أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة في قصيدة خارطة العودة للشاعر عصام فقيري

  1. #1
    مشرفة مدرسة الواحة
    شاعرة
    الصورة الرمزية فاتن دراوشة
    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    الدولة : palestine
    المشاركات : 8,514
    المواضيع : 86
    الردود : 8514
    المعدل اليومي : 2.86

    افتراضي

    عَكْسَ الجِهَاتِ أَدَرْتَ بَوصَلَتَكْ
    وَرَمَيتَ للِأَحْزَانِ أَمْتِعَتَكَ

    قصيدة يغوص بها الشّاعر في حالة اغترابه وبحثه عن ذاته في لجّة الأحزان والأسى التي غرقت بها، ويبدأ قصيدته بمطلع قويّ مرصّع يكسو الصّمت نهايات شطريه، ليدخلنا إلى عالم صمته وذهوله، فها هو يُديرُ بوصلته في بحر اغترابه عكس الجِهات ربّما لتوصله إلى البرّ الذي أتى منه قبل الإبحار، وربّما لكونه شاء حالة التّيه التي يعيشها أن تستمرّ فلم يشأ للبوصلةِ أن ترشده إلى برّ الأمان المنشود، أو لخوفه من البرّ الذي قصده والذي يفضّل عدم الوصول إليه. وفي غمرة توهان سفينته في لجّة اغترابه تلك يرمي شاعرنا للأحزان بحمله وأمتعته وهو هنا يستسلم لتلك الأحزان ويستعين بها عوض محاربتها ومجابهتها، ويطلب منها أن تعينه في دربه الذي لا يشاء الخروج منه.
    ولقد كان أسلوب الاستعارة هنا قويّا ملفتا فتشبيهه للأحزان بدابّة يُلقي فوق ظهرها بأحماله وأمتعته تشبيه عميق مثير للمخيّلة.



    وَظَلَلْتَ تَبْحَثُ فِي الظَّلَامِ عَلَى
    وَجْهِ الضِّيَاءِ لِكَيْ تَرَى جِهَتَكْ


    ولكنّه وفي غمرة الأسى والحزن التي يتوه به، نراه رغم كلّ ما يكتنفه من ظلام يبحث عن وجه الضّياء الذي حُرمَ منه لكي يعكس ذلك الوجه في مراياه جهة الشّاعر، وعمليّة البحث تلك إن دلّت فهي تدلّ على أنّ الأمل في هذه اللجّة القاتمة لا يزال يبزغ رغم قتامة العيش والتّيه الذي يحياه.
    وهنا أيضا كانت استعارة الوجه للضّياء موحية عميقة، فالوجوه المشرقة عادة ما تهب للمرء ابتسامتها ليشعر بالسّعادة، وهو يبحث في وجه الضّياء عن تلك الابتسامة ربّما لتهبه الأمل الذي يفتقده.


    وَنَسَيتَ أَنَّ الشَّمْسَ مُذْ رَحَلَتْ
    لَمْ تَطْرِقِ الأَضْوَاءُ نَافِذَتَكْ

    ولكنّه يستدرِك ما قاله عن بحثه عن وجه الضّياء بأنّه حين يبحث عنه فهو ينسى أو يتناسى أنّ شمس حياته قد رحلت عنها لم تَعُد هناء أضواء في حياته لتطرق نافذتها، فالشّمس قد جمعت كلّ أشعّتها ومضت تاركة حياته ترزح تحت أكوام الظّلام.
    وهنا أيضا كانت الاستعارة قويّة فتشبيهه للشّمس بشخص يجمع أمتعته ويرحل تشبيه عميق موحٍ ومثير للمخيّلة، يجعل المتلقّي يتوه معه في المخيّلة ليعيش تلك اللّحظة ويصوغ في ذهنه تفاصيلها.


    عَبَثًا تُحَاوِلُ أَنْ تَرَاكَ وَلَا
    شَيءٌ يُبَدِّدُ عَنْكَ أَقْنِعَتَكْ


    وهو هنا يُخاطب نفسه وكأنه يُطالعها في المرآة ويقول لنفسه عَبَثا تُحاول أن تَرى نفسك وما من ضوء حولك ليبدّد ويزيل عنك أقنعة اليأس والأسى التي تضعها على وجهك وتحجبك عن الضّياء في عالمك. وهنا إشارة لكون ذلك الظّلام مفتعلا، فهو قادر على إزالة تلك الأقنعة التي وضعها بنفسه لكنّ صدمته ومشاعره القاتمة هي ما جعلته يختار أن يضع تلك الأقنعة لتحجب عنه مأساته قبل أيّ شيء آخر، والأقنعة دائما ما ترمز للهروب من الواقع، ولو أنّ واقعه كان يروق له لما كان رضي بأن يُخفي نفسه عنه، لكنّها محاولة للهرب من واقع مؤلم تسبّب له بالجراح.

