أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: رؤى في رواية " بحر أزرق قمر أبيض" / للأديب العراقي حسن البحار

  1. #1
    الصورة الرمزية صلاح داود شاعر
    تاريخ التسجيل : Nov 2015
    الدولة : تونس
    المشاركات : 19
    المواضيع : 5
    الردود : 19
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي رؤى في رواية " بحر أزرق قمر أبيض" / للأديب العراقي حسن البحار

    رؤى في
    رواية " بحر أزرق قمر أبيض" / لحسن البحار
    الحائزة على جائزة أدب الرحلات

    بقلم صلاح داود .تونس


    وأنت تتابع قراءة "بحر أزرق قمر أبيض" تتكثف لديك الجوانب التي يمكن أن تنشغل بها قارئا وناقدا تروم النفاذ إلى أعماق الرواية.
    ولكنك تجد نفسك مشدودا بالأساس إلى أهم مسألة فيها وهي شخصية "ريتا" كقضية في ذاتها وهي تلك المرأة التي توهّجت معها الدنيا وتوّهت بطل الرحلة "سي" عبر سفر متعدد الأنواع..
    فهو سفر مادي عبر البحر والأمواج طويلُ الأمد ، وهو كذلك سفر في دروب وجدانية عاطفية قاسية ،وتطوافٌ فكري عنيف عاصف كعصف الرياح التي طالما تلاعبت بسفينة البحّار " سي" .
    حاولت الرواية أن تشق عن خبايا هذه المرأة لتكشف لنا حقيقة المعنى الذي مثلته لدى" سي".
    فالراوي البحّار "سي" ، وهو يتحرك على اليابسة متتبعا ريتا، كان في الحقيقة كأنه في أعماق البحر يغوص صوب عوالم متضاربة متآلفة في آن واحد ما بين العقل المتوثب للرشاد والتروي والذكرى والاسترجاع والتعالي من ناحية وبين القلب المتحرر من سلاسل الممكن والمستحيل وكأنه يخلق لنفسه عالما مخصوصا به من ناحية أخرى.
    لذلك كانت ريتا عبر التتالي السردي تصل إلينا بملامحها وتحركاتها وخصالها من دون أن تكون في الحقيقة فردا واحدا بل هي اثنتان على الأقل بل ربما أكثرُ من ذلك .ولم تكن تصلنا كما هي ولكنها كانت منحوتة بإزميل فنان خلاق يبتدع لنا أنثى استثنائية تتجاوز النص المنطوق وتتماهى في مخيال المتلقي فتوقظ فيه في نفس الآن ما استيقظ في عالم سي من معاني الوجود والرغبة بكل ما هو سموّ وعفاف يُخشى معهما العودة إلى النزول..
    ويتجلى توضيح ذلك من خلال سلوكيات البحّار الذي كان حضور ريتا في ذهنه يقيّد أفعاله ويوجّه أفكاره بل وحتى مشاعره ويمنع عنه ما تنقاد إليه النفس من لذة ونزق..
    شأنه في ذلك مع " الفتاة القمحية البشرة المطواع اللينة " ص 91 بأحد مقاهي سنغفورة :"حين تحقق اللقاء وبدأ كل شيء يقترب مني: مظهر الأنف ..والعيون السود وجمال الخدود...قفزت من مقعدي أريد الابتعاد عنها ولا أريد. تذكرت ريتا.." 91
    بدت ريتا شخصية تجيد عن بعد إحكام إغلاق الدائرة على النفْس والنفَس من كل ناحية حتى تفسد على العقل والجسد معا أن يشتغلا بغير ما تمليه ريتا ..
    وقد يجاري المتلقي البحّار المثخن بحزات الوجد وقد يجانبه أو يناقضه فينأى عنه في رأيه في هذه المرأة من منطلقات اتنية عرقية مذهبية أخلاقية أو سوى ذلك .
    فريتا امرأة أرملة من دوماي بأندونيسيا بوذية الديانة تعمل بكازينو وتهتم بالزبائن
    ولكنها استطاعت أن تقلب في "سي" العربي المسلم كل موازين القراءة للكون وللأشياء ولمعنى الإنسان.
    قد تكون امرأة عادية في ذاتها بمفهوم المحافظين لكنها توزعت في الرواية عبر التوسع السردي كما شاء لها البحار سي في غضون مشاعر متلاطمة وأفكار متخبطة متواثبة في تفاعل التلاقي التناقضيّ بين القلب والعقل تفاعلا كيمياميا عجيب المزج تكون نهايته إيقاظَ الذهن وتحميلَه قضية ..
    فعالم ريتا كما يعتمل في باطن سي شبيه إلى أبعد الحدود بالسفينة التي كان مبحرا عليها عبر القارات والبلدان ..صراع مع العواصف والأمواج والذكريات والمستقبل والقرار الذي لا بد من أن ترسي سفينة الفكر في مينائه.وهذه السفينة قدرها ان تعيش في البحر ..
    فهل هذا البحر إلا ريتا؟
    هنا يكون المتلقي ملتذا بتتبع النسق السردي على لسان الراوي وقد يكون هو نفسه المتحدَّث عنه ذلك العاشقَ المتيم ، يقاسمه اللوعة والجنون أو يكون ساخطا على هذا الذي من المفروض ألا يغرق في أمواج العاطفة وهو المطالب بمغالبة أمواج المحيطات .
    لكن يبدو أن العاشق غيرُ عابئ بما نبديه تجاهه من تماه معه أو انزياح عنه ما دام الحب ، وريتا رمزه، قد مثلا الوجود والانبعاث.
    "استيقظتْ مشاعر الأنا في داخلي ..فجأة شعرت بوجودي" ص 35
    إن هذا المرأة قد تبدّت منها مواقف عديدة من حراك عاطفي عنيف واهتزاز تخييلي فكري واجتماعي بما أرجع الراوي إلى حياته الماضية في بلاده مع العائلة والعمة وبنت الخالة ولعنة الحب القديم قبالة التناقضات التي أوقعته فيها ريتا قياسا بذلك الماضي..
    الصراع صار أمرا واقعا ما بين المنتهي المنقضي والراهن المعيش والآتي المنشود .ومن حيث يبدأ الراوي يستعرض علينا استرجاعات الذكرى وارتداداتها على حياته الحاضرة يتركنا بدون كثير من التفصيل أو التحليل أو تكديس المعلومات وكأنه يُعِيرنا الإذن لاستبطانه وكأنما هو نحن، ونحن معناه ..
    بذلك تتسرب إلينا عدوى الضياع والحيرة اللذين أوقعت فيهما ريتا بحّارها الغارق في متاهات حبها..
    وهنا يتقاطع المكانان والزمانان ..
    كازينو ريتا بما فيه من معنى وانبهار وانشداد إلى الحاضر والمستقبل وبيت الخالة الذي من المفروض أن يكون الحب والسلام لكنه كان الضرب والوجع والهزيمة واللعنة " التي كسرت شوكته" ص 26
    في خضم هذا المد والجزر بين الأزمنة والأماكن تتصور لنا ريتا بحضورها الحقيقيّ المكثف في الفصول الأولى للرواية من حيث اللقاءاتُ المكثفة بينها وبين "سي" والانفعالاتُ المتعددة إلى غيابها الجسدي حين غادر البحّار المتيم سواحل دوماي بأندونيسيا إلى عوالم متعددة متباعدة.
    ولكن تظل ريتا هي الجامع المشترك بين كل هذا الأمكنة المختلفة بل إن حضورها تعمّق بمجرد أن غابت جسدا فباتت تتحرك على وقع عُتيّ الأمواج وصخب المشاعر وتقلقل الفكر.
    إن ريتا في هذه الرواية السردية كانت الوجه العاكس لما ينقله الراوي من مشاهد أو معلومات أو أحداث في تلك المدن والبلدان التي كانت ترسي فيها السفينة ، حتى بدا كل شيء هي الفاعلة فيه ..
    حتى النزوات التي تخبّط فيها سي هنا وهناك كانت هي المكبح الذي يشدّ هيجان الشهوة ويعدّل من نزق النزوة واندفاع الرغبة.. وكانت هي اللجام "لصهيل خيول "الخيانة ص 133.
    فريتا لم تَبقَ حيث هي، حيث ودّعها البحّار المسافر الضارب في الآفاق ولم تظلَّ جامدة ثابتة في المكان "دوماي" ،فذلك وهمٌ منا لو صدّقناه.
