أحدث المشاركات
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 21 إلى 24 من 24

الموضوع: قراءة جمالية في قصيدة ( صلاة شوق ) للشاعر الأستاذ د. سمير العمري

  1. #21
    الصورة الرمزية براءة الجودي شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2012
    الدولة : قابعٌ في فؤادي ألمحُ السرَّ المثير * شاعرٌ حرٌّ أبيٌّ فلأشعاري زئير
    المشاركات : 4,369
    المواضيع : 71
    الردود : 4369
    المعدل اليومي : 1.56

    افتراضي

    حقيقة قدمت نقدا مدهشا ورائعا بمعنى الكلمة ينم عن ذكاء وبعد نظر وفهم عميق وتحليل علمي دقيق
    أتمنى بحق أن تكملي ماتبقى منها فلم تبق إلا أبيات قليلة
    وأود أن أعرف على أي بحر هذه القصيدة ؟
    والأمر الثاني ..
    كان أيام الدولة الأموية حسب ماأتذكره أن هناك مدرستين في الغزل :
    مدرسة الغزل الحسي ( يركز على جسد المرأة) وأبرزهم فيه : عمر بن أبي ربيعة القرشي في الحجاز
    مدرسة الغزل المعنوي ( يركز على مشاعر الحب والأشواق والحنين ) ومنهم كثير : كقيس وجميل وغيرهم وكانوا في نجد

    وبتحليلك في هذه القصيدة ذكرت أن الدكتور سمير العمري قد أتى بما لم يأتي به السابقون في الغزل
    والنقطة التي أريد منكم توضيحها هي :
    أليس شعره يُصنّف ضمن مدرسة الغزل المعنوي ماكان عليه قيس والآخرون ، فهم لم يتطرقوا إلى جسد المرأة أكثر مما شرحوا أشواقهم وحبهم وفراقهم مع المرأة ؟
    وهل برأيك أن شاعرنا القدير الدكتور سمير أضاف الجديد وطور في هذه المدرسة الغزلية المعنوية بحيث تكون إضافة قد تفرّد فيها عن شعراء الغزل المعنوي المتقدمين ؟

    أظنها نقطة نقاش جيدة تحتاج لإجابة فريدة ورائعة منك للتوضيح بشكل أدق في هذه الناحية

    جدا استمتعتُ وأنا أرى رشاقة قلمك وهو يخط الحروف النقدية بكل أناقة لتظهر لنا ألوانا جميلة تحكي عن كل لوحة من لوحات القصيدة

    مودتي وتقديري

    براءة الجودي
    سلكتُ طريقي ولالن أحيد = بعزمٍ حديدٍ وقلبٍ عنيد

  2. #22
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,251
    المواضيع : 62
    الردود : 1251
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    حينما أدخل لأقرأ لثناء اثق أني ساقرأ شيئ فريد من نوعه ولايخيب ظني في ماتكتبه البتة
    قرأت البداية فقط وسأكمل ان شاءالله

    كل التقدير لك ناقدة الواحة الحاذقة وشاعرتها الرائعة
    أختي الغالية براءة الجودي
    أيتها الأديبة الشاعرة والناقدة الذكية أشكرك على حضورك اللطيف المثري وما تمارسينه من تحفيز مفيد ،يؤثر فيَّ .
    سعيدة بقراءتك جداً . وبمثل قراءتك تكتمل النصوص.
    تحيتي وكل التقدير والمحبة

  3. #23
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,251
    المواضيع : 62
    الردود : 1251
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    حقيقة قدمت نقدا مدهشا ورائعا بمعنى الكلمة ينم عن ذكاء وبعد نظر وفهم عميق وتحليل علمي دقيق
    أتمنى بحق أن تكملي ماتبقى منها فلم تبق إلا أبيات قليلة
    وأود أن أعرف على أي بحر هذه القصيدة ؟

