أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: رؤية نقدية لقصة الساقية للأديب محمد فطومى

  1. #1
    الصورة الرمزية هشام النجار أديب
    تاريخ التسجيل : May 2013
    المشاركات : 959
    المواضيع : 359
    الردود : 959
    المعدل اليومي : 0.42

    افتراضي رؤية نقدية لقصة الساقية للأديب محمد فطومى

    هذه القصة للأديب المغربى محمد فطومى كانت قد فازت بالمركز الأول فى إحدى مسابقات القصة التى شاركت فى تحكيمها ... وهذه الرؤية النقدية للقصة شاركنى فيها الأديب المصرى خلف عبد الرءوف

    السّاقية

    قصة : بقلم محمد فطومى .

    الرّيح داخل ذاك المعتقل القديم المهجور تتجوّل ، و هي وسط أروقته المخلوعة العفنة و تلهو بأبواب زنزاناته الصّدئة .
    صفير أوّله شبيه بشهقة زرّاع الفتنة و آخره أدنى إلى فحيح الأفاعي .
    المبنى يرسو فوق تلّة صخريّة عارية في عمق غابة لا تعرف تربتها أشعّة الشّمس ، تحيط به أشجار السّرو و الصّنوبر من كلّ الجهات ، كان قبل أن يخلا من خمسين عاما حصناً منيعاً ، لا أمل للسّجناء في الهرب منه ، وإن فعلوا فإنّ مصيرهم هو الموت جوعاً أو بين أفواه الضّواري ، أمّا الآن فقد أحيل على النّسيان و صار مرتعاً للجرذان و السّحالي .

    في ساحة الحصن شجرة خرّوب عملاقة ، رحل الجميع فبقيت وحيدة حبيسة طافئة اللّون ، محتجزة ممنوعة من حلاوة القطف ، مسلوبة الظلّ ، مسموعة الأنين، بها شوق جريح لمعانقة الأعشاش من جديد .
    تتوق منذ البذرة الأولى إلى الخروج و عناق أخواتها ، لكنّها تقف عاجزة لا حول لها و لا قوّة ، أخواتها في الخارج هنّ أيضا لا يملكون لها سوى الصّلاة و الإيماءات الخرساء و الإنحناء يميناً و شمالاً إكباراً لصبرها ، فالأشجار لا تغادر أماكنها ، و لا تهرول ، و لا يطلق سراحها ، ولا هي تدفع عن أغصانها النيّران إن إحترقت فكيف إذن لو طلب منها أن تتحالف ضدّ القلعة و تخلّص الخرّوبة العالقة منذ ما يزيد عن مائة عام؟
    بعد طول انتظار، أوحي لشجرة الخرّوب بأنّها على أبواب نصر عظيم ، تساقطت الأمطار بشدّة مبشّرة بإنطلاق المعركة ، و لسماحة التّدبير فإنّ الأمطار حين تهطل، لا تفرّق بين معتقل أو واحة .
    مدّت عروقها الضّخمة من تحت أساس المعتقل الصخري الصلّد ، و جمعت ما بقي لديها من قوّة ، و طوّقت البناية من كلّ جانب ، وبدأت تعصر الحيطان عزماً و غضباً و طاعة .
    تشقّق السّور العالي و بدأت تتناثر منه الحجارة .
    الأمطار لا تتوقّف بعد .
    الجداول العطشى إمتلأت كلّها وفاضت في وقت وجيز .
    الجذوع تزداد إصراراً و سمكاً .
    إنّها تطوّق المعتقل ، تخنقه و تسحق ظلوعه .
    كلّ الأشجار تتطلّع بإعجاب و ذهول إلى مشهد الخرّوبة وهي تنتحر و تنسف دعائم الخرافة .
    هاهو المبنى يتهاوى و يتمزّق كورقة بين أذرعها.
    إنّه يستغيث .
    جميع من في الغابة ينتظرون هذه اللّحظة ، فقريباً ستنجلي عنهم آخر آثار المستعمر الدّخيل .
    فجأة دوّى إنفجار عنيف كالرّغاء ، هزّ أرجاء الغابة بأسرها ، وظلّ يتردّد .
    الحطام يتكوّم إلى الدّاخل .
    إنّه يسقط فوق الشّجرة العملاقة ليقسمها إلى نصفين و يطمرها إلى الأبد .
    سحّت المطر وهفتت سحابة الغبار ، وبحّ صوت صدى الإنفجار حتّى تلاشى ، وإبتعدت الغيوم السّوداء وران في الفضاء سكون مرعب .
    فوق فرع صغير من جذع الخرّوبة ، كانت قد ألقت به قبل المعركة قرب ساقية على السّفح ، ولد برعم غضّ صغير به نضارة الطّفولة بعد .
    دفع برأسه قطرة مطر .
    نظر حوله فلم ير شبيهاً له فنادى بصوت يتيم :
    أمّي أين أنت يا أمّي؟
    مالي لا أراك يا أمّي ؟
    كلّ كائن في الدّنيا له أمّ ، فأين أنت يا أمّي؟
    ثم أصاخ السّمع ،
    و لكن .....
    ما من مجيب .
    فعاد إلى النّداء من جديد ....
    مرّة ......و مرّتين ...... و ثلاث......
    سمعت الصّوت بلابل و كروانات الغابة ، فجاؤوا من كلّ صوب يلبّون نداء الخلق و يستقبلون الوليد ، ثمّ تحلّقوا حوله يرفرفون مصفّقين بأجنحتهم ، يشدون له ...
    يلاغونه ......
    و يروون له الحكاية الأزليّة للتفتّح من تحت أنقاض الخسران ..
    حكاية الزّوال من أجل الدّوام و البعث .

    رؤية نقدية بقلم / هشام النجار

    ( الساقية ) قصة محكمة من ناحية البناء والتصوير الفنى ( الجزئى والكلى ) والحبكة الدرامية ، ومن حيث القدرة على إستخدام الأدوات والمفردات والتراكيب فى خدمة الفكرة الرئيسية من القصة ،
    برزت فيها حرفية الكاتب ودقته فى كل شئ بدءاً من إختيار الإسم مروراً بإختيار الشخصيات ، التى إختار الكاتب لها صوراً رمزية نباتات ، وجمادات ، وطيور مغردة .
    انك حينما تقرأ القصة من أولها وحتى قبل نهايتها بسطور قليلة لا ترى وجودا للساقية بين شخوص القصة فالصراع دائر بين الخروبة والمعتقل العتيق تحت سمع وبصر أشجار السرو والصنوبر .
    ولا يرد ذكر الساقية الا فى موضع واحد عند نهاية المعركة (فوق فرع صغير من جذع الخرّوبة،كانت قد ألقت به قبل المعركة قرب ساقية على السّفح ، ولد برعم غضّ صغير به نضارة الطّفولة بعد.)
    ولكنك تجد الكاتب المبدع بهذه الاشارة التى تبدو عابرة يخبئ بداخلها كل ما أراد من وراء القصة ، فالساقية فى دورانها تمثل دورة الحياه ، وتداول الأيام بين العلو والهبوط .. الإخفاق والنجاح .. الموت والحياه .. الهزيمة والنصر .
    رموز معبرة :
    ولم يكن عبثاً اختيار الكاتب لشجرة الخروب بالذات ليرمز لها بروح الصبر والمقاومة وقوة التحمل فمعلوم أن شجرة الخروب تتميز بقدرتها على تحمل الجفاف والبرد والرياح القوية وهي متواضعة في احتياجاتها للنمو والإثمار حيث تعيش في الأراضي الصخرية الوعرة وفي التربة الرملية الفقيرة وتكتفي شجرة الخروب بمعدل (30) سنتمتراً من الأمطار السنوية لكى تعيش وتثمر وهى شجرة معمرة تتحدى الزمن والهرم وعوادى الدهر فعمرها يمتد من (200-300) سنة وهى شجرة قديمة قدم المسجد الاقصى والقدس جاء ذكرها في الكتاب المقدس، وزرعت في منطقتنا منذ حوالي (4000) سنة .
    ولم تكن دقة الكاتب فى اختيار جيران الشجرة البطلة بأقل من دقته فى اختيار البطلة نفسها ، فحول القلعة ـ المعتقل ـ تنمو أشجار السرو والصنوبر وهى أشجار ذات طول فارع ـ يصل الى ثلاثين مترا تقريبا ـ يسمح لها باستشراف الموقف ومراقبة الأحداث من عل لها أوراق ذات نهايات مدببة كالإبر أو كأسنة الرماح لكنها مقيدة فى أماكنها لا تراوحها ولا تغنى عن نفسها شيئا .
    فى ايماء موحى لأمتنا التى اكتفت بمراقبة المعركة وفى أحسن الأحوال التعاطف الصامت وربما الدعاء أحياناً .. (و الإنحناء يميناً و شمالاً إكباراً لصبرها ، فالأشجار لا تغادر أماكنها، و لا تهرول، و لا يطلق سراحها، و لا هي تدفع عن أغصانها النيّران إن احترقت فكيف إذن لو طلب منها أن تتحالف ضدّ القلعة و تخلّص الخرّوبة العالقة منذ ما يزيد عن مائة عام؟ ) فى تصوير قاس لحالة العجز وفقد القدرة أو حتى رد الفعل .
    فاذا علمت أن أشجار السرو والصنوبر تنمو فى لبنان وسوريا ومصر لاستبانت لك براعة الكاتب فى اختيار رموزه ، وإجادته فى إستخدامه بطريقة تجسد بصورة فنية جميلة روح الحياة على أنقاض الموت وإرادة النصر والخلاص والإنعتاق والتحررعلى أنقاض الهزيمة والخسران والفشل .
    فيوم أعلى ويوم أسفل ويوم لك ويوم عليك ، ووليد يخرج من موات ، وإخضرار يكافح ويتفتح لينبسط فوق صحارى القحط والجدب .
    صور فنية معبرة :
    القصة صرخة مدوية فى أجواء مشبعة باليأس والإستسلام والقنوط ، وثورة تنادى ببعث الحياة فى أرجاء الوطن الذى تحول إلى سجن كبير يحكمه الموت ، وحملة لزرع مليون شجرة ( خروب ) فى صحراء هزيمتنا وفشلنا وذلنا ومهانتنا أمام المحتل الغاصب .
    الخروبة العملاقة المحاصرة والأسيرة ، تخنقها خراسانات القلعة الأسمنتية ، تئن شوقاً إلى الحياة والخلاص والحرية .. (في ساحة الحصن شجرة خرّوب عملاقة .. رحل الجميع فبقيت وحيدة حبيسة، طافئة اللّون ، محتجزة ، ممنوعة من حلاوة القطف ، مسلوبة الظلّ ، مسموعة الأنين ، بها شوق جريح لمعانقة الأعشاش من جديد).
    ولدت الخروبة ( منذ البذرة الأولى ) لتعانى الأسر والحصار ، تتألم لعجز أخواتها عن إنقاذها ، فسبيل إنقاذها الوحيد تحالف الشجر وإتحادهم ضد القلعة ، وقد حيل بين الشجر وبين الوحدة ؛ ف ( الأشجار لا تغادر أماكنها ولا تهرول ولا يطلق سراحها ) .
    ومع بداية المواجهة القدرية يساقط المطر وتتمدد العروق الضخمة وتصطدم جذوع الشجرة العملاقة بالأساسات الصلدة للمعتقل الرهيب .. تصطدم إرادة الحياة برمز الموت وعلامة القهر والكبت والإضطهاد .
    فسبيل الحرية ليس ممهداً ولا مفروشاً بالورود ، لكن القدر لا يتحالف مع الموت وسكان الكون لا يتعاطفون مع الظلم .
    والمطر يفيض وتمتلئ الجداول فتزداد جذوع الخروبة قوة واصراراً ، فيتشقق الصخر ، وتطوق الجذوع أساسات المعتقل وتخنقه وتسحق ضلوعه .
    وقبل أن تنسحق الخروبة العملاقة وتباد ، وقبل أن تطمر إلى الأبد بفعل الإنفجار العنيف أودعت رحم الأرض بذرة حياة جديدة ولدت من قلب الموت والفناء
    فمن يدرك قيمة الحرية يدفع حياته مقابلاً لها ..
    إنها ( الحكاية الأزلية للتفتح من تحت أنقاض الخسران – حكاية الزوال من أجل الدوام والبعث )
    ثم يأتى مشهد النهاية مشهد الإحتفال بالمولود الجديد نبتة الحرية التى تترعرع وسط الغابة الوارفة بعيداً عن المعتقل العتيق هناك بجوار الساقية
    ، حيث تلبى الكروانات والبلابل نداء الوليد ويستقبلون البرعم الصغير الذى ولد على جذع الخروبة الشهيدة .
    حيث (سمعت الصّوت بلابل و كروانات الغابة ، فجاؤوا من كلّ صوب يلبّون نداء الخلق و يستقبلون الوليد ، ثمّ تحلّقوا حوله يرفرفون مصفّقين بأجنحتهم ، يشدون له ...
    يلاغونه ......
    و يروون له الحكاية الأزليّة للتفتّح من تحت أنقاض الخسران..
    حكاية الزّوال من أجل الدّوام و البعث)