    فقد كانت هي الربّانَ المحرك الحق للأحداث حتى وإن كانت متخفية في شخصية الغائب . فطالما كانت ذلك "القمر الأبيض" الذي يرافق السفينة ويغازل نسمات الليل ويراقب حركات المحب المنزلق من حين لآخر في جاذبية الإغراءات الليلية حيثما أرست به الرحلة.. فقد كاد يرتكب "الخيانة" في حق ريتا مع "سوفيا" تلك الفتاة البلجيكية الأب المغربية الأم .
    ومثلما يعجز الخائن عن النظر في عيني من خان فكذلك كان شأن سي مع القمر وهو يمارس "الخيانة" مع سوفيا في بلجيكا ليلة رأس السنة:
    "لم أستطع التمعن به طويلا. صارت عيناي تدمعان من توهج الضوء"ص139.
    إن القمر هو ريتا بلا شك.
    وريتا كذلك ليست شيئا منفصلا عن ذاك "البحر الأزرق" المغري بالقبل والتأمل:"رأيت وجه ريتا يتشكل أمامي على وجه الموج الأزرق المتلألئ تحت شعاع الشمس البراق، لملمت شفتيّ ورجمت البحر بقبلات كانت ندية وتركت العملاق وشأنه" ص 140
    أفلا يكون في هذا ضرْب من التوحد بين القمر وريتا وبين ريتا والبحر وبين البحر وسي بما يفضي إلى انتفاء الفواصل بين الأنا والآخر وبين ما هو في العلياء وما هو في الأسفل ؟ توحد أفقي عمودي حيث يذوب الكل في الكل ؟
    ///
    فبضل هذه المرأة التي عصفت بكيان البحّار استطعنا أن ندرك أنّ من كان يصارع من أمواج وعواصف لم يكن على الإطلاق منفصلا عن عواصف حسن البحار الإنسان الحقيقي في الدنيا.
    فقد تكون هناك ملامسة لمرحلة الطفولة والمراهقة حين كان ذلك الشاب اليافع الذي يتحسس طريقه إلى اختراق الرتيب من الأحلام وإقناع العائلة بأن يكون هو سيد القرار الذي يليق به.
    فتعرفنا على طبيعة الدراسة التي فضلها الراوي "دراسة الهندسة البحرية"27 هروبا من الرتابة: "جئت إليه [البحر] ...كونه تكفل بإسعادي طوال حياتي وهذا ما تأملته بقراري أن أكون بحارا على أن أكون موظفا على اليابسة يعمل بدوام فيه الرتابة اليومية تضيّق الصدر وتخنق الأنفاس حدّ الموت". ص 102
    وتتوالد المعلومات بما يؤكد الترجمة الذاتية للمؤلف ولطبيعة عمله وهو إصلاح محركات السفن صص 100 و101 ولكنها ترجمة مبثوثة عبر النص السردي بأكمله..
    إنّ هذا الضرب من التآليف أعني أدب الرحلات يختلف كثيرا عن الروايات التي نعرفها ..
    فقد ولج بنا إلى الكشف عن أسرار الرحلات البحرية وعن أسرار وطرق مواجهة العواصف البحرية وطبيعة علاقات المشتغلين على السفينة بعضهم ببعض: "ازداد الحِمل على مولدات الطاقة بزيادة السرعة ، في الحال هاتفت رئيس الطباخين بأمر من رئيس المهندسين طالبا منه إطفاء الأجهزة الكهربائية" 102ص
    وتكْشف لنا الترجمة عن عادات الشعوب التي تعرّف عليها البحّار وخصالِها وما يجمع أو يفرّق بينها من سلوك وطباع وحضارات، حتى تكاد تشعر أنك أمام مرجع جغرافي إنساني يذكرك بمشاهير الرحالة العالمين من ابن بطوطة إلى ماركوبولو وابن حوقل وغيرهم..
    لقد طوّف بنا حسن البحار ما بين أندونسيا وطقوسها المتعددة وإتنية الجاوية المهيمنة فيها من الناحية السياسية 41، وسنغافورا ونظام أهلها الصارم العجيب 84 وبلجيكا وحدائقها الفتانة المغرية 125 وإيطاليا وتماثيلها العارية 114..
    لكنّ لذة القص السردي تظل محافظة بكل صرامة على شد المتلقي فتقذف إليه المعلومة بكل يسر وتُرسّخ لديه التثقف بما يثري الزاد المعرفي ..حتى يبدو الكتاب كأنه كتاب حضاري يذكر بما دونه الطهطاوي في تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز أو فارس الشدياق في "الساق على الساق في ما هو الفارياق" أو ابن أبي الضياف في "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" أو خير الدين التونسي في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"..
    وقد كان المؤلف عاكسا لشخصية المثقف العربي الواعي المتأزم بانتمائه إلى مجتمع لا يرقى إلى أشواقه وآماله..
    فهذا التركيز على نقل المعلومات والانتباه إلى أشياء دون غيرها في تلك المناطق التي حط بها ترحاله يُبرز باعتراف الكاتب نفسه أنه يتوق إلى كيان أمة غيرِ الكيان الذي هي عليه.
    فالانتباه إلى نظافة المدن وحسن نظام السير فيها والصبغة الجمالية لرياضها وحدائقها وعزة مواطنيها وقوة اقتصادهم والتعايش السلمي الغريب بين مختلف الطوائف والإتنيات فيها الخ.. كل ذلك يقوم شاهدا على أننا لا نجد أثرا كبيرا لذلك في مدننا العربية وأنظمتنا السياسية ومذاهبنا الدينية المتعددة ولا في عقليات شعوبنا المنقسمة المتناحرة والتي فيها من قد يبيع الوطن رخيصا ولا خجل.
    فهاهو البحّار التائه في تأملاته في مدينة كولمبو على سبيل الذكر يقف مدهوشا ساهما : "مدينة جميلة رسمها الخالق على ظهر كوكب الأرض ليعز بها أهلها المختلفين في الأديان والمعتقدات متحابين يعملون كـيد واحدة لا تشوب حياتهم شائبة الاختلاف الاتني أو الطائفي أو غيرهما ..الدنيا وسّعت لهم من صدرها لينعموا باقتصاد باهر .." ص 108
    إنها حقا صدمة الحضارة وأزمة المثقف وحُرقة الواعي في عالم لا مجال فيه لصغار النفوس ..
    إن حسن البحار العربي المسافر لا يتركنا نتفلسف طويلا أو نحتاج إلى كثير من التأويل لندرك أنه فعلا مصاب بـشظية همّ جارحة تجعله لا يستطيع أن يكون مجرد متفرج.
    فهو هنا وهو هناك في نفس الآن.. والقول في ذلك معلن صريح: " كنت وصديقي رئيس الضباط نتسابق في شوارع البهجة ،شعرنا بحاجتنا إلى شراب قويّ يبعد عنا يأس الوصول إلى مقارنات بين ما نراه في طريقنا وما نعرفه من رداءة حال في شوارع مدننا." ص 88
    //
    إلا أن رحلة حسن البحار ترْقى على كتب الرحلات التي يقتصر دورها على نقل المَشاهد وتدوين المعلومات وتسجيل الخواطر .
    وهي بذلك تختلف عنها بأساليبها وأخيلتها ولغتها بما يجعل من العمل نصا إبداعيا بتميز وليس مجرد رحلة استكشافية توثيقية تسجيلية أو سلخا لسيرة ذاتية سطحية ..
    وقد يتناوب خيالَ القارئ من حين لآخر صورُ أبطال " ألف ليلة وليلة" بأجواء المجالس الراقصة ونفحات الشراب المدغدغة للأنوف وسهرات المتع النسائية والمسامرات الليلية البديعة وبتقلبات البِحَار والسندبادُ البحريّ يصارع الأهوال..
    //
    ورحلة العشق بين سي وريتا محفوفة بنسيج من الأساليب الشعرية التي تسمو باللغة عن مجالها المعتاد:
    "بلا عنوان ضممت خافقي وقلت إن الحب ينهار في زمن حلّت فيه خطوةٌ ورحلت أخرى على خارطة، لم تزهر فيه بعد إلا قبلةٌ واحدة..قبلة رسمت في ساحات جسدي المهجورة نافورة جراح لم تُـلقِ الشفاه فيها بلسما بعد" 73 .
