةَ لم تُصِبْ قلوبَ اللاعبين – رجالاً بخاصةٍ – فحسب، بل امتدت عواملُ التقسيةِ ‏للكراتِ ذواتِها؛ لتغدوَ أصلبَ و.. وأكبرَ حجمًا!.. وتنشأَ عقدةُ الحشرِ!"


    هنا نرى وصف للحكّام الرّجال ولرعيّتهم من الرّجال من وجهة نظر الأنثى فهي لا ترى فقط أنّ الحاكم هو الذي يمتاز بالقسوة بل إنّه قد أورث قسوته لكلّ من يحكمهم فمن شدّة فسوته عليهم قست قلوبهم هم أيضًا على نسائهم وأطفالهم، ولكثرة ما يتعرّضون له من حَشرٍ وعصرٍ وتعذيب وتضييق وقمع وبطش نراهم يحاولون الاستبداد هم بدورهم بما ملكت أيمانهم.
    "يا إلهي!.. كم هو عسيرٌ حشرُ ‏آخرِ الكراتِ داخلَ النطاقِ – وقد زحفتْ على حصتِها الأخرياتُ – وكم أبذلُ من جهدٍ.. وأبكي مشدودةَ ‏الأعصابِ أوقاتا!"


    آخر الكرات هو من يقف في ‏" بوز المدفع " كما اصطلح تسميته، ذلك الذي يتعرّض للضرب وللصّفع وللإهانة لأنّه أوّل من يقع تحت الانظار، وقد تمثّل هذه الكرة القادة والطّلائعيون من الشّباب الذين يتكلّمون باسم الشّعب ويطالبون بحقوقه.
    فهم يتحمّلون الكثير من شعبهم ومن النّظام وفي النّهاية تكون سعادتهم بمقدار ما قدّموه من تضحية لأجل الآخرين.



    "يتابعُ أبي المشهدَ من طرفٍ خفيٍّ، مكتّمًا ضحكاتِه؛ لئلا أشعرَ بوجودِه، فتنتابَني حالةٌ من الارتباكِ ‏والرعبِ الشديدين!.. لطالما أثارت دهشتَه واستهجانَه:‏
    - ماذا بها؟
    - خائفة
    -‏ مني أنا!‏
    -‏ من كلِّ الرجال
    -‏ ولكني أبوها!‏
    -‏ غدا تكبرُ وتعي هذا
    -‏ ولكن...‏
    -‏ ‏"ولكن.. ولكني.. ولكنها.."! ألا تكفَّ عن هذا!.. دعها وشأنَها.. ما زالت طفلة.. لماذا تشغلُ ‏نفسَكَ بالتفاهات؟!‏
    - ‏ماذا؟.. تفاهات!‏
    يحتدمُ الصراعُ بينَهما.. يفقدُ أبي صوابَه.. تصرخُ أمي في وجهِه.. ينهالُ عليها ضربًا وشتمًا.. أتشبّثُ بالفراشِ.. ‏أدفنُ رأسي تحتَ الوسادةِ.. أنتحبُ.. ثم ألوذُ من رمضاءِ عراكِهم بنارِ الكوابيس!‏"


    هنا نرى التّشابك بين القصّة الأصليّة وبين الرّمزيّة التي خلف سطورها، فهذه الأسرة مثال حيّ على ما ورثه الرّجال في مجتمعنا الذكوريّ من قسوة حكّامهم نتيجة القمع الدّائم لحريّاتهم، والكبح لشخوصهم، فإنّهم يُديرون شؤون الأسرة بذات المقاييس والمعايير والنّهج الذي يُمارس ضدّهم، يقمعون زوجاتهم وأطفالهم ويستهزؤون بالفتيات ويسخرون من ضعفهنّ.



    "هؤلاءِ المتوحشون – الرجالَ – يحاولون عبثًا إثباتَ صلتِهم بالرقةِ واللينِ! ودائما يثبتُ العكسُ؛ لا ‏صلةَ لهم بغيرِ الوحشيةِ، القسوةِ، الدمويةِ، والجنونِ!.."

    هي هنا تتّهم كلّ الرّجال بما في ذلك والدها بالوحشيّة والقسوة في حكمهم وتعاملهم، وهي لم تستثنِ منهم أحدًا.


    "عندما كنتُ عصرَ يومٍ أحاولُ حشرَ كُرتي الأخيرةَ ‏كالعادةِ؛ تقدّمَ مني أبي – أحدُهم! – ورفع يديَ الممسكةَ بالكرةِ، ووضعَ محلَّها كرةً أخرى، جديدةً.. صغيرةً.. ‏وجميلةً، استقّرت في قلبي قبلَ أن تستقرَّ في موضعِها! غيرَ أنَّ حالةَ الرعبِ المعتادةِ حالت دونَ أن أكملَ ‏اللعبَ؛ فرفعَ أبي الطوقَ الخشبيَّ، وأمسكَ مضربًا.. ليسددَ به ضربةً – كما توقعتُ! – رجوليةً/ قاسيةً/ ‏متوحشةً/ دمويةً/ مجنونة! ولم تحتملْ كرتي المسكينةُ ضربةً كهذه من أمامٍ، ومن خلفٍ ردةُ فعلٍ أعنفَ لكُراتٍ ‏عتيقةٍ قاسيةٍ!.. و.. يا إلهي!.. انفلقتْ!‏"


    تبديل الكرة التي في المقدّمة بكرة أخرى أصغر حجما وأكثر لينا تعني ظهور قيادات نسويّة، ولكنّ الصدّ الطّاحن الذي تلقّته تلك القيادة أدّى إلى كسرها وتحطيمها نهائيّا.



    "طالعني لحظةَ انفرجَ بتثاقلٍ جفناي وجهُ أمي الحنونِ باسمةً:‏
    -‏ حمدًا للهِ على سلامتِكِ يا ابنتي..‏
    مسحَت بكفِّها شَعري:‏
    -‏ ماذا أصابَكِ؟.. انهيارٌ عصبيٌّ.. وغيبوبةٌ ليومين.. من أجلِ كرةٍ انفلقت!‏
    أغمضتُ عينيَّ وأنا أستذكرُ الموقفَ، وأمي تستطردُ:‏
    -‏ سامحَ اللهُ أباكِ!.. الكرةُ الجديدةُ أضعفُ من أن تتصدرَ المجموعةَ.. لولا وضَعَها في الخلفِ.. أو حتى ‏وسطَ الكُراتِ فتحميَها..لا عليكِ.. سأشتري لك كرةً أجملَ منها...‏
    -‏ لا!..‏
    صحتُ أقاطعُها.. وعيناي تجحظان.. فانتابها الذعرُ، وهبّتْ من مجلسِها هاتفةً:‏
    -‏ كما تشائين.. كما تشائين..‏
    جاهدتُ لأرسمَ على شفتيَّ ابتسامةً مطمئنةً.. قبلَ أن أعتدلَ جالسةً؛ لأقرّرَ بصوتٍ قويٍّ:‏
    -‏ أريدُ مجموعةً كاملة.. من الكراتِ الجديدة!‏"

    وهنا نرى الرّموز تتكامل فردّة فعل الفتاة كانت قويّة بحجم الصّدمة التي تعرّضت لها حين همّ الذّكور بقمع وكبح جماح الكرة الرّقيقة الليّنة، وهنا نرى اقتراح الأمّ والذي يعكس الموقف السلبيّ للمرأة في بلاد القمع والذّكور، كانت تفضّل لو أنّ تلك الكرة بقيت كغيرها في الخلفيّة مهمّشة مهضومة الحقوق.
    ونرى الفتاة تعلن ثورة على مجتمعها الذّكوريّ بأكمله بحكّامه ونظامه وشعبه الخانع القامع في ذات الوقت.
    إنّها تطمع في مجموعة كاملة جديدة، تطمع بمجتمع جديد، تكون به شخصيّة مستقلّة، ويكون من حولها يحملون أفكارا جديدة أيضا، ويتعاملون بأسلوب يختلف عن أسلوب من حولها.
    هي تطمح لأن تحظى بمجتمع يقدّرها كامرأة ويحترمها، وتحصل به على الأدوار المختلفة دون أن تخضع لقمع الرّجل المقموع في هرمٍ من القمع والكبح والتّنكيل.



    راق لي الإبحار بين ثنايا قصّتك ورموزك مبدعنا.

    مودّتي
    الله الله يا بنت وطني! نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    قطعت (فاتن) قول كل خطيب! نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    رغم أن كل هذه المعاني كانت حاضرة ساعة كتابة النص (بعضها في الوعي وبعضها في اللا وعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي).. إلا أنني لم أكن لأحلل النص - لو طُلب إليّ ذلك - بهذه البراعة والإحاطة! نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ولعلي فقط أشير أن رموز النص لا تنغلق على صراع الأنثى مع المجتمع الذكوري! بل تنفتح على كل صراع بين طرفين: أحدهما حديث سن وتجربة، لم تلوثه أرجاس الحياة وأدرانها، وما زال قلبه غضا مفعما بالأمل؛ ما يغريه بالتصّدر للعدوان والجور! والآخر فكا كمّاشة: مستبد يهاجمك.. ومنافق يخذلك!

    سعدتُ جدًّا بقراءتك وتحليلك.. نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي .. شكرا لك.. تحية إجلال وإكبار نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة في قصة م. تامر مقداد أغلبية مفرد
    بواسطة فاتن دراوشة في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 21-10-2017, 05:50 PM
  2. "أثاث".. أهي مفردة؟ أم جمع له مفرد؟
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّحوُ والصَّرْفُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04-12-2013, 01:48 AM
  3. فل مفرد فلول
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى المُعْجَمُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 06-07-2013, 11:39 PM
  4. لماذا الظلمات جمع والنور مفرد؟؟
    بواسطة زهراء المقدسية في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 06-03-2013, 03:50 PM
  5. ما مفرد الكلمات التالية ؟
    بواسطة عماد الفيصلي في المنتدى البَلاغَةُ العَرَبِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 06-10-2011, 04:50 PM