أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: حوار نادر مع بطل من جيل أكتوبر

  1. #1
    الصورة الرمزية هشام النجار أديب
    تاريخ التسجيل : May 2013
    المشاركات : 959
    المواضيع : 359
    الردود : 959
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي حوار نادر مع بطل من جيل أكتوبر

    انها سمة بريئة لا تنتمي إلى زماننا..

    محمد العربي عبد الحميد قبية

    دخلت عليه حجرة نومه المتواضعة ، كان نائماً على سريره مستلقياً على ظهره ، تنطق عيناه المتعبتان بالبشر وتناديني بالترحيب ، على شفتيه ابتسامة قديمة رصينة موحية لا تنتمي ببراءتها وصدقها وصفائها إلى زماننا الغريب العجيب ، بل قادمة من زمن مضى.

    شكلت هذه الابتسامة مع تجاعيد جبينه العريض وخطوط وجنتيه الذابلتين وشعر رأسه الفضي الذي اشتعل بياضا وجها مصريا جذابا، ينتمي إلى ذلك الجيل الذي طالما سمعنا عنه ورويت لنا حكاياته وبطولاته وكراماته.

    مد إلى يده وصافحني وقالت لي عيناه : لوددت أن أنهض من سريري وأخرج لأستقبلك على باب البيت.. لكن البطل أصابه الوهن وأقعده المرض!

    لكن الرجل الذي ملأ الدنيا نشاطا وحركة وحيوية وحياة، ها هو لا يسعفه كبده الواهن للنهوض والسير بضعة خطوات!!

    آثرت الجلوس على كرسي قريب من السرير بجواره مباشرة، وجلس الشيخ محمد خليل على أريكة موضوعة في النصف الآخر من الغرفة الصغيرة.

    قدمني الشيخ محمد له وعرفه بي ثم قال:

    يا حاج محمد نحن هنا في محاولة متواضعة منا لرد الاعتبار لكم كجيل أعطى وبذل وضحى بكل شيء، وضرب لنا المثل وأعطانا القدوة الحسنة في الحياة وعلمنا معاني الرجولة والبطولة.

    نحن هنا لرد الاعتبار لجنود أكتوبر الذين هضم حقهم ولم يحظوا بالتكريم اللائق بهم وقطفت ثمرة تعبهم وتضحياتهم وبذلهم.

    قلت موجها ً حديثي إلى البطل الواهن المسجى أمامي:

    يا حاج محمد.. يعلم الله وحده مدى سعادتي بهذا اللقاء، فلقاء كهذا يفيدني بصفة شخصية ويعلمني ويثرى عقلي ومداركي ووجداني، وهو أحب إلى من أحب الأشياء إلى وهو الجلوس بين يدي كتاب لأقرأه .

    قال البطل المستلقي على سريره:

    والله أنا أسعد وأنا تحت أمركم، لأني فعلا ً أردت في هذه الأيام الحديث مع أحد ، وأردت نقل تجربتي المتواضعة إلى جيل اليوم الذي لم يشهد الحرب ولم يعش أيام المعاناة والشدة التي عشناها.

    نتعرف في البداية على حضرتك

    اسمي محمد العربي عبد الحميد مصطفى قبية

    على المعاش

    لي من الأولاد: الأستاذة أماني مواليد 70م زوجة الأستاذ محمد خليل الكارتة.

    والدكتور طارق مواليد 73م وهو صيدلي متزوج ويعمل حاليا في قطر.

    والأستاذة إيناس مواليد 75 م وهى زوجة الأستاذ أحمد نجم.

    والأستاذ نادر مواليد 77م وهو متزوج ويعمل في مجال الكمبيوتر والالكترونيات والبرمجة.

    ثم الأستاذة أسماء مواليد 88م وهى طالبة بالفرقة الثالثة من كلية العلوم.

    وهؤلاء هم ثروتي الحقيقية وكل ما أملك وأغلى شيء عندي في الوجود.

    نعود فلاش باك – بلغة السينما – لنطل إطلالة سريعة على فترة الطفولة والصبا.

    الحقيقة لا أريد الخوض في تفاصيل هذه المرحلة، كل ما أستطيع قوله لك أنها كانت مرحلة صعبة جدا ً وقد عانيت خلالها كثيرا ً، ولكنى أفضل عدم الخوض في التفاصيل.