    لغة شفّت في كثير من المواضع وكادت تجنّح بخفة ويسر وغياب كلّيّ لكل تعسّف أو غموض .. ففقدت كثافة التفصيل ودسامة التحليل وخضعت لخصوصية مدهشة تفتح المجال صوب التجلّي ، كان حسن البحار ربّانها القائد بتفرد مدهش عجيب.
    وقد وظف لذلك أسلوبا يكاد يلامس الفكرة ويرفض التحليل والغوص:
    "متشابكيْ الأيدي حتى الباب ودّع قلبي وجهها، أحفظ غيبا احتمالي ومثلَ حكايتي أحْمل اشتعالي والصدى الطويلُ صمتي..ضبطت تفكيري فشلت، فرميت رأسي بلونها القمحيّ وضبطت جسدي، ثم غادرت المكان" 37
    وفي هذا السياق استعمل المؤلف أفعالا وأوصافا من قاموس البِحار ومعجمية الماء ليتابع البطلة ريتا في جلّ حركاتها وسكناتها الانسيابية المترقرقة: "مضت تتموج بقوامها الرشيق إلى غايتها " 23
    "ريتا مينائي المنشود الذي أنزع فيه جلد التعب" 146
    وكانت الجمل تريد التحرر المطلق وترفض التقيد بروابط العطف والتسلسل المادي المألوف.
    فقلما استعمل حروف العطف للربط بين الجمل وحتى بين الكلمات في الفقرة الواحدة
    مثل ذلك :: قوله "عليّ التفكير بشيء غريب أخالط فيه الغرباء..
    حياتي وقبل كل شيء هي جراح بحجم خارطة البحار ..
    جسدي الطازج مثلُ الموج يواجه الصخور منتصبا يرتطم بجنون..فمي بطعمه الغريب يمتد فوق المد الحزين..." ص 75
    وعلى هذا النسق تتوالى عدة جمل وفقرات وكأنّ المؤلف المتعوّدَ بسفينته على اختراق لجج الموج بلا توقف أو مبالاة بما يعترض سفينته من صخور هوذاته الذي نسخته الكتابة الروائية مغامرا من نوع آخر يجازف باختراق ثوابت الغة فأرخى للجمل العنان كي تنساب بعجلة وتحرّر وكأنْ لا وقت لقطع السرد والوصف بفواصل مادية ولا وقتَ أو موضعَ لتجزئة الفكرة وقطع أوصالها :
    "الحب رقيق جدا لكن قويّ يفرض البوح على التأمل بوجه الضوء ناحية الأحلام يَنشُد الكأس على التسليم في الأوهام يحرّك الخافق بضجيج لا ينفكّ فيه الصياح قبل أن تسود في الصدر نشوة الهدوء والإصغاء" 74.
    ليس في الفقرة عطف واحد
    قد يكون هذا تمردا علَّم البحّار خوض غمار المجازفة فتنكر للمألوف وكفر بالثوابت..
    أليس هو من صرّح في مطلع الرواية بأنه هرب من رتيب الأعمال وقرر أن يختار الانزواء عن العالم شهورا وأسابيع يقطع ألاف الأميال في المدى البعيد تتقاذفه الأمواج ولا يهابها؟ "هذه الرتابة لا تلائم شخصيتي وهذا السبب الوحيد الذي دفعني إلى أن أكون بحارا".. فقد كان " إنسانا يحب المغامرة" 46.
    //
    إن الخيال ملاصق للواقع في "بحر أزرق قمر أبيض" كثيرا ما توظفت فيه معجمية الطبيعة ما بين البحر والسمااء وما بينهما (كالنوارس المحلقة )
    " بدا رحيق الحب مرا على شفتي.. تلك التي علمتني كيف أضحك [يقصد ريتا] وأنا أتسلق التلة مثل الأطفال أكركر أرسم القمر الأبيض والنجوم على الساحل .." ص 81
    هي ريتا إذن
    هي"القمر الأبيض" والبحّار "سي" هو" البحر الأزرق" في بعديهما الطبيعي بلا تكلف ولا افتعال وفي رمزهما المشترك في ما هو الفوق والتحت ..
    خط عمودي يتطلب الصعود لمن هو في البحر ويحتاج الغوصَ ومصارعة اليم ممن هو في السماء ..
    أفلا يكون في هذا ضرب من التوحد بين القمر وريتا ،وبين ريتا والبحر، وبين البحر وسي ، بما يفضي إلى انتفاء الفواصل بين الأنا والآخر وبين ما هو في العلياء وما هو في الأسفل ؟
    توحد أفقيّ عمودي يذوب فيهما الكلّ في الكلّ ؟

    صلاح داود/ تونس
    مارس /2016 تأليفا



  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,352
    المواضيع : 183
    الردود : 13352
    المعدل اليومي : 5.09

    افتراضي

    رغم إنني لم اقرأ النص الأصلي إلا إنك قد قدمت رؤية نقدية رائعة، وقراءة مستفيضة
    وتحليل دقيق ـ وغوص رائع فيما وراء القصد، وذكاء في تسليط الضوء
    على خفايا السطور.
    سعدت واستفدت وتمتعت بما قرأت فشكرا لك.
    تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,118
    المواضيع : 71
    الردود : 4118
    المعدل اليومي : 1.53

    افتراضي

    قراءة فيها عمق وشاملة لأطراف الرواية وجمع أهم نقاطها ، ربما أيضا أقرأها بعد قراءة نقدك الجميل
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

المواضيع المتشابهه

  1. هل بحر الموفور ( اللاحق )هو بحر مستقلّ أم هو مجزوء بحر البسيط
    بواسطة محمد سمير السحار في المنتدى العرُوضُ وَالقَافِيَةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-12-2016, 01:02 PM
  2. رؤية نقدية لقصة " حقيبة متربة وجورب أبيض " .. للأديب حسام القاضى
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 21-05-2015, 08:57 PM
  3. أزرق ..!
    بواسطة ثائر الحيالي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 01-06-2010, 04:22 PM
  4. مجرد""""كلمة"""""ترفع فيك أو تحطمك........!
    بواسطة أحمد محمد الفوال في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 28-05-2009, 11:27 AM
  5. "البائـس" ...قراءة نقدية تحليلية فى قصة "الانتقام الرهيب " للأديب : محمد نديم
    بواسطة د. نجلاء طمان في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 25-05-2008, 03:08 PM