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,120
    المواضيع : 183
    الردود : 13120
    المعدل اليومي : 5.18

    افتراضي

    قبل أن أتكلم على القراءة النقدية أحب ان أنوه بجمال تلك القصة
    ما أروعها .. بفكرتها وبأبطالها وعمق طرحها..
    نسيج قصصي متماسك ولغة موحية ونهاية رائعة بأسلوب مائز
    وسرد ماتع.
    ثم جاءت قراءتك النقدية لتميط اللثام عن كل مبهم بداية من العنوان
    ( الساقية) ـ ثم بشخوص القصة وما ترمز إليه ـ فكأنك تفتح الغشاوة
    عن العيون لنرى النص من جديد بمعناه والمدلول الذي أراده الكاتب.
    كم أنت خبير بالغوص في خبايا النصوص لأصطياد لآليءالمعنى وأهدائنا
    أياها لنرتشف الجمال ونتذوقه.
    ما أروعك أديبا وكاتبا وناقدا .. فشكرا لك.
    ولك كل التقدير والأحترام. نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي






المواضيع المتشابهه

  1. رؤية نقدية لقصة " ربطة عنق " للأديب حسام القاضى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 14-03-2017, 05:39 PM
  2. رؤية نقدية لقصة دُميـَة .. للأديب رائد أحمد محمد محمد
    بواسطة هشام النجار في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 25-08-2015, 10:58 PM
  3. رؤية نقدية لقصة " البديل المؤقت " لمحمد فطومى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15-08-2015, 05:25 PM
  4. رؤية نقدية لقصة " الذى يدوم ولا يدوم " للأديب منير المنيرى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-07-2015, 04:39 PM
  5. رؤية نقدية لقصة " حقيبة متربة وجورب أبيض " .. للأديب حسام القاضى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 21-05-2015, 08:57 PM