    لكنى كافحت وناضلت فيها ولم أترك مهنة أو حرفة إلا وزاولتها بعد أن أتقنها ووفقني الله عز وجل في كل ما مارست من أعمال ومهن.

    ورغم أنني كنت مميز جدا ومتفوق في الدراسة بشهادة كل من كانوا في دفعتي إلا أنني تركت الدراسة.

    إلى أن أصبح عمري 17 عاما عندها عملت في مشروع إنارة البلد، وهو مشروع قامت به الدولة مناصفة مع إحدى الشركات لإنارة البيوت حيث لم يكن هناك كهرباء في ذلك الوقت، فكنت أعمل في شحن البطاريات بالنهار وبالليل أعمل على ماكينة الإنارة المتحركة، عملت في هذا المشروع فترة من الزمن هنا في البلد وفى أولاد صقر بالشرقية.

    هذه الفترة.. ألم يكن بها شيء؟ هل بها ذكرى معينة لا تغيب عن مخيلتك؟

    لا .. فقط أذكر أنني كنت أعمل وأخلص وأجتهد في عملي وإرضاء ربى ولا شيء آخر.

    ومتى التحقت بالجيش؟

    التحقت بالجيش وعمري عشرين سنة وظللت به من 6/9/1967م إلى شهر 4/ 1974م .

    قضيت تقريبا سبع سنوات بالجيش الثالث الميداني.

    طوال هذه المدة لم تنزل أجازة ولم تر أهلك؟

    نزلت في البداية شهر أجازة تدريب وتزوجت خلال هذا الشهر، ثم عدت ولم أرجع إلا بعد انتهاء حرب أكتوبر.

    كيف كان شعورك وأنت تلتحق بالجيش المصري بعد هزيمة 67م؟

    كانت نفسيتي تعبانة جدا ً بسبب هزيمتنا، وداخلي ونفسي أعمل حاجة لبلدي وحلمي إننا نحارب تاني عشان نرد اعتبارنا ونأخذ بتارنا.

    ماذا كانت مهمتكم طوال هذه الفترة وماذا كنتم تصنعون ؟

    أجاب بعد تفكير وتأمل في سقف الغرفة:

    هذه كانت أشق وأصعب مرحلة وكنا معرضين خلالها للموت في أية لحظة، حيث كان العدو يعرف عنا كل شيء ويعرف أماكن تمركز وحداتنا ومعداتنا وأفرادنا، وإسرائيل لديها أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة من أجهزة، وكان جيشها ينفذ بين كل فترة وأخرى ما يسمى بالإبرار الجوى، وتفاجأ قواتنا وأفرادنا بالكشافات المضيئة ونزول الجنود اليهود وسيرهم بين الجبال، ومن وجدوه من جنودنا ذبحوه.

    ومن الأمور التي هولت وضخمت إسرائيل وقوتها في نفوسنا أننا كنا نذهب إلى الجبال ونرى آثار الضرب، فكان حتى الزلط في الأرض محروق من النابالم.

    في المقابل ماذا فعلتم في مواجهة هذا التفوق الإسرائيلي بعد الهزيمة؟

    كان تدريب من أشق ما يكون وكنا في حرب استنزاف طويلة مع العدو حتى ننهك قوته ونضعف إمكانياته وننال من معنوياته المرتفعة بعد انتصاره علينا في 67م.

    كان فيه روح تانية في جيشنا وإصرار على المواصلة والتدريب رغم الفارق الكبير بين إمكانياتنا وإمكانيات ومعدات الجيش الإسرائيلي المجهز بأحدث الأسلحة.. وكانت هناك مشاريع بدون توقف؛ المشروع اللي نسبة الخسائر فيه عالية في الأفراد والمعدات يعاد مرة أخرى حتى ينجح ويكون على المستوى المطلوب.

    كانت حرب الاستنزاف بالنسبة لنا بمثابة تدريب شاق جدا على المواجهة التى كنا نشعر أنها قريبة لا محالة .

    ماذا استفدتم من هذه الفترة؟

    تعلمنا الصبر، تعلمنا أزاي نجوع ونصبر على الجوع والعطش وعدم النوم.

    تعلمنا التفاني والتضحية لأننا عشنا هذه الفترة لهذا الأمر وحده دون سواه، فقد انقطعت صلتنا تماما بالعالم الخارجي؛ فلا أجازات ولا زيارات ولا راديو ولا شيء، كأننا معزلون عن الدنيا وأغراضها ومظاهرها وعلاقاتها الأسرية والبيت والمتاع وكل شيء، وتفكيرك وهدفك وحلمك وأملك محصور في شيء واحد هو التدريب والقتال والانتقام من إسرائيل والانتصار عليها.

    هل كنتم تعلمون أن هناك حربا ً قادمة؟

    لا.. أبدا ً، لم يكن أحد منا يعرف ماذا سيحدث، ولكن كنا نتمنى حدوث شيء، كنا عاوزين نعمل حاجة بعد المشقة والمعاناة والجهد الكبير اللي بذلناه، وكنا منتظرين نعرف مصيرنا ونهايتنا: إما النصر أو الشهادة.

    فمتى عرفتم أن هناك حرباً على الأبواب؟

    عرفنا بعد عبور الطيران بتاعنا، وبعد ما دخلت قواتنا سينا.

    وماذا عن مهمتك وموقعك أثناء الحرب؟

    أجاب وهو يتقلب بصعوبة على سريره:

    أنا دخلت الجيش جندي وترقيت حتى وصلت لدرجة رقيب وكنت مسئول عن كتيبة نقل بها 29 جندي، وعندما قامت الحرب كانت مهمتنا نقل الجنود والذخيرة والمياه، وكانت تأتى لوحدتنا التابعة لسلاح المهندسين خزانات مياه روسية مجهزة كبيرة الحجم للتزود بالمياه.

    وأنا كنت انتهز فرصة مجيء العربات وذهابها من وإلى وحدتنا وأخرج معهم وأعود مرة أخرى ، وفى مرة من المرات ذهبت إلى ممر متلا المشهور وهو عبارة عن طريق في وسط الجبل وقصصه وحكاياته والمواجهات التي تمت فيه مشهورة .

    ما أرجى عمل قمت به أثناء الحرب؟

    قال وقد لمعت عيناه وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضي:

    أصيب أحد جنود كتيبتي واسمه محمد عبد الستار من محافظة الشرقية برصاصة وأوشك على الموت فحملته من سينا إلى السويس لمعالجته بمستشفى السويس العام.. أي سرت به أكثر من 12 كيلو متر لإنقاذه في ظروف غاية في الصعوبة؛ لأن الثغرة كانت قد حدثت ودخل اللواء الإسرائيلي عساف يا جوري بقواته، ووصلت السويس بمعجزة حيث لم يرنا الإسرائيليون عند نفق الشهيد أحمد حمدي بالرغم من وجود أربع مدرعات إسرائيلية هناك.

    ولكن ذهابنا إلى السويس كان بلا فائدة.. حيث كانت الأحوال هناك في منتهى السوء والمستشفى معطل.. والمرضى والجنود المصابون في الشوارع والطرقات القريبة من المستشفى، وكان الكثير منهم يموت بسبب عدم وجود أطباء وأجهزة طبية وأدوية، ولا توجد كهرباء ولا مياه ولا رعاية ولا شيء.. فعدت مرة أخرى إلى سينا بعد 12 يوما ً قضيتها بالسويس مع العسكري المصاب أي من يوم 12 أكتوبر إلى 24 أكتوبر.

    عندما عدت ماذا وجدت؟

    فوجئت بأن الطيران الإسرائيلي قد ضرب كتيبتي وأن 24 جنديا ً من جنودي قد استشهدوا .

    حدثنا عن بعض المعجزات والكرامات التي حدثت أمامك ورأيتها بعينك.

    شفت شهداء في كل مكان، في سينا والجناين وغيرها.. الشهيد مش شكل واحد ميت ولا مقتول، الشهيد كأنه واحد نائم، مجرد إنسان نائم، ليست له رائحة وليس به ورم ولونه طبيعي لم يتغير وليس به أي أثر يدل على أنه مقتول في معركة.

    وهناك كرامة ومعجزة أخرى حدثت أمام عيني.. فقد حدثتك عن ذهابي إلى السويس بالجندي المصاب، ولسوء الحظ تحدث الثغرة (ثغرة الدفرسوار) وكانت فلسفة الجيش المصري في التعامل مع اللواء المدرع الإسرائيلي هو أن يتركه يدخل بكامل قواته ومعداته وفى اللحظة المناسبة يتم حصاره ، وهذا هو بالفعل الذي حدث ، فقد حاصرت قواتنا اللواء الإسرائيلي وأسرت أفراده بما فيهم عساف ياجوري نفسه ، ولا زالت معدات هذا اللواء الإسرائيلي بالمتحف المصري؛ لأن المتعارف عليه عسكريا ً هو إمكانية عودة الأسرى لكن المعدات لا تعود بأي حال من الأحوال.

    هذه القوات الإسرائيلية عندما دخلت السويس فعلت الأفاعيل ، ومن ضمن ما فعلوه أنهم أغلقوا وابور المياه، ولم يجد الناس الماء ليشربوا وأوشكوا على الهلاك من شدة العطش.

    وفى حي الأربعين بجوار جامع سيدي الغريب هناك محل أحذية.. هذا المحل أصابته دانة إسرائيلية ، الدانة ضربت المحل ونزلت في عمق الأرض فتفجرت المياه من أسفل محل الأحذية فأقبل الناس من كل مكان ليرووا عطشهم ويشربوا من هذه المياه التي فجرها الله من الأرض بواسطة دانة إسرائيلية.

    ودانة أخرى رأيتها بعيني معلقة على البرواز الخشب لمقام جامع سيدي الغريب.

    سألته وأنا مشفق عليه وأخشى أن أكون قد أثقلت عليه:

    ما هي أجمل اللحظات التي مرت بك خلال الحرب ؟

    أجاب بسرعة ولهفة: عندما عبرت يوم 12 أكتوبر داخل دبابة برمائية قبل ذهابي إلى السويس.. ثم رجوعي مرة أخرى بالجندي المصاب.

    في هذه اللحظات كنا نغسل وجوهنا وأجسادنا برمل سينا، وهناك بكينا من الفرحة، لأننا شاهدنا جمالا لم نشاهده من قبل.. فأرض سيناء من أجمل المناظر التي يمكن أن تقع عليها عينك ، وتساءلنا كيف تغتصب إسرائيل هذه الأرض وتحرم منها مصر التي هي جزء منها ومن تاريخها.

    هل تذكر أحد ممن كانوا معك بالحرب؟

    كثير جدا ً.. ومن الجمالية هنا كثيرون.. منهم من استشهد.. ومنهم من أصيب.. ومنهم من عاد سالما أذكر منهم إبراهيم على عبد ربه ونجاح حجازي والشهيد عبد الحميد قشطة وغيرهم الكثير.

    أعتقد أن العلاقة برفاق الحرب والميدان أقوى بكثير من الصداقات الأخرى؟

    أقوى وأدوم وليس فيها رائحة مصلحة أو منفعة.. هي علاقة وصداقة وإخوة خالصة لوجه الله وتذكرنا بسنوات من أجمل سنوات حياتنا رغم ما فيها من أهوال ومشاق.

    كيف تركت بيتك وزوجتك عام 67م ؟ وعندما عدت إليه بعد انتصار أكتوبر 73م كيف وجدته وكيف وجدتها؟

    تركت زوجتي الطيبة الصبورة المؤمنة راضية محتسبة وعدت إليها ووجدتها كما تركتها أكثر صبرا واحتسابا ً، وشعرت أنها أسعد إنسانة في الوجود لرجوعي؛ لأن الأهل كانوا يعيشون في مأساة أكبر ومعاناة أشد، وهم لا يعلمون عنا شيئا ؛ هل أسرنا أم استشهدنا.

    وعند عودتي استقبلني أصدقائي ومعارفي في الطريق وقد تعرفوا على بصعوبة نظرا لتغير شكلي وضعف جسمي عما كنت عليه قبل ذلك.

    وجاءني كل من له جندي أو ضابط بالجيش من الجمالية وضواحيها ليسألونني عن ذويهم للاطمئنان عليهم ، فمن عرفت أنه بخير ورأيته بعيني أطمأن أهله عليه، أما الذي لا أعرف عنه شيئا ولم أشاهده أنكر معرفتي بمصيره حتى لا أضلل أهله ولا أجعلهم يعيشون على أمل كاذب.

    أما عن البيت فكنت قد تركته مجرد غرفة واحدة وباقي الغرف بلا أسطح ولا جدران ولا شبابيك ولا أبواب، وعدت ووجدته كما تركته.

    وكيف عاشت الحاجة طوال هذه السنوات وحيدة في هذه الغرفة ؟

    عناية الله التي شملتنا وشملتها.. وقد أخبرتني كيف خفف عنها الجيران بعض الشيء.. وكيف أرسل الله إليها من جنوده من حفظها وحماها ورعاها في غيبتي.

    هناك ملحوظة هامة جدا ينبغي ذكرها ؛ فقد تتبعت معظم أسر المشاركين في حرب أكتوبر، ورغم العذاب والمعاناة الشديدة التي عاشتها هذه العائلات في غيبة الزوج إلا أنه لم تحدث حالة طلاق واحدة بينهم، بل كان زواجهم ناجحا وأثمر أبناءً صالحين متفوقين ونابغين في دراستهم وعملهم وحياتهم.

    لكن هناك سؤال مهم أوجهه للحاج محمد: هل تشعرون اليوم – أعنى جنود حرب أكتوبر – أنكم نلتم التكريم اللائق بكم؟

    صمت برهة ثم قال بعد أن ابتلع ريقه بصعوبة: هم أعطوني ورقة تسمى شهادة سلمها لنا قائد الوحدة بأنني شاركت في الحرب، أنا لا أنتظر تكريما من أحد بل دائما أنتظر المكافأة من الله عز وجل.

    شوف.. الجنود هم عصب المعركة.. وهم وقود الحرب وكنا في الميدان نتساوى مع أعلى رتبة.. فلا فرق إذا اشتدت المعركة وبدأ ضرب النار بين جندي وضابط ، والجنود لم ينالوا من التكريم والتعويض المادي بما يليق بما قدموه، وأنا لا أتكلم بصفة شخصية فهذا الأمر لا أضعه في اعتباري، وأنظر إلى الجنود الذين كرمتهم الدولة ويا ليتها ما كرمتهم بهذه الطريقة ففيها امتهان لهم وجحود لما قدموه وبذلوه من أجل الوطن ؛ فقد عينت معظمهم فراشين في المدارس والمصالح الحكومية.. فهل هذا هو تكريم جيل أكتوبر؟

    هل حدث شيء في حياتك، أحسست بأن الله عز وجل يكافئك به ويعوضك عما فات ويجزيك على صدقك وإخلاصك وبذلك وعطائك؟

    نعم .. كنت موظفا بالجمعية الزراعية براتب ضئيل ، وسافرت إلى السعودية لمدة عامين وأتممت بناء البيت والحمد لله .

    ولكن حدث شيء عجيب حقا ؛ فقد جاءني رجل طيب محبوب في البلد وهو المهندس إبراهيم بطة النجار رحمه الله، وقال لي يا حاج محمد أريد مساعدتك وأرغب في توظيفك معنا في الكهرباء، وكان للرجل كلمة مسموعة في مجال عمله، وسعى في توظيفي وخضت المقابلة ونجحت فيها وسهل هو الإجراءات وذلل العقبات إلى أن تم توظيفي في الكهرباء.

    وهذا الأمر أراحني ماديا كثيرا ً والحمد لله ، وأعانني اليوم أيضا في مرضى حيث أنني أتناول علاج بما يقارب الألف جنيه شهريا ً.

    أي أن التكريم والمكافأة جاءت من عند الله وليس من عند أحد غيره.

    ما أصعب اللحظات التي مررت به في حياته وعن الشيء الذي لم يتوقع حدوثه لرجل حارب من أجل بلده وشارك في تحرير وطنه؟

    فقال وهو يراوح بعينيه بيني وبين الشيخ محمد خليل وبين سقف الغرفة:

    أصعب اللحظات في حياتي المليئة بالأهوال فئ ليلة من الليالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما قبض على ابني الدكتور الصيدلي طارق قبية.

    ليلتها بكيت لأنني شعرت بالظلم ورفعت يدي إلى السماء وساءلت ربى: هل هكذا يكافئونني على ما قدمت.

    وابني برئ وإنسان مسالم ومستقيم وملتزم ويشهد له الجميع ولأبنائي وبناتي كلهم بالخلق الرفيع، وهو ليس لصا ً ولا تاجر مخدرات ولا قاتلا ً ليقضى بالمعتقل أكثر من اثني عشر عاما ً.

    أعتقد أن هناك تكريم آخر من الله عز وجل لك يا حاج محمد وهو الذرية الصالحة التي رزقك الله بها، فأولادك وبناتك وسيرتهم الحسنة وسمعتهم الطيبة وأخلاقهم الرفيعة وتفوقهم ونبوغهم ونجاهم في حياتهم، كل هذا مكافأة وتكريم من الله عز وجل لك .

    قال بصوت خفيض ملئ بالرضا: هذا والله من فضل الله عز وجل علينا ، وأنا كنت دائما أجلس معهم وأربيهم على ما تربيت عليه.

    وأقول لهم: أبوكم راجل النصر وراجل العبور وواحد من جيل أكتوبر الفريد.. عاوزكم في حياتكم تبقوا أبطال زى أبوكم ، ما تضعفوش أمام المواقف الصعبة، وكافحوا وناضلوا واصبروا وتسلحوا بالعلم وتزينوا بالإيمان.

    والحمد لله رب العالمين ربنا رزقني بثروة أغلى وأثمن من كنوز الدنيا وهم أولادي وبناتي.

    وأمامك الدكتور طارق وقد خاض محنة من أشد المحن وثبت فيها وصمد وصبر، لأنني أظن – إلى جانب إيمانه ويقينه – أنه استمد من روح أكتوبر التي بعثتها في نفسه وفى نفوس إخوته.

    أشعر أننا أثقلنا عليك وأنت مريض ومرهق.. ولكن نختم هذا الحوار الجميل معك بالدروس المستفادة من حياتك في كلمات موجزة.

    الإيمان بالله واليقين والثقة به سبحانه وتعالى .

    والصبر.. بالصبر يتحقق النصر وبالتوكل على الله والاستعانة به تتحقق المعجزات وترى بعينيك الكرامات وتهزم بيديك الضعيفتين أعتى القوى واشد الأعداء.

    كنا نرى بأعيننا معدات جيش إسرائيل وأسلحته وأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التسليح في العالم برا وجوا وننظر إلى ما في أيدينا ونستبعد أن نهزم هؤلاء بما معنا من أسلحة متواضعة ، ولكن قدرة الله هي التي تهزم في النهاية وتنتصر "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى" صدق الله العظيم.

    ثم درس آخر: لا تنتظر المكافأة من البشر، واعمل فقط من أجل ما عند الله وما عند الله خير وأزيد وأعظم وأبقى.

    ولكن هذا لا يمنع من القول بأن جيل أكتوبر من الجنود قد هضم حقه ولم ينل التكريم اللائق به، ونطالب الدولة بإعادة النظر في هذا الشأن لتدارك ما حدث وإعادة الاعتبار لهم.
    ..............
    ....................
    ......................
    رحمة الله عليك أيها البطل .. عم محمد العربى

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Aug 2014
    المشاركات : 638
    المواضيع : 5
    الردود : 638
    المعدل اليومي : 0.30

    افتراضي

    نحتاج للقاءات من هذا النوع مع أبطال المرحلة التي كان الأمل في الأمة ما يزال حيا والنخوة والإباء
    فهذا قد يجدد تلك المعاني في النفوس كخطوة على درب بعثها من حالة الموت السرير التي تعيشها
    لقاء قيم يستحق القراءة
    أحييك

  3. #3
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 59
    المشاركات : 2,153
    المواضيع : 74
    الردود : 2153
    المعدل اليومي : 0.41

    افتراضي

    أخي الأديب والناقد المبدع والمفكر الكبير / هشام النجار
    السلام عليكم روحمة الله وبركاته

    أشكرك لهذه الجوهرة الفريدة والتي أتت في وقتها تماما
    في الوقت التي تم تفريغ البطولة فيه من مضمونها
    وصارت تطلق على من لا علاقة لهم بالبطولة لا من قريب ولا من بعيد
    البطولة الحقة هنا هي بطولة هذا الرجل الذي قاتل ضد أعداء الوطن بل وأعداء الإسلام

    هذه هي البطولات التي يجب ان يشار إليها ويخلد أصحابها ، وإن لم يكونوا قد نالوا حظهم
    من التكريم والتقدير الواجب لهم في حياتهم الدنيا ؛فتكريمهم وتقديرهم الحقيقي عند رب العزة.

    شكري الجزيل مع تقديري واحترامي لقلمك الكبير وشخصكم الكريم.
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

  4. #4
    الصورة الرمزية هشام النجار أديب
    تاريخ التسجيل : May 2013
    المشاركات : 959
    المواضيع : 359
    الردود : 959
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د.حسين جاسم مشاهدة المشاركة
    نحتاج للقاءات من هذا النوع مع أبطال المرحلة التي كان الأمل في الأمة ما يزال حيا والنخوة والإباء
    فهذا قد يجدد تلك المعاني في النفوس كخطوة على درب بعثها من حالة الموت السرير التي تعيشها
    لقاء قيم يستحق القراءة
    أحييك
    سعادة الدكتور حسين جاسم طابت أوقاتك وبارك الله فيك ورزقك السعادة والصحة والسلام ، ودمت منصفاً مبدعاً متألقاً على الدوام
    حضور رائق يشفرنى وأسعد به
    وتوقيع قدير أتشرف بمطالعته هنا
    تقديرى الكبير وامتنانى
    وأصدق الأمنياتنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    الصورة الرمزية هشام النجار أديب
    تاريخ التسجيل : May 2013
    المشاركات : 959
    المواضيع : 359
    الردود : 959
    المعدل اليومي : 0.37

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام القاضي مشاهدة المشاركة
    أخي الأديب والناقد المبدع والمفكر الكبير / هشام النجار
    السلام عليكم روحمة الله وبركاته

    أشكرك لهذه الجوهرة الفريدة والتي أتت في وقتها تماما
    في الوقت التي تم تفريغ البطولة فيه من مضمونها
    وصارت تطلق على من لا علاقة لهم بالبطولة لا من قريب ولا من بعيد
    البطولة الحقة هنا هي بطولة هذا الرجل الذي قاتل ضد أعداء الوطن بل وأعداء الإسلام

    هذه هي البطولات التي يجب ان يشار إليها ويخلد أصحابها ، وإن لم يكونوا قد نالوا حظهم
    من التكريم والتقدير الواجب لهم في حياتهم الدنيا ؛فتكريمهم وتقديرهم الحقيقي عند رب العزة.

    شكري الجزيل مع تقديري واحترامي لقلمك الكبير وشخصكم الكريم.
    أستاذنا المفكر والأديب القدير صاحب الابداع الراقى المدهش .. دمت لنا ودام عطاؤك ومتعك الله بالصحة والعافية ورزقنا واياك السعادة الدائمة
    شكراً جزيلاً على هذا الاهتمام ودمت لهؤلاء المناضلين المجهولين وللبطولة الحقيقية كاشفاً وموثقاً ومسلطاً الأضواء بابداعك الجميل
    تحياتى وتقديرى وخالص دعواتى
    وأطيب وأصدق الامنيات

  6. #6
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.16

    افتراضي

    حوار نادر فعلا ..
    عرض لشخصية تحمل صفات البطولة الحقة التي غابت اليوم معانيها واختفت وراء أقنعة غير مقنعة غيّرت أثرها في النفوس واضعفت استجابتها لها
    تغيرت المرحلة وتغيرت المعطيات ولعل في استعادة بعضمن صورها المشرقة ما يعيد الأمل بإشراقها من جديد

    دمت بخير مفكرنا
    لا حرمك البهاء

    تحاياي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7
    الصورة الرمزية نداء غريب صبري شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jul 2010
    الدولة : الشام
    المشاركات : 19,097
    المواضيع : 123
    الردود : 19097
    المعدل اليومي : 5.26

    افتراضي

    حوار نادر يحيي معاني البطولة وصورتها
    فقد تغيرت وتشوهت وأصبح البعض يراها في الجريمة والبعض يراها في الوقاحة وكله غير حقيقي


    شكرا لك أخي

    بوركت
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. من جيل التحرير إلى جيل البناء والتعمير
    بواسطة ساعد بولعواد في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 15-07-2017, 12:20 AM
  2. (وفاءٌ نادرٌ)
    بواسطة الطنطاوي الحسيني في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 13-12-2015, 11:13 AM
  3. نادر
    بواسطة كاملة بدارنه في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 29-05-2015, 12:07 AM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-12-2006, 08:14 PM
  5. نادر ولكن ليس مستحيل
    بواسطة محمد سوالمة في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 12-09-2003, 02:23 AM