    مُذْ بِعْتَ وَجْهَكَ لِلدُّرُوبِ أَبَتْ
    أَلَّا تُعِيدَ إِلَيكَ خَارِطَتَكْ

    ويقول لنفسه مخاطبًا إيّاها أيضا أنّه منذ باع نفسه للدّروب فقد خارطة ذاته ولم تُعِد إليه تلك الدّروب خارطة ذاته أبدا، والمقصود هنا ببيع النّفس للدّرب هو المضيّ في خضمّ تلك الرّحلة التي طاب له المضيّ بها في لجّة الأسى والقتام بعدما ناله من الحياة وضوئها ما يكسر القلب ويفتّت الوجدان.
    وهنا نراه يستعير من الدّروب والأماكن الخارطة، ويشبّه ذاته ببقعة من البقاع تقطعها الدّروب وخارطة تفاصيلها وتضاريسها بيد الدّروب التي تأبى أن تُعيدها إليه ليهتديَ إلى ذاته في ظلامه الدّامس الذي يغرق فيه.


    أَوَ كُلَّمَا عَانَقْتَ أُمْنِيَةً
    شّدَّ الضَّيَاعُ إِلَيهِ نَاصِيتَكْ


    ويكمل حديثه مع ذاته مسائلا إيّاها هل كلّما عانقتَ أيّها المكنوب أمنيةً تقرّبك من الحياة وتُعيدُ إليك الأمل يشدّ الضّياع ناصيتك إليه مقرّبا إيّاك منه، وهنا أيضا نرى استعارة قويّة فالأمنية كالفتاة الجميلة يعانقها بروحه والضّياع كالوحش الضّاري كلّما رآه يعانق تلك الأمنية يشدّه إليه مبعدا إيّاه عنها.


    بِالْأَمْسِ حَاوَلْتَ الهُرُوبَ كَمَا
    أَطْلَقْتَ صَوْبَ الرِّيحِ أَجْنِحَتَكْ
    وَالوَاقِعُ المَجْهُولُ حِينَ رَأَى
    مِنكَ الهُروبَ أَطَاحَ أَلْوِيَتَكْ


    وهنا نراه يتذكّر حين حاول الهروب من لجّة العتم والقتام التي زجّ بنفسه بها، فقد حاول الهروب والفرار منها وأطلق أجنحته باتّجاه الرّيح لتنقله إلى الفضاء الواسع حيث ينعم بالنّور.
    لكنّ واقعه المجهول حين رآه يحاول الهروب من يأسه وقتامه أطاح بألويته وجعله ينهزم ويعود إلى لجّة القتام حيث يغرق. وهنا أيضا نراه يستعمل أسلوب الاستعارة حيث المجهول يُطيح بألويته وينتصر على جحافل محاولته للهرب.


    عَامَانِ هَا رَحَلَا وَمَا تَركَا
    أَمَلًا تُدِيرُ إِلَيهِ أَشْرِعَتَكْ


    لقد مضى عامان على دخوله تلك اللّجة القاتمة، فلم يبقَ لديه أملا يصوّب أشرعة سفينته نحوه.
    وكان تشبيه الأمل هنا بالسّفينة التي أتى بالشّراع مكنّيا عنها وقع في النّفس والمخيّلة، فالقارئ يتابع بذهنه الصّورة ويعيش التّفاصيل كما لو أنّها تجري أمام عينيه.


    حَتَّى الأَغَانِي أَنْكَرَتَكَ وَلَمْ
    تَعْلَمْ لِمَاذَا غَادَرَتْ شَفَتَكْ

    وفي غمرة هذا اليأس نرى الأغاني والتي ترمز للسّعادة والهناء تُنكر الشّاعر وتغادر شفتيه إلى غير رجعة، فهو لم يعد يردّد الأغاني لأنّه لم يعد يشعر بمعانيها وبما تحمله من جمال وأمل وإشراق ومتعة.
    وهنا نرى الأغاني كفتاة جميلة كانت تلازم الشّاعر وتقطن شفتيه وحين دخل إلى بوتقة الحزن ولجّته وظلامه أنكرت معرفتها به وغادرت شفتيه التي كانت تقطنها إلى مكان آخر ينعم لها العيش به.

    لَا شَيءَ غَير الهَّمِ تَرْشِفُهُ
    كَأْسًا لِتَسْكُبَ مِنْهُ قَافِيَتَكْ

    لا شيء في محيطك غير الهم الذي ترشف من كأسه وتسكب من كأسه شعرك وقوافيك.
    وتصوير الهمّ هنا بشراب يملأ الكأس صورة عميقة تلهب المخيّلة وتستفزّها لمعايشة تفاصيل القصّة وأحداثها.


    وَبَقِيتَ تَتْبَعُ طَيفَ أُمْنِيةٍ
    أَسْكَنْتَهَا مِنْ قَبْلُ أَبْنِيَتَكْ


    ورغم كلّ الهموم والظّلام الذي يكتنف حياتك والذي تغرق به بقيت تتبع طيفَ أمنيةٍ تلمحه من بعيد هذه الأمنية كانت تسكن من قبل أبنيتك لكنّها بعد أن هجرتك بتّ تلمح طيفها يجوب فضاء عيشك وبتّ تطارد ذلك الطّيف علّك تحظى برؤية تلك الأمنية من جديد.
    وهنا أيضا نرى الأمل يداعب قلب الشّاعر رغم استسلامه للألم واليأس الذي يطبق على حياته ويظلم جنباتها، فهو يحلم بأن يعود إليه الأمل لينير حياته من جديد.
    وهذه المطاردة لطيف تلك الأمنية إنّما هي رغبته بعودة الأمل إلى حياته.


    مُتَمَسِّكًا بِالصَّبْرِ تَحْسَبُهُ
    يَوْمًا يَرُدُّ إِلَيْكَ رَاحِلَتَكْ


    ولكي يستطيع البقاء صامدًا في صراعه ذاك ما بين الأمل والألم نراه يتمسّك بحبل الصّبر ظنّا منه أنّ حبل الصّبر ذاك سيعيد إليه يَوما راحلة الأمل والأماني التي رحلت عنه مخلّفة إيّاه للجّة آلامه منذ زمن.
    وتشبيه الأماني والأمل هنا بالرّاحلة أتى قويّا عميقا وموحيا.


    سَتَعِيشُ تَبْحَثُ عَنْكَ مُرْتَحِلًا
    حَتَّى تَدَورَ الأَرْضُ نَاحِيَتَكْ


    ويكمل خطابه لذاته فهو سوف يعيش يبحث عن ذاته مرتحلا من مكان إلى آخر حتّى تدور الأرض باتّجاهه معيدةً إليه ذاته الهاربة، وما أروعها من صورة وأعمقه من خيال حين نتخيّل الأرض تدور وتتحرّك في فلكك لتزفّ إليك نفسك وذاتك التي اغتربت عنك في فضاء من القتام والألم والوجع.


    وَتَظَلُّ حَرْبُكَ مَا انْهَزَمْتَ وَمَا
    سَلَّمْتَ لِلْخُذْلَانِ أَسْلِحَتَكْ

    وأتت هنا الخاتمة كما المطلع قويّة محمّلة بالجلد والصّبر والمثابرة وعدم الاستسلام لليأس، فحربه على يأسه وظلام عيشه ستظلّ قائمة وهو لن يعلن انهزامه أمام جحافل الألم، ولن يسلّم أسلحة مقاومته للخذلان واليأس بل سيحارب آلامه إلى أن ينتصر على ذاته ويعود إلى سابق عهده كما يشاء لنفسه بأن تكون دائما


    قصيدة رائعة رغم سيل الألم وحرقة القلب والجراح التي يعيشها الشّاعر والتي تشعره باغتراب عن نفسه التي ألفها عامرة بالبهاء والسّعادة ومشرقة بالأمل دائما، ومعركة بينه وبين أوجاعه وآلامه ليعيد تلك الذّات إلى سابق عهدها.
    وبراعة في التّصوير جعلتنا نعيش تفاصيل تلك المعركة وحيثيّاتها، ونلازمه في كلّ خطوة وخطوة.
    دامت قريحتك متّقدة ودام الإبداع حليفك أخي
    تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

  2. #2
    نائب رئيس الإدارة العليا
    المديرة التنفيذية
    شاعرة
    الصورة الرمزية ربيحة الرفاعي
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,924
    المواضيع : 293
    الردود : 34924
    المعدل اليومي : 12.48

    افتراضي

    تتبع جميل لمواطن الجمال وقراءة سلطت ضوء التمعن المتأني على نص شعري بديع متتبعة الصورة الشعرية ودلالتها
    متعة كانت الجولة في القصيدة رغم الأسى في محمولها
    ومتعة كانت الجولة في قراءتك الراقية غاليتي

    دمتما بألق
    تحيتي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    مشرفة مدرسة الواحة
    شاعرة
    الصورة الرمزية فاتن دراوشة
    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    الدولة : palestine
    المشاركات : 8,514
    المواضيع : 86
    الردود : 8514
    المعدل اليومي : 2.86

    افتراضي

    شكرا لنقلك الموضوع إلى هذا القسم غاليتي

    استحسانك للقراءة يسعدني ويبهجني

    ربّما هي لا تقع ضمن القراءات النّقديّة فقد تناولت قراءتي النصّ من منظوري الخاصّ

    وبها حاولت أن أتعمّق في صور النصّ الشّعريّة وفي محتواها وجماليّاتها فقط لا غير ربّما لإيماني العميق بأنّ الصّور وما وراء السّطور هي روح النصّ التي تجعله ينبض في مخيّلة المتلقّي وذهنه.

    دمت لنا منارة تضيء لنا الدّرب أمّاه

    محبّتي


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة