أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة في قصة " على الوغد الذي..!!" لحسام القاضي

  1. #1
    الصورة الرمزية كريمة سعيد أديبة
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 1,435
    المواضيع : 34
    الردود : 1435
    المعدل اليومي : 0.41

    افتراضي قراءة في قصة " على الوغد الذي..!!" لحسام القاضي

    النص:

    على الوغد الذي.. !!

    انتفض فجأة وعاجله بصفعة على خده الأيمن فغضب ورماه بسهم،
    تفاداه فأصاب أباه،
    كر عليه مرة أخرى وصفعه على الأيسر،
    فانتصب واقفا وقذفه برمح، ( القذف ...)
    انحنى فأخطأه وأسقط أمه،
    قفز عاليا وصفعه على قفاه فاستشاط غضبا وأطلق عليه قذيفة تخطته وقتلت إخوته..
    استمر في صفعه مرات ومرات حتى سقط أهله جميعا صرعى انتصاراته المدوية !! على الوغد الذي.. مل مزاحه فذهب.. لينام.!!




    1- العنوان:

    قبل البدء لابد من الوقوف على دلالة العنوان باعتباره عتبة النص التي نرتكز عليها لإضاءة جوانبه وعوالمه لكونه " نصا موازيا، وحاملا لتدفقات "المعنى" المفترض أن يكتم النص سرّه ويكتفي بأثره فقط" على حد تعبير صلاح بوسريف، وهو الشيء الملاحظ على عنوان هذه القصة " على الوغد الذي.. !! حيث جاء على شكل شبه جملة متبوعة بالاسم الموصول تليه فجوة تملؤها نقطتين تفتحان أفق التأويل والتأمل (ولما لا المشاركة) في صياغة المسكوت عنه في هذا العنوان/ الفخ.
    ولا بد من التنبيه على العلاقة الوطيدة بين العنوان والمتن باعتبار الأول مؤشرا إيجابيا يخفي دلالات الثاني وأبعاده، إذ أنه " كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة، إنه تدريب للعين على التقاط الضمني والمتواري والمتمنِّع، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكنونات المتن" كما يقول سعيد بنكراد.
    من هذا المنطلق نسافر مع الكاتب بحثا عن دلالات هذا العنوان، وأول ملاحظة هي سكوته عن المراد بحيث يعتبر العنوان في حد ذاته قصة قصيرة تخفي غابة من المعاني، فهو يرتبط بالحدث ارتباطا مباشرا؛ بحيث يتصل علائقيا بكل الأفعال /الأحداث موضوع القصة. لذلك جاء مبتورا معناه غير مكتمل، سواء فيما يتعلق بحرف الجر أو الاسم الموصول... فقد تم الاستغناء عن جزء من الحدث بالحذف، وهذا الجزء ضروري في شبه الجملة من أجل تتميم المعنى وبلوغ مراد المتكلم، وبهذا الاستغناء خلخل الكاتب وظيفة شبه الجملة في ارتباطها المعنوي بالحدث بحيث تأتي مكملة له ومتتمة لمعناه من خلال تحديد زمنه أو مكانه أو سببه، وهو ما لم يحدث هنا، وذلك رغبة من الكاتب في منح القارئ فضاء أوسع لقراءة القصة وفق تصوراته الخاصة دون أن يقيده بمعنى ثابت/ جامد.
    وللوصول لهذه الغاية نتناول العنوان من خلال تقسيمه إلى بنيتين:
    جار ومجرور: على الوغد.
    الجملة الموصولة: " الوغد" الذي.

    الجار والمجرور:
    بما أن حرف الجر "على" يفيد معان مختلفة منها الاستعلاء أو التعليل أو المعية أو الاستدراك فلابد من تفسير شبه الجملة واستكشاف المعنى الذي سكت عنه الكاتب ليضمن، بدهاء ومكر شديدين، انخراط القارئ وانتباهه. لأن "على الوغد" كلام يحتاج إلى ما يكمله، ويدفع القارئ إلى التأمل والبحث قصد الوقوف على البدائل الضمنية الممكنة ليدعم تأويلاته المختلفة وذلك استنادا على محتوى القصة والقرائن الدالة.
    وبالرجوع إلى المتن تبرز المعاني الممكن تضمينها "على" في ما يلي:
    معنى الاستعلاء المجازي أو المعنوي: يمنح إمكانية تصور المعنى المحذوف (ابتداء: أي في أول الكلام) في الدعاء على الوغد (لعنة الله على الوغد- حمل على الوغد- كر على الوغد- ....)؛
    معنى التعليل: يتيح النظر إلى المعنى المحذوف بمثابة تبرير الفعل وذلك بتصور كلام محذوف من آخر الكلام (على الوغد أن يرد- على الوغد أن يضرب- على الوغد الرحيل..... )؛
    معنى المعية: عجز البطل في صراعه مع الوغد وقصوره الفكري خذل الراوي، لذلك تحول في موقفه منه بالرغم من تسلط الوغد: (على ظلم الوغد... على وقاحته- على تسلطه....)
    تضمين "على" معنى "عن": وهنا أيضا يحتمل معنيين أحدهما الإخبار عن الوغد... وثانيهما انصراف البطل عن الوغد الذي...

    الاسم الموصول:
    لقد أخل أيضا ببناء الجملة الموصولة إذ أن معنى الاسم الموصول لا يتمّ إلاّ إذا وُصل بجملة (الوغد الذي هو عدونا- الوغد الذي استباح حرماتنا) أو بشبه جملة )الوغد الذي أمامه- الوغد الذي في بيته). بينما اكتفى الكاتب هنا بالنقط ليفتح باب التأويل على مصراعيه أمام المتلقي ليضع السيناريو الذي يراه مناسبا اعتمادا على ما يصرح به المتن أو يدل عليه وذلك من خلال جمع القرائن ومساءلة النص.
    وباعتبار النص الأدبي- بشكل عام- توليفة أو لوحة تتشكل من عناصر فنية يروم المؤلف من خلالها إيصال فكرة معينة بطريقة تعبيرية بعيدة عن المباشرة، فقد ترك العنوان بما يوحيه من حكم أخلاقي غير مهتم بتفسير السلوك الذي استحق به ذلك الوغد تلك الصفة، فقد بادر القص بدخول مباشر في الموضوع مستهلا بفعل ( انتفض) .....وذلك ليفتح المجال أمام القارئ ليشاطره في كتابة هذه القصة بواسطة ملء فراغاتها الموحية وتفسير سلوك هذه الشخصية...

    2- المتن

    البناء الداخلي للشخصيات:
    يلاحظ تفاوت في القوة والشدة، جمود الفعل ودينامية في رد الفعل.... قوة يقابلها ضعف.. وهنا يضع المتلقي النص في سياقه العام ويتواصل معه من خلال المؤثرات المحيطة به، لأن النص مشاع للقارئ كي يبدع من خلال قراءته له نصا موازيا مستعينا بالعلامات الدالة على ما يذهب إليه سواء قصد المؤلف ذلك أم لم يعنه....
    وبالانصات للواقع نرى بأن ما يروج عن القوة التي لا تقهر للعدو هو مجرد ادعاء باطل شاء هذا العدو تضخيمه ليظل في منأى عن أية محاولة للنيل منه... والدليل وصول البطل إليه و"صفعه" إذن فالراوي قد بنى القصة على عدة شخصيات اشتركت جميعها في تصعيد الموقف الدرامي وتأجيج البؤرة، ولكن اختلفت في قوة الفعل وتأثيره على الكل، فمن جهة يبدو الصراع متكافئا بين شخصيتين بالرغم من عدم تكافؤ القوة وهنا مفارقة عجيبة بين الشخصية المحورية المؤازرة من جميع أفراد عائلتها وبين الشخصية الثانوية التي برزت بمفردها، وهنا لا بد من تحليل هذا البروز الفردي من خلا الإجابة عن بعض الأسئلة التي يطرحا:
    على ماذا يدل هذا الخروج الفردي؟ الحيطة والحذر !!!
    من يقف وراءه؟ ربما هناك شخصيات أخرى غير العائلة؟
    لماذا فضل الظهور وحيدا؟ استخفافا من الشخصية المحورية؟ تسترا على جرائمها، عدم كشف لظهره؟
    كلها أسئلة مشروعة وأجوبتها احتمالات واردة ولديها ما يدعمها...
    الشخصية الرئيسة في الموضوع شخصية مستبدة ( لم تشاور أهلها بالرغم من أنهم معنيون بالحدث، تصرفت بتهور وتعنت، غير مبالية بأهمية التخطيط، بعيدة كل عن التفكير الإيجابي... لقد واصلت نفس الفعل مع نتائجه الوخيمة، من هنا كشفت عن أنانيتها وتسلطها ...
    أما الشخصيات الأخرى فلا صوت لها وتأثيرها سلبي بحيث تبدو مستسلمة لقدرها خانعة تتفرج على مصيرها الأسود بدون إنتاج معرفة أو فعل يصحح الحدث ويقلب موازين القوة.... لا تأثير لديها على الفعل/الحدث، فقد انحصر دورها في تلقي الضربات لا غير. بينما الشخصية الثانوية واثقة من نفسها ولعلها استمدت هذه الثقة من عجز واستسلام الشخصيات الأخرى الضمنية والظاهرة .... )

    الزمان والمكان:
    لم يحدد الكاتب المكان والزمان وتركهما مفتوحين، للمتلقي أن يتصور مكان وقوع الحدث وتاريخه وهذا ليعطي للقصة أبعادا مختلفة ويوسع مجال التحليل والتأويل بحسب المحيط العام للقارئ الذي يستطيع إسقاطها على أماكن مختلفة وأزمنة متعددة بإيجاد العلائق الرابطة بين هذه الأمكنة والأزمنة وبين أحداث القصة التي تبدو ابنة وفية لزمنها وليس زمانها، فكل المؤشرات تدل على انطباق هذه المشاهد على الواقع الآني أو راهن الكتابة الذي يبدو سوداويا تطبعه الحروب والاقتتال.
    فالربيع العربي تحول إلى خريف سقطت فيه أوراق الديمقراطية والتعايش السلمي، وأنتج مجموعات لا تعرف من الإسلام سوى الاسم ... فأينما وليت وجهك تجد الكوارث والتسلط والاستبداد، وهذا القمع ما كان لينتج بيئة سليمة .. وإنما نجم عن ذلك فوضى السياسة ومراهقتها؛ بحيث تم الإجهاز على جميع المكتسبات وعدنا إلى الحكم الديكتاتوري برغبتنا وتأييدنا، فجل أنظمتنا عسكرية دكتاتورية مستبدة لا قيمة للفرد فيها، إذ تغيب فيها المواطنة الحقة مما يمهد المجال أمام حركات التطرف التي لا تحسن سوى لغة البطش ضاربة عرض الحائط بمبادئ التسامح والديمقراطية... وداعش خير مثال على ذلك.. كما أن الوضع كارثي في فلسطين حاضر بقوة في وجدان الكاتب مثله مثل كل كاتب حر.
    أما الزمن في هذه القصة فإنه يتمدد مع الشخصية المحورية فيطيل الحدث، فحيث إن الفعل والحركة بسيطان جدا ومع ذلك يبددان الزمن ويفرغانه من أي جدوى، في حين يقع العكس مع الشخصية الثانوية إذ يلاحظ بأن الحدث المتعلق بها مختزل وسريع يتشابك مع أحداث أخرى يؤثر فيها، والكاتب هنا لا يسعف المتلقي بأجوبة وإنما ينصرف عن ذكر التفاصيل والمعطيات محتفظا بها في ذهنه، مكتفيا بالإشارة إلى البؤرة الصارخة بقوة الحدث من خلال مراكمة مجموعة من الأفعال التي تخدم هذا الحدث/ الغاية... فكل عناصر النص اجتمعت لتدين، ليس فقط ذلك السلوك، وإنما أيضا ذلك المآل الصادم الذي قاد إليه سلوك البطل الأرعن، فهنا إدانة واضحة وغضب صارخ على البطل بالدرجة الأولى، بينما كان موقفه متوترا من الوغد بسبب مؤثرات خارجية تبرر همجيته غير المبررة منطقيا في واقع الأمر.

    ربط حدث أو أحداث القصة بالواقع:
    إن المبدع الأدبي عندما ينتج نصا يحاول من خلاله تبليغ رسالة معينة بتعبيرات مجازية أو إيحائية، وذلك من خلال نقل وقائع ليست بالضرورة حقيقية وإنما هي من صنع خياله الذي يعمل على إعادة صياغة الواقع والتعالي عليه بإنتاج واقع مواز أو مماثل ولكن بشروط أخرى، أي أنه يحاول توسل التخييل من أجل التأثير في هذا الواقع والتحكم في مساره وأحداثه ... والغرض دفع المتلقي إلى التفكير فيما يصوره الكاتب الذي يتقمص في هذه القصة شخصية الراوي الذي استعان بلغة واضحة بسيطة لا مجاز فيها ولكنها غنية بالإشارات والرموز.
    فالقصة تقوم على الصراع والمواجهة إلا أن الكاتب تعمد عدم تحديد موضوع هذا الصراع وسبب هذه المواجهة، ولكن من خلال الأحداث المتلاحقة يمكن تصور حجم موضوع هذا الصراع وخطورته، فهو صراع بين أشخاص بكل ما يمكن أن يحملوه من دلالات معنوية ورمزية.... فهذا الصراع بالنظر إلى المرحلة الراهنة في ارتباطها بواقع الكاتب يمكن أن نحصره في المستويات التالية:
    - مواجهة إيديولوجية بين طرفين حول مجموعة من القيم أوالمعتقدات أو التصورات...؛
    - مواجهة حول أشياء معنوية (السلطة والجاه مثلا)؛
    - مواجهة حول الملكية (المنزل بكل ما يحمله من دلالات.. الأرض أو الوطن..)
    بالرغم من قصر القصة إلا أن التكثيف أكسبها مميزات خاصة تتوفر عادة في الرواية، حيث لخصت الصراع القائم بين الموضوع الأول والموضوع الثاني بشكل تفاعلي مع فعل كل موضوع على حدة وذلك بمتواليات تصاعدية غير متكافئة ( صفعة= سهم – صفعة= رمح - صفعة =قذيفة).
    فالموضوع الأول/ البطل (الذات بحكم الانتماء) لم يغير من تكتيكه شيئا فهو أرعن يستعمل نفس السلاح غير المجدي بينما الموضوع الثاني/الوغد الذي (الآخر) يصعّد في كل مرة، مما جعل المصير سوداويا قاتما، إذ بسبب هذه المتواليات المتفاوتة كانت النهاية درامية خطيرة على الجانب الأول، مع أن بداية القصة (انتفض) كانت توحي بنهاية أخرى مختلفة. فانتقال البطل من مستوى السكون إلى مستوى الانفعال ومنه إلى مستوى الفعل، شيء جميل باعتباره رد فعل يعكس الوعي بالقضية، ولكن مستوى هذا الوعي الفردي القاصر انعكس على الفعل المتهور أثناء الصراع، وقد يكون الجواب في "فجأة" بحيث جاءت هذه الانتفاضة فجائية ومرتجلة بدون تخطيط مسبق.... مع أن الصراع موضوع قديم لم يحتج المؤلف إلى الخوض فيه، والدليل فعل" انتفض فجأة" .....
    لأن ما يهمه هو أشكال التفاعل من كلا الطرفين حيث اتسم طرف بالحدة محاولا التباهي بفعله دون اكتراث بالخسائر الفادحة التي يمنى بها ما دامت لا تصيبه مباشرة، في الوقت الذي ظل فيه الطرف الآخر متيقظا يرد بشدة على هذه الحركات البدائية ويصيب في مقتل، إذ قتل الأب بما يحمله من دلالات ( السلطة، الحماية من التشرد.... التكاثر ...) والنتيجة عزل القضية وتقويضها) وأسقط الأم (الأرض والوطن... وبالتالي ضرب الأسرة وتفكيكها) قتل إخوته وسقط أهله جميعا (تشتيت الجهود وضرب الوحدة والاتحاد) والنتيجة عزل البطل ونزع مصادر قوته ...
    كل ذلك وهو غافل مستمر في تعنته وطوباويته التي أودت بكل من يشاطره المصير ... وبقي وحيدا، صوته غير مسموع مادام فعله غير مؤثر في مجرى الأحداث، ومع ذلك ظل متشبثا بتحركاته التي لا تغني ولا تسمن...
    لقد تحول الصراع إلى مواجهة حادة بين شخصيات القصة وكان أفق انتظار القارئ انتصار البطل الذي انتفض، ولكن بطء الحركة لديه وعدم تطور فعله/وعيه جعل النهاية متوقعة وهي الهزيمة ولكن بالنسبة لأعمى بصيرة مثل البطل فهي انتصارات...
    لقد حاول الكاتب إدانة التصرفات الفجائية غير المبنية على بعد النظر، فهو يدين كل القرارات الاستعجالية ذات النتائج الكارثية على عموم الأمة، فهو بمثابة الضمير الحي الذي يفضح أدعياء النصر الوهمي الذي يتبجح به بعضهم أمام وسائل الإعلام غافلين عن حجم الخسائر الفادحة التي تكبدوها بلا جدوى......
    الملاحظ أيضا أن الكاتب أجج الصراع ليحسمه في الأخير حيث فاجأ القارئ لمّا أعطى منحى آخر لهذا الصراع، فبينما كان توقع القارئ موت البطل وكذا حل إشكال الصراع، تلقى صفعة من الراوي الذي جعل مصير البطل بيد الشخصية الثانوية التي اعتبرته مجرد مشاكس يمازحها (مل مزاحه فذهب لينام) وهنا تحول في زمن القصة، وهو تحول في صالح الوغد الذي.. إذ ركز الراوي على استمرارية موضوع الصراع وديمومته، لأن فعل المضارع الذي كسر به الزمن الماضي الساكن الذي كان يحدد انتهاء كل حركة، قد أدى إلى غير توقعات النص، فمع ما يحمله هذا الفعل من حركية في صيرورة الحدث إلا أنه من ناحية أخرى قد جمد الحدث على موضوع واحد صيرورته تكمن في بلوغه الذروة بينما انتظار المتلقي هو انتهاء ذلك الموضوع....
    وقد تميزت هذه الأحداث بحبكتها إذ جاء تسلسلها منطقيا جعل الصراع يتطور ولكن بشكل متفاوت، حيث استهل الصراع بالانتفاضة التي أدت إلى: التوتر ثم تأزم المشهد فالنهاية التي حملت حلا إيجابيا لطرف كان صدمة تجاوزت كل التوقعات بالنسبة للطرف الآخر.

    تعدد الشخوص ورمزيتها:
    إذا نظرنا إلى الشخصيات باعتبارها أدوات فاعلة في يد الكاتب، حيث يعبر من خلالها عن فكرة معينة أو رؤية حول بعض الإشكاليات المعاصرة فإننا نجزم بوجود شخصية واحدة هي شخصية الراوي الذي تفاعل مع الواقع العربي المزري وحاول التعبير عن خيبة أمله الكبيرة من خلال كلمات أعاد بها ترتيب الأحداث كما يراها هو، ولكنه في البداية حاول التخفي وراء البطل ومنحه حرية الفعل، وظل محايدا يراقب تصرفاته غير المنطقية ليكشف قبل النهاية عن أناه/ الذات في مواجهة الآخر/ الوغد الذي. فهذا الوصف كشف عن البطل وانخراطه في هذا الصراع بشكل ضمني، لأن الذي أطلق هذا الوصف القدحي هو انفعال الذات وعصبيتها فقد تعبت من المراقبة ونقل الحدث ... إنه إعلان أو اعتراف خفي من الكاتب بأنه معني بهذه الأحداث، لذلك تخلي عن الراوي المحايد وبدأ يصف الحدث الأخير الذي أدى بذلك الوغد إلى النوم مرتاحا بعد أن ضمن لا جدوى تحركات الشخصية الأولى.
    بالنظر إلى النص وما يهدف إليه لا بد من استنطاق جميع الشخصيات، ذلك أن كل شخصية لها وظيفة داخل القصة.
    - الراوي/ الكاتب: (ابتدأ النص محايدا وهو ينقل الحدث لكنه في النهاية كشف عن انخراطه العاطفي في ذلك الصراع عندما أطلق صفة " الوغد" على الطرف الآخر (الذي حسم الأمر عندما مل مزاحه فذهب غير عابئ به لينام.!!) والفراغ الموجود وكذلك علامتي التعجب تمنحان القارئ إمكانية المشاركة في الصياغة والتأويل.
    - هو:نتفض- عاجله- تفاداه- كر عليه- صفعه - انحنى- قفز- صفعه- استمر..) 9 أفعال.
    - أبوه: (فأصاب أباه: مفعول به)
    - أمه: (فأخطأه أسقط أمه: مفعول بها)
    - إخوته: (تخطته وقتلت إخوته: مفعول بهم)
    - أهله: ( سقط أهله جميعا: فاعل) فعل السقوط التلقائي نتيجة طبيعية ...
    والعلاقة الرابطة بين الأفعال هنا علاقة سببية، لأن كل فعل وقع على الأب والأم والإخوة وكذا الأهل حدث بسبب تصرف هذا الشخص غير المسؤول، إذ لولا قيامه بما قام به لبقي الجميع أحياء، كما أنه لو نسق معهم وأشركهم في قراره لتغيرت النتيجة، والموت هنا معنوي وظفه الكاتب ليبرهن على سوء التدبر والتخطيط.....
    - الوغد الذي ..: يقابل كل هذه الشخوص بأسلحة قوية ناجعة تتمثل في السهم والرمح والقذيفة باعتبارها أدوات فاعلة ساهمت في تعزيز موقفه...: (غضب- رماه بسهم- أصاب أباه- انتصب- قذفه برمح- أخطأه- أسقط أمه- استشاط غضبا- أطلق عليه قذيفة- تخطته وقتلت ..- ملّ- فذهب- لينام) ومع أن عدد الأفعال هنا (13 فعلا) يبدو أكبر من أفعال الشخصية المحورية ( 9 أفعال) إلا أننا إذا قمنا بإضافة الأفعال المرتبطة بالشخصيات التي تعنيه وجدنا العدد واحدا (13فعلا) أيضا.
    إن لاوعي البطل يقابله وعي الوغد الذي.. دون إغفال وعي الراوي أيضا باعتباره الشاهد على هذه المسرحية، إلا أنه ينقل الحدث دون محاولة التأثير فيه، فهو من خلال الحركة السريعة للبنية السردية يبدو حانقا وهمّه تعرية الواقع وفضح البطل وإدانة سلوكه المتهور...

    البناء الفني:
    بما أن القصة القصيرة عموما تقوم على الإيجاز والتركيز فقد بنى المؤلف قصته بناء محكما ومترابطا، فأسلوبه سهل ممتنع. فبالنظر إلى الكلمات البسيطة والوصف المباشر تبدو القصة بسيطة وعادية، ولكن بالنظر إلى الموقف المراد تصويره والكلمات المختارة لهذا المشهد يتضح بأن كل لفظة في القصة لها دور وظيفي في علاقتها مع الألفاظ الأخرى، بحيث لا يمكن الاستغناء عن أي لفظة دون خلخلة المعنى العام وبناء القصة ككل.
    لقد اقتصد الكاتب في اللفظ ولكنه توسع في المعنى المراد إبلاغه، فالشخصية المحورية في هذه القصة هي ضمير الغائب (هو) وهذا الهو مبهم لم يعرف به الكاتب تعريفا كاملا، بل فتح المجال للقارئ ليكتشفه من خلال فعله وتبعاته... فهذا الفعل أنتج أحداثا درامية يستنبط منها القارئ حمولات دلالية مختلفة وذلك عبر محاولة الدخول في الوعي الباطن للكاتب وما يؤرقه من مواقف في علاقته بمحيطه السياسي والاجتماعي.
    أما بناء القصة فقد قام على مقاطع دالة وأجزاء انتظمت بشكل متصاعد، بحيث جاءت هذه المقاطع على شكل لقطات تلخص أفعالا تنتج أفعالا أخرى كارثية توازيها... وكأننا أمام حوار مشاهدي يقوم على الصورة بدل الكلمة... وقد تعمد الكاتب هذا الأسلوب الذي زاوج بين ثنائية الفعل ورد الفعل (الحياة والموت) لأن الفعل اقتصر على صفعات خفيفة بينما كان رد الفعل قاتلا يحمل الموت في كل مرة، والقارئ يتابع هذه المشاهد حائرا تتنازعه مشاعر مضطربة بحيث يختلط عليه ماهو منطقي وموضوعي وما هو ذاتي وعاطفي....
    لقد نجح الكاتب في إخضاع القارئ لهذه العلاقة الجدلية من خلال السعي إلى تشكيل الصور الاستبدالية والغوص وراء رمزية الشخوص قصد استجلاء العوالم المسكوت عنها في محاولة لفهم سبب التصرف اللامقبول للبطل تجاه الوغد الذي... من جهة، بحيث طبعه التهور وعدم أخذ الموضوع بجدية، وتجاه أهله عندما تركهم في متناول قذائف ذلك الوغد واكتفى بحماية نفسه وتحصينها...
    وقد اعتمد الكاتب في البداية جملا قصيرة بدأت بالتمدد أكثر فأكثر كلما توغلنا معه في النص واختار أماكن وضع علامات الترقيم بعناية ليزيد من درامية الموقف كما أن السرعة في رد الفعل تقطع أنفاس المتلقي وهو يلاحق الحدث.. لأن الزمن كان سريعا من حيث رد الفعل ولكن وقع اللحظة الدرامية كان بطيئا وثقيلا على أنفاس القارئ... ولعل السمة البارزة هنا والتي وسمت القصة بحس جمالي عال هي اختلاف قياس الزمن حسب المنظور الذي نعالج به النص وحسب موقعنا داخل هذا الفعل..... فطول الجمل وتمدد الحدث بالنسبة للمتضررين من الحدث والمعنيين به، بينما يمتاز الحدث بالمتعة والنشوة بالنسبة للمستفيدين منه والعازفين على أوتاره.
    {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}

  2. #2
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 58
    المشاركات : 2,151
    المواضيع : 73
    الردود : 2151
    المعدل اليومي : 0.44

    افتراضي

    أديبتنا الكبيرة وناقدتنا المبدعة القديرة / د. كريمة سعيد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لم يدر بخلدي مطلقاً وأنا أكتب هذه القصة القصيرة جداً أنها قد تحظي يوما بهذا الشرف العظيم
    شرف دراسة عظيمة أكاديمية وتفصيلية بهذا الشكل ..
    جاءت دراستكم الرائعة النبيلة هذه لتتوغل في الأعماق لا أقول أعماق النص ولكن في أعماق عناصره عنصرا عنصرا..
    العنوان ودلالاته..
    "دراسة ممن هذا المنطلق نسافر مع الكاتب بحثا عن دلالات هذا العنوان، وأول ملاحظة هي سكوته عن المراد بحيث يعتبر العنوان في حد ذاته قصة قصيرة تخفي غابة من المعاني، فهو يرتبط بالحدث ارتباطا مباشرا؛ بحيث يتصل علائقيا بكل الأفعال /الأحداث موضوع القصة. لذلك جاء مبتورا معناه غير مكتمل، سواء فيما يتعلق بحرف الجر أو الاسم الموصول... فقد تم الاستغناء عن جزء من الحدث بالحذف، وهذا الجزء ضروري في شبه الجملة من أجل تتميم المعنى وبلوغ مراد المتكلم، وبهذا الاستغناء خلخل الكاتب وظيفة شبه الجملة في ارتباطها المعنوي بالحدث بحيث تأتي مكملة له ومتتمة لمعناه من خلال تحديد زمنه أو مكانه أو سببه، وهو ما لم يحدث هنا، وذلك رغبة من الكاتب في منح القارئ فضاء أوسع لقراءة القصة وفق تصوراته الخاصة دون أن يقيده بمعنى ثابت/ جامد. ستفيضة في العنوان ودلالاته .."

    اقتبست هذا المقطع اليسير من الجزء المخصص العنوان ـ برغم أهمية كل حرف صغتيه فيه ـ فقط كمثال وكجزء من كل .
    ثم عرجت على المتن حيث:
    البناء الداخلي للشخصيات:
    ا
    الشخصية الرئيسة في الموضوع شخصية مستبدة ( لم تشاور أهلها بالرغم من أنهم معنيون بالحدث، تصرفت بتهور وتعنت، غير مبالية بأهمية التخطيط، بعيدة كل عن التفكير الإيجابي... لقد واصلت نفس الفعل مع نتائجه الوخيمة، من هنا كشفت عن أنانيتها وتسلطها ...
    أما الشخصيات الأخرى فلا صوت لها وتأثيرها سلبي بحيث تبدو مستسلمة لقدرها خانعة تتفرج على مصيرها الأسود بدون إنتاج معرفة أو فعل يصحح الحدث ويقلب موازين القوة.... لا تأثير لديها على الفعل/الحدث، فقد انحصر دورها في تلقي الضربات لا غير. بينما الشخصية الثانوية واثقة من نفسها ولعلها استمدت هذه الثقة من عجز واستسلام الشخصيات الأخرى الضمنية والظاهرة .... )

    الزمان والمكان:
    لم يحدد الكاتب المكان والزمان وتركهما مفتوحين، للمتلقي أن يتصور مكان وقوع الحدث وتاريخه وهذا ليعطي للقصة أبعادا مختلفة ويوسع مجال التحليل والتأويل بحسب المحيط العام للقارئ الذي يستطيع إسقاطها على أماكن مختلفة وأزمنة متعددة بإيجاد العلائق الرابطة بين هذه الأمكنة والأزمنة وبين أحداث القصة التي تبدو ابنة وفية لزمنها وليس زمانها، فكل المؤشرات تدل على انطباق هذه المشاهد على الواقع الآني أو راهن الكتابة الذي يبدو سوداويا تطبعه الحروب والاقتتال..
    "..وإنما نجم عن ذلك فوضى السياسة ومراهقتها؛ بحيث تم الإجهاز على جميع المكتسبات وعدنا إلى الحكم الديكتاتوري برغبتنا وتأييدنا، فجل أنظمتنا عسكرية دكتاتورية مستبدة لا قيمة للفرد فيها، إذ تغيب فيها المواطنة الحقة مما يمهد المجال أمام حركات التطرف التي لا تحسن سوى لغة البطش ضاربة عرض الحائط بمبادئ التسامح والديمقراطية... وداعش خير مثال على ذلك.. كما أن الوضع كارثي في فلسطين حاضر بقوة في وجدان الكاتب مثله مثل كل كاتب حر."

    نعم أستاذتي الفاضلة فلسطين في وجداننا جيلا بعد جيلا ومهما اختلفنا مع من طغا أو طفا على سطح أحداثها .
    الزمن:
    ربط احداث القصة بالواقع:
    إن المبدع الأدبي عندما ينتج نصا يحاول من خلاله تبليغ رسالة معينة بتعبيرات مجازية أو إيحائية، وذلك من خلال نقل وقائع ليست بالضرورة حقيقية وإنما هي من صنع خياله الذي يعمل على إعادة صياغة الواقع والتعالي عليه بإنتاج واقع مواز أو مماثل ولكن بشروط أخرى، أي أنه يحاول توسل التخييل من أجل التأثير في هذا الواقع والتحكم في مساره وأحداثه ... والغرض دفع المتلقي إلى التفكير فيما يصوره الكاتب الذي يتقمص في هذه القصة شخصية الراوي الذي استعان بلغة واضحة بسيطة لا مجاز فيها ولكنها غنية بالإشارات والرموز.
    فالقصة تقوم على الصراع والمواجهة إلا أن الكاتب تعمد عدم تحديد موضوع هذا الصراع وسبب هذه المواجهة، ولكن من خلال الأحداث المتلاحقة يمكن تصور حجم موضوع هذا الصراع وخطورته، فهو صراع بين أشخاص بكل ما يمكن أن يحملوه من دلالات معنوية ورمزية

    تعدد الشخوص ورمزيتها:
    البناء الفني:
    سيدتي الكريمة وأستاذتي القديرة
    عذرا فقد سمحت لنفسي باقتباسات صغيرة فقط لألفت نظر القارئ إلى إضاءات او ومضات تنير له طريق القراءة في هذا العمل الجلل ولو طاوعتها ( نفسي ) لاقتبست العمل كله بل و اكثر من مرة ؛ فدراسة كهذه
    يجب ان تحظى بالكثير من العناية والاهتمام لا بكل كلمة فيها بل بكل حرف ، وما أحوجنا لقراءات أكاديمية تفصيلية فريدة هكذا بعد أن طفت على السطح قراءات تعني فقط بالمضمون بل ولا ترى غيره ..قراءات لاترى في القصة القصيرة سوى حكاية .. وحكاية فقط !!
    استمتعت وسعدت جدا بدراستكم القيمة الوافية والنبيلة عن عملي المتواضع هذا وأخشى أن يصيبه الغرور والكبر!
    جزيل شكري لك سيدتي الفاضلة
    مع فائق التقدير والاحترام
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

المواضيع المتشابهه

  1. ق.ٌق.ج " الوغد الذي ...."
    بواسطة حسام القاضي في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 26
    آخر مشاركة: 25-07-2017, 04:06 PM
  2. رؤية تاريخية لقصة " الوغد الذى .. " للأديب حسام القاضى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 19-03-2015, 08:05 AM
  3. قراءة في رائعة القاضي " جرح بملامح انسان " للسمان
    بواسطة د. محمد حسن السمان في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 07-12-2013, 08:35 PM
  4. قراءة تحليلية في قصة "جرح بملامح انسان" للقاص حسام القاضي
    بواسطة أحمد عيسى في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 16-05-2012, 02:38 AM
  5. قراءة تاويلية في قصة "ربطة عنق " للأستاذ / حسام القاضي
    بواسطة الشربينى خطاب في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-09-2007, 12:20 PM