أحدث المشاركات
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 21 إلى 27 من 27

الموضوع: عودة بعد غياب وفصول من رواية

  1. #21
    أديب الصورة الرمزية علاء سعد حسن
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    المشاركات : 389
    المواضيع : 37
    الردود : 389
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي

    ( 4 )

    (معالي المستشار.. هيئة المحكمة الموقرة.. السادة الحضور المحترمين: إن لحظة النطق المهيب.. لحظة نُطق المحكمة بقرارها الذي تتوقف عليه حياة ستة من شباب هذا الوطن الغالي، هذه اللحظة هي لحظة الحقيقة.. لحظة لا يمكن أمامها العبث أو الكذب أو الخداع أو التضليل.. هي لحظة نردد فيها قول الحق تبارك وتعالى على لسان الذين آمنوا من سحرة فرعون (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).. في هذه اللحظة الفارقة الرهيبة لا يمكنني إلا أن أُعلن ما أؤمن به حقا وصدقا.. فلو أننا قتلنا هذا الحارس المسكين، أو أننا تآمرنا على قتله، أو حتى كنا نؤيد هذا القتل ونوافق عليه، أقول لمعاليكم لو كنا فعلنا ذلك أو نوافق عليه فإنني سأعلن ذلك بملئ الصوت.. لأن الموتى أو المقبلين على الموت من أمثالنا لا يقولون إلا الحقيقة..
    معالي المستشار وأيا كان حُكمكم في تلك القضية إنني سأمضي من أمامكم مرتاح الضمير لأنني لم أؤمن يوما بأن القتل غدرا وغيلة حلا أو جزءا من حل..
    معالي المستشار رئيس المحكمة الموقرة كلمة أخيرة رجاء وسامحني على الإطالة فهي آخر كلماتي في الحياة إلى بشر يعيشون بعدي: لقد أشهدت الله تعالى على إدانتي المغلّظة لقتل النفس الإنسانية بغير حق.. فما قول معاليكم وأنتم المنوط بكم إقرار الحق والعدل، وأنتم عنوان العدالة على الأرض وأمناء الحق والحقيقة، ما قولكم في تنفيذ قتل المختلفين مع نظام الحكم فكريا وسياسيا باسم القانون؟؟!
    نحن سنمضي إلى ربنا مرتاحي الضمير.. فهل سترتاح ضمائر معاليكم إن نطقتم بكلمة تؤدي إلى قتل أبرياء في قضية مُلفّقة تعتمد كل الاعتماد على شهادة الخصوم، وتحريات الخصوم، وأوراق تحقيقات الخصوم؟؟..
    معالي المستشار: وحتى ترتاح الضمائر، فإن تلك قضية من عشرات القضايا التي حَكم فيها بالإعدام خصومُنا الذين خطفونا من الشوارع والطرقات والبيوت عنوة بدون وجه حق.. وانتزعوا ما انتزعوا من اعترافات وهمية، على جرائم خيالية، ومخططات خرافية كُرها على كره، ثم حكموا بما شاءوا.. نعم يا معالي المستشار لقد حكموا بما شاءوا، بما ساقوه إلى ساحة عدالتكم من أوراق مُختلَقة كل الاختلاق، كاذبة كل الكذب، ضالة كل الضلالة، جاءوا بها زورا وبهتانا ليستنطقوكم بحكم لن يرضوا من عدالتكم غيره، ولا ينتظرون منكم سواه.. فاحكموا بما شاءوا إن شئتم.. أو أعيدوا ملف القضية منذ البداية وابحثوا عن المجرم الحقيقي..
    وأيا كان حكم عدالتكم فلا نقمة منا عليكم، فلسنا معكم في خصومة، وإنما خصومتنا مع من بغى علينا.. هيئة المحكمة الموقرة انطقوا بإعدامنا إن رأيتم ذلك حقا وعدلا.. لكننا نرجوكم رجاء أخيرا أن تنطقوا مع هذا الحكم الجليل المهيب، بحكم تجريم القتل باسم القانون.. أو تجريم تقنين قتل من يخالف السلطة الحاكمة في فكر أو قول أو فعل.. معالي المستشار: نستودع الله تعالى عدالتكم وحكمتكم.. والله تعالى المستعان على ما يصفون)..
    تتعجب لمياء كل العجب، من أين أتى محمود بكل هذه الحكمة، وكل هذا المنطق، وكل هذا البيان؟!
    محمود الذي لم تكن تراه إلا في مرح أو انفعال طفولي، أو حماس مبالغ فيه لفكرة من أفكاره المجنونة!!
    هل انتظار الموت الوشيك يصنع هذه المعجزة في شخص محمود؟ أم أنه كان يُخبّئ كل هذا العمق وكل تلك الثقافة خلف قناع زائف من اللهو والمرح؟!
    لم تعد تدري سوى أنها فُتنت بمحمود مرِحا مجنونا، وها هي الآن تفتن به فتنة أكبر وأشد رزينا عميقا حكيما!!..
    إنها تكاد تحفظ مرافعته الأسطورية أمام هيئة المحكمة عن ظهر قلب.. ولم يكن محمود يترافع بلسانه، إنه ينقل أحاسيس قلبه، ومشاعر روحه، وإيمانه بمبادئه التي صاغت ضميره، إن سكتاته ولفتاته أثناء مرافعته، لبليغة بلاغة الكلمات التي يصوغها من أعماق وجدانه، وهي تؤمن أن هذه المرافعة بحروفها وكلماتها كما بسكتاتها والتفاتاتها تستحق أن تُدَرّس في كليات الحقوق ومنظمات حقوق الانسان، تُدَرّس فتُفهَم وتُحفَظ..

