أحدث المشاركات
صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 35

الموضوع: قراءة نفسية في قصيدة (أنت القصيدة ) للشاعر د.سمير العمري

  1. #11
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,206
    المواضيع : 60
    الردود : 1206
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    تَــصُـــبُّ الأَصَــالَـــةُ إِبْـــــدَاعَ رَأْسِـــــي
    وَتَـــصْـــبُــــو الْـــحَـــدَاثَــــةُ لِـــــلأَرْجُـــــلِ

    بهذا البيت يفتتح الشاعر معرض الفخر بشعره . وبأول لوحة شعرية يرسمها يطالعنا الشاعر ببلاغة الجناس الناقص بين (تصبّ ) و( تصبو) وبلاغة الطباق والمقابلة معاً ، "فالأصالة" تصبّ إبداع الشاعر لأن الأصالة كناية عن اتباع الأسلوب التقليدي( قالب الشعر العمودي ) عموما، فهي القالب الذي يستوعب ما فيه من إبداع ،كما يستوعب الكأس ما فيه من شراب، فالأصالة وعاء أو كأس ، والمصبوب (الإبداع الشعري) سائل قابل للصب ، فهو منساب سلس سائغ . وهذا الإبداع من رأس الشاعر يمثل الطارف الحديث،لأن موقع الرأس يشبه موقع ما تفرع من قمم الأشجار، مقارنة مع الأرجل التي تمثل ما رسخ من جذورها .
    وقد احتوى البيت طباقين اثنين بمعنى واحد ؛ فالعلاقة بين ثنائي الأصالة والحداثة، كالعلاقة بين ثنائي الرأس والأرجل . غير أن الشاعر يربط بين كلا الطباقين بعلاقة تكامل وتواصل، بعلاقة الجناس ( تصبّ وتصبو ) ،فالأصالة تصب الحداثة "الإبداع من الرأس "، والحداثة تصبو للأصالة في الأرجل .
    كَــشَــهْــدٍ يَــــــذُوبُ عَـــلَـــى شَــفَــتَــيَّ
    وَعِــــطْــــرٍ يُــقَـــطَّـــرُ مِــــــــنْ أَنْـــمُـــلِـــي

    ويتابع الشاعر صورة الإبداع المصبوب ، بتشبيهه بالشهد الذائب ، ومن خصائص الشهد الحلاوة والعذوبة، وذوبانه على شفتيه (استعارة مكنية ) من (الكلام المقول شعراً )والذي تتولاه الشفتان ، هذا في الصدر .
    وأما متابعة المصبوب الإبداعي في العجز، فتظهره سائلا يتقاطر كالعطر من أنامل الشاعر؛ وهي (استعارة مكنية) من (الكلام الشعري المكتوب كتابة ) والذي تتولى الأنامل كتابته .
    إن تركيز الشاعر على خاصية "السيولة" ومتابعتها هكذا، تدّل على أن الشاعر يعي ما يقول، ويعي وظيفة التسلسل المعنوي في مناطق الربط المنطقي بين خصائص الصور الفنية . لذا فإننا نتلمس الانسجام والتكامل بين تفاصيل أجزاء الصور الشعرية.
    أُجِــــلُّ ابْـتِـهَـالِـي عَــلَــى سَــجْــوِ رُوحٍ
    وَأَجْـــــلُـــــو الَــمْــعَـــالِـــيَ لِـلْـمُــعْــتَــلِــي

    البلاغة في البيت تقوم على الجناس الناقص بين (أُجلّ) و( أجلو ) . فالشاعر يجِلّ ابتهاله أي: يرفع ابتهاله ، في هدأة من الروح وسكونها ( السجو : السكون ) ، فشعره هو الابتهال المرفوع من روحٍ يسكِّنها ويثبّتها اليقين. والشاعر يجلو المعالي للمعتلي، أي : يوضحها ويكشفها، وهي المعالي من الأخلاق والقيَم التي يدلّ عليها بشعره.
    وَأَهْمِـسُ فِـي الْكَـوْنِ لَحْـنَ الْخُـلُـودِ
    بِـقِـيـثَــارِ نَــهْـــجِ الْــهُـــدَى الـعَـنْــدَلِــي

    ذلك الشعر هو الهمس الذي يهمسه الشاعر في الكون، على شكل لحن "موسيقا" الخلود، بأداة (قيثار نهج) الهدى ؛
    فالمستمد من "النهج "يكون متكاملاً و منسجماً ومتسقاً. وهذه خصائص "النهج" الذي هو نهج الهدى الإلهي، والهدى يتعلق بالمهديِّ إليه ،وهي المعاني الخالدة من حقائق الكون ومعاني الفكرالإنساني الثابت الخالد والتي تهدي في النهاية إلى الحق. على أن قيثار نهج الهدى هو قيثار عندلي يشبه صوته صوت طيور العنادل برخامته وجماله ، وبهذا يصف الشاعر موسيقا شعره.
    فَـتَـشْـذِيـنَ أَضُــــوعَ مِــــنْ دَوحِ فُـــــلٍّ
    وَتَـــشْـــدِيــــنَ أَرْوَعَ مِـــــــــــنْ بُـــلْــــبُــــلِ

    والخطاب الآن للقصيدة التي يعدها الشاعر بعد كل تلك الإغراءات بأن تتحوّل إلى مصدر للشذى والعطور فتفوق دوح الفل في شذاها المنبعث. ويعدها بأن تفوق في جمال موسيقاها شدو البلابل .والبلاغة في البيت تقوم على الجناس الناقص بين (تشذين وتشدين ) .
    غير أن المعنى الذي رسمته الصورتان الشعريتان هو من المعاني المكررة و المستهلكة .ويندر أن نعثر على مثل هذا التكرار عند شاعرنا.
    لِعُـصْـفُـورَةِ الْـقَـلْـبِ يَـرْهُــفُ حَــرْفِــي
    وَلِـلــصَّــقْــرِ يَــعْــصِـــفُ بِـالـجَــحْــفَــلِ

    وعصفورة القلب تقابل الصقر ، فلها يرهف حرف الشاعر وترق ألفاظه وتعذب . وأما مع الصقر، فحروفه تقوى وتشتد، لتعصف كالعاصفة المتقدمة بتقدم جيش جرار مهاجم لا طائل ولا أمل بصده . والمعنى أن الشاعر يقيم علاقة التناسب بين المعاني التي يتناولها وبين جرس ألفاظها في الموسيقا الداخلية لشعره.
    غير أن اللافت في هذه المبالغة التصويرية هو ظرافة المقارنة بين العصفورة والصقر. وما استتبع ذلك من الفرق في وقع حروف الشاعر، فهنا تدعونا المقارنة للابتسام ، وإن كانت ذات معنى رزين.
    وَأُقْـــرِي الـنُّـهَـى وَالـــرُّؤَى خَـيْــرَ زَادٍ
    بِـــــــلَا قَـــــــاتِ لَــــغْــــوٍ وَلَا حَــنْـــظَـــلِ

    الشاعر يقري العقل والبصيرة خير زاد من الفكرالذي يقدمه لهما في شعره؛ فهو يكرم العقل ويعتني به ويمدّه بمادة الفكر، التي تستحق التأمل والتفكير، وتصلح لتكون زاداً، يشتغل بها العقل في وقت لاحق، لعمقها وأهمية وخطورة مضمونها ، فهي كالزاد الثمين بقيمته الغذائية . إنها ليست كمادة تشغل العقل من غير طائل، كما يفعل اللغو من الكلام الذي يخدِّر العقل (القات) ويلهيه عن الوعي الحقيقي . كما أنها ليست مادة مرة المذاق ( الحنظل) بما تعالجه من معاني قد تكون مرفوضة وغير مقبولة وغير مستساغة للذوق .

  2. #12
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة

    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.76

    افتراضي

    مهارة تحليلية لافتة على مستوى اللغة والمضمون، وقدرة عالية على تأمل أدق تفاصيل النص بعين نقدية متمكنة وذكاء تتبع لمواطن جماله بلاغة وبديعا وتصويرا فنيا ورسالة حرف
    قراءة راقية في نص مبهر يحملان للمتلقي متعة التنقل بين الشعر ورؤية الناقدة فيه معنى ومبنى

    لا أجد تعليقا يليق بهذا الجمال الذي تفيأت زيزفونه

    دمت بروعتك أديبتنا الراعة
    تحياتي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #13
    الصورة الرمزية سامية الحربي أديبة
    غصن الحربي

    تاريخ التسجيل : Sep 2011
    المشاركات : 1,578
    المواضيع : 60
    الردود : 1578
    المعدل اليومي : 0.53

    افتراضي

    هذه القراءة الجادة التحليلية التي تركز في المقام الاول على البعد النفسي للشاعر ومن ثم محبوبته لتصل آخر المطاف تأثيرها على المتلقي هي وهج أدبي برؤيته علمية تشكرين عليها .دمتي بخير.

  4. #14
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,206
    المواضيع : 60
    الردود : 1206
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيحة الرفاعي مشاهدة المشاركة
    مهارة تحليلية لافتة على مستوى اللغة والمضمون، وقدرة عالية على تأمل أدق تفاصيل النص بعين نقدية متمكنة وذكاء تتبع لمواطن جماله بلاغة وبديعا وتصويرا فنيا ورسالة حرف
    قراءة راقية في نص مبهر يحملان للمتلقي متعة التنقل بين الشعر ورؤية الناقدة فيه معنى ومبنى

    لا أجد تعليقا يليق بهذا الجمال الذي تفيأت زيزفونه

    دمت بروعتك أديبتنا الرائعة
    تحياتي
    الأستاذة الشاعرة الرائعة والمبدعة ربيحة الرفاعي
    حضورك العزيز سبب سروري
    وتعقيبك السخي سبب سعادتي
    بارك الله فيك وأكرمك
    ولك المحبة والاحترام

  5. #15
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,206
    المواضيع : 60
    الردود : 1206
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سامية الحربي مشاهدة المشاركة
    هذه القراءة الجادة التحليلية التي تركز في المقام الاول على البعد النفسي للشاعر ومن ثم محبوبته لتصل آخر المطاف تأثيرها على المتلقي هي وهج أدبي برؤية علمية تشكرين عليها .دمت بخير.
    الأستاذة الأديبة الراقية سامية الحربي
    ما تركته هنا من كلمات واصفة دلّني على طبعك الكريم وشخصيتك الأنيقة .
    مرورك وتعقيبك غاليان
    فلك التقدير وأجمل تحية

  6. #16
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,353
    المواضيع : 71
    الردود : 4353
    المعدل اليومي : 1.60

    افتراضي

    مميزة قرائتك أختي ثناء
    أذهلتني مقدرتك النقدية الواضحة للقصيدة
    متابعة لك
    بوركتِ
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  7. #17
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,206
    المواضيع : 60
    الردود : 1206
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    مميزة قراءتك أختي ثناء
    أذهلتني مقدرتك النقدية الواضحة للقصيدة
    متابعة لك
    بوركتِ
    الأستاذة الشاعرة براءة الجودي
    أشكرك على جمال تعبيرك
    وتسرّني متابعتك كما حضورك الكريم
    بارك الله فيك ودمت بخير

  8. #18
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,206
    المواضيع : 60
    الردود : 1206
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي


    تَــوَلَّـــيْـــتِ قَــبْـــلِـــي ثَــلَاثِـــيـــنَ رَبًّــــــــا
    وَأَلْـــــــــفَ نَــــبِـــــيٍّ وَأَلْــــفَـــــيْ وَلِــــــــــي
    وَلَـكِـنَّـنِــي رَبُّـــــكِ الْـــحَـــقُّ وَحْــــــدِي
    وَلِــــــي مَـــجْـــدُ مَــــــاضٍ وَمُـسْـتَـقْـبَــلِ

    يهيم الشاعر في وديان التصوير والتخييل الشعري . وليس من شاعر إلا وتستهويه مغامرة الهيام في هذه الوديان. بل كلما أصرّ الشاعر على الأخذ بلباب قارئه كلما اضطّر لتطوير مهارته في مكاملة التشكيل الخيالي ليكون خالياً من الثغرات التصويرية . فالصور الشعرية الجزئية عنده تتكامل فينضم بعضها إلى بعضها ،ويتجاوب بعضها مع بعضها ،وهكذا تترابط التفاصيل فتتمدد لتتحوّل إلى مشهد متكامل في بنيته الفنية .
    لكننا في قراءتنا النفسية لطبيعة العملية الإبداعية من خلال المثال الذي هو بين أيدينا، نقف على معاناة الشاعر وقلقه ، في اتخاذ قراره، بين التوجه باتجاه اكتمال التخييل واكتمال الفعل الإبداعي اكتمالا جمالياً وبنيويا، وبين احتمالية تجاوز الخطوط الحمراء المحظور تجاوزها في ثقافة الشاعر وقارئه معا.
    وحريٌّ بمثل هذا التجاوز أن يضع الشاعر في حالة نفسية يتشبث فيها بمحاولة التأويل الإبداعي والتبرير الفني، لينجو أمام نفسه وأمام قارئه من تهمة الخوض في المحظور .
    تَــوَلَّـــيْـــتِ قَــبْـــلِـــي ثَــلَاثِـــيـــنَ رَبًّــــــــا
    وَأَلْـــــــــفَ نَــــبِـــــيٍّ وَأَلْــــفَـــــيْ وَلِــــــــــي
    وَلَـكِـنَّـنِــي رَبُّـــــكِ الْـــحَـــقُّ وَحْــــــدِي
    وَلِــــــي مَـــجْـــدُ مَــــــاضٍ وَمُـسْـتَـقْـبَــلِ


    يخاطب الشاعر القصيدة . مفاخراً بكونه هو ربّها الحق وهي التي قد تولّاها قبله ثلاثون ربّاً- لماذا ثلاثون ؟ - وألف نبيّ وألفا وليّ . فيستخدم الشاعر ثلاث مفردات ذات اصطلاح ثقافي ديني تاريخي شائع ومعروف بترتيبها القداسي (ربّاً )ثم(نبيّا) ثم (وليا) .ويستهويه الاستغراق في استخدام خصائص التشبيهات المكوّنة للصور الشعرية، لتكوين المشهد الشعري الأوسع بالاعتماد على هذه الأركان الثلاثة التي حوّلت القصيدة إلى (أمّة ) عابدة . وعلى الرغم من إمكانية استخدام لفظة " الربّ" بمعنى ( ولي الأمر) في حال كونها مفردة مستقلّة ،إلا أن الحضور الديني للمفردتين الأخريين في الجوار وهما " النبي والولي " يجبر القارئ على الانزياح نفسياً وذهنياً باتجاه المعنى الديني لكلمة " الربّ" لتغليبه على المعنى اللغوي المعجمي الآخر. وذلك من مقتضيات إكمال النقص الصغير في اللوحة الكبيرة التي تحتويه . فترابط إيحاءات اللوحة وضرورة ترابط عناصرها ترابطا عضوياً أمر يفرضه الإحساس بوجود ثغرة فنية تنجم عن الاستغناء عن المعنى الديني لكلمة واحدة من ثلاث كلمات ذات نسق واحد في سياقها الذي قدّمها متقاربة و متوالية في ترتيبها القداسي وإيحاءاتها الدينية .
    والشاعر يعتمد على الإيحاء الديني في هذه السياقية .وسيتابع الاعتماد على الإيحاء الديني في أربعة أبيات تالية .إلا أن تشبثه بوصف نفسه " ربّا للقصيدة " في ظل الإيحاء الديني بدا مرحلياً وعرضياً بعدما نقضه بلجوئه إلى تقمص خصائص "النبي" بقوله
    وَأَنْـــــتِ الْـقَـصِـيــدَةُ أَتْـــلُـــو عَـلَـيْــهَــا
    تَــرَاتِــيـــلَ مِــــــــنْ شَــــاعِــــرٍ مُــــرْسَــــلِ

    ثم أكد هذه الخصائص في أبيات لاحقة .

    أَخُــــطُّ مِــــنْ الــنُّــورِ أَلْــــوَاحَ وَحَــيِــي
    وَغَــيْـــرِي يَــخُـــطُّ مِــــــنْ الـصَّـلْــصَــلِ


    إن خطّ الألواح تناص مع مضمون الآية الكريمة {وكتبنا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ/﴿١٤٥﴾ ألأعراف.
    الشاعر متردد بين تقمّص خصائص الربّ وفق الإيحاء الديني وخصائص النبي . فالشاعر يخطّ ألواح وحيه من النور ! فهل وحيه يوحي إليه بوصف متمثلاً لدور النبي في تلقي الوحي وكتابته ؟ أم أنه يخط وحيه من حيث أنه هو الموحي والوحي (النور ) رسالته التي يخطها على الألواح تناصاً مع جزئية الآية الكريمة السابقة ({وكتبنا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ) فهنا الكاتب في الألواح هو الموحي ربّ العالمين والمكتوب هو وحيه . والشاعر يخطّ من النور ألواح وحيه نفسها فمادة الألواح وما خُطَّ عليها هي النور . في حين أن غيره يخط ما يوحى إليه على ألواح من الصلصال فالألواح عند غيره مصنوعة من مادة الصلصال. وقد قابل الشاعر النور بالصلصال واضطر إلى حذف الألف من لفظة الصلصال لتتلاءم مع القافية ( الصلصل ). إلا أنه ابتعد بهذا الاستخدام عن المعنى اللغوي المعجمي للفظة الصلصل والتي تعني (ناصِيَة الفَرَسَ) .وهو معنى لا ينسجم مع سياق النص ولا يناسبه. و بسبب اعتراف الشاعر بوجود غيره ترك لنا في بيته دلالة لغوية تمكننا من الفصل بين هذين التفسيرين في نسبة الوحي إليه ( وحيي) .فهو يقرّ بوجود غيره الذي يخط من الصلصال،فهو يعترف بوجود الشريك المماثل في أصل فعل الخط والكتابة وبذلك يكون قد ردّ عن نفسه تهمة دور " الرب" الذي لا يقبل الشريك بالمعنى الديني في هذا البيت بعدما حام حول حمى المعنى وأوشك أن يقع فيه.
    غير أنه سيقع في بيت آخر في المعنى المحظوراستجابة لمعطيات التشكيل الفني والمعنوي عندما يقول
    فَــلَا تَكْـفُـرِي بِـــي وَلَا تُـشْـرِكِـي بِـــي
    وَصَــــــلِّــــــي عَــــــلَــــــيَّ وَلَا تــــأْتَــــلِـــي

    فإذا قبلنا أن قوليه (فَــلَا تَكْـفُـرِي بِـــي ) وقوله (وَصَــــــلِّــــــي عَــــــلَــــــيَّ ) وهما يشيران إلى خصائص النبي، فإننا لن نقبل قوله (وَلَا تُـشْـرِكِـي بِـــي) إلا بوصفه من خصائص الربّ وفق المعنى الديني . وبهذا القلق المعنوي وبهذا التردد بين تمثّل خصائص الربّ وخصائص النبي، يوجهنا الشاعر لنقرأ الحالة النفسية، التي وصل إليها في ضوء لجاجه في الفخر بشعره،إلى درجة جعلته يقوم يتردد بتوجيه بوصلة المعنى باتجاهات متعددة ،الهدف منها بالدرجة الأولى إكمال المبنى الفني وإشادة الفعل الإبداعي التخييلي في أدق تفاصيله الفنية بالاستفادة ما أمكن من معطيات التشبيهات الجزئية المكونة للصور الشعرية .
    إن هذه المنزلقات المعنوية الخطيرة التي تورّط شاعرنا بالانجرار إليها، تحت ضغوط نفسية تعرّض لها أثناء ممارسة الفعل الإبداعي، قد انزلق فيها الكثير من الشعراء المشهود لهم بالتميَز والتفوّق الإبداعي، من أمثال أدونيس ونزار قباني وغيرهما . إلا أن هؤلاء الشعراء قد انساقوا في تيار الاستسلام للفعل التخييلي المبهر في فنية صورته الشعرية، على حساب الحذر والاحتياط مما يجاوز الخطوط الحمراء وما يليها من المحظور المعنوي، حتى أصبح انزلاقهم ظاهرة شعرية واضحة طالتها أقلام النقاد بالدراسة والتحليل .غير أنها عند شاعرنا لا تتعدى كونها عرَضاً جانبياً طارئاً ، نجم عن الإفراط في حالة نفسية غير مأمونة هي حالة اللجاج في الفخر بشعره.

  9. #19
    الصورة الرمزية محمد صافي شاعر
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    المشاركات : 42
    المواضيع : 13
    الردود : 42
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    يسعدني القراءة والمتابعة لهذا التحليل التفصيلي
    كم أنتِ رائعة وكم هو جميل المكوث طويلاً في حديقتكِ المزهرة المبهرة
    ثم إنه
    أرجو إفراغ القليل من الرسائل كي أتمكن من الرد
    مودتي واحترامي

  10. #20
    الصورة الرمزية الدكتور ضياء الدين الجماس أديب
    تاريخ التسجيل : Sep 2013
    الدولة : المملكة السعودية
    المشاركات : 4,632
    المواضيع : 381
    الردود : 4632
    المعدل اليومي : 2.06

    افتراضي

    إلى الشاعرة الناقدة ثناء الصالح حفظها الله تعالى
    فوجئت بنقدك للقصيدة على خلاف ما يريده الشاعر نفسه من القصيدة وأسباب نزول القصيدة الذي وضحه على الرابط
    http://www.rabitat-alwaha.net/moltaq...6&postcount=74
    فهل توافقين على نقدك السابق أم تعيدين النظر في ما كتبت ؟.
    ففي شرحك للأبيات
    تَــوَلَّـــيْـــتِ قَــبْـــلِـــي ثَــلَاثِـــيـــنَ رَبًّــــــــا = وَأَلْـــــــــفَ نَــــبِـــــيٍّ وَأَلْــــفَـــــيْ وَلِــــــــــي
    وَلَـكِـنَّـنِــي رَبُّـــــكِ الْـــحَـــقُّ وَحْــــــدِي = وَلِــــــي مَـــجْـــدُ مَــــــاضٍ وَمُـسْـتَـقْـبَــلِ

    لا يوافقك الشاعر أنه يريد من كلمة الرب معنى الإله بل يريد معناها اللغوي العام المستعمل بمعنى السيد أو ولي الأمر ، في حين أنت تقولين أن اقترانها بالنبي والولي يجر إلى معناها في الربوبية الإلهية... كما أن الشطر الثالث لا يقبل إلأ معنى الرب الإله... (الربّ الحقّ الواحد) ثلاثة أسماء متتالية تخص الله تعالى وحده.

    وطالما أنك ناقدة أدبية وشاعرة ومؤمنة في الوقت نفسه. هل ترين أن الشاعر وقع هنا في المحظور الشرعي أم لا ؟
    أرجو إعادة النظر في الأبيات التي تمس المصطلحات الدينية ، وكنت قد استفسرت عنها في القصيدة قبل الحوار حولها لنتعلم الكثير عما يظنه الشاعر وما يصل إلى القارئ وقدرته البلاغية في إيصال المعنى. وهل أدت القصيدة غرضها الذي يتوخاه الشاعر؟ أم وقع في الشَّرَك؟
    ولكنني لم أجد من الشاعر جواباً عليها ‘ فهل يمكن متابعة الحوار عنها هنا؟
    تساؤلاتي على الرابط http://www.rabitat-alwaha.net/moltaq...2&postcount=90

    ========
    مذكراً بالحديث الشريف الصحيح
    حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الحلال بيِّنٌ وإن الحرام بيِّنٌ , وبينهما أمور مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه , ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا وإن لكل ملك حمىً , ألا وإن حمى الله محارمُه , ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلَح الجسد كله , وإذا فسَدت فسَد الجسد كله : ألا وهي القلب ) رواه البخاري ومسلم .

    وقال الله تعالى { تلك حدود الله فلا تقربوها } (البقرة 187)
    واتقوا الله ويعلمكم الله

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة جمالية في قصيدة ( صلاة شوق ) للشاعر الأستاذ د. سمير العمري
    بواسطة ثناء صالح في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 28-10-2019, 12:17 AM
  2. قراءة في قصيدة "كف وإزميل" للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة ربيحة الرفاعي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 35
    آخر مشاركة: 30-07-2015, 04:10 AM
  3. قراءةٌ في بيتين من قصيدة " ابن قلبك " للشاعر المتألق د.سمير العمري
    بواسطة عمار الخطيب في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 05-03-2013, 04:06 PM
  4. قراءة في قصيدة رسالة إلى نخل العراق للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة د. عبدالله حسين كراز في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 23-10-2012, 09:21 PM
  5. قراءة في قصيدة "كف وإزميل" للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة ربيحة الرفاعي في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-01-2011, 08:16 PM