أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة فى قصة " وَغشينِي النُعَاس" للأديبة د . نجلاء طمان

  1. #1
    الصورة الرمزية هشام النجار أديب
    تاريخ التسجيل : May 2013
    المشاركات : 959
    المواضيع : 359
    الردود : 959
    المعدل اليومي : 0.42

    افتراضي قراءة فى قصة " وَغشينِي النُعَاس" للأديبة د . نجلاء طمان

    وغشينى النعاس

    كلماتٌ مهتزة ؛ تتراصُ على زجاجٍ يفصلُ بيننا ، تُفرقها مسافاتٍ من صمتٍ يطولُ بلا سببٍ واضح..
    أعقدُ مساحاتِ التعجب بين حاجبيَّ ، أسأله:
    - ما بالكَ الليلة على غيرِ عادتكَ؟
    صمتٌ يطول.. يُوترنِي, تَختمُه كلماتٌ تظهرُ فجأة كأنما أنبتَها العدمُ..
    - ....
    تُسكتني الدهشةُ قليلًا.. أحارُ.., غريبةٌ الحروف, وبعيدةٌ المترادفات, متخاصمةٌ في عقلي, يندلقُ الذهولُ.

    جزيئاتُ الزجاجِ تتراقصُ .. عجبًا.. لم أعرف أبدًا أن الزجاج َيُمكن أنْ يسيل.. يتقاطر, تحاورنِي الفأرةُ.. بعد صراعٍ مضني أمسكُ بها, أخُطُ بأناملٍ مخدرة كلماتٍ مذبوحة.. تُزهَقُ روحُها قبلَ أن تصل...
    يُجاوبُه الصمت, يطول.. يطول.. يطول
    - اسمعي ..

    تضيعُ كلماتُه , وتضيعُ الحجرة , لا شئ مألوف الليلة, بقايا من ضوءٍ أحمر ترقصُ بالقربِ من زرِّ الإغلاق, تَضحكُ, تُغريني بِصفعِها, أمدُ يدًا مشلولة .. أُخرسُها.. أُغلقُ الجهازَ بالخطأ, وأُغلقُ أذنيَّ بالخطأ, وأغلق عينيَّ بالخطأ, أعصرُهما.. و.. تنفتحُ أبوابُ الجحيم.. أحاولُ الهروب, يُجهضني المقعدُ. أتشبثُ برفوفِ مكتبةٍ تتصدعُ تحتَ وطأةِ أصابعي الواهنة, يُعانقني الانهيارُ.. أنهارُ وتنفرطُ فوقي حباتٌ من كتبِ العمر, تعدو خلفَ بعضها, "البدايةُ والنهاية".. " الفاروقُ عمر".. "فقهُ السنة ".... "عُطيل" .. "زادُ الميعاد".. " صحيحُ مسلم.. "الرحيق المختوم".. و.. و ..

    أضحكُ, أقهقهُ, أنتحبُ.. أحادثُ العدم... كنتَ مني!.. كنتَ دمي! كيف يذبحني دمي ؟؟؟ كيف؟ كيف؟
    يتشبثُ بي الانكسارُ, أحشرجُ: يَارب..
    أحاولُ الوقوفُ.. مُحال.. تتلقاني الأرضُ ثانيةً, أضربُ فوقَ عنقِ الصدمة وتضربُ مني الرعشةُ كلَّ بَنَان, أنظرُ بابَ غرفةِ النوم...
    مَا أقصاه!

    تحشرُني الحسرةُ في زُمرتها الخائبة, أُساقُ إلى الموتِ ناظرةً بعيني َّ نهايةَ المصير... نهاية غباءِ الثقة. تخذلُني رُكبتاي, تئنُّ.. أزحفُ بِحملي, مردفةٌ فوق ظهري أمواجٌ من ظلمي لنفسي, من فتنةٍ من خيباتِ الثقة بخائنٍ يتقولُ بِفُتاتِ صدقٍ لمْ يَكن يومًا سوى مكاءً وتصديةً لشديدِ كذِبه.. لِمَ .. لِمَ؟؟ لِمَ؟؟ أتأوهُ...

    أنظرُ بابَ الغرفة, أزحفُ, قطراتٌ من مِلح الخديعة يُريكَها الذهولُ لعينيَّ قوافلَ من سنابكٍ تكتسحنِي. تُذهب رِّيحِي, وتنْكُصُ بقايا احتمالاتِي على أعقابِها, وتُشرِّد الخيانةُ بعقيمِ زحفِي. يركُمنِي الغدرُ بعضِي فوق بعضِي, يُبعثرني. أتشتتُ؛ بعضٌ فوق عُدوةٍ دُنيا من اليأس, وآخرٌ فوق عُدوةٍ قصوى من النِّزف, يتجرجرُ الجَمعان, يلتقيانِ على فِراش الهزيمة. أرتمِي في حُضن وِسادة مأهولة بالانتظار, أتقوقعُ.. أبكي.. أبكي..أبكي....................

