أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة في قصيدة فاصنع الفلك للدكتور سمير العمري

  1. #1
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان مستشار المدير العام للشؤون الإدارية
    شاعر وناقد

    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,318
    المواضيع : 59
    الردود : 4318
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي

    الأخ الحبيب الغالي الشاعر العربي الكبير الدكتور سمير العمري
    قرأت القصيدة مرات عدة , وقرأت كل ما قيل , بحق القصيدة والشاعر , وكم حاولت أن أكتب حيال ذلك , فلم أوفق , فالتيار الكهربائي يقطع فجأة وغالبا , دون سابق إنذار , ويضيع علي كل ما كتبت أو كان بذهني , لذلك جئت متأخرا , وأنا كمتابع لشعرك , معجبا متذوقا , أشعر بضرورة الاعتذار عن الكتابة المتأخرة .
    لعل هذه القصيدة من أروع ما باح به الشاعر العربي الكبير الدكتور سمير العمري , ابتداء من المطلع الإبداعي , مستخدما جملة من المتناغمات اللفظية النحاسية , ذات الوقع الصارخ :
    أَصُـــــدُوعُ الـصَّـقِـيــعِ بَــيْـــنَ الــضُّــلُــوعِ
    لتقودنا هذه اللمعة الجرسية العالية , إلى الإحساس والشعور الذي أحسه الشاعر :
    أَمْ بَـــقَـــايَــــا فُــــــــــؤَادِيَ الْـــمَــــوْجُــــوعِ
    كأننا نسمع صرخة تنبهنا للإحساس بما هو آت , تستصرخنا إلى التفاعل مع الحدث , هكذا هي الحركة الإنسانية , وهذا شكل واقعي , نلمسه في حياتنا , عندما يحدث أمر جلل , مدخل موفق للقصيدة , وليس من المحاباة إذا قلت بل هو مدخل ابداعي موفق , ثم يبدأ عرض سحابات الحزن والأسى , بطريقة حكيمة , تميّز بها معظم شعر العمري , مع الصور الشعرية الألقة :
    أَمْ شَــظَــايَــا تَــنَــاثَــرَتْ فِـــــــي الْـحَــنَــايَــا

    مِـنْ زُجَـاجِ الْأَمَـانِ فِــي حِـصْـنِ رُوْعِــي
    كم هو رائع هذا الربط بين البقايا والشظايا , مرة بشعور السكون , ومرة بشعور الحركية , تصيب الحصن المنيع , مستعرضا قوته النفسية الداخلية , وكأن أراد أن يبين كيف يغلبه الحزن , ثم ينتفض بين الإقرار بالحالة والغضب منها :
    لَــــكِ مَـــــا شِــئْـــتِ يَـــــا حَــيَـــاةُ فَــإِنِّـــي

    لَــــمْ أَنَــــلْ مِــنْــكِ غَــيْــرَ حُــــزْنٍ مُــرِيـــعٍ
    نعم لقد غلبته الحالة , بل ذهب عميقا بالدلالة , مسجلا حكمة شعرية , لمن يعيش أو يحس بالغلبة , ليستشهد بهذا البيت القوي , فعلى الرغم من السلاسة في الأداء , تبهرنا قوة التعبير , ثم يستطرد الشاعر بتوصيف الحالة :

    عَـافَـنِــي الـنُّـصْــحُ وَالْــمَــلَامُ فَــمَــا لِــــي

    مِــــنْ فَــــمٍ غَــيْــرُ صَـمْـتِــيَ الْـمَـسْـمُـوعِ
    وكيف أنه وصل إلى مرحلة , لم يعد فيها من فم يتكلم في الشعور الذي هو فيه , بعد أن عافه النصح والملام , ويتجلى الألق الشعري بقول الشاعر : فمالي من فم , غير صمتي المسموع , أية صورة شعورية هذه , ثم يصوّر الشاعر داخله بمقولة معروفة للصابرين المكابدين : هَــــذِهِ مُـهْـجَـتِـي جِــبَــالٌ مِــــن الـصَّـبْــرِ :
    هَــــذِهِ مُـهْـجَـتِـي جِــبَــالٌ مِــــن الـصَّـبْــرِ

    فَـضُـوعِـي فِــــي سَـفْـحِـهَـا أَوْ فَـضِـيـعِـي
    , ثم يتابع حزينا على نفسه , حزينا على ما وصل إليه :

    إِنَّــنِــي أَسْـكَـنْــتُ الْخَـفَـافِـيـشَ دَوحِــــي

    وَالْـعَـصَـافِـيـرَ فِــــــي كُـــهُـــوفِ بَـقِـيــعِــي
    وأية حركة إبداعية هذه , عندما الخفافيش , وهي رمز الفأل السيء , وهي التي تسكن الكهوف , تسكن عند الشاعر في دوحه , والدوح رمز الخير والفرح , أم العصافير والتي لها أن تسكن الدوح , صارت تسكن مكان الخفافيش , أية مأساة هذه , وأية شاعرية , ثم يطلق الشاعر زفرة حرى :
    عَـــــرَبِـــــيٌّ تَـــلَـــفَّــــعَ الْـــــعُـــــرْيَ خَــــــــــزًّا

    وَامْـتَــرَى الْـعِــزَّ مِــــنْ أَكُــــفِّ الْـخُـنُــوعِ
    وتبرع الشاعرية , من جديد , كيف يصور الشاعر ما آلت إليه الحال , وكيف أصبح العري ملبسا , بديلا للحرير وناعم الثياب , وكيف أن العزّ , صار يطلب من الأكف الخانعة التي لا خير فيها , وكل هذا بأسلوب بياني لافت , ثم ينتقل إلى صورة داخلية نفسية أخرى :
    أَشْــتَــرِي خِـنْـجَــرَ الـشِّــقَــاقِ وَأَهْـــــوَى

    طَـعْـنَ قَلْـبِـي وَأَشْتَـكِـي مِــنْ ضُـلُـوعِـي
    أية بلاغة هذه , عندما يستخدم الشاعر لفظة الخنجر , التي غالبا ما توحي بالغدر والخيانة , معقبا على اللفظة بالشقاق , امعانا في التبيين , ليطعن به قلبه , والقلب مركز العاطفة , والضلوع لاتحمي , بل هي مصدر آخر للألم , وكأن الشاعر يتأوه عندما يذكر انتماءه , المقرون بعمق بلواه , متذكرا بشكل غير معلن الأيام الناصعات من تاريخ الأمة , عندما يلتفت ليقول :
    وَأَلُــــــوكُ الــتَّــارِيــخَ أَنْـــسِــــجُ مَـــجْــــدِي

    مِــنْ نَـصِـيـعِ الـدِّثَــارِ لَا مِـــنْ صَنِـيـعِـي
    فاستخدم الشاعر لفظ يلوك , وهو المضغ المتكرر , وخاصة لبقايا غذاء سابقة , دلالة على التغني بالماضي المشرق , ليبني مجدا جديدا , من بقايا عفى عنها الدهر , لا مما يقدم ويصنع , في توقد شاعري رائع , صورة وبلاغة , وتوافق جرس , ولعلي وقفت طويلا وبإعجاب عند هذا الشطر :
    وَتَـطْــوِي الـشِّــرَاعَ قَــبْــلَ الــشُّــرُوعِ , متأملا بالصورة الداخلية , والتناغم اللفظي الموفق , بين الشراع والشروع , منتهى البلاغة والتألق , ثم أقف عند بيت مبهر رهيب , حيث يقول الشاعر :
    أَنَـــــا مِــــــنْ أُمَّــــــةٍ تَــعَــايَــتْ فَــأَعْــيَــتْ

    كَــــفَّ مُــوسَـــى وَمُـعْــجِــزَاتِ يَــسُـــوعِ
    كيف يصور الأمة , وكيف دب فيها الخور والمرض , بل هي التي أمرضت نفسها , وأية روعة في التعبير عن ذلك ( تعايت فأعيت ) , رهيبة هذه اللقطة الشعرية , صورة وجرس وبلاغة , ثم يتألق الشاعر , عندما يرى أن الأمة في ضعفها وخورها , أعيت وأفشلت يمين نبي الله موسى , ولأعيت وأفشلت معجزات السيد المسيح , بمعنى أن اليأس قد بلغ مبلغا , لا تصلح معه المعجزات , كناية ودلالة على عمق الخور , وحالة الحبط والتردي , ولا أجد أية غضاضة أو مأخذ على الشاعر , في هذا التوظيف الرائع , بل هو منتهى الابداع , وهنا أتذكر قولا من الشعر , يريد من خلاله الشاعر أن يظهر البركة , فيقول :
    كل رغيف أهله تسعة ــــــــ لكأنما صلى عليه المسيح
    هل يصح أن نتهم الشاعر بالخروج عن منطوق اسلامنا وديننا , أما استخدام الشاعر للفظة يسوع , وهي كما قرأت في خضم التعليقات على هامش القصيدة , بأنها لفظة غير إسلامية , فلا أرى أيضا اية مشكلة في هذا , هكذا يطلق عليه البعض , واللغة ليست وقفا على أحد أو جماعة .

    للقراءة بقية .

    د. محمد حسن السمان

  2. #2

  3. #3
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 55
    المشاركات : 40,256
    المواضيع : 1080
    الردود : 40256
    المعدل اليومي : 6.49

    افتراضي

    قراءة جليلة وتناول كبير لجوانب المعاني في النص بقراءة حصيفة ورؤية واضحة حكيمة، وفيه من العمق والوعي برمزية الحرف ومنهجية الحرفة!
    وهنا وقفت أمام هذا الجهد الكبير وهذا التناول الكريم وهذا الفضل الذي أمتن له كثيراوإن أجدني في مثل هذه المواقف أعجز من أن أشكر أو أن أمتن فجزاك الله خيرا ولا حرمني وشعري منك ومن أمثالك من الأدباء الكرام والنقاد المبدعين!
    وطبعا لا أزال أطمع وأنتظر أن تعود لتكمل تناولك النقدي رغم علمي بضيق وقتك وعسر ظرفك!
    دام دفعك!
    ودمت بألف خير وعافية!

    تقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. فاصنع الفلك
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 105
    آخر مشاركة: 04-12-2018, 02:31 AM
  2. قراءة في قصيدة المبادئ والمواقف للدكتور سمير العمري
    بواسطة براءة الجودي في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-07-2018, 08:35 PM
  3. فاصنع الفلك
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى دِيوَانُ الشِّعْرِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-12-2015, 03:51 PM
  4. قراءة في قصيدة المبادئ والمواقف للدكتور سمير العمري
    بواسطة براءة الجودي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 28-11-2013, 10:12 PM
  5. قراءة في قصيدة "الأخوة نهج" للدكتور سمير العمري
    بواسطة وائل محمد القويسنى في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 06-05-2013, 12:14 AM