    في غرفة الصالون بمنزل الحاجّة سهير بدأت تشعر بهذا التنافر الذي يشعر به محمود في زنزانته مع رفقاء الدرب وشركاء المصير.. لم يكن محمود قد حدّثها عن شيء من ذلك من قبل، ولم تكن تعلم عن محمود إلا أنه ينسجم مباشرة ودائما مع ما حوله ومن حوله.. لكنها لا تشعر بهذا الانسجام، رغم أن غرفة الصالون أو الاستقبال الواسعة في بيت الحاجة سهير بدت ككل غرفة استقبال دخلتها في بيوت أخرى كثيرة، لا يميّزها عن تلك الغرف غير أن اللوْحات المعلّقة هنا وهناك خلف الزجاج المصقول بين أُطر مذهّبة جميلة لم تكن لوحات لمناظر طبيعية، وإنما كانت ثلاث لوحات، واحدة معلّقة على الجدار في صدر المجلس نُقش عليها لفظ الجلالة (الله) بخط رائع ومطرزة بقطع صغيرة جدا من الكريستال اللامع الذي يعكس الضوء، على خلفية من قماش القطيفة سوداء اللون، فيجعل اللوحة تحفة فنية بديعة.. وعلى الجدار المقابل لها كانت لوحة مكتوب عليها الآية الكريمة (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا).. أما اللوحة الثالثة والتي كانت لمياء تجلس أسفل منها، وكانت قد قرأتها وهي تتجه إلى مقعدها فكانت قوله تعالى (إن مع العسر يسرا).. زهريات الزهور الصناعية على الطاولات الرخامية في أركان الغرفة بدت أيضا شبيهة بتلك التي تراها في كل غرف الاستقبال.. تساءلت من أين يأتي هذا الشعور المتنامي بالتنافر إذن؟
    إن ترحاب الحاجة سهير بها عفوي وصادق، ليس فيه أثر لتصنع أو مبالغة.. من نوع الترحيب الهادئ الذي ينطلق من القلب ويدخل إلى القلب مباشرة.. وابتسامتها التي لم تخفِ آلاما نفسية وأشواقا روحية، تعكس أيضا قدرا لا يستهان به من التسليم والتوكل..
    لا لم يكن في الحاجة سهير عيب ما، ولا في غرفة استقبالها شيء يدعو للنفور.. لقد كان مصدر التنافر ينبعث من ضيفاتها ولا شك!!
    قامت الحاجة سهير بواجب التعريف بين الحاضرات وبين لمياء، أشارت إلى السيدة الأولى الجالسة إلى مقعد مجاور لباب الغرفة قائلة: الدكتورة إيمان طبيبة أطفال.. ثم تابعت الإشارة إلى السيدة التالية: الأستاذة سلوى مدرسة دراسات، كانت التي تليها الأستاذة مها محامية، ثم أخيرا الأستاذة حنان ربة منزل.. أشارت إلى لمياء قائلة بعاطفة عفوية: ابنتي الدكتورة لمياء صيدلانية.. ثم أردفت كأنها تستدرك شيئا: إنها عروس دكتور محمود المحكوم عليه بالإعدام في قضية قتْل الحارس..