    أستجدِي من الله بصيصَ نجاة.. وبعدَ دهورٍ من العذاب أتتْني أَمنةٌ مِنه ورحمة....

    وغَشينِي النُعاس.

    قراءة نقدية بقلم هشام النجار

    رجل وإمرأة وشاشة فى حوار إفتراضى عاصف كاشف للمشاعر يجسد مشهد إنعدام الثقة ويرسم لحظات المرارة والإنهيار مع قراءة أحرف الخديعة ، لكن المثير والجديد هنا أننا أمام رجل وإمرأة .. وفى الخلفية " سورة الأنفال " !
    كم من النساء فقدوا الثقة وإكتشفوا الخداع وحبستهم الحسرة وعايشوا الخيبة بعد أن هزهم زلزال الغدر وجرفتهم سيول الخذلان وأحرقتهم نيران الندم بعد إكتشافهم أنهم وثقوا فيمن لا يُوثق بهم من رجال ، لكن لم نسمع إمرأة مكلومة ومجروحة فى الحب الإنسانى الشائع ترتل يوماً وهى تنهار سورة الأنفال !
    قد تنشد شعراً ، قد تغنى لقيس موال أو تستحضر ما قاله صرعى الحب قديماً وحديثاً من أزجال ، وفى أحسن الأحوال إذا كانت يطغى داخلها النقاء الإسلامى فربما إستحضرت آيات الإحتساب وما قاله يعقوب فى يوسف وأيوب فى الصبر ، لكن أن تفتح المصحف على سورة " الأنفال " بالذات وترتل ، فهذا مختلف وعجيب لكونها سورة قتال وآيات حرب وصراع وإعداد عدة ومنهاج تبصير أمة لوضعها على طريق النصر والنهوض والتمكين وتحمل المسئوليات والمشاق ، وليست لتسكين حزن جريح ومصدوم فى شريكه ورفيقه .
    المقطع الأول كان لإكتشاف الخيانة والتخلى بكلمات " أنبتها العدم " ، والثانى مقطع الإنهيار بعد التأكيد بكلمات قاطعة وحاسمة وصريحة " إسمعى ... " ، والمقطع الثالث مقطع المراجعة وتأمل ما حدث والبحث فى حقيقة أسبابه ودوافعه " كيف يذبحنى دمى ؟ .. " .. " لمَ ؟ لم ؟ " ، والمقطع الرابع صور التيه التام واليأس والضياع الكامل فى إنتظار الفرج من الله وحده " أستجدى بصيص نجاة من الله .. وبعد دهور من العذاب أتتنى أمنة منه ورحمة .. وغشينى النعاس " !
    وفى كل مرحلة ومع كل مقطع نعيش مع السورة ، لأنها تستدعيها وتستحضرها عامدة متعمدة ؛ فالسورة تشرح طبيعة المعاناة وحقيقة علاقة البطلة مع من خان وتخلى فى مواجهة أخطار وصراعات ضخمة تتطلب إعداد العدة والوعى بقوانين النصر مع معية الله وإمداده للخروج من تيه الهزيمة والنجاة من التشتت والذل .
    " أضربُ فوقَ عنقِ الصدمة وتضربُ مني الرعشةُ كلَّ بَنَان" ، والصدمة والرعشة يمكن التعبير عنهما بأنماط شتى تليق بإمرأة دمر قلبها ، لكنها هنا ليست أية إمرأة وليس أى قلب وليس أى خذلان وليست أية هزيمة وليس أى إنكسار ، وليست أية حالة تلك التى تجعلنا نرتل ونحن نتابع معاناة البطلة " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فإضربوا فوق الأعناق وإضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب "
    " أُساقُ إلى الموتِ ناظرةً بعيني َّ نهايةَ المصير... نهاية غباءِ الثقة " .. فهل كان الحوار تفصل بينهما المسافات وتقرؤه على الشاشة الزجاجية الباردة جدالاً فردياً لحالة من الحالات التى تجرعت الخيانة الحياتية الشخصية وخذلها من وثقت بهم ؟ أم هى حالة بحجم ومكانة خيانة كبرى أثرت فى وضعية أمة ومكانتها ، ولا يزال منتسبوها " يجادلونك فى الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " ؟
    " أزحفُ بِحملي, مردفةٌ فوق ظهري أمواجٌ من ظلمي لنفسي, من فتنةٍ من خيباتِ الثقة بخائنٍ يتقولُ بِفُتاتِ صدقٍ لمْ يَكن يومًا سوى مكاءً وتصديةً لشديدِ كذِبه.. لِمَ .. لِمَ؟؟ لِمَ؟؟ أتأوهُ... " .. " مكاءاً وتصدية " ! إذاً القضية ليست بهذه البساطة وليست متعلقة بإكتشاف خيانة فردية قد تنسيها الأيام ويعالجها الزمن ، إنما هى حالة عامة تاريخية تراثية حضارية وواقعية تتعلق بماضى الأمة وحاضرها ومستقبلها .. أمة تواجه من ينفقون ويخططون لإذلالها وتدميرها وهزيمتها " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءاً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " .
    " أستجدِي من الله بصيصَ نجاة.. وبعدَ دهورٍ من العذاب أتتْني أَمنةٌ مِنه ورحمة....
    وغَشينِي النُعاس " .. " وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم . إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماءاً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام " .
    القصة مع ترتيل واع غير معهود لسورة الأنفال وربط لواقع الأمة بكتابها ، وما كانت " إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور " ، إلا مع " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار . ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " ، وما كانت " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين " إلا مع " وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة " ، والله تقدست عظمته لا يوجه هذا الخطاب وتلك الرعاية لأى أحد " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاءاً حسناً إن الله سميع عليم " .. ، ولذلك فإن الخلاص لم يأتِ إلا بعد دهور من الإعداد والمعاناة " وبعدَ دهورٍ من العذاب أتتْني أَمنةٌ مِنه ورحمة.... وغَشينِي النُعاس " .
    نحن لا شئ إذا سلكنا مسالك المنافقين وتقمصنا أحوالهم ، ولاشئ إذا وضعت أمتنا فينا ثقتها وخذلناها وخالفنا قوانين النصر وخضنا المهازل وغيبتنا المساخر وعشنا جبناء أو أغبياء ، ولا شئ إذا كنا عوناً للأعداء على أمتنا فعاشت كل هذا الوجع وهذا الإنهيار وهذا الإنكسار .. ولا شئ إذا كان همنا فقط الغنائم والدنيا فالخلاف على الأنفال خلاف على الدنيا " فإتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله " .
    اللغة جاءت رصينة بعبارات قصيرة وجمل سريعة ، حفلت بإستخدام التراكيب القوية موزونة الإيقاع مع كم ضخم من الأفعال فى حيز سردى محدود لنعيش صراعاً تضفى عليه الأفعال المزدحمة حدية وشراسة وقوة ، كما تفاعلت حركة الأفعال فى صراع البطلة النفسى نحو الخلاص مع حركة أفعال القتال والحرب الميدانية التى يستدعيها الذهن بصورة آلية نتيجة التناص الخادم لأهداف القصة مع سورة الأنفال .
    برعت الأديبة فى التصوير الفنى الجزئى وكان الإكثار منه مناسباً لطبيعة الصراع الذى خاضته البطلة ، فالتناص مع سورة من سور القرآن يتطلب جهداً بشرياً مضاعفاً لتفكيك الرموز وتذوق اللغة وتشكيل الصور وتركيبها وتحويل المفردات العادية والتراكيب المتداولة إلى صور ناطقة معبرة .

  2. #2
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه عضو اللجنة الإدارية
    مشرفة المشاريع
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.74

    افتراضي

    قراءة رائعة والتّركيز على الرّبط مع سورة الأنفال جاء مقنعا وقويّا
    بوركت
    تقديري وتحيّتي

  3. #3
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,150
    المواضيع : 183
    الردود : 13150
    المعدل اليومي : 5.19

    افتراضي

    قراءة رائعة ومركزة ومفيدة لنص برعت الكاتبه في تصويره
    نعيد اكتشاف النص من جديد بعد قراءتك النقدية وأنت تسلط الضوء على
    خفايا وخبايا ما بين السطور ـ وتأخذنا معك في جولة لأعماق ما خفي علينا
    بهذه القراءة الجميلة المبدعة
    بوركت ـ وسلمت اناملك ودمت مبدعا.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. وَغشينِي النُعَاس.
    بواسطة د. نجلاء طمان في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 16-03-2016, 10:09 AM
  2. قراءة فى قصة قلم كحل للأديبة نجلاء طمان
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-03-2015, 08:41 AM
  3. قصة للأديبة د.نجلاء طمان / في جريدة القبس الكويتية ..
    بواسطة وفاء شوكت خضر في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 16-06-2010, 11:41 PM
  4. قصة لأديبتنا الراقية/ د. نجلاء طمان في القبس الكويتية
    بواسطة حسام القاضي في المنتدى أَنْشِطَةُ وَإِصْدَارَاتُ الأَعْضَاءِ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 12-02-2010, 03:27 AM
  5. صفحة د. نجلاء طمان
    بواسطة خشان محمد خشان في المنتدى مَدْرَسَةُ الوَاحَةِ الأَدَبِيَّةِ
    مشاركات: 48
    آخر مشاركة: 18-06-2007, 01:24 PM