    أولا: صدقيني براءة ، أحيانا نحتاج لكلمات قليلة كي تحفِّز فينا الدافع الذي خبا ، فتثير حماستنا وتدفعنا للمثابرة والاستمرار بعد أن كاد يستولي علينا الشعور بالتكاسل والرغبة بالتقاعس.
    وتلك هي الكلمات القليلة في قولك أعلاه:
    "
    أتمنى بحق أن تكملي ماتبقى منها فلم تبق إلا أبيات قليلة "
    فسأكملها بإذن الله تحقيقاً لرجائك وتلبية لتشجيعك . ولك مني كل الشكر والتقدير والدعاء بالمسرة والرضا من الله.
    وأما بحر هذه القصيدة فهو الكامل الأحَذّ ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن = متفاعلن متفاعلن متفا)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة براءة الجودي مشاهدة المشاركة
    والأمر الثاني ..
    كان أيام الدولة الأموية حسب ماأتذكره أن هناك مدرستين في الغزل :
    مدرسة الغزل الحسي ( يركز على جسد المرأة) وأبرزهم فيه : عمر بن أبي ربيعة القرشي في الحجاز
    مدرسة الغزل المعنوي ( يركز على مشاعر الحب والأشواق والحنين ) ومنهم كثير : كقيس وجميل وغيرهم وكانوا في نجد

    وبتحليلك في هذه القصيدة ذكرت أن الدكتور سمير العمري قد أتى بما لم يأتي به السابقون في الغزل
    والنقطة التي أريد منكم توضيحها هي :
    أليس شعره يُصنّف ضمن مدرسة الغزل المعنوي ماكان عليه قيس والآخرون ، فهم لم يتطرقوا إلى جسد المرأة أكثر مما شرحوا أشواقهم وحبهم وفراقهم مع المرأة ؟
    وهل برأيك أن شاعرنا القدير الدكتور سمير أضاف الجديد وطور في هذه المدرسة الغزلية المعنوية بحيث تكون إضافة قد تفرّد فيها عن شعراء الغزل المعنوي المتقدمين ؟

    أظنها نقطة نقاش جيدة تحتاج لإجابة فريدة ورائعة منك للتوضيح بشكل أدق في هذه الناحية

    جدا استمتعتُ وأنا أرى رشاقة قلمك وهو يخط الحروف النقدية بكل أناقة لتظهر لنا ألوانا جميلة تحكي عن كل لوحة من لوحات القصيدة

    مودتي وتقديري

    براءة الجودي


    الأمر الثاني
    أما مدرسة الغزل الحسي(الإباحي ) فهي الأصل في شعر الغزل العربي وقد سبقت في تاريخ ظهورها مدرسة الغزل العذري (المعنوي ) التي ظهرت معالمها منذ فجر الإسلام واتضحت في العصر الأموي علي أيدي الشعراء العذريين ، فمدرسة الغزل الحسي تعود إلى العصر الجاهلي الذي تناول فيه الغزل جسد المرأة فقط دون أن يلامس تكوين شخصيتها أو ملامحها النفسية الأنثوية إلا ما ندر جداً .
    وأما إجابتي عن سؤالك حول تقييم ما أضافه الشاعر الكبير د. سمير العمري إلى المدرسة الغزلية المعنوية من حيث اعتبار إضافته الشعرية متفردة وتسبق ما قدَّمه شعراء الغزل المعنوي (المتقدمون) ،
    أقول : إنني حكمت بهذا على هذه القصيدة فقط ولم أطلق حكماً عاماً على كامل شعر الغزل عند الدكتور سمير العمري. وذلك لأن إطلاق مثل هذا الحكم يحتاج أولا إلى دراسة وافية وشاملة لجميع نصوص شعر الغزل عند الدكتور سمير .وبدون هذه الدراسة الشاملة والمتأنية لا يحق لي تقييم شعره الغزلي كاملا. . فكلامي إذن حول أسبقية وتفرد خطاب الشاعر العمري للمرأة يخص هذه القصيدة .
    وقد قلت في مقدمة هذه القراءة النقدية

    "وعندما أقرأ (كامرأة ) شعرا لشاعر معاصر يخاطب امرأة ، سرعان ما تقودني قراءتي للتعمق في ما هو كامن وراء أسلوب الشاعر من تقييمه الإنساني لمخلوق استوطن ملكوت الشعر منذ أن دنا إليه خيال الشعراء ( المرأة ). فلا زلت أقرأ المرأة عيونا، ورموشا ،وخدودا ، وجيدا، وخصرا.
    ولازلت أقرأ العلاقة معها : شوقا وعشقا وسهدا وأسرا.
    ولست أمانع إن فعل ذلك الشعراء وهو ديدنهم وجهدهم.
    ولكنني يلفت انتباهي أن يرى شاعر امرأة رؤية شاعرية وجدانية غير ملتزمة بموروث الشعراء الرجال من كيفيات التقييم والتعبير .
    الشاعر الكبير الأستاذ د. سمير العمري يمتلك تلك الرؤية التي تستشف الداخل الأنثوي استشفافا لا يدعك تخرج عنه لتبحث عن الجسد بعد .
    وفي هذه القصيدة ( صلاة شوق ) يتلو علينا تعاليمه الوجدانية التي تفتح للشعراء مدرسة جديدة لفنية ابتثاق الخطاب الشاعري الوجداني للكائن الأنثوي الداخلي (المرأة ) دون المرور بحواجز الجسد المهيمنة .
    هي إذن قصيدة ذات رؤية متفردة . تمثل اختراقا للعرف التعبيري عند الشعراء الرجال.
    وسنلاحظ كيف أبدع الشاعر باللمس العميق والتصوير النافذ الدقيق لمعانيه المبتكرة التي ما راودت خيال شاعر سواه من قبل ."
    غير أنني سأجيب من خلال قراءتي لهذه القصيدة وبالتفصيل عن سؤالك الجميل أعلاه
    "أليس شعره يُصنّف ضمن مدرسة الغزل المعنوي ماكان عليه قيس والآخرون ، فهم لم يتطرقوا إلى جسد المرأة أكثر مما شرحوا أشواقهم وحبهم وفراقهم مع المرأة ؟"
    أقول : لا .
    من وجهة نظري ، أرى أن خطاب المرأة في هذه القصيدة لا يُصنَّف ضمن مدرسة الغزل المعنوي . ولا يماثل ما كان عليه الغزل عند قيس بن الملوَّح أو جميل بن معمَّر او كثير عزة وغيرهم...
    لماذا ؟
    لأن جميع من ذكرتُ من الشعراء العذريين لم يفارقوا أصلاً مدرسة الغزل الأصلية التقليدية من حيث وصف لواعج الشوق ومعاناة العشق والوجد والفراق عن المحبوبات . فخطابهم العام للمرأة يعكس مشاعرهم تجاهها دون أن يستشف كيانها الداخلي أو ملامحها الأنثوية الداخلية . وهذا أمر يبرره من وجهة نظري بساطة الملكة الفكرية عند أولئك الشعراء وعند محبوباتهم أيضاً. فخطاب المرأة في تلك الحقبة الزمنية من التاريخ محكوم ببساطة التفكير وبساطة العواطف وعدم تعقيدها على الرغم من عمقها وشفافيتها وتأججها عند الشعراء .
    بينما نقرأ في الخطاب الغزلي عند الدكتور سمير نضجاً فكرياً غير مسبوق يستشف الداخل الأنثوي في شخصية المرأة ويعكسه عكساً تعاطفياً دون أن يتولى مهمة التعبير عنها بلسانها . كما فعل نزار قباني الذي استعار لسان المرأة لينطق به مدعياً التعبير عنها في حين أنه انزلق بخطابه الغزلي ليعبر عن الرغبات الجنسية المكبوتة عند الرجل نفسه. ففشِل نزار وهو من شعراء الغزل المعاصرين في استشفاف الداخل الأنثوي لأنه فرض شخصيته الذكورية على شخصية المرأة التي أراد أن ينطق باسمها.
    إذن ما الذي يميِّز الخطاب الغزلي عند الدكتور سمير في هذه القصيدة على الأقل ؟
    1- يميِّزه أنه عبَّر عن داخل المرأة الخاص بها من وجهة نظره وكما يراه هو في سياق الخطاب الغزلي ، ولم يكتف بالتعبير عن مشاعره تجاهها ، فهي ليست مجرد شخصية متلقية مستجيبة لعاطفة العشق بالصد أو بالإقبال . بل هي شخصية إنسانية موازية في اكتمالها وعمقها واستقلالها عنه من قبل أن تستقبل عاطفة العشق ومن بعد استقبالها لها . وهذا ما لم يلتفت إليه شعراء الغزل المعنوي من قبل، وما كان لهم أن يلتفتوا إليه بحكم بساطة بنية التفكير عندهم.
    2- ويميِّز الدكتور سمير أنه عبَّر عن الداخل الأنثوي دون أن يدَّعِي أنه يتكلم بلسان المراة كما فعل نزار قباني.
    وأسوق إليك هذا البيت وقراءتي له للاستدلال على هاتين الميزتين:
    يقول الشاعر في هذه القصيدة
    فَـإِلَامَ تُجْفِلُـكِ الرِّيَـاحُ وَقَـدْ قَـضَـتْ = أَلَّا تُـقِــيــمَ لِــطَــائِــرٍ وَزْنَــــــا

    لذا، وﻷن المحاورة مع الداخلي الأنثوي نجد الآن هذا الخطاب الذي يدرك فيه الشاعر موقفا إنسانيا أنثويا تجفل فيه المرأة من الرياح التي اعتادت أن تجفل منها في كناية عن الظروف الاجتماعية التي تؤثر في المرأة وتمنعها من المثابرة والإقدام. فالمرأة " طائر خفيف الوزن " طائر ينشد التحليق وهو مهدد بالرياح التي تجفله وتخيفه وتجعله يحجم عن الطيران.
    فَـإِلَامَ تُجْفِلُـكِ الرِّيَـاحُ وَقَـدْ قَـضَـتْ
    أَلَّا تُـقِــيــمَ لِــطَــائِــرٍ وَزْنَــــــا


    ذلك القضاء وذلك الحكم بأن لا يقام وزن للطائر .هو الاستهانة التي تعانيها كل أنثى أو كل امرأة محاصرة بخوفها ﻷنها أنثى .فإلام تجفلك الرياح؟ ويستحثها الشاعر على أن تصمد فلا تجفل . إذ لا ينبغي لها أن تجفل من رياح عاتية ظالمة .
    مثل هذا البيت أقرؤه كامرأة فأرغب بالبكاء .ﻷنه يستوعب بمفرداته معنى وجدانيا لا يطاله شاعر رجل فيما عهدناه في الشعر الذكوري.
    والصورة الشعرية هي الأولى من نوعها إذا اعتبرنا هذا المعنى الوجداني معيارا لها. ﻷن هذه الصورة تجعل الخارج متشحا بالانفعال الداخلي . فصورة طائر يطير في الرياح فيجفل منها وهي تقلبه في جوفها وتعيق حركته بسبب خفة وزنه التي تغريها بإفشال محاولاته بالتوازن والاستمرار. وهي تعيد ذلك كلما حاول الطيران من جديد .
    لننظر إلى طريقة التعبير في تساؤل الشاعر " إلا م"
    إن هذه ال "إلى م "اختصرت زمنا طويلا من مكابدة الرياح ومن رد فعل الخوف منها.
    ولننظر إلى الجملة " تجفلك " ودلالة الإجفال تختلف عن دلالة الإخافة بكون الإجفال يتضمن المباغتة والمفاجأة المقصودة في التخويف. فمن يجفل يجفل من الطوارئ المباغتة التي تواجهه دون سابق إنذار .
    وهنا نرى حركة الطائر المسكين الذي يفقد توازنه بعد أن علق في جوف الرياح التي تستخفه وتستهين بوزنه فيجفل ويجفل في كل مرة.
    الحركة والانفعال يمثلان عنصر "الحيوية " الذي أراه أروع عناصر التشكيل الجمالي .


    ...أرجو أن أكون قد أقنعتك بهذا النقاش أستاذتي الكريمة براءة الجودي
    تحيتي وتقديري
    التعديل الأخير تم بواسطة ثناء صالح ; 28-10-2019 الساعة 12:34 AM

  4. #24
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,251
    المواضيع : 62
    الردود : 1251
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    وَالشَّكُّ مِقْصَلَةُ الْفُؤَادِ فَأَيُّنَا
    أَغْنَى الْوِدَادَ وَأَيُّنَا اسْتَغْنَى

    يقف الشك إذن حائلاً بينهما ، ولأن الشك يهدد بقتل الحب فهو مقصلة الفؤاد التي سيتم بها تنفيذ حكم الإعدام ، ولكن فيمَ الشك، ولِمَ؟
    يبيّن الشاعر ذلك بصياغة السؤال الذي يمكن ان يكون مطروحاً كاتهام متبادل بينهما ؟ "فأيُّنا أغنى الوداد وأيُّنا استغنى ؟ "
    أحدهما صان الوداد وغذاه وأغناه ، والآخر استغنى عن الحب فهل هو اتهام متبادل بينهما ضاعت معه ملامح العلاقة وتموَّهت المشاعر إلى درجة الحاجة لطرح السؤال؟
    جمال هذا البيت من ناحية الصياغة الفنية يكمن هنا ، حيث يكون لطرح السؤال مسوِّغ معنوي غير مألوف. فأن يلعب الشك دور المقصلة فهذا يعني أنه شك حاد وجاد وحقيقي. وأن يعسر تحديد من هو الصائن ومن هو المستغني وفقاً للشك ، فهذا يستدعي القول إن سمات المشاعر التي يبديها كل منهما غير واضحة ، بحيث أصبح من المتعذر الثقة بحقيقتها من قِبَل أيٍ منهما. ولذا يبدأ الشاعر بتقديم دلائله وبراهينه على أنه هو من أغنى الوداد وليست هي :

    أَهْمِي بِدَمْعِكِ كُلَّمَا حَزَبَ الْأَسَى
    وَأَهُشُّ هَمَّكِ كُلَّمَا هَنَّا

    إنها براهين وأدلة قاطعة عن الحب حينما يصل الإحساس بالتعاطف إلى درجة أن يبكي هو عنها كلما حزب الأسى أو اشتد الحزن، فالدمع دمعها ولكنه هو الذي يذرفه . والفعل "أهمي " من (همى) تقوم به العين فيقال " همت العين : أي صبَّت دموها " لذا فإنه إذ يقول " أهمي بدمعك " فهو يمنح نفسه مقام العين منها ويصبح عينها التي تهمي كلما اشتد الأسى الذي يتركه الشاعر غير مخصص فلا نعرف أسى من هو . " ويجد الشاعر لهذه الصورة الشعرية التي جعلها غامضة بسبب تداخل ملامح الشخصيتين فيها مخرجاً يتضح فيه ما تم إبهامه، فها هو يوضح أنه هو الذي يهشُّ همَّها كلما هنَّ (هنَّ يهِنُّ هنِّا وهنينا أي : حَنَّ أو أنَّ أو بكى بكاء الحنين )، وتأخذ صورة (هشّ الهَم) جمالها المعنوي من تشبيه الهمّ بالشجرة و(هَشَّ الشجرةَ أي: نفَضَها بالعصا ليتساقط ورقها، فذلك هو هشُّ الهمّ الذي يحاول أن يهرَّ أو أوراقه فيجرده من كثافته كلما أنَّ أو بكى حنينا إلى شيء ما .

    سِيَّانِ يَا صِرْفَ النُّضَارِ عَلَى الْمَدَى
    أَحْنَى عَلَيْكِ الصَّرْفُ أَمْ أَخْنَى


    لَا تَحْرُثِي الْأَحْزَانَ كُلُّ جدُوبَةٍ
    تَعْنُو أَمَامَ سَحَابِكِ الْهَوْنَا

    ويطمئنها إلى أنه واقف بجانبها على المدى ، فهو معها وسيخفف همَّها سواء أحْنى عليها الدهر أي : أشفق وعطف ، أو جار عليها وقسا؛ ففي الحالتين يوصيها أن لا تحرث الأحزان وأن لا ترعاها وكأنها حقل يحتاج للحرث كي ينبت زرعه . ومع هذه الصورة الشعرية المبتكرة نتأمل جمال استخدام الفعل في الجملة الفعلية (لا تحرثي الأحزان ) حينما يمنحه الشاعر وظيفة تخدم تشبيه الاحزان بأرض الحقل التي يمكن حرثها ، كما تخدم استمرارية الصورة الشعرية واتساعها لتشمل انتظار المحصول من أرض محروثة ثم لا يكون إلا الجدب واليباس( كل جدوبة ) بعد الانتظار ، فامتداد الصورة الشعرية يأتي عبر التشبيه الآخر إذ يقول في الجملة الاسمية " كلُّ جدوبة تعنو أما سحابك الهونا" والجدوبة والجدب بمعنى واحد وهي اليباس في الأرض لاحتباس الماء عنا . فكل جدوبة تعنو أي تخضع وتذل وتبدي الهوان أمام سحاب عطائك. وهذا القول لا شكَّ يصب في معنى التشجيع لرفع معنوياتها لمواجهة كل مصاعب الحياة .
    والفرق بين بناء الجملة الفعلية التي تضمنت النهي عن الحراثة المخيبة للأمال ( حراثة الأحزان ) والجملة الاسمية التي تضمنت الحكم العام المطلق في لفظة كل (كل جدوبة تعنو أمام سحابك الهونا) يناسب الفرق بين الحدث العابر والمؤقت وبين الحكمة الدائمة المطلقة . وإنه يشِدُّ من أزرها ويزيد من عمق وقوة المؤازرة إذ يزيد من رسم صور ضعفها المحتملة أمام جوائح اليأس مع حضوره ناصحاً ومحفزا.

    أَوْ تَسْفَحِي اللَّحَظَاتِ كُلُّ هُنَيْهَةٍ
    قَدَرٌ مَضَى وَالعُمْرُ لَا يَأْنَى

    فالنصيحة منه أن لا تهدر لحظات عمرها القادمة بسفحها أو إراقتها ندماً أو ألما على ما مضى . فما مضى لم يكن سوى القدر المقدور لها ، في حين أن العمر ماض بها سريعاً لا يأنى ولا يتمهَّل. ( أنى الشيء أنيا : تأخر وأبطأ ). وما عليها إلا أن تتمسك بما بقي لها منه. وليكن ذلك اختيارها.
    عِبْئًا نَكُونُ عَلَى الْحَيَاةِ إِذَا انْطَوَى
    عَنْ كَوْنِهِ مِنْ يَمْلِكُ الشَّأْنَا


    وَإِذَا تَخَاذَلَتِ الدُّرُوبُ عَنِ الْهُدَى
    أَنَّى سَنَبْلُغُ مَجْدَنَا أَنَّى


    فإذا امتنع من يملك الشأن أو القرار عن اختيار المبادرة في الحياة والتفاعل معها. واختار بدلا عن ذلك الانطواء أو الانكفاء على النفس فلن يكون مالك الشأن سوى عبءٍ على هذه الحياة . وإنها لطريقة رائعة في الإقناع يستعملها الشاعر إذ يذكِّرها بمنتهى الغاية من معنى وجودنا وهو المجد الذي بدأنا بالسير نحوه فما لبثت ان تخاذلت الدروب عن الهدى وأبعدتنا عنها أو حادت بنا عنه.
    أسلوب التساؤل مع جملة الشرط غير الجازم "وإذا تخاذلت الدروب عن الهدى" مع غض النظر عن جواب الشرط ثم اختيار السؤال في محل جواب الشرط " أنى سنبلغ مجدنا أنى ؟ " كأن الشاعر يجادل في افتراض أنها قد تستسلم للشعور بالخيبة إثر تخاذل الدروب عن الهدى ، فإذ ذاك فإنه يذكرها بالمجد الذي هو ( مجدنا ) المشترك والذي لا بد لنا من بلوغه ، ما يعني ضرورة عدم اكتراثنا بتخاذل الدروب وضرورة تعلبنا عليها.

    فَتَوَهَّجِي نَحْوَ الْمَجَرَّةِ نَجْمَةً
    تَلِجُ الْمَجَالَ لِنَجْمِهَا الأَسْنَى

    لذا فإنه لا خيار أمامها لتضعف وتخبو وتستسلم لصعوبات الحياة بل عليها أن تتوهج كنجمة وتدخل في المجرة التي تلتقي فيها مع نجمها الأسنى او الأكثر وضاءة وتوهجا ، فهما يشغلان معاً في المجرة المجال المخصص لهما .والذي لا بد لهما من الحضور فيه . وتكشف لنا هذه الصورة الشعرية عن جمال المعنى الحقيقي للعلاقة التي يفهمها الشاعر بين نجمتين ( رجل وامرأة ) كلاهما مضيء وكلاهما يحتل مكانه في مجاله من المجرة .
    هذه النظرة النادرة للمرأة في شعر الرجل العربي عدا عن أنها تعكس البعد التفاؤلي لطبيعة الدور العام الذي يؤديه كل من الرجل والمراة في المنظومة الاجتماعية ( المجال والمجرة ) فإنها تعكس فهم الطبيعة التكاملية والمتوازية في الارتباط بينهما ، فهي دعوة للتوهج يوجهها نجم إلى نجمة كي تلج إلى إليه في مجالهما من المجرة فيضيئان معا . وها نحن هنا نقرأ خطاب الند للند كما نقرأ تقييماً معنوياً عالياً لحقيقة حضور المرأة النجمة يترفع عن التغزل المعتاد بالجسد الأنثوي أو حتى التعبير عن الحاجات العاطفية (العُذرية ) الشائعة في الشعر من وجهة نظر الرجل العاشق المتوقعة.
    والبديل عن ذلك منظور شاعري ذو أبعاد معنوية مختلفة تتصل مع إنسانية المرأة ومكانتها ومعنى حضورها الممتلئ بذاتها ، لا كتابعة أومتبوعة أو معشوقة فقط . أبدع الشاعر تلك اللوحة الفنية بعبارات شعرية بسيطة وألفاظ عادية غير أنها ذات مدلولات ثقافية ثرية في إيحاءاتها الشاعرية والفكرية. وستكون هي أخر لوحة تشكيلية في معرض هذه القصيدة الخلاَّبة لأن ما بعدها من الأبيات سيميل في جماله باتجاه المعنى وليس باتجاه التصوير والتخييل.

    لَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانَ مِنْ فِتَنٍ سِوَى
    وَطَنٍ بِكَفِّ مَحَبَّةٍ يُبْنَى


    وما ذاك المجال سوى الوطن الذي بنته كفُّ المحبة والذي لا يحفظهما (الرجل والمرأة ) من الفتن سواه ، فما خارج وطن المحبة ليس سوى الفتن. وبهذا التقرير يحاول الشاعر بث الطمأنينة والشعور بالأمان في نفس المرأة التي يخاطبها غير متناسٍ أنها في النهاية امراة تحتاج وطن الحب ، غير أنه يعمم كلامه وبدلا من أن يقول لها " أنت كامرأة تحتاجين للحب فإنه يقول " لا يحفظ الإنسان من فتن الهوى " ليجعل الحاجة للحب شاملة لهما معاً للحفظ من الفتن

    وَالدَّهْرُ يَدَّخِرُ الْبَشَائِرَ فِي غَدٍ
    لَوْ أَنَّنَا بِاللَّهِ آمَنَّا

    ثم يختم الشاعر هذه القصيدة بالربط بين إيمانهما بالبشائر المقبلة التي يدخرها لهما الدهر مع إيمانهما بالله الذي يخلق البشائر ، مقدماً آخر حجة له في إجبارها على التفاؤل وتأمل الخير .
    وأعود في الختام لأؤكد أن هذه القراءة الجمالية للقصيدة لم تأتِ على منتهى ما يمكن أن يقال ويُشرح في بناء أبياتها من حيث الطاقة التعبيرية لمفرداتها وتصويرها الفني ومن النواحي المعنوية ومهارات توظيف الألفاظ ذات المعاني المتعددة والتي يفتح لها كل معنى أفقا جديداً ومختلفاً في القراءة الجمالية الصورة الشعرية . وإنما هي مجرد محاولة لتحقيق بعض من ذلك في نص إبداعي متكامل .

    ثناء حاج صالح

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة نفسية في قصيدة (أنت القصيدة ) للشاعر د.سمير العمري
    بواسطة ثناء صالح في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 34
    آخر مشاركة: 03-11-2019, 09:14 PM
  2. قراءة في قصيدة "كف وإزميل" للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة ربيحة الرفاعي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 35
    آخر مشاركة: 30-07-2015, 04:10 AM
  3. قراءةٌ في بيتين من قصيدة " ابن قلبك " للشاعر المتألق د.سمير العمري
    بواسطة عمار الخطيب في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 05-03-2013, 04:06 PM
  4. قراءة في قصيدة رسالة إلى نخل العراق للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة د. عبدالله حسين كراز في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 23-10-2012, 09:21 PM
  5. قراءة في قصيدة "كف وإزميل" للشاعر د. سمير العمري
    بواسطة ربيحة الرفاعي في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-01-2011, 08:16 PM