    على الفور سرت همهمات بين الجالسات وانبرت الأستاذة مها المحامية تتكلم كلاما طويلا في محاولة للتخفيف من مصاب لمياء والتهوين عليها.. برق خاطر عابر على عقل لمياء، فالتي تتحدث إليها تعمل بالمحاماة، أو على الأقل درست القانون، فألقت سؤالها الحائر:
    ألا يوجد أي حل ولو بدا مستحيلا لإيقاف هذه المأساة الكبيرة؟
    وعلى الفور لاحظت مصمصات الشفاه، وانطلق صوت يقول في حزن: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
    قاطع المتحدثة صوت آخر: كله بإذنه..
    وتحوّلت الزيارة إلى سرادق للعزاء مقدما.. وتضاعف شعور لمياء بالنفور وتجسد لها العجز وحشا كاسرا، وكانت تضغط على أعصابها منذ الصباح، منذ كانت تستعطف بعض الحراس للسماح لها بدخول قاعة المحكمة.. تفاصيل اليوم كله تطبق على نفسها الآن، فانهارت أعصابها تماما، وهي الصلبة في مواجهة المصائب، وانخرطت في بكاء حاد مرير.. بكاء يقطع قلوب الحاضرات اللواتي تحرّكن جميعا بسرعة تجاهها، بيْن من تأخذ وجهها في صدرها وتربت على رأسها بحنان.. والحاجة سهير أسرعت بإحضار كوب ماء بارد.. وأخرى تهمس في أذنها بالصبر والثبات وحمد الله في السرّاء والضرّاء..
    وعندما انتهت لمياء من نوبة بكائها المرير شعرت بشيء من الراحة، فقد كانت في حاجة ماسة لتفريغ بعض الشحنات الضاغطة عليها منذ فترة.. لكنها أيضا كانت حانقة على حماقتها.. لم تكن تحب أن يلمح انهيارها أحد، ولا أن تنخرط في البكاء بحضور أحد.. ماذا لو أنها تحاملت على نفسها مُجدَّدا وأبقت على صورتها القويّة حتى تهبط وتستقل سيارتها ثم تبكي ما شاء الله لها أن تبكي؟!
    طمأنتها الحاجة سهير أنها في بيتها وبين أمها وخالاتها، وأن البكاء مطلوب في أوقات للتخفيف من ضغوط الواقع المرير.. وعاد الحديث كله منصبّا على الاستسلام لحكم الله تعالى، فالأمر كله لا يعدو أن يكون محنة وابتلاء ليختبر المولى عز وجل صدق إيمان عباده.. وإنّ صبرهم وثباتهم وتقديمهم أرواحهم وأرواح ذويهم لله في صبر واحتساب هو دليل الإيمان الكامل واليقين المستكين..
    وتحدّثت إحداهُن عن الأمهات الفلسطينيات اللواتي يستقبلن خبر استشهاد فلذات أكبادهن بالزغاريد..
    وأومأت الحاجة سهير إلى سلوى وكانت عذبة الصوت، أن تغني لهم شيئا يناسب الموقف ويخفف من معاناة الفتاة.. وانطلقت سلوى بعد تمنّع يسير استوجب إلحاحا أكثر من الحاضرات تشدو:
    زغردي أم الشهيد واهتفي أحلى نشيد
    لم يمت من مات لله وللدين المجيد
    نحن في الحرب رجال نحن لا نخشى الوعيد
    نحن نار نحن نور نحن عزم وحديد

    ومن جديد انخرطت لمياء في بكاء مرير، ولم تهرع واحدة من الجالسات نحوها هذه المرة، ظلت كل في مكانها منخرطة في بكاء ونحيب.. وتحقق المأتم قبل أن يتم تنفيذ الإعدام!!

    إشارات متتابعة أرسلتها لمياء بنظراتها من بين شهقات النحيب، استقبلتها الحاجة سهير بفراسة أملتها منها لمياء.. وفي عفوية وغير تكلف تخلّصت الحاجة سهير من زائراتها المُنتحبات، وانفردت بلمياء وقد أحضرت لها علبة مناديل ورقية لتمسح دموعها، وبادرتها بالسؤال كأنما لتخفف عنها حرج بداية الحديث:
    - أشعر أنك لم ترتاحي لوجود الأخوات يا ابنتي؟!
    أومأت لمياء بالإيجاب في خجل.. عقّبت الحاجة سهير:
    - أنا لا ألومك فليس لكل البشر نفس القدرة على التأقلم السريع مع الصديقات الجدد..
    سألتها لمياء مندفعة وفي غير تحفظ:
    - هل أنتم بالفعل يا حاجة سهير مجتمع غريب عني؟ أم أنني أنا الغريبة بينكم؟!..
    ولم تنتظر إجابة مضيفتها وإنما أردفت تجيب بنفسها على السؤال الذي طرحته، بأسئلة أكثر تعقيدا:
    - ما كل هذا القدر من التواطؤ على الاستسلام؟.. ما كل هذا الاتفاق على تقبل الظلم على أنه قدَر الله الغالب الذي لا راد له ولا معقب عليه؟!.. ما كل هذا التوافق على معاني سلبية للإيمان بالابتلاء والمحنة؟!.. وهل توجد طرق أخرى للإيمان بالله تعالى؟ طرق صحيحة إيجابية غير طريقتكم؟!..
    بدا على قسمات وجه لمياء استعدادها للاسترسال وإصرارها عليه.. تفهّمت الحاجة سهير ذلك على أنه نوع من الفضفضة، نوع من الصراخ أو التعبير عن الانفجار الداخلي بالاسترسال في الحديث، ورحّبت به، إن خير ما يخفف عن الفتاة الآن أن تُخرج كل ما في جوفها لتهدأ وتستكين.. أومأت لها مشجعة، فاندفعت ليماء تضيف:
    - سيدتي الكريمة إنني أيضا تربيت في بيت شعاره الإيمان والتقوى، وثقافته دينية إسلامية كذلك، في هذا البيت تعلمنا أن سيدنا عمر بن الخطاب قال: (إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله).. وتعلمنا أن موسى عليه السلام عندما خاف من فرعون تحرك هو وقومه جهة البحر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة لصناعة واقع مختلف ومستقبل جديد للدعوة الإسلامية في مُناخ آخر وأرض جديدة..
    تعلمنا أن التوكل عكس التواكل، والتسليم عكس الاستسلام، والثبات منافٍ للجمود و التشبث بالأخطاء.. تعلمنا أن ما يقع على الناس من محنة قاسية كاشفة فاحصة فإنها تابعة لقانون إلهي يقول: (قل هو من عند أنفسكم).. وتعلمنا أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. كيف نريد أن نخرج من المحنة بنفس ذات الأسباب، نفس الأفكار ونفس السلوكيات ونفس الممارسات التي أدخلتنا المحنة؟!!.. إن الأسباب التي أدخلتنا المحنة الأولى لا تصلح لإخراجنا منها، تلك الأفكار لا تصلح إلا لتراكم المحن بعضها فوق بعض!!..
    عند هذا القدر لم تستطع لمياء تمالك نفسها فتوقفت عن الحديث المتدفّق المندفع، وانخرطت في بكاء حاولت أن تجعله مكتوما.. والحاجة سهير تنظر إليها في تعاطف وتفهّم.. تفهّم الحاجة سهير كله كان منصبا على الحالة النفسية التي تعانيها الفتاة، تفهّم ينطلق من شفقتها على فتاة تشعر بالعجز الكامل عن إنقاذ زوجها الشاب من إعدام قد يُنفّذ غدا أو بعد غد دون ذنب اقترفه أو جريمة فعلها..
