أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: قراءة في عيني كبش أقرن

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Sep 2003
    المشاركات : 173
    المواضيع : 58
    الردود : 173
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي قراءة في عيني كبش أقرن

    قراءة في عيني كبش أقرن



    سقتُ الشياه التي ألقت بأخي يوسف من على رأس الجبل ودقّتْ عنقُه، وأنا أشتمها، وألعنها. ألهبتها بالسوط حتى صارت تعدو أمامي هاربة وكأنها تهيم بوجوهها الثاغية على بساط ريح أو كأنها استعارت من الخيل شبهاً، كم هي سريعة. - قاتلة. - ملعونة. – مجرمة! في بدئها ملحمة الهرب اعترضَ كبشُها الأقرن طريقي، والتفت يتأملني وكأنه أضاع هُويتي ويريد أن يتعرّف عليّ من جديد، أو كأنه يودّ أن "يتفاهم معي" كرجل، رأساً برأس، أو يعتزم بكل بساطة أن يذبّ عن قطيعه بجسده إذا استدعى الأمر ذلك. ربما من أجل هذه الأطياف التي تتجلى وتتماوج وتنمحي في سواد عينيه تبدوان لي وكأنهما عينا إنسان، وأحياناً عينا حصان، وأحياناً عينا ثور، وأحياناً عينا ذئب. بقطع النظر عن حميميته، أنفته، غضبه، كان موقَا عينيه هما كل ما يواجهني وليس باقي كيانه المتطاول بصوفه الكثيف المشعث، واحتان سوداوان قارّيتان تلتطمان تحت سماء ملبّدة بغيم أسود متجهّم. حميميته وأنفته تغلبانه حيناً فتمنعانه من الميل ببصره إلى سوط العذاب المتوهج بالألم، ليظلّ محدّقاً في عينيّ المجهدتين، وكأنه لا يلقي بالاً إلى أطراف السوط التي تحتمي قرونها كمخالب سباع محمرّة بجمر الجحيم، لكنه يعود فيرمش بغضبه فجأة تجاه السوط وكأنه يتحداني أن أحدث به أي أثر يذكر على شعره الأجعد! هل أسوقه إلى البيوت وأجزّه ثم أوقع به التنكيل؟ أم ألقي بالسوط جانباً وأهجم عليه بذراعي وساقيّ العاريتين حتى ألقيَ به؟ عندما أفكر في ذلك أراه يرمش متوتراً تجاه ذراعيّ وقدميّ وكأنه يتحدّاهما أيضاً. أتراه يعرف السر المخبوء ويدرك الخفيّ الكتيم؟ أرى الآن قطيعه الهارب يتبعد ببطء على رغم سرعته الفائقة التي تتراقص بأذنابه وهي تتدلى من بين سيقانه من الخلف مقلوبة كوسائد المهاد، ولا يزال جسده معترضاً طريقنا الجبليّ الضيق، الذي لا يمكن أن يتّسع لشخصين يقف أحدهما في وجه الآخر، رأسه إلى اليمين جهة الهاوية بقرنين بنّيين تكاد أطرافهما مع انحدار شمس الأصيل تتقد جمراً أو تولّد نجماً، وظهره إلى صدر الجبل، تتصاعد من صوفه الأصفر المغبرّ روائح فحولة حيوان بشري، حيوان ذكر يعرف ما يريد ويصرّ على أن لا يغادر أحدنا قبل نتفاهم بصورة أو بأخرى، وكأن منظر عنق أخي يوسف المدقوقة يحاصره هو الآخر ويفرض عليه الأمر نفسه الذي يفرضه علي، على نحو لا فكاك منه. ربما هو أيضاً يدرك القصة الحقيقيّة أكثر مما أدركها أنا، أو لنقل: ربما يحكيها بأصدق مما أزعم أنها هي عليه، تلك الزاوية من المشهد التي تشهد بها الخدوش على ذراعيّ ووجهي وظهري وهذا الشق المفروق في صدر قميصي عقب العراك القصير الذي دار بيني وبين أخي، وتلك التفاصيل التي تشي بأن جريمة الشياه المزعومة لم تكن سوى زوبعة مرتبكة على هامش العراك البشري الآثم المتكئ على إدانة الشياه الغافلة لإثبات براءته المكذوبة. ربما لم يكن يدرك ذلك فحسب، وإنما هو الآن يخبرني به، ويجعلني أعي أنه لا ينوي أن يسمح لي بالتملص من الجرم بأي ذريعة أو وسيلة. طال بنا المكث، وانسدت فسحة الكلام، وقذفت الشمس المستنيمة إلى التراب ما تبقى من أتونها في نجوانا. وعلى رغم الهجوم العنيف السريع المتبادل الذي ابتدأه كلانا بكامل قواه الاختيارية المدركة للمصير، الذي يجزم بالتحام قاتل لا شك فيه ولا مفر منه، على رغم ذلك، ظلت المسافة الفارقة بيننا وكأنها لا تزال بعيدة، بعيدة جداً بقدر بعد ما بين المشرقين. وفي الجزء الواحد من الألف من الثانية التي انقض فيه كلّ منا على قرينه انقضاضته الأخيرة هجس في صدري أن هذا الذي لا أزال أراه في الواحتين المهولتين السوداوين في محجريه ربما ليس في حقيقته إلا انعكاساً حقيقياً كالمرآة لما يجول في عينيّ أنا، عينا إنسان، ربما عينا حصان، ربما عينا ثور، وربما عينا ذئب.

    لو استنشقتَ عبير الأسحار لأفاقَ منكَ قلبُكَ المخمور

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 10,280
    المواضيع : 173
    الردود : 10280
    المعدل اليومي : 5.49

    افتراضي

    رائع ما قرأت هنا .. بين روعة لغتك وعمق طرحك وجميل أسلوبك
    وذلك السرد الدقيق المتعمق داخل النفس البشرية وجدت متعتي
    قابيل آخر .. قاتل أخيه , ولكنه يلقي بالتهمة على الشياه بأنها كانت
    السبب في ألقاء(يوسف) من على رأس الجبل ودق عنقه.
    فيجد في نظرة عينين الكبش الأقرن إنه يعرف سره وسيواجه به
    بل إنه لن يجعله يتملص من جريمته بأي وسيلة.
    قصة بديعة فنيا وإنسانيا عبر أسلوب راق في السرد تعبيرا وتصويرا
    شكرا لك على قصة تركت أثرا عميقا في نفسي.

  3. #3
  4. #4
    أديبة
    غصن الحربي
    الصورة الرمزية سامية الحربي
    تاريخ التسجيل : Sep 2011
    المشاركات : 1,565
    المواضيع : 60
    الردود : 1565
    المعدل اليومي : 0.72

    افتراضي

    إبحار في عيني قاتل فقرأت كل مبراراته للبقاء .هل كنتما ندين متكافئين لتجترا الموت؟
    جميل ما قرأت . تحياتي.

  5. #5
  6. #6
    عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة
    الصورة الرمزية آمال المصري
    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,570
    المواضيع : 385
    الردود : 23570
    المعدل اليومي : 7.03

    افتراضي

    بتسلل بديع وسرد متقن ولغة سامقة كانت تلك الجميلة التي نقلت إلينا مواجهة وتحدي بالعيون بين قاتل أخيه وكبش أراد إلصاق التهمة به ليبرء نفسه من الدم فلقنه الكبش درسا كما فعل الغراب مع ابن آدم الذي عجز أن يواري سوءة أخيه
    نص ماتع أديبنا الفاضل
    بوركت واليراع
    ومرحبا بك في واحتك
    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7
  8. #8
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة
    الصورة الرمزية ربيحة الرفاعي
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,924
    المواضيع : 293
    الردود : 34924
    المعدل اليومي : 12.47

    افتراضي

    مدهش هذا الاقتناص لجذر الغصة التي تسكن صدر الأمة بمأساة قابيل وهابيل نستعيدها بزعم الصراعات السياسية ، نبحث فيها وبعدها عن ذئب يوسف أو شياه أوهامنا نلقي عليها باللائمة ونحملها وزر الدم المسفوح ظلما على هيكل جنوننا وأطماعنا

    الفكرة بديعة والسرد شائق والأسلوب مكين لغة وأداء

    دمت بخير أيها المبدع

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  9. #9
    شاعرة الصورة الرمزية نداء غريب صبري
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,104
    المواضيع : 123
    الردود : 19104
    المعدل اليومي : 7.30

    افتراضي

    حاول اخوة يوسف قتل أخيهم واتهموا الذئب
    ويقتل أخاه ويحاول تحميل الجريمة لكبش
    ويقتلنا اخوتنا اليوم ويحاولون إلصاق التهمة بهذا وذاك

    قصة رائعة وأسلوب جميل جدا

    شكرا لك أخي

    بوركت
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة