أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 14 من 14

الموضوع: كأننا لا شيء . شعر . عبدالهادي القادود

  1. #11

  2. #12
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 54
    المشاركات : 40,088
    المواضيع : 1071
    الردود : 40088
    المعدل اليومي : 6.59

    افتراضي

    قصيدة مجلجلة بجرسها وحسها وقافيتها القوية وفيها الكثير من ملامح الإبداع الشعري فلا فض فوك!
    وددت فقط لو راعيت حسن توظيف المفردة بشكل أفضل واستقصاء الصورة الشعرية الموافقة للشعور وللمعنى بشكل أدق.
    دمت مبدعا محلقا!

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #13
    الصورة الرمزية جهاد بدران شاعرة وناقدة
    تاريخ التسجيل : Jun 2019
    المشاركات : 189
    المواضيع : 11
    الردود : 189
    المعدل اليومي : 4.99

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود مشاهدة المشاركة
    كأننا لا شيء



    هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
    بـيــدٌ تــحــجُّ بـكـفِـهـا الأصــــداءُ

    والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
    مثـل الـسـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

    وعلى ضفافِ الدّهرِ حطت خيلُنَا
    يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ

    بـات الدعـاءُ رسولَنـا فـي عـالـمٍ
    طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ

    والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
    وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ

    فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
    وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

    تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ "درايــةٍ"
    ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ

    نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
    ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ

    فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
    يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ

    وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
    ماتـت علـى جنحانِـهـا الأضــواءُ

    وكأنّـنـي نـبـضٌ يــأنُّ بـأسـطـري
    ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ

    مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
    ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ

    حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
    وتـرمـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ

    مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
    مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ

    ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
    يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ

    والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
    ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ

    والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
    والليلُ أعيـت صمتَـه الضوضـاءُ

    يـا رب إنـي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
    في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ

    أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
    والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .
    كأننا لا شيء ....
    يا لروعة هذه اللوحة السحرية التي جُبلت بماء الوطن مع نبض النفوس التي تبحث عن الخلاص وتستعطف الدعاء للخلاص من الظلم الذي أصبح قوت الشعوب وزادهم في الرحيل والنزوح...
    للعنوان سطوته في النفس حين سبحت الروح في الخيال من وثيقة هذا الحرف المبهر ..
    يمنحنا الشاعر وقفة تأمل مع الذات المرتبطة مع نبض الوطن الذي يسري بين مساماتها دماء هذه الأمة المكلومة النازفة...
    ( كأننا لا شيء).. توظيف متقن لجلب المتلقي الدخول بين أوراق القصيدة...وتفكيك شيفرته بما يتلاءم وأبيات القصيدة ..فللعنوان نسبة كبيرة لتهافت القراء عليها ..والنجاح في خرق حدود القصيدة وجذب الألسن الذواقة للتمعن بين جماليتها...
    عندما نقف أمام هذا العنوان..ونتفحص أبعاده نجده يسقط في بؤرة الفلسفة الذاتية وتفاعلها مع الفكر والبيئة الخارجية...
    فقول الشاعر في العنوان حرف ( كأننا ) هذا الحرف بحد ذاته يفِيدُ الشَّكَّ وَالظَّنَّ...وهذا يفتح للمتلقي مجال الصراع مع الخيال..
    ويفتح للخيال أجنحته أن تحلق في رسم حدود وأبعاد ودلالات ما يرمي إليه الشاعر..
    (فكأننا لا شيء) تحتمل العدم أو الضعف وفي كلاهما اعوجاج في المسير..وتوظيفٍ للرمزية في تدوير البحث عن الشيء..ومن هذه الرمزية تنطلق اللغة الوجدانية الأنيقة المثيرة الموحية للغموض والإبهام في حلة الصورة الشعرية..بحيث تبقى في جزئية الوضوح لتمنح للمتلقي كشف أسرارها وتعرية الدلالات التي ترمي إليها في حدود الأمة النازفة..
    يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

    هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
    بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

    والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
    مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

    هذه الأبيات جاءت لتقدم للعنوان متنفساً قويّاً يصف الأبعاد الذي يرمي إليها الشاعر في لوحته الفنية هذه..
    (هزّ الزمان غصوننا)... هي عملية تحريك من الزمان ونوائبه ومحنه وابتلاءاته بغض النظر إن كانت هزّاته قوية أو ضعيفة..لأن للهزّة درجات في عملية حدوثها...بمعنى استحواذها على درجات مختلفة من القوة..وهذا التوظيف من الشاعر بحد ذاته قوة وحنكة وذكاء..لأن الزمان متغير الأحداث مختلف السبل والطرق في تفعيل عملياته مع الأفراد...وأحياناً كثيرة تأتي الهزات مدمرة تقلع جذور الأمة حين لا تتداركها الأنفس ولا تستعمل الفكر والتدريب على مواجهاتها ..ولا تضع خطط شاملة ذات أبعاد تشمل مستوى الأمة بأكملها أي جميع مناحي الحياة ..بحيث تعمل على كل الأصعدة مع الأخذ بالحسبان فيما يحدث ويُتوقّع ما لم تسيطر على حدوث هذا الطوفان...وهذا يترتب مسؤوليته على الكبار الذين يملكون زمام الأمور ويحملون دماء الشعوب بين أكفّهم المتجعدة...بمعنى.. تحتاج الأمة لمن يحميها من الداخل والخارج بواسطة تخطيط مبرمج للتصدي لكل هزة أو ذبول أو عصف أو طوفان...
    فلنتابع ما أشار إليه الشاعر عن هذه المحن التي مرّت بها بلادنا وما تزال...بقوله:

    فكـأنّـنـا
    بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

    التشبيه بنا هنا بارع جدااا..(كأننا بيدٌ تطوف)...وكلمة بيدٌ تفيد معنى : فلاة.. صحراء أي أرض تُبيد سالكهَا...ومن شدة القحط وانعدام الحياة فيها ..نجد صدى الأفعال والعمل ينحت في كفّ فارغة لا نسمع للحياة فيها غير صدى الرياح وأصوات الفراغ فيها..وهذا تشبيه بليغ لمساعي الحياة والخيبات التي يحصدها الفرد على أرض لم يحسن الدفاع عنها والعمل لها...فلا ثمرة لأفعالنا ولا سماع لأصواتنا غير الصدى الذي يخترق الجبال والصخور التي نشبهها بصنمية الأشخاص وعقليتهم الجوفاء...
    التشبيه هنا يتوازى مع حال هذه الأمة اليوم وخمودها ومرضها الذي استفحل بين جوانبها وأفرادها...
    ويكمل الوصف شاعر الوطن ..بقوله:

    والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
    مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

    بيت بمجلدات وما تحوي من عمق وما تنثر من أبعاد ..وهذا تلخيص المعاناة التي يعيشها المواطن على أرضه المغتصبة...
    من خلال تعبير ( والعمر لملم ما لديه)
    نشعر كم فيها من تمزق وبعثرة في كل شيء من ناحية الفكر والعمل وغيره..لذا تأتي كلمة ( لملم) مناسبة جدااا لما يعتري الفرد من تمزيق وشتات ليلملم ما قد تفرق منه...وهذا قمة الإبداع في توظيف المعنى المناسب الذي يلائم الحرف المقصود المعبّر عن حال هذه الأمة...ثم يشبهها (كالسراب تضمه البطحاء)
    وهذا اتقان في تجسيد الواقع الذي لم يجن من الأمن والإستقرار والحرية ما يثمر من الأفعال وما يعيد بعض ما تمزق وتبعثر..
    أوصاف نسجها الشاعربما يتلاءم والواقع المرير...
    ويكمل الشاعر لوحته بقوله:

    وعلى ضفافِ الدّهرِ حطَّت خيلُنَا
    يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ

    بـات الدُّعـاءُ رسولنـا فـي عـالـمٍ
    طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ

    نعود هنا لمواصلة مسيرة القوة في اللغة
    وفي بلاغتها وجزالتها..وهو يرسم قلائد المعاني بريشة فنان محترف...
    الوصف العميق الذي يتمتع به الشاعر هنا غاية في الإتقان والنقش..إذ جعل من الخيل التي هي كناية عن خوض الحروب في الدفاع عن الوطن.. المساعي والجهود في مجابهة الأعداء قد أصابها الإعياء..ولم تعد تملك بعد هذا الوهن والضعف إلا الدعاء الذي شبهه الشاعر بالرسول الذي لا يقف بينه وبين الله حجاب...
    تشبيه الشاعر للدعاء على أنه رسول..كان متقناً وبليغاً وهذا يعكس ذكاء الشاعر في اختيار ألفاظه بما يتناسب وأفكاره وعمق معانيه..لو تحدثنا عن أهمية الرسول ودوره في المجتمع الذي تجمعه الشعوب المختلفة ..لوجدناه يختلف في المعنى والوظيفة بينه وبين كلمة النبي.. سأوضح الفرق بين النبي والرسول لإثبات ذلك الوعي والنضوج في رسم حدود الحرف وقدرة الشاعر في توظيف حرفه بإتقان..
    قيل:" النبي هو إنسان يتلقى الوحي من الله فإن أُمر بتبليغ ما يوحى إليه فهو رسول.."
    هذا باختصار شديد إضاءة في الفرق بينهما..
    وأما بخصوص الدعاء على أنه رسول..فهو مخ العبادة وأساسها وسر قوتها..لأنه إحساس عظيم بأن الله سبحانه هو الذي يجلب له الخير ويدفع عنه الضر ويمنحه فيه ما ليس في غيره..فهو تبليغ من الله على أن الدعاء رسولنا بوحي من الله لأنه سبحانه يحب العبد اللحوح..الذي يلح بالدعاء لأنه كنز النفس والتوحيد والإخلاص لله..فالدعاء إنما صلة العبد بربه لا يحجب بينهما شيء ..والله تعالى يحب أن يسمع صوت عبده وهو يدعوه..ومن أحبه الله ظفر بجنات النعيم..
    لذلك جعل الشاعر الدعاء رسولاً ليبلغ الأمة بأننا بعد هذه المؤامرات والمعاناة التي تعيشها الأمة..لن تجد بداً من اللجوء لله وحده ليخلصنا من الطغاة والظالمين...
    ويكمل الشاعر بقوله:

    والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
    وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ

    فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
    وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

    الصورة الشعرية البنائية التي تتجلى في هذه الحروف كانت تتمتع بفلسفة راقية حملت بجنباتها تأويلات عدة فتحت مغاليق الفكر وحلّقت تداعب الخيال في أهزوجة راقية الأبعاد منغمسة بتشريح متقن لأبجديات الذات ..والتي منها ينطلق المجتمع لأحد القطبين ..إما جذب الذات لقواعد المجتمع وأسسه ومنهاجه..وإما نفور وابتعاد عنه بحيث يحمل من السلبيات ما يعكس سلوك الفرد وانحرافه عن متن المجتمع الواحد الملتزم بالحفاظ على أبنائه...
    الشاعر هنا وصف القصائد الشعرية بالشيب في حضرة الشعر البليغ الفصيح.. والتي تعتبر متنفساً للكلمة الحرة والضمير اليقظ مع مسحة الكرامة التي تضيء حروفه بما يعيد للوطن بعض مائه ويشد من أزره..وهذا كناية عن طول المعاناة التي يعيشها الشاعر حتى استنزف كل طاقات شعره ليعيد المجد ويوقظ الضمائر والقلوب المغلقة..ولكن لا حياة لمن ينادي به من السعي للحفاظ على أرضه ووطنه...
    وينتج من عملية الشيب هذه ونزيف الحرف على الواقع المؤلم..ما يمنحنا من فلسفة انبثقت من عمق الحرف في البيت الشعري التالي الذي منه كان عنوان القصيدة وهو الهدف الذي يرسمه الشاعر لنقف بين يديه تأملاً بأبعاد مراميه..بقوله:

    فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
    وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

    (لاشيء في أشيائنا).. حروف تحمل مضامين فلسفية تتحدث عن الذات..عن الإنسان الذي ما هو إلا جزء من هذا المجتمع الذي يعيش به..
    فكلمة ( أشياء- نا) عبارة عن أشياء مختلفة غير محددة لتكون عامة لكل شيء وتعطي الصورة بشكل كبير بحيث نستطيع تأويلها لعدة مناحي في الحياة إن كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو فكرية أو علمية..
    أو في المجال العملي الحراكي..الخ
    وهذا كناية عن عدم امتلاكنا سبل الحياة الطبيعية كافتقادنا للأمن والعدل والحرية والعتاد للوقوف في وجه الطغاة ..فلا سلطة لنا ولا حكماً حراً لا يتقيد في الأنظمة الخارجية ولا يخضع تحت سيطرة القوى الخارجية ..عدا عن أشياء كثيرة نفتقدها كشعب يحمل المؤهلات التي تؤهله بقيادة نفسه ضمن إطار حدوده على الأقل..والخوض فيها لا ينتهي من الظلم الذي نتعرض له حتى من أبناء جلدتنا الذين باعوا كرامتهم وضميرهم وأنفسهم للطغاة والغرباء على اسم العملاء الخائنين..
    نرى ارتباط كلمة أشياء بحرف..نا..الضمير المتصل الذي يقع على نحن..بمعنى تحديد الشاعر الأشياء التي تخصنا نحن أصحاب القضية وأصحاب المعاناة...
    فالشاعر هنا ..
    فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
    وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

    استخدم أداة التشبيه..(كأنّ ..نا) لتوسعة مدارك الفهم والوعي الذاتي لدورنا في هذه الأمة ..
    وختم على فوهة التشبيه بلا شيء في أشيائنا
    وهنا نرى دور الذات في تحقيق قمة الهرم الإنساني في تحقيق الذات ..
    دور الذات له مقاليد القوة أو الضعف..حسب ما تملكه من مكامن ذاتية وقدرة قوية في تهذيب الذات وفق قواعد السلم الذاتي أولاً ثم السلم الإجتماعي..فالذات وفلسفة الذات هنا تحمل ناصية الحكم في تحقيق القدرات التي تهيمن على جذورها ...
    يكمل الشاعر بقوله:

    تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ
    ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ

    نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
    ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ

    في هذين البيتين ترابط متقن مبني على وعي تام في بناء الحرف وما يحمله من أبعاد ودلالات ..
    فالوصية هنا يلحقها ورثة من الأبناء..ولا تسمى وصية إذا لم يحملها الورثة وينفذوا ما حملت بين دفتيها...
    والوصية ترمز على تواجد أجيال متعاقبة تعمل في مسار واحد يعكس مفاهيم مشتركة ومنهاج مشترك يقوم على أساس بناء سلسلة التعاقب بجيل يحمل المجتمع والرسالة بين كفّيه الطاهرتين..
    لكن أن يرسم الشاعر لنا وصية بلا ورثة لها ..بقوله:
    (تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ)..
    وهذا كناية عن الإنقطاع بين الأجيال وتوصيل رسالة الأجداد المجاهدين لله..
    بلا أهداف ولا تخطيط ولا بناء لتكون معراة للقضاء دون سابق وعي وإدراك..
    ( ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ)..
    ليكون المصير الرحيل وترك الموطن والنزوح بعيدا عن أرضنا..
    ( نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
    ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ)
    ويأتي دور الأبناء وهم صفر اليدين من التنفيذ والعمل المدروس... بلا توجيه ووصية ينفذونها وفق حضارة وتراث..
    ويكمل الشاعر بقوله:

    فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
    يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ

    وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
    ماتـت علـى أهدابـهـا الأضــواءُ

    ومن خلال العشوائية في المجتمعات التي تركت وصية الأجداد ..حتما سيولد الحقد والظلم من خلال العبور بلا بوصلة قائد ولا خيوط ضوء من الكبار..
    نتيجة متقنة مترابطة من جعل الأرض محطة عبور لا مكوث لكل أذرع الطغاة..
    كلمة صفة (محطة ) للأرض يعني عمق عظيم وملائمة فائقة النظم مجسدة المعنى المتقن لما يحدث لهذه الأمة والحروب التي تحط على ثراها أثقالهم للتدريب على شعوب العرب بأسلحة دمار وإشعال الفساد وتمزيق المجتمعات ...
    وقد جعل الشاعر من الأحلام تشبيهاً بالنوارس التي لا تستقر مكاناً كزعزعة الأحلام الثبات..وكأن العربي لا يحق له الأحلام لتموت ضوأها ولا ينبت لها فتيل.. مستعملاً أداة التشبيه..كأنّ..والتي تلزم المعنى بصورة تعكس تشبيهات تمكّن الشاعر من تدعيم عمق مراده من خلال الصور الشعرية وتشبيهاته المتقنة..
    بتصوير فني متقن يدل على براعة الشاعر وقدرته على نسج حروفه بوعي تام لكل معنى وعمق أراده...
    يكمل الشاعر لوحته بقوله:

    وكأنّـنـي نـبـضٌ يــئنُّ بـأسـطـري
    ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ

    مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
    ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ

    نلاحظ أداة التشبيه مجتمعة بأوصاف ترتبط لتجتمع في كل ما يخص الفرد والعباد أجمع..

    (فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ/ وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ/ وكأنّـنـي نـبـضٌ...)

    فجمع ما بين الأرض التي يدب عليها البشر ومسكنهم وموطنهم..وبين الأحلام التي تجمعهم..وبين نبضه الذي يبدأ المجتمع من نبض الفرد..كل هذه التشبيهات جاءت لتعطي صورة متكاملة لمجتمع وما ينقصه للنهضة والصحوة...
    فوصف النبض الفردي الذي به يصحو المجتمع ..بالأنين وانقطاع اللقاء بالجفاء والتبيس في إكمال مسيرة الحياة ...
    وهذا الإنقطاع نتيجة حتمية لهجرة البلابل التي ترمز على وجود حياة النقاء والجمال والأمن والسعادة والإستقرار...

    (ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ)
    هنا وجدت قمة التصوير الإحترافي لظاهرة الغروب التي ترمز لغياب البشر وانعدام الحياة النقية ووجود معالم للبشر..
    لأن الغروب يصهل لوجود بشر يتعاون معه في المغيب...غياب البشر عن أرض المقاومة والإستسلام التام...
    لتكون النتيجة التي وافقت القصور في العمل وغيابه عن الواقع بقوله:

    حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
    وتـرمَّـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ

    وكلمة ( ترمّلت) هي انقطاع السواعد والخطى مبتورة ..واجتثاث البوادر التي تعيد اخضرار الأرض...

    مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
    مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ

    ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
    يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ

    من هنا يبدأ الشاعر بوصف من يملكون زمام الأمور بأيديهم ..وكأنه يريد القول أن البلاغة بيده..ويعني القوة في المجابهة ولو بأضعفها بكسر الصمت.. بالصوت المنادي والمكتوب..إلا أن الخطباء الذين يرمزون بالرويبضة ..الذين يمثلون الجبناء المتجردين من العلم والدراية ..التافهين الذين يملكون زمام الأمور بغير فقه وعلم...

    "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» . ؟"
    وهذا أكبر دليل على قادة اليوم دون ذكر أسمائهم ..الذين هم أضحوكة ودمى متحركة بين أيدي الغرباء ..ليكون نصيبنا الانكسار والذل والقهر والوجع..

    والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
    ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ

    الخيل هنا ترمز بأبعادها ودلائلها لأرض المعارك..تدل على قادة البلاد والأمة التي وصفهم الشاعر باللقطاء..الذين ولدوا بطريقة غير شرعية ..أي أنهم طغاة ليسوا أصحاب الأرض ويقاتلون في البلاد ويعيثون فيها الفساد ..لأنهم باختصار ليسوا أبناء الوطن الشرعيين ..بمعنى استيلاء الغرباء على حرب أمتنا النازفة...

    والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
    والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ

    ما أجمل هذا الوصف بالصبح المكفن بالدموع..والذي يرمز لبزوغ فجر منكسر متألم..
    لا يحمل من الفرج إلا الحزن والبكاء لغياب رايات النور...بعد أن أعياه الليل بأصوات القنابل وصيحات الحروب واليتامى والصراخ..الذي وصفه الشاعر بقوله:

    ( والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ)
    صورة متقنة لعالم الليل الذي يرمز لعدة أوجه مختلفة منها ظلام البشر وقسوتهم..كما ويعبر صمته عن صمت الظلم والسواد..حتى تأتي الجلبة والضوضاء بتغيير معالمه المعنوية والوجودية...
    وينهي الشاعر بقوله:

    يـا رب إنـِّي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
    في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ

    التوجه لله أعظم ما بيدي المواطن الفاقد لكل شيء إلا الرجاء من الله وعدم القنوط من رحمته بأن يبدل أقواماً فاسقين ظالمين بقوم ينشرون رحمته ودعوته للإنسانية كما جاء بها دين الله تعالى منذ أول رسالة من السماء..
    هنا نرى الخنوع والخضوع لله بالرجاء بعد أن استنزف الفرد دماء ولم يحقق مبتغاه..

    أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
    والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .

    قفلة مبهرة من شاعر متمكن لأدوات الإبداع والبلاغة والفصاحة..
    إذ جعل كل الوجع الذي يتذوقه في حضن الوطن وبين يدي الله إنما هو دواء لتحقيق الحرية والأمن والعدل والإستقرار..
    فالداء في حضن الحبيب دواء
    بيت بألف قصيدة ..شيّده قلم بارع متين ..
    لأجل الوطن الحبيب تشفى الروح بعد أن يستقر أوردته ويحيا النبض فيه ...
    ....
    كأننا لا شيء...
    قصيدة واسعة العمق لها أبعادها وجماليتها المتعددة الجوانب..والتي منحت المتلقي الابحار بين مساماتها بما تحمل بين أضلعها من معالم الجمال والرقي والقوة في التراكيب والبناء..من خلال ما كشفت عن سواعدها من الأسرار والخفايا والتي ساهم المتلقي بالبحث والتنقيب بين أسطرها المتقنة..
    قصيدة تم فيها اندماج الذات مع الرموز التي ساهمت في تفاعل المشاعر والإحساس الداخلي بعناصر النص وما احتوت من عمق وأبعاد في حلقة هذه الأمة المكلومة وما حملت من ألم ووجع..
    فالقصيدة كانت مفتاح الخيال الذي حمل فكراً عميقاً وثقافة عالية ضمن الدلالات المختلفة المتواجدة في قلب الأمة العربية والإسلامية..
    ..
    الشاعر الكبير صاحب الفكر الواعي الناضج
    أ.عبد الهادي القادود
    تنحني الألفاظ والحروف لهذا الجمال المنهمر من زمزم قلمكم النقي المبدع
    ولا نقول لهذا الإبداع إلا ..
    جزاكم الله كل الخير
    ووفقكم لما يحبه ويرضاه
    وزادكم الله بسطة من النور والعلم والخير الكثير..

    جهاد بدران
    فلسطينية

  4. #14
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,142
    المواضيع : 183
    الردود : 13142
    المعدل اليومي : 5.18

    افتراضي

    قصيدة رائعة الفكر والمضمون، والشعر والشعور
    أحرف تثير الوجدان ـ سامية المعنى، عذبة النغمة
    بارك الله في هذا الفكر السامق والحرف الناضج
    وبوركت والقلم ـ ودمت بجمال الحرف جرس جميل وحس نبيل وحكمة بالغة
    دام ألق حرفك وسحر بيانك ـ ودمت بشاعريتك الفذة.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. جهل الخريف . شعر . عبدالهادي القادود
    بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 02-06-2019, 12:08 AM
  2. إقرأ علينا الفاتحة . شعر . عبدالهادي القادود
    بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 07-03-2017, 10:12 AM
  3. غيوم الغيب . شعر . عبدالهادي القادود
    بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 26-02-2015, 10:36 AM
  4. أيُنكرُ بعضُنا بعضا ؟! . شعر . عبدالهادي القادود
    بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23-12-2014, 03:54 PM
  5. غربة الأصداف . شعر . عبدالهادي القادود
    بواسطة عبدالهادي إبراهيم القادود في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 08-12-2014, 10:04 AM