أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: حقول كهرباء اللغة

  1. #1
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي حقول كهرباء اللغة

    شحن الأسماء
    علاقتنا مع هذه اللغة التي يشتغل بها العقل واللسان محكومة بقانون الفعل وردّ الفعل . وغالبا ما تكون هي الفاعلة فينا ونحن المنفعلين بها ، هي المؤثرة ونحن المستجيبين انجذابا موجبا ،أو سالبا .
    لقد شحنّا الكلمات والتراكيب بأنواع مختلفة من الطاقة الانفعالية (المعنوية - العاطفية ) عبر تاريخ استخدامنا لها كبشر . وها هي الكلمات والتراكيب تتحول حسب طبيعة شحناتها إلى حقول كهربائية صغيرة متناثرة في مدى وعينا اللغوي وتفكيرنا . هاهي قراراتنا المصيرية في الحياة جماعاتٍ وأفراداً تتردد في وعينا الكلي والجزئي، بين الانجذاب والنفور،من تلك الحقول الكهربائية المحيطة بالأسماء والمصطلحات . ضمن التراكيب اللغوية أو بدونها .
    إنَّ ولاءنا وبراءنا وعقائدنا الثابتة وآراءنا المؤيدة أو المضادة وميولنا الفكرية كل ذلك انجذابات موجبة أو سالبة، لحقولٍ من الطاقة تحيط بالمفردات اللغوية . حقولٍ شحنّاها بنوعين اثنين من الطاقة العاطفية المكثفة : الحبّ والبغض .
    فمتى وكيف تتكوّن هذه الحقول ؟ وكيف تكبر أو تصغر مع الزمن؟ وكيف تؤثر فينا ؟

    لا شك أن للفعل الحيوي المسمّى (الفعل المنعكس الشرطي ) دوراً أساسياً في ربط المفردات أصلاً بنوع محدد من الطاقة الانفعالية . فعن طريقة آلية سلوك التعلم بالفعل المنعكس الشرطي يبدأ الطفل بالتمييز بين المعاني عندما يربط كمرحلة أولى بين الأسماء والمسميات المادية المدركة بالحواس في البيئة المحيطة به .
    وتكون هذه المسميَّات( الأشياء المادية ) أولا مجردة من المعاني العاطفية الخاصة بالطفل ، إلا أنه ومع نمو الوعي المرافق للتمييز بين المسميَّات القديمة والمسميَّات الجديدة تنمو عاطفة الألفة، التي تجعل الطفل يصنف المسميَّات مبدئيا ً في نوعين : مألوفة ، وغير مألوفة
    . وبطبيعة الحال فإن معظم المسميَّات المألوفة هي تلك التي تخص الطفل نفسه، كونها تنتمي بشكل دائم وثابت إلى بيئته . كألعابه وسريره وزجاجة حليبه وأمه وأبيه وأخوته . وهذه المسميَّات المألوفة أو الأليفة هي التي تستجلب الراحة والسرور للطفل عبر تلبيتها حاجاته العضوية . ومن ثمَّ فإنّ تفتّح وعي الطفل على المألوف من المسميَّات يربط ميل الطفل إلى هذا المألوف على سبيل التلازم . وأقصد بالتلازم أن الطفل يميل إلى المسميَّات المألوفة ويتمسك بها بشدة لكونها مألوفة . وسر ذلك أن المألوف يوفّر أمناً ما ، ثم يتحول التلازم بين الوعي والميل للمألوف إلى حالة الامتلاك في مرحلة تالية .وذلك عندما تنشط غريزة التملك . ولأن الطفل سيصطد بالممانعة التي لا تسوغ له امتلاك كل المسميَّات، فإن المسميَّات ستنتقل بالوعي إلى مرحلة التمييز بين ( لي وليس لي ) . فما كان لي فهو في مقام الانجذابات الموجبة ، وما كان ليس لي فهو في مقام نفور الطفل منه .
    وسنرى فيما بعد كيف أن هذا المعيار في التملك أو اللاتملك سيبقى حتى نهاية العمر يدير الصراع النفسي عند كل قرار يتوجب فيه الاختيار بين حالتين نفسيتين متفاوتتين في توفير الأمان النفسي . ولكل من هاتين الحالتين اسم يختلف عن الآخر .
    وغالبا ما تكون الدلالة المعنوية الخاصة بكلّ من الاسمين مشحونة بكل الطاقة الانفعالية التي تم تخزينها عبر تاريخ العلاقة مع المسمّى الخاص بها .
    يتبع بإذن الله ..

  2. #2
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    سطوة اللغة
    لأن اللغة تفرض قراراتها علينا، فهي تستحثّ منا استجابات محددة، استجابات مكررّة تم انتاجها بالخبرات السابقة، فهي مقيَّدة بالشروط القديمة ،وهي خالية من الحريّة التي تتيح الإبداع الآني، وهكذا تبدو قسريّة بكونها متوقعة في تأثيرها، وفي ردود الأفعال تجاهها. وتبدو مغلقة بكونها مقولبة جاهزة وصالحة للجميع في آن واحد، وهكذا لا يبدو من حيويّتها سوى ابتعاثها كنمط مطلوب يتم استدعاؤه عند الحاجة للتحكم بالعباد.
    هذه هي سمات اللغة المتداولة كلغة مسبقة الدفع.اللغة الاجتماعية العامة التي تستلزم الاتفاق على المعنى والاحتكام إليه.إن سرَّ الاتفاق الاجتماعي في اللغة يحولها إلى قوة جارفة تحفر في العقل المفرد حفراً نظام التفكير الفردي المتسق مع القرار الجماعي. فليست المفردات المفروضة علينا إلا قرارات عامة تم تكليفنا بالالتزام بها .
    وهكذا ترانا نتعلم ونتوارث الالتزام بالقرارات المهيمنة بطريقة خضوعية، يتعوّد فيها إدراكنا على تمرير القرارات المفروضة تمريرا آلياً. ولذا تتحكّم فينا الظواهر اللغوية العامة تحكّماً عميقاً، عندما نشعر بالأمان تجاهها، فنسلّمها وعينا ونضع استجابتنا العاطفية رهن إشارتها. أو عندما نخشاها فنتهرّب من مواجهتها، ونبادر بمهاجمتها كإحدى آلياتنا للدّفاع.
    إنَّ خطر الموافقة على التسميّة الاصطلاحية العامة ينقلنا من عبء اختلاق المفردة الشخصية أو (الاسم الذاتي ) إلى عبء تحمل التبعات المعنوية للاسم العام (المصطلح ). فالتسليم للاسم العام يعني في النتيجة أننا مرتهنون له .ومن هنا يتم تحديد نمط ارتباطنا بالاسم ارتباطاً عاطفياً كهربائياً .وهكذا تتمكن مصطلحات عامة مشحونة بالمخاوف (كالإرهاب والسلفيّة والإباحيّة والعلمانيّة و...إلخ ) من إثارة بغضنا تجاهها حتّى قبل أن نرغب بمعرفة أسوأ أو أحسن احتمالاتها المعنويّة ...
    إن العقل البشري انطباعي ذاتي بطبيعته . وإنه -للأسف- ليس صاحب القرار الأوّل، في الاختيار بين خيارين، أحدهما يشكّل تهديدا عاجلاً للحاجات الآنيّة الملحّة .بل القرار الأول في الاختيار يعود للعاطفة التي تأتمر بأمر الحاجات الآنيّة الملحّة والدوافع الغريزيّة المثارة ،ثم يأتي دور العقل في مرحلة متأخّرة، بعد الوصول إلى الإشباع الآني المقبول للحاجات غير المشبعة .وخلال السعي للإشباع المقبول لا يتوقع من العقل إلا تسخير طاقته كاملة للتعجيل من تحقيق ذلك الإشباع .وهكذا يسير الإشباع باتجاه واحد فقط ، هو اتجاه الاعتدال الكهربائي بكسب الشحنات التي تؤمن الاعتدال. فما كان من مفهوم يبعث الخوف فالعقل يسعى لنبذه ورفضه باستحضار المفهوم المضادّ له وهو الذي يبعث الطمأنينة والأمان . وقبل أن يتم التأكد من أن مفهوماً ما قد يبعث الخوف وبمجرد توهم ذلك عبر الانطباع السريع ، يبدأ العقل بعملياته الدفاعية التي تمثل الصد السريع للمفهوم . وهكذا نرى أن معظم مخاوفنا في الواقع تبقى مخاوف لأنها لم تأخذ حظها من المناقشة العقلية الهادئة .إن تلك المناقشة تتطلب التنصل من اللغة الاجتماعية العامة والاحتكام إلى اللغة( الحقائقية )التي تُطَلب لذاتها لأنها تجرد المفردات من شحناتها الكهربائية المؤثرة في العاطفة ....يتبع بإذن الله

  3. #3
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    غسيل اللغة
    مشكلتنا مع الرواسب التي يخلفها الاستعمال الاجتماعي على مفردات اللغة ( الأسماء خاصة ) ،أنها تؤدي إلى تلوث المسميات وتغبيشها في أذهاننا حتى تفقد مصداقيتها في تقييمنا لها .فنحن لا نثق – غالباً- بالأسماء المتفق عليها اجتماعيا – عندما تشحن بأهواء مطلقيها ومستخدميها . وعند ذلك نصل إلى حالة من الشك بالمسميات وما حولها من حقول كهربائية تجذبنا إليها أو تؤدي لتنفيرنا عنها . لذلك ، نشعر بحاجة اللغة إلى عملية غسيل حقيقية تجرّد فيها الأسماء من شوائبها وملحقاتها .ولحاجتنا العميقة كبشر ‘إلى مصداقية الأسماء ( المفاهيم ) التي نستند إليها في شعورنا العميق بالتوازن والاستقرار .لا بد أن نكشف عن الشحنات الحقيقية الأصلية للأسماء التي زودها بها الله لا البشر . لذلك نبحث عن حقل من الطاقة تدخل فيه المفردات لتتجرد وتغتسل وتسترد نظافتها .فهكذا باغتسالها ونظافتها تستوي علاقتنا بها ، ونحقق قانون التجاذب والتنافر معها كما ينبغي لحقائقنا نحن .وهنا نعرف أننا إنما ننشد اللغة الحقائقية .
    تجربة الاعتدال تجاه الأسماء البشرية المتسلطة عبر "ذكر الله"
    إنها تجربة عقلية – نفسية ذات طابع مزدوج ، تجربة نتمكن فيها من استخدام اللغة الحقائقية التي تكون فيها الأسماء مغسولة من أثر الاستعمال البشري .فالاسم الممثل للمفهوم المعنوي هكذا يبدو محافظاً على هويته الخاصة التي تعبر عن جوهر المفهوم المعنوي المعتدل ، دون أية إضافات اجتماعية قد تلحق به شحنات (عاطفية معنوية) محتملة إذ لا مجال لتدخل البشر في دس الشحنات أو إبطال مفعولها ، وهكذا فإن الاسم الجوهري لا يملك إلا حقله الكهربائي الحقيقي الذي ينبغي له أن يؤثر فينا بالطريقة التي يريدها الله وبالقوة التي يريدها الله .
    وإن عملية الغسل نفسها تتطلب طاقة ذاتية مصدرها التصديق الذاتي (الإيمان ). وتتطلب كماً وفيراً من الطاقة المنظفة " ذكر الله " التي هي أشبه بالماء ( السائل المعتدل كيميائياً) ، والماء الذي هو أشبه بالصفر "العنصر الماص" الذي يسلب القيمة ولا يكتسبها . إنها بمعنى آخر، تمثل عملية التجريد النفسي والعقلي التي هي مطلوبة بشكل أساسي لتحديد الموقف الحيادي من (الاسم- المبدأ ) حينما يلزمك تحديد الاسم المجرد عن الشحنات كقيمة معنوية تصلح للانطلاق الأول المسبوق بالسكون لا بالحركة منذ البدء.فأنت غير متحرك أو مندفع في اتجاه مسبق ، بل أنت ساكن متقبل لكل اتجاه . إن هذا يجعلك أشبه بالذرة المعتدلة غير المشحونة بشحنة سالبة أو موجبة. وإن الذرة المعتدلة تدور حول نفسها غير منجذبة لاتجاه خاص وغير نافرة عن اتجاه خاص .إنها مكتفية بذاتها في دورانها اللاتفاعلي . وفي مفهوم اللاتفاعلية حيث تتجلى الحيادية بالاعتدال والتوازن تتحقق حرية اللانجذاب ، ويجعلك الدوران الذاتي المطلق فقط منسجماً مع أصلك الكوني في عدم خضوعك لسلطة جزئية أخرى . إن نفسك منسجمة في دورانها الذاتي مع تأثير القوة العظمى المهيمنة على كل القوى الجزئية والمحيطة بكل القوى الجزئية حينما تسبح الله وتكبّر الله ...يتبع بإذن الله

  4. #4
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    إن غمس الأسماء في "المادّة المذيبة للشوائب" قادر على أن يحلَّلها ويجرِّدها ويحوِّلها إلى لغة جوهرية تعبر عن الكنه والماهية، دون أن تحمل عبء شحنات إضافية ملحقة بها. والآن لنسأل أنفسنا : كيف يمكن لنا الحصول على تلك الطاقة المنظّفة المذيبة المجرِّدة لنغسل بها مفرداتنا مما التصق بها فنتحرر من تسلّطها المحتمل على لاوعينا، وندرأ خطر انجذابنا أونفورنا اللاواعيين ؟
    الجواب ليس بعيداً عمن خاض تجربة الدخول في حقل التفريغ الكهربائي الذي يمثل تجربتنا النفسية الذاتية مع "تدبّر القرآن" ( ذكر الله ) .ولنسمِّه( حقل التطهير) الذي يعني التحرر المعنوي من تأثير كل شحنة كهربائية ( سالبة أو موجبة )تسكن في طبقات الإغراء العاطفي المتعددة المحيطة بالاسم الجوهري الذي يمثل حقيقة مفهوم ما .
    إن الشرط الأساسي الذي توفّره لغة القرآن ( ذكر الله ) هو شرط اليقين ، والذي يعني الثّقة الكاملة بالمكنون المعنوي للاسم غير البشري ، وبمعنى أوضح ، نحن نفهم الأسماء القرآنية بطريقة مختلفة ونتعامل معها بطريقة مختلفة. إننا على الرغم من معرفتنا بكونها متداولة من قبل البشر ، نلغي نفسيّاً وعقليّاً كل احتمال ممكن للرواسب البشرية في استخدامها. لأننا على يقين من أنها ذات مصدر غير بشري.إن هذه النقطة بالذات، هذه الخاصية التي يدور حديثي حولها هي التي تمنحنا فرصة تجريد الأسماء من شحناتها. وليس ثمة فرصة أخرى غير هذه الفرصة إلا في حالات خاصّة شديدة الخصوصية يمكن فيها للغة العلم الطبيعي البحت أن تصوغ قوانين الطبيعة بأسماء مجرّدة ذات احتمالات معنويّة نفسيّة خارجة عن مفهوم المادّة وفي الوقت نفسه خارجة عن تأثير التداول الاجتماعي.والمثال القائم في ذهني عن هذه اللغة العلمية هي لغة النظريات الفيزيائية التي تفترض أبعاداً إضافية واحتمالات إضافية لم يثبت برهانها بعد، لتفسيرظواهر الكون وما يتحكم بها من قوى ، وفي هذا المستوى من التجريد اللغوي والذي يبدو في ظاهره أقرب إلى الفلسفة يمكن فقط للعقليّة العلميّة الإبداعيّة غير التقليديّة أن تمحو الحدّ الفاصل بين الحقيقة والخيال،بين الرياضيات والموسيقا وبين الفكر والشعر، وبين الفيزياء والميتافيزيقيا .وإذا وصل العقل العلمي إلى هذه المرحلة من تقبّل دمج الواقعي الملموس و اللاواقعي المحتمل بإزالة الحاجز بينهما،فيمكنه عند ذلك أن يقترب من تجريد الأسماء من هيمنة رواسب استخداماتها السابقة..... يتبع بإذن الله

  5. #5
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    قلَّة الأسماء
    مشكلة عويصة أخرى تلقي بنا كبشر في طيّات التشتت النفسي والمعنوي ، إنها التقريب إلى أقرب اسم . وهذا أمر مختلف عما يحدث في عملية التشبيه بين مسمّيين.
    في عملية التشبيه بين مسمّيين، نعلم نحن تماماً، بعدم الانطباق المعنوي بين المشبَّه والمشبَّه به .ونعلم أن وجه الشبه بينهما، بوصفه الجزء المشترك بينهما إنما هو في الحقيقة مجرد جزء، وتمنعنا الأجزاء الأخرى -وهي الأجزاء غير المتطابقة- من مواصلة القياس بين المشبَّه والمشبَّه به. لذا، فإن خطر الإسقاط الكلّي يزول مع تبيننا الفروق بين المسمّيين، وبشكل عفوي وطبيعي يتمسك عقلنا البشري بضرورة وجود اسمين مختلفين لذانك المسمّيين.
    لكن على خلاف ذلك ، فإن ما يحدث في عملية "التقريب إلى أقرب اسم" هو إقحام مسمّى ما تحت اسم غير ممثل له بدقة، لعدم وجود اسم بديل يمثل المسمى المفهوم بالفعل . إنها عملية تصنيف عقلي خاطئة ، يقوم بها العقل مضطراً، لعدم توفر الاسم المناسب للمسمى المناسب. فيضطر العقل لإلحاق المسمى بأقرب اسم لمفهوم آخر مجاور له وشبيه به.و يترتب على ذلك أن يتعامل العقل مع (المفهوم المسمّى) في كل ما يخصه وفق التصنيف الخاطئ الذي صنفّه فيه أساساً. فهكذا يفترض العقل قسراً خصائص معينة للمفهوم المسمى الخاطئ تناسب خصائص التصنيف الذي صنّفه فيه،ويبدأ العقل بمحاكمة المسمى وفقاً لخصائص تصنيفه الخاطئ. وعندما يكون هذا المسمّى "عاطفة " يصبح الإشكال مستفحل الخطر. لأن العقل الذي يعمل وفق مبدأ السبب والنتيجة ، يفرض على النفس تصوّرا قسرياً لمجال تقلّبات العاطفة وتغيراتها. كما أنه يفرض احتمالات خاطئة لتفسير ما يصدر عن تلك العاطفة من ارتباطات وتعلّقات وتفاعلات . العقل هكذا يبدأ بتقصّي النتائج المتوقعة حسب تصنيفه الخاطئ . وبهذا فإن فرصة تقبل الجديد من النتائج المحتملة تكون معدومة . وبهذا يحرم العقل نفسه من فرصة اكتشاف مسارات جديدة ومختلفة لأبعاد نفسيّة عاطفية جديدة .
    إن هذه المشكلة برمّتها قد خلقتها مشكلة اكتفاء العقل بما هو مطروح اجتماعياً من أسماء مفهومية قديمة ومتداولة ، فقلّة الأسماء القديمة وعدم كفايتها، مع عدم تكريس أسماء جديدة لحالات نفسية معنوية تبدو متقاربة للوهلة الأولى على غير ما تضمر خصائصها الحقيقية ، كل ذلك يؤدي إلى أن يغشّ العقل نفسه فيقع في " فقه موهوم ". ويفرض على النفس محاكمات ومحاسبات عقلية ونفسية تديرها قوانين غير مطابقة لواقع الحال ..وسنأتي بأمثلة عن هذه المحاكمات _ إن شاء الله - تشرح مأزق العقل في التصنيف الخاطئ الذي يتبعه بالتقريب إلى أقرب اسم ، وما يترتب عليه من قسر عاطفي.
    يتبع بإذن الله

  6. #6
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    إملاءات الأسماء
    إن عدم الاختبار المسبق لعاطفة ما يوقع صاحبها في حالة حيرة نفسية من قرار تصنيفها المبدئي . لعدم وضوح الموضوع ( موضوع العاطفة ) . وفي الوقت نفسه فإن الذهن يصرّ على ضرورة اتخاذ قرار عقلي سريع ليتم فيه تصنيف تلك العاطفة . وهذه الضرورة تفرضها طبيعة عمل الذهن التي تشبه نظام الحاسوب في تصنيف البيانات المدخلة قبل معالجتها. وهكذا يلجأ العقل مضطراً وبسبب قلة الأسماء المتداولة وإجمالية دلالتها لتسمية تلك العاطفة باسم أقرب عاطفة لها من حيث الخصائص.
    والخطورة في التسمية أنها تمثل التصنيف الذي يحدد طبيعة المعالجة اللاحقة .
    تمارس الأسماء إملاءاتها القسرية على وعينا كبشر. فنحن كبشر ملزمون بالتفكير عبر اللغة .ونحن نستهدي بالأسماء في نظام تفكيرنا اللغوي، كما يستهدي مبحر في المحيط بإبرة البوصلة كي يحول دفة سفينته وفق الاتجاه الذي تمليه عليه. أو بمنارات تومض له من البعيد، لتحدد له الاتجاه الذي يظنه صحيحا. وكما يستهدي ضائع في الأدغال بخريطة تحدد نقاط العلام في المواقع التي ينبغي عليه التزامها .
    وهكذا تمارس الأسماء في وعينا إملاءات، هي بحسباننا إرشادات ملزمة لا يمكننا مخالفتها إن كنا نطمح للوصول بسلام إلى غاياتنا .
    ومن هنا تنشأ الضلالات، عندما تُقَدَّر قيم المفاهيم العاطفية وفقاً للادعاءات التي تدعي حيازتها والتي تمنحها لها أسماؤها. والمثال الذي يقفز إلى ذهني هنا هو إدعاء "القدرة" مثلاً الذي تفرضه تسمية الوثن بالإله في مرحلة الجاهلية قبل الإسلام. فمجرد تسمية حجر ما باسم "إله " يمنح الحجر خصائص جديدة تلائم تسميته هذه ومنها خاصية " القدرة". ذلك لأن الأسماء تمارس إملاءاتها في الذهن البشري بطريقة قسرية، فهي تفرض الخصائص المتوقعة المرتبطة بكل اسم عند قبول الاسم والموافقة عليه .
    والمصيبة في ذلك أن الإملاءات القسرية تستدعي ولاءات نفسية عاطفية وعقلية تناسب تلك الخصائص المدعاة غير المبرهنة بطريقة غير واعية وغير خاضعة للعقل. وهذا ما يفسر لنا كيف أن أشخاصاً ذوي قدرات ذكائية عالية المستوى يمكن أن يتحولوا إلى ضحايا لإملاءات الأسماء عندما تنغرس المفاهيم في أذهانهم في معزل عن التمحيص .
    فبمجرد قبول الأسماء، وإثارتها ردود الأفعال الانعكاسية التي هي عواطف ومشاعر مطلوبة، وتكرار ذلك لوقت كافٍ، يستولي حضورها على الذهن ،لتصبح بعد ذلك مسلّمات بنيوية تشكل بعض الأسس والمرتكزات، التي لا تخضع للتمحيص العقلي على الرغم من خطئها. فهي منحرفة هشة ،وكل ما يأتي من مفاهيم لاحقة متعلقة بها سيستند عليها لينحرف وفقاً لانحرافها .قال تعالى (إنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان..الآية) {النجم/23}
    في الحقيقة ، إن المرء ليستغرب كيف أن العقل الجاهلي كان قادراً على تصديق ألوهية الوثن الذي هو "حجر أو أي مادة أخرى" ، فهؤلاء المشركون كانوا مصدقين مؤمنين بألوهية الوثن، مع أنهم يعلمون أنه لم يكن إلهاً قبل أن يسمّوه بأنفسهم . فتحليل هذه العقلية التي تبدو غريبة بقدر ما تتقبل السخف ينبغي أن يقف على أسس عملية الإقتناع والتصديق بألوهية الحجر . فالأمر في الحقيقة غير خاضع للتمحيص في العقل الجاهلي ؛ والأمر يتعلق بإملاءت الأسماء التي تم منحُها للأوثان.
    لقد مارست تلك الأسماء إملاءاتها القسرية في النفس الجاهلية ، وما أن وافق العقل الجاهلي على تلك الأسماء كان قد وضع نفسه في حالة الاستعداد للاستجابات الانعكاسية، التي تقوم بتوليد ردود أفعال عاطفية مطلوبة تجاه تلك الأسماء بشكل متكرر، وكلما دعت الحاجة لإشباع دافع الانتماء للجماعة ومفاهيمها .
    وهكذا ترسخت مفاهيم منحرفة ذات قيمة منطقية سخيفة وأصبحت مرتكزات وأسساً لمفاهيم أخرى تعتمد عليها في العقلية الجاهلية بقوة إملاءات الأسماء . وهذا يوضح مدى خطورة الموافقة على التسمية الأولية لأية عاطفة غير واضحة أو أي مفهوم غير واضح .
    يتبع بإذن الله

  7. #7
    الصورة الرمزية محمد صافي شاعر
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 42
    المواضيع : 13
    الردود : 42
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    الله الله الله
    ما شاء الله تبارك الرحمن
    جهود بديعة رائعة متقنة تسر النفس والقلب
    أختي الكريمة الشاعرة الوارفة ثناء صالح
    نفتقد وجودكِ الثمين
    نرجوا أن يكون التغيب خير إن شاء الله
    وأن تكون السلامة غنيمتكم بإذن المولى
    ود لا ينتهي

  8. #8
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد صافي مشاهدة المشاركة
    الله الله الله
    ما شاء الله تبارك الرحمن
    جهود بديعة رائعة متقنة تسر النفس والقلب
    أختي الكريمة الشاعرة الوارفة ثناء صالح
    نفتقد وجودكِ الثمين
    نرجوا أن يكون التغيب خير إن شاء الله
    وأن تكون السلامة غنيمتكم بإذن المولى
    ود لا ينتهي

    أشكر لكم مروركم الراقي أخي الشاعر محمد صافي.
    والواحة تفتقدكم أيضا.
    فعسى أن تكونوا بخير
    لكم التقدير والتحية

  9. #9
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,209
    المواضيع : 61
    الردود : 1209
    المعدل اليومي : 0.51

    افتراضي

    منزلقات الاستعارة والتشبيه

    مع تطور أنظمة وإدارات الحكم في العالم الغربي وتلميع سياسة القبول بالرأي والرأي الآخر ،أصبح لكل فئة أو شريحة بشرية شاذة حق في المطالبة باحترام حقها في الوجود .
    لكن التبجح باحترام الرأي الآخر أيا كان هذا الرأي يشكل خطرا على الأخلاق ، بقدر ما يشكل منزلقا نحو هاوية عدم التمييز بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ.
    ولو أن شريحة شاذة من البشر اتبعت أسلوب التعبير الصريح عن المفهوم الخاطئ الذي تعتنقه وتبشر به ،لما كان في الأمر لا خطر ولا إشكال.
    المفردات المعجمية أو المصطلحات الشائعة ذات الدلالة المعنوية الواضحة تقود العقل إلى استدلال صحبح وحكم صحيح. ولكن الإضلال يتأتى من الاستعارة والتشبيه في التعببير.
    فالتشبيه يحول تركيز الذهن عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي البديل في المحاكمة العقلية التي ينبغي تقييدها بالموضوع الأصلي الحقيقي حصرا.
    .ويرافق هذا التحويل استبدالا قسريا تعسفيا للمفهوم للمفهوم المجازي بالمفهوم الحقيقي. ويكون الهدف من التشبيه ظاهريا تقريب الفكرة وشرح وإيضاح المفهوم الحقيقي لها . في حين يهدف باطنيا إلى هدف خبيث يتمثل بتسويغ فكرة المفهوم المرفوض وجعلها مقبولة .
    التشبيه والاستعارة يستخدمان لتليين العقل بتقديم ما هو مقبول عنده كمثال مجازي. مع ادعاء مطابقة المفهوم المجازي للمفهوم الحقيقي المرفوض عقلا.
    وهذه الحيلة تعتمد على مرونة العقل وقابليته لإجراء عملية( الاستدلال بأسلوب التشبيه ) على سبيل الإستيضاح.
    دعاني إلى التفكير في هذه المشكلة شعار المثليين الذين أصبح لهم في أوروبا حق مصان بالاحترام. ،فمن يتعرض لهم يعاقب قانونيا .وقد اتخذوا ألوان الطيف الضوئي السبعة شعارا لهم . ما يعني أن التسليم بوجود جميع الألوان في الطيف الضوئي مماثل للتسليم بوجودهم في الواقع .فالقبول بحقهم في الوجود نابع من القبول بحق اللون الآخر أو الرأي الآخر في الوجود.
    وهذا التوجيه اللامباشر لفكرة التشبيه يكاد يكون مقنعا تماما للعقل الأوروبي اللاديني.
    لكن الرد العقلي المنطقي يستوجب رفض التشبيه الذي اعتمده الشعار ليكون موضوعا للمحاكمة العقلية.والإصرار على محاكمة المفهوم الحقيقي لا المجازي.
    وأساس رفض التشبيه أن التسليم بالموجود الطبيعي (ألوان الطيف ) يقود إلى الرضا به باعتباره ظاهرة طبيعية مستقلة عن الأخلاق. في حين أن التسليم بوجود المثلية يصطدم مع الرضا بها كونها ظاهرة طبيعية مرتبطة بالأخلاق. وبما أن الانحياز للأخلاق كان في الأصل معيارا ثابتا للمحاكمة العقلية .فإن استبدال هذا المعيار بمعيار القبول بالتعددية والرضا بها ،وهو وجه الشبه في فكرة التشبيه التي يحاول الشعار إقناعنا به يجب أن يقدم تشبيها كاملا للظاهرتين فيساوي بين القبول بالمثلية والقبول بجميع ألوان الطيف من حيث عواقب القبول . أي يجب أن يؤكد عدم وجود عواقب أخلاقية اجتماعية للمثلية . وهو أمر مستحيل. فالقبول بالمثلية هو تشجيع على الانحراف لفئة غير المثليين وهم الأغلبية .وإذا كان التشجيع على الانحراف يمثل إساءة أخلاقية للمجتمع من وجهة نظر الأغلبية فهذه الإساءة لم تحترم الرأي الآخر الذي هو رأي الأغلبية . فكيف يكون القبول بالراي الآخر من جهة واحدة لمصلحة الفئة القليلة الشاذة ؟؟!!
    وهنا نصطدم بمعضلة تمييع حدود المفاهيم التي لا تؤكد واجب التسليم بوجود الرأي الآخر على حساب حق رفض الرأي الآخر .
    فلماذا لا يكون حق رفض الرأي الآخر حقا شخصيا ؟ وهل ينبغي أن يؤدي التسليم بوجود الرأي الآخر إلى احترام هذا الرأي وهل سيؤدي احترامه إلى اعتناقه ؟ أو هل سيؤدي الاعتراف بحقه في الوجود إلى الدفاع عن وجوده ؟؟
    هذه هي المعضلة التي يراد بها تسويغ القناعات أيا كانت. إننا نسلم بوجود الصهاينة في فلسطين المحتلة ولكننا نرفض وجودهم ونرفض الدفاع عن ادعائهم الحق في الوجود. كما نسلم بوجود الكذب والسرقة والزنا ولكننا لا نعترف ولا نقبل بوجود هذه السلوكيات بوصفها حقوقا. ولا ندافع عن معتنقيها ولا نحترم الراي الآخر الذي ينادي بها.
    وليس كل رأي آخر جدير بالدفاع عن وجوده أو احترام وجوده بوصفه حقا...
    ما لكم كيف تحكمون ؟؟؟؟

  10. #10
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,577
    المواضيع : 185
    الردود : 13577
    المعدل اليومي : 5.11

    افتراضي

    دراسة علمية مستفيضة للغة والطاقة الإنفعالية للكلمات
    وتأثير المفردات اللغوية في وعينا بين الإنجذاب والنفور من
    الحقول الكهربائية المحيطة بالأسماء.
    عرفتك شاعرة رائعة، وناقدة قديرة يعتد بها ـ ولكنك هنا تفوقت على نفسك
    في هذا البحث الفلسفي الرائع بما شمل من شرح وتفسير وإوراد أمثلة.
    سلمت يداك وبارك الله فيك وفي علمك وجهدك
    وزادك الله علما وجعلك نافعة أينما كنت
    ولك كل تحية وتقدير.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. كهرباء لرقّة صديقتي / نص مفتوح للشاعر العراقي وهاب شريف
    بواسطة وهاب شريف في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 04-05-2010, 10:39 AM
  2. صوتك في حقول صباحاتي (2)
    بواسطة شريفة العلوي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 23-07-2009, 07:02 PM
  3. صوتك في حقول صباحاتي (4)
    بواسطة شريفة العلوي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 26-10-2008, 01:55 AM
  4. صوتك في حقول صباحاتي
    بواسطة شريفة العلوي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 21-10-2008, 04:16 PM
  5. توليد كهرباء للهاتف المحمول من مولد متصل بجسم الشخص
    بواسطة أماني محمد في المنتدى عُلُومٌ وَتِّقْنِيَةٌ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 26-03-2006, 12:30 AM