    والحاجة سهير تؤمن أيضا أن الثقافة الدينية لبيوت المتدينين من المسلمين غير ثقافة أبناء وبنات الحركة الإسلامية، فإن كل ما نطقت به لمياء يعبر عن ثقافة بيئتها، وهي معذورة فيه، إن الذين لا يمارسون العمل الحركي الإسلامي لا يعرفون حقائق القرآن الكريم، كيف لمسلم جيّد في عقيدته وعبادته وأخلاقه أن يفهم حقائق سورة التوبة مثلا دون أن يكون منخرطا في عمل إسلامي؟ وفي صف إسلامي؟.. كيف لواحد من هؤلاء المسلمين الطيّبين غير المنظمين أن يفهم وقع وظلال قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)؟.. كان شيخ جليل يقول: (لولا الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي المنظم لظلت كثير من أوامر القرآن فرائض محنّطة لا يمارسها مسلم)..
    إن ما تواجهها به الفتاة من ثورة إنما هي تعبر عن ثورة المسلم على الإسلامي، فالمسلم يريد أن يعيش حياته هانئا، كل ما يكابده فيها هو التزامه بالطاعات واجتنابه المحرمات.. أما الإسلامي الذي يعمل لهذا الدين فهو مهموم بهَم نُصرة الدين، وهو يعي الحقيقة الخالدة التي وعيها الصحابة رضوان الله عليهم عندما وجههم نبيهم (أنه كان يؤتى بالرجل فيمن قبلكم فيُشق ما بين عظمه ولحمه بمنشار من حديد فلا يثنيه ذلك عن دينه شيئا)!!
    عندما كانت الحاجة سهير تغوص في أفكارها، فإنها كانت تترك الفرصة المناسبة للفتاة لتهدأ وتستعيد سيطرتها على أعصابها، وأخيرا حوّلت لمياء ثورتها الحانقة إلى مطلب إيجابي واضح ومحدد، إنها تريد أن تقابل الأستاذ جمال عبد الكريم!!
    آثار الدهشة والعجب لم تفارق ملامح وجه الحاجة سهير سريعا، وهي التي تعودت دائما إخفاء مشاعرها جيدا خلف ابتسامة متعاطفة حنون ترسمها بمهارة على وجه جليدي لا يكشف أبدا عن مشاعرها الحقيقية، حاولت السيطرة على أعصابها، ودارت في رأسها أسئلة كثيرة، فمن أين أتت لمياء بهذا الاسم؟ وكيف عرفت أنه على هذه الدرجة من الأهمية؟.. ولم تطرح أسئلة على ضيفتها الشابة، فطالما ذكرت اسما محددا فهي بكل تأكيد على علم بدلالة هذا الاسم، فأجابتها عوضا عن ذلك كله بهدوء:
    - لكن الأستاذ جمال عبد الكريم مختفٍ منذ سنوات، بسبب أنه مطلوب أمنيا، ولا يعرف مكانه أحد.. أنا على وجه الخصوص لا أعرف يقينا هل هو داخل مصر أم خارجها..
    قالت لمياء بحسم:
    - محمود أخبرني أنه داخل مصر وأن أفرادا معدودين من شباب الجماعة يتواصلون معه كمندوبي اتصال بينه وبين المكتب الإداري المؤقت للجماعة بالمحافظة..
    تساءلت الحاجة سهير وقد غلبها الانفعال هذه المرة:
    - وما علاقة الأستاذ جمال عبد الكريم بإنقاذ محمود من حبل المشنقة، وهو لا يملك من أمر نفسه الشخصي شيئا؟!
    أجابت لمياء في غموض:
    - لديّ خطة.. هذه الخطة لا يمكنني عرضها إلا على الأستاذ جمال، فهو وحده الذي يستطيع معاونتي فيها.. كما أن محمود يعتبره أباه الروحي، ولا شك عندي أنه أحرص الناس على حياة محمود..
    مرت دقائق من الصمت الثقيل، كانت الحاجة سهير تفكر خلالها في إجابة مناسبة وهي تستعرض مختلف الاحتمالات الممكنة.. فلمياء لا يمكن أن تكون عميلة لأي جهة كانت، فلو أن لها علاقة بأي جهة سيادية لكانت اطمأنت ولو قليلا على مصير زوجها.. أخيرا قالت:
    - ابنتي لمياء أنت تقدرين الظروف التي نمر بها، وتدركين أن طلبك صعب قد يصل إلى درجة المستحيل.. ومع ذلك ولأن حياة محمود تهمني كأم فأعدك أنني سأبذل قصارى جهدي لتدبير هذه المقابلة، رغم أنني على يقين أنها لن تغير من الأمر شيئا.. فالأستاذ جمال.....
    قاطعتها لمياء شاكرة:
    - جزاك الله كل خير سيدتي، لن أنسى لك هذا المعروف طيلة حياتي.. هذه المقابلة لو تمت ستنقذ حياة إنسان لا يستحق الموت شنقا، وستنقذ حياتي معه..

    نهضت لمياء بسرعة كأنها لا تريد إعطاء فرصة لمضيفتها بالتراجع عن وعدها أو التنصل منه بإضافة بعض التكهنات بصعوبة تحقيق هذا الوعد.. قبّلت وجنتيها وانصرفت من أمامها مندفعة في رعونة لم تكن من طبيعتها، لكنها بدت لها مخرجا مناسبا من أي استدراكات قد تضيفها الحاجة سهير لاحقا..
    هل تكفيني كلمة أحبك وأنا أقتات على حبك!روحي تحيا بحبك،قلبي يدق به، حياتي لحبك

  2. #22
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 10,261
    المواضيع : 173
    الردود : 10261
    المعدل اليومي : 5.49

    افتراضي

    تتشابك الأحداث وتتنامى الحبكة القصصية في سرد متدفق يسلط الضوء
    على أحداث توحي بواقعيتها ـ وبوصف دقيق وأداء قصي محكم
    وتحليل نفسي لأعماق أبطالها مما جعلنا ننساب في أحداث القصة
    ونندمج معهم إلى حد الوجع.
    تتمتع بمهارة قصية عالية، وقدرة على رسم المشهد
    محملا بالأحساس.
    وما زالت الأحداث تستهويني وتشوقني
    متابعة معك بشغف
    تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #23
  4. #24
  5. #25
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 10,261
    المواضيع : 173
    الردود : 10261
    المعدل اليومي : 5.49

    افتراضي

    إلقاء جميل بصوت عذب معبر .. فاطمة الزهراء علاء
    فهل أفهم بأنها ابنتك؟؟
    ولكن أين بقية القصة
    نحن على انتظار.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  6. #26
    أديب الصورة الرمزية علاء سعد حسن
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    المشاركات : 389
    المواضيع : 37
    الردود : 389
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    إلقاء جميل بصوت عذب معبر .. فاطمة الزهراء علاء
    فهل أفهم بأنها ابنتك؟؟
    ولكن أين بقية القصة
    نحن على انتظار.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    فاطمة الزهراء ابنتي طالبة بكلية إعلام

    وكل عام وحضرتك بخير

    بقية الرواية تحتاج إلى وقت دعواتكم

  7. #27
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 10,261
    المواضيع : 173
    الردود : 10261
    المعدل اليومي : 5.49

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علاء سعد حسن مشاهدة المشاركة
    فاطمة الزهراء ابنتي طالبة بكلية إعلام

    وكل عام وحضرتك بخير

    بقية الرواية تحتاج إلى وقت دعواتكم
    ما شاء الله .. حفظها الله وراعاها وأسعدك بها
    صوتها جميل وإلقاؤها سليم
    ولكما تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة