أحدث المشاركات

إدلب تباد» بقلم نديم العاصي » آخر مشاركة: نديم العاصي »»»»» حلم تايه» بقلم وفاء محمود كحيل » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» إدلب المجد» بقلم نديم العاصي » آخر مشاركة: نديم العاصي »»»»» .. يطــوف بي الزمان ............» بقلم موسى الجهني » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» على لوحة المفاتيح ..!!!!» بقلم محمد الحضوري » آخر مشاركة: محمد الحضوري »»»»» استفتِ قلبك» بقلم احمد المعطي » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» رياح الغدر ..» بقلم محمد ذيب سليمان » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» وجعُ الحروف» بقلم زاهية » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» غزل» بقلم عبدالسلام حسين المحمدي » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» رَسْمٌ على صَفحاتِ القمر ..!» بقلم لبنى علي » آخر مشاركة: لبنى علي »»»»»

صفحة 6 من 6 الأولىالأولى 123456
النتائج 51 إلى 56 من 56

الموضوع: الجامع لأحكام الصّلاة

  1. #51
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (48) 86 - 88

    والناظر في هذه النصوص يتوهم للوهلة الأولى أن هناك تعارضاً بينها يستوجب الذهاب بسببه إلى القول بالنَّسخ ، فيقول إن أحاديث الاستقبال نسخت أحاديث النهي، لا سيما وأن الحديث الثامن هو المتأخر ، والمتأخر ينسخ المتقدم. ولكن حيث أن إعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، وحيث أنه لا يُقال بالنسخ إلا عند تعذُّر الجمع، وبالتدقيق في هذه النصوص نجد أن الجمع والتوفيق بينها ممكن، وأن أحاديث النَّهى تُحمل على الفضاء والصحراء، وتبقى أحاديث الاستقبال والاستدبار معمولاً بها في البيوت والعمران. ذلك أن أحاديث الاستقبال والاستدبار تصلح لتخصيص عموم النهى الوارد في عدد من الأحاديث ولا تنسخها، والقول بالتخصيص أولى من القول بالنسخ، يشهد لهذا الفهم أمران اثنان:

    أ - إنَّ الأحاديث التي ذكرت الاستقبال والاستدبار واضح فيها بالقرائن أنها في البيوت والعُمران بدلالة «فرأيت كنيف رسول الله صلى الله عليه وسلم» و « على لَبِنَتين مستقبلَ بيت المقدس» و «استقبلوا بمقعدتي القِبلة» فهذه النصوص تعالج الاستقبال والاستدبــار فـي البيوت، لأن الكُنُف واللَّبِنــات تكون فــي البيوت والعُمــران، وحديــث ابن عمــر الثالــث يفيد المعنــى نفسه، إذ يقـول ابن عمــر «رَقِيتُ على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمقاعداً لحاجته» والمعلوم أن بيت حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في وسط بيوت المدينة إلى جوار المسجد، ولا يُتصوَّر أن يرى ابن عمر وهو على ظهر بيت أخته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يبول أو يتبرَّز ، إلا أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قريباً منه في أحد البيوت وليس في الصحراء، لا سيما وأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ذهب لحاجته أبعد وتغيَّب حتى لا يُرى.

    ب - الحديث السابع نصٌّ صريح في التفريق بين الصَّحراء وبين العمران، فقول ابن عمر «إنما نُهي عن ذلك في الفضاء» وإن كان قولاً لصحابي ، إلا أنه يأخذ حكم الرفع بدلالة لفظة ( نُهي)، فهذه اللفظة تدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي نهى عن ذلك في الفضاء، ومفهوم النص هذا أن النهي لا يشمل البيوت والعمران ، أي بدلالة مفهوم المخالفة. فهذان الأمران يفيدان أن النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الفضاء، أي في الخلاء وليس في البيوت، وعلى هذا المعنى يُحمل الحديث الثامن، أي أن جابراً لا بد وأن يكون قد رآه في البيوت وليس في الصحراء، أي يُحمل الحديث العام على الأحاديث المخصِّصة.


    بقيت شُبهتان لا بد من التنويه بهما، هما:

    أ - من أين جاء القول إن اللَّبِنَات والكُنُف تكون في العمران؟

    ب - كيف نفسر قول أبي أيوب الأنصاري «فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَل القِبلة فننحرف عنها ونستغفر الله »؟.

    أما الشبهة الأولى فإنه وإن كان الواقع يكشفها، فإن عندنا نصاً يزيلها، هو ما جاء على لسان عائشة في حديث الإفك الطَّويل «... فخرجتُ أنا وأم مِسْطح قِبَل المناصع مُتَبَرَّزِنا، لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتَّخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا ...» رواه البخاري ومسلم وأحمد . والدلالة واضحة.

    وأما الشبهة الثانية فهي أن قول أبي أيوب وفعله وفعل عدد من الصحابة تحتمل أن هؤلاء الصحابة لم يصلهم التخصيص، فظلوا يعممون حكم النهي، وهو على أية حال لا يخرج عن كونه فهماً لصحابةٍ ، وليس دليلاً يصمد أمام الأحاديث المرفوعة.

    بقي الحديث التاسع « من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» فهذا النص هو قرينة تصرف أحاديث النهي إلى الكراهة، وليس إلى التحريم كما يقول مالك والشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وإسحق والشعبي.

    والخلاصة هي أن المكروه هو استقبال القِبلة أو استدبارها في أثناء قضاء الحاجة في الخلاء دون اتخاذ سترة، أما إن اتخذ سُترة له ثم استقبلها أو استدبرها فلا حرج عليه بعد ذلك، كمـا أنه لا حـرج عليه في استقبال القِبلة واستدبارها في البيوت، لأن الكُنُف لا قِبلـة لها.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #52
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (49) -88 = 89

    أحكامُ وآدابُ قضاء الحاجة في البيوت والعُمران
    1- يُسن للمسلم إذا أراد الدخول إلى المرحاض أن يقدِّم رجله اليسرى، ويؤخِّر اليمنى تكريماً لها، ويقول [بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث] لما روى أنس بن مالك «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» رواه البخاري وأحمد ومسلم والتِّرمذي والنَّسائي. وفي رواية للبيهقي بلفظ «إذا أراد أن يدخل». ورواه ابن أبي شيبة بلفظ «كان إذا دخل الكنيف قال : بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» بزيادة «بسم الله». يشهد لهذه الزيادة ما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول : بسم الله» رواه ابن ماجة بسند صحيح. قوله الخُبُث: أي ذُكْران الجن. وقوله الخبائث: أي إناثُهم. وإذا خرج الشخص قدَّم الرِّجل اليمنى إكراماً لها وأخَّر اليسرى وقال [غُفْرانَك] لما روى يوسف بن أبي بُردة قال: سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال : غُفرانَك» رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد وأبو داود وابن خُزَيمة.

    2- الأصل في المراحيض والحمَّامات أن يكون فيها ماء ، أو أن يكون الماء قريباً منها، والمستحبُّ أن يستنجي بالماء لأنه أبلغ في الإنقاء، ولكن إن استجمر بالأحجار في البيت جاز له ذلك، وإنْ جمع بين الأحجار والماء جاز له ذلك أيضاً، لأن الأحاديث ورد فيها الأمران.

    3- يكره له أن يبول في مُسْتَحَمِّه، وهو المكان الذي يستحم فيه عادة، لأن البول ربما بقي على أرض الحمَّام، فإذا استحمَّ فيه أصابه منه رشاشٌ فتنجَّس، وقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه، فعن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يبولَنَّ أحدُكم في مُستَحَمِّه، فإنَّ عامَّة الوسواس منه» رواه ابن ماجة والنَّسائي وأبو داود وأحمد والترمذي. وهذا إن لم يكن للمُسْتَحَمِّ بالوعةٌ أو لم تكن أرضه ليِّنة تشرب البول فإن كان هذا أو ذاك فلا كراهة.

    4- يجوز التبول في الأواني للحاجة خاصةً لمن به مرض، للحديث الذي روته أُميمة بنت رُقَيْقة قالت «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عَيْدانٍ تحت سريره يبول فيه بالليل» رواه البيهقي وأبو داود والنَّسائي. قوله العَيْدان : أي خشب النخل. ولما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي لقد دعا بالطَّسْت ليبول فيها فانْخَنَثَتْ نفسُه وما أشعر، فإلى مَن أوصى؟» رواه النَّسائي والبيهقي. ورواه مسلم والبخاري من طريق الأسود بن يزيد قال «ذكروا عند عائشة أن علياً كان وصيَّاً فقالت: متى أَوْصَى إليه؟ فقد كنت مُسْنِدَتَه إلى صدري، أو قالت: حَجْري، فدعا بالطَّست، فلقد انخنثَ في حَجْري وما شعرت أنه مات، فمتى أَوْصَى إليه ؟».

    5- يجوز للمسلم البول جالساً وقائماً أيَّهما فعل جاز ولكن إن كانت الأرض التي يبول عليها صلبة، وخشي من رشاش البول بال جالساً، فقد رُوى عنه صلى الله عليه وسلم أنه بال واقفاً في مكان رخو، فعن أبي وائل قال «كان أبو موسى يُشدِّد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جِلدَ أحدهم بولٌ قرضه بالمقاريض ، فقال حذيفة: لَوَدِدْتُ أن صاحبكم لا يُشدد هذا التَّشديد، فلقد رأيتُني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، فأتى سُباطةً خلف حائط ، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذت منه، فأشار إليَّ ، فجئت فقمت عند عَقِبِه حتى فرغ» رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله سُباطة : أي كُناسة ومزبلة. ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم بال جالساً، فعن عبد الرحمن بن حَسَنة قال «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كهيئة الدَّرَقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة ...» رواه النَّسائي والبيهقي. قوله الدَّرَقة: أي التُّرس إذا كان من الجلد.

    أما حديث جابر بن عبد الله قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائماً» رواه البيهقي وابن ماجة. فهو ضعيف جداً ، في سنده عدي بن الفضل وهو متروك متفق على تضعيفه. وأما ما رُوي أن عائشة رضي الله عنها قالت «مَن حدَّثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تُصدِّقوه، ما كان يبول إلا جالساً» رواه النَّسائي وأحمد وابن ماجة والترمذي. فلا يقوى على معارضة حديث حذيفة، لأن حديث حذيفة أصح من حديث عائشة الذي فيه شَرِيك، وشريك صدوق يخطيء كثيراً ، على أن حديث عائشة يدل على مبلغ علمها فحسب، وهي تحدَّثت عن بول الرسول عليه الصلاة والسلام جالساً ولم تره يبول واقفاً، والمعلوم أن الرجل يبول جالساً في الكنيف، ويبعُد جداً أن يبول فيه قائماً لصلابة أرضه عادة، ولذا فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يبول في الكنيف إلا جالساً، وهذا ما علمت به عائشة ورأته وتحدثت عنه ، فلا ينفي بولَه عليه الصلاة والسلام في العراء واقفاً لرخاوة الأرض هناك، وبذلك فلا تعارض بين الحديثين. قال ابن حجر (لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن البول قائماً شيء).
    والخلاصة هي أن البول قائماً يجوز كجواز البول جالساً، ويتحرَّى في الحالتين ألا يصيبه رَشاش البول.

  3. #53
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (50)- سنن الفطرة

    الفصـل الخامـس - سُنَنُ الفِطرة

    اختلف العلماء في معنى لفظة الفِطْرة، فقال الخطَّابي: ذهب أكثر العلماء إلى أنها السُّنَّة، أي سنن الأنبياء. وقال أبو هريرة والزُّهري وأحمد: هي الإسلام. قال ابن عبد البرِّ: وهو المعروف عند عامَّة السلف. وقال ابن حجر: هي الدين، وعزاه إلى طائفة من العلماء. وجزم به أبو نُعيم . وقد استدل الفريقان من جملة ما استدلا به بقوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّيْنِ حَنِيْفاً فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُوْنَ الآية 30 من سورة الروم. وبما روى مسلم عن عياض بن حمار المُجاشِعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خُطبته «ألا إنَّ ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا، كل مال نَحلتُه عبداً حلال، وإني خلقتُ عبادي حُنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ...». وذكر ابن عطيَّة في تفسيره أن جماعة من العلماء قالوا: إن الفطرة هي الملَّة، دون أن يُسمِّيهم، ويظهر أنهم استدلُّوا على رأيهم بما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة». وفي رواية ثانية له «إلا على هذه الملَّة حتى يبين عنه لسانُه». وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخِلقة المبتدأة، ومنه قوله عزَّ وجلَّ فاطِرَ السمواتِ والأرضِ أي المبتديء خلقهن.

    والناظر في هذه الأقوال يجد أنها غير متعارضة، فالخلقة المبتدأة هي أصل الفطرة، والسُّنة والدين والإسلام والملَّة هي المقصودة من هذه اللفظة في الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام «كل مولود يولد على الفطرة ...» وقوله عليه الصلاة والسلم «عشْرٌ من الفطرة...» ذلك أنَّ السُّنة والدين والإسلام والملة قد جاءت متوافقة مع فطرة الإنسان وخَلْقِهِ، وإن شئتَ قلتَ إن معناها في الأحاديث النبوية الإيمان الفطري.

    أما السُّنن فالمقصود بها مجموعة الأفعال التي اتفقت عليها الشرائع كلها. وهذه السنن كثيرة نصَّت الأحاديث على إحدى عشرة سُنة منها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عشرٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحية، والسواكُ، واستنشاقُ الماء، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء، قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي. قوله البراجم : أي عُقَد الأصابع. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «الفِطرة خمسٌ: الاختتان والاستحداد وقصُّ الشارب وتقليمُ الأظفار ونتفُ الإبط»رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله الاستحداد: أي حلق العانة.

    وهذه السنن في الأحاديث بلغت إحدى عشرة سُنَّة، وقد سبق أن بحثنا الاستنجاء، وسنبحث بإذن الله الاستنشاق والمضمضة في بحث الوضو، فيتبقى منها ثمانٍ هي: السواك وقص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط وقصُّ الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والختان. ونبدأ بالسواك.


  4. #54
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (51) 90 - 91


    الســـــواك
    السِّواك - بكسر السين - يطلق على الفعل، ويطلق على العود أو الشيء الذي يُتسوَّك به فيقال ساك فمه يسُوكُه سَوْكاً إذا نظَّفه بالسواك ، والجمع سُوُكٌ ككُتُب، هذا في اللغة. ولا يختلف تعريفه في اللغة عنه في اصطلاح الفقهاء، فقد عرفوه بأنه استعمال عود ونحوه في الأسنان لإزالة ما يعلق بها من فضلات الطعام، وما يعلوها من صُفرة. وقد وردت في السواك الأحاديث التالية:

    1- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال «السِّواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للرَّبِّ» رواه أحمد والنَّسائي وابن حِبَّان وابن خُزَيمة. وصحَّحه النووي.

    2- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» رواه مسلم والبخاري وابن خُزَيمة وأبو داود والترمذي. وفي روايةٍ لأحمد «...لأمرتهم بالسواك مع الوضوء». وفي رواية للبيهقي «... لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء».

    3- عن المِقْدام بن شريح عن أبيه قال «سألت عائشة قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسِّواك» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنَّسائي والبيهقي.

    4- عن حذيفة قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجَّد يشُوصُ فاهُ بالسواك» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.

    5- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «... فقال ائتني بكوز من ماء، فغسل كفَّيه ووجهه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح رأسه واحدة ... فقال : أين السائل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كذا كان وضوء نبي الله صلى الله عليه وسلم» رواه أحمد وحسَّنه ابن حجر.

    6- عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أعُدُّ وما لا أُحصي يستاك وهو صائم» رواه أحمد وأبو داود. ورواه الترمذي وحسَّنه هو وابن حجر.

    7- عن أبي سعيد رضي الله عنه قال «أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يَستنَّ ، وأن يمَسَّ طيباً إن وجد» رواه البخاري ومسلم وأحمد.

    ووردت أحاديث أخرى، إلا أننا نكتفي بهذه الأحاديث السبعة لأن فيها الغُنية.
    هذه الأحاديث كلها تفيد مشروعية السواك، وتحثُّ عليه وتندب إليه حتى عدَّه الفقهاء من السُّنن المؤكَّدة. قال النووي (بإجماعِ مَن يُعتدُّ به في الإجماع) وتشدَّد داود وإسحق بن راهُويه في السواك، فرُوي عن داود أنه قال بوجوبه في الصلاة، إلا أن الصلاة لا تبطل بتركه، وقال إسحق بن راهُويه إنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً.

    والسواك مسنون في كل وقت لهذه الأحاديث، ولقد أحسن النووي في بحثه لهذا الموضوع بقوله (السواك مستحبٌّ في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات أشد استحباباً: أحدها عند الصلاة سواء كان متطهِّراً بماء أو تراب أو غير متطهِّر، كمن لم يجد ماء ولا تراباً، الثاني عند الوضوء، الثالث عند قراءة القرآن، الرابع عند الاستيقاظ من النوم، الخامس عند تغيُّر الفم، وتغيُّره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب، ومنها أكل ما له رائحة كريهة، ومنها طول السكوت، ومنها كثرة الكلام).

    أما أن السواك مندوب وليس فرضاً، فلأن الحديث الأول يقول «مرضاة للرب» ولا تكون مرضاة الله سبحانه إلا بالقيام بواجب أو بمندوب، فجاء قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الثاني «لولا أن أشقَّ على أمتي» قرينة تصرف الأمر إلى الندب، وعلى ذلك يُحمل الحديث السابع على إفادة الندب، والحديث الخامس يدل على أن التسوك لا يجب له عود الأراك ولا حتى فرشاة بل يكفي فيه إمرار الأصابع على الأسنان «فأدخل بعض أصابعه في فيه» وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «تُجْزِيء من السواك الأصابع» رواه البيهقي من عدة طرق . ورواه ابن عدي والدار قطني . وقال فيه ابن حجر ( لا أرى بسنده بأساً) فإذا كانت الأصابع تكفي لنيل الثواب، فإن ما هو أفضل منها في التنظيف كالفرشاة أو وضع معاجين خاصة على الأصابع لدلك الأسنان بها هو أولى وأحق، لأن النظافة هي المطلوبة وهي بالعود أو بفرشاة الأسنان تتحقق بشكل أفضل . ولسنا نريد أن نذكر فوائد المسواك الطِّبِّيَّة التي توصل إليها الطب الحديث، فهذا ليس عملنا، ويمكن تصنيفه في باب دلائل النبوَّة.

    والسواك مسنون في الليل والنهار، وفي الإفطار والصوم على السواء، وإن ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة وإسحق وأبو ثور ونُسب إلــى عطــاء ومجاهـــد، مــن كراهيــة السواك بعد الزوال للصائم مستدلين عليه بحديث رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «... والذي نفسي بيده لَخُلوفُ فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك...» رواه البخاري ومسلم. هو رأي غير صحيح خالف الشافعيَّ فيه حتى أتباعه، أذكر منهم أبا شامة والعِزَّ بن عبد السلام والنووي والمُزَني وابن حجر.

    قال العِزُّ: وقد فضَّل الشافعي تحمُّل الصائم مشقة رائحة الخُلوف على إزالته بالسواك، مستدلاً بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يُوافَق الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرُّجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوِتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر، مع قوله عليه الصلاة والسلام «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها وغيرُها أفضلُ منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التَّطهُّر المشروع لأجل الرَّبِّ سبحانه، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شُرع السواك، وليس في الخُلُوف تعظيم ولا إجلال فكيف يقال إن فضيلة الخُلُوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ . وخلص العزُّ إلى القول : والذي ذكره الشافعي رحمه الله تخصيصٌ للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارَض بما ذكرنا. وقال ابن حجر العسقلاني (استدلال أصحابنا بحديث خُلُوف فم الصائم على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائماً فيه نظر).

    والصحيح هو أن استدلال هؤلاء على كراهة الاستياك بعد الزوال للصائم بحديث الخُلُوف هو استدلال لا يصلح لتخصيص الأحاديث الحاثَّة على استحباب السواك على العموم لأن حديث الخُلُوف هو في موضوع مغاير لموضوع أحاديث الاستياك، فلا يصلح مخصِّصاً. وممن ذهب إلى عدم كراهة الاستياك بعد الزوال إبراهيم النخعي وابن سيرين وعروة ومالك بن أنس وأصحاب الرأي، ورُوي عن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.

  5. #55
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (52)- 92 - 94


    قصُّ الشَّـارب
    وردت في قص الشَّارب الأحاديث التالية:

    1- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خالفوا المشركين، وَفِّروا اللحى وأَحفُوا الشَّوارب» رواه البخاري. ورواه مسلم بلفظ «خالفوا المشركين، أَحفوا الشوارب وأَوفُوا اللحى».

    2- عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا» رواه أحمد والنَّسائي. ورواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح.

    3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «جُزُّوا الشَّوارب وأَرْخوا اللحى، خالفوا المجوس» رواه مسلم وأحمد.

    4- عن أنس رضي الله عنه قال «وُقِّتَ لنا في قصِّ الشَّارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة» رواه مسلم وابن ماجة والترمذي وأحمد.

    5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أَعْفُوا اللحى، وخُذوا الشَّوارب، وغيِّروا شيبكم ولا تشبَّهوا باليهود والنصارى» رواه أحمد وسنده حسن.

    وقد ذهب الفقهاء في تفسير ألفاظ الأحاديث هذه ودلالاتها مذاهب شتى، فقال النووي (المختار أنه يقُص حتى يبدو طرف الشَّفة ولا يُحفيه من أصله) وفسَّر رواية «أَحفُوا الشوارب» بأنها تعني أَحفُوا ما طال عن الشَّفتين. وتعقَّبه الشَّوكاني فقال (الإحفاء ليس كما ذكره النووي من أن معناه أَحفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء الاستئصال كما في الصِّحاح والقاموس والكشَّاف وسائر كتب اللغة) . وقال مالك (يُؤخذ من الشَّارب حتى تبدو أطراف الشَّفة) وذهب إلى منع الحلق والاستئصال، بل كان يرى تأديب من حلق الشارب، ورُوي عنه أنه قال : إحفاء الشارب مُثْلَة. وذهب أبو حنيفة وتلاميذه زُفَر وأبو يوسف ومحمد إلى أن الإحفاء أفضل من التقصير . وإلى قولهم ذهب المُزَني والربيع من الشافعيين، ورُوي عن أحمد أنه كان يُحفي شاربه إحفاءً شديداً، ويُفتي بجواز الإحفاء والقص، وبالتخيير بينهما. وممن ذهب إلى الإحفاء من الصحابة عبد الله بن عمر وأبو هريرة وجابر وأبو سعيد ورافع بن خديج.

    وبالرجوع إلى ألفاظ الأحاديث والتدقيق فيها يتبين أنها في مجملها تفيد التَّقصير الذي يتحقق فيه قطع ما يصل إلى الشَّفة والفم ، وأن هــذه الألفــاظ لا تخرج عــن هــذا المعنى، فالقصُّ والأخــذ من الشارب والإحفــاء والجزُّ كلها تؤدِّي معاً هذا المعنى، ولا يخرج عنه إلا الحلق ، وإلا التطويل بحيث يتهدَّل الشارب على الشَّفة والفم . والدليل على هذا الاستثناء الحديث الرابع «وُقِّت لنا في قصِّ الشارب ... ألاَّ نترك أكثر من أربعين ليلة» فهذا التوقيت للقصِّ بأربعين ليلة يدل على عدم الحلق وعدم التطويل، أما كيف؟ فذلك أن من يترك شاربه أربعين ليلة دون قصٍّ لا شك سيطول بحيث يتنافى مع القول بحلق الشارب ، إذ لو كان الحلق هو المطلوب لكان التوقيت لا يتعدَّى الأسبوع، ثم إن التوقيت بأربعين ليلة يتنافى أيضاً مع القول بالتطويل إلى درجة التَّهدُّل على الشَّفة والفم، فالحكم المستنبط من مجمل النصوص هو التقصير وليس الحلق ولا التطويل الكثير.

    أما حكم التقصير وقصِّ للشارب فهو الندب، وهو سُنَّة مؤكدة ، لا أعلم فقيهاً خالف هذا. أما ما جاء في الأحاديث من ألفاظ مثل «ولا تَشَبَّهوا باليهود والنصـارى» و«خالفوا المشركين» و «خالفوا المجوس»و «مَن لم يأخــذ من شاربــه فليس منا» فهي لا تدل على الوجــوب، وهي لا تخــرج عن كونهــا تفيد تشديـــداً في طلـب هــذا المندوب ليس غير، فهــذه مثلهـــا مثل مــا جاء في الحـديث المروي عــن أبي هريرة قال: قـال النبــي صلى الله عليه وسلم «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهـــم» رواه البخـــاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. فهذا الحديث طلب مخالفة اليهود والنصارى في صبغ الشعر الأشيب، ولم يقل فقيه إن صبغ الشيب فرض، ولا نُقل القول بالوجوب عن أحد من الصحابة. ومثل ما جاء في الحديث المروي عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خالفوا اليهود فإنهم لا يُصلُّون في نعالهم ولا خِفافهم» رواه أبو داود. ولم يقل فقيه إن الصلاة في النعال والخفاف واجبة . وقد روى أحمد حديثاً - قال عنه الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا القاسم وهو ثقة - يجمع ما سبق ويزيد عليه أنقله بتمامه، عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لِحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمِّروا وصفِّروا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأْتزرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسرولوا واتَّزِروا، وخالفوا أهل الكتاب، قال، فقلنا : يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخفَّفون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتخفَّفوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصُّون عثانينهم ويُوفِّرون سِبالَهم، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قُصُّوا سِبالَكم ووفِّروا عثانينَكم، وخالفوا أهل الكتاب». ولا يجهل أحد أن صبغ الشعر بالأحمر كالحنَّاء أو بالأصفر كالكَتَم، ولبس السراويل والأُزُر ، والصلاة في النعال والخفاف كل ذلك غير واجب، فكذلك قصُّ السِّبال أي الشوارب وتوفير العثانين أي اللحى غير واجبين، وإن جاء النص بأن يُفعل كله من باب مخالفة أهل الكتاب.

    والخلاصة، هي أن قص الشارب وتقصيره، بحيث لا يطول كثيراً ، أو لا يتهدل على الشفتين هو سُنَّة مؤكدة، وأنَّ كلا الحلقِ والتطويلِ مخالف لهذه السُّنَّة.


  6. #56
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي (53)- 94-92


    إعفاءُ اللحية
    وردت في إعفاء اللحية الأحاديث التالية:


    1- حديث عائشة المار، وفيه «عشْرٌ من الفطرة: قصًّ الشارب، وإعفاء اللحية...» رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي.


    2- حديث ابن عمر المار، وفيه «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى ...» رواه البخاري. ورواه مسلم بلفظ «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوْفُوا اللحى».


    3- حديث أبي هريرة المار وفيه «جُزُّوا الشوارب وأَرخوا اللحى، خالفوا المجوس» رواه مسلم وأحمد.


    هذه الروايات تتضمن الألفاظ التالية: إعفاء ، وفِّروا، أَوفوا ، أرخوا ، وكلها تعني معنى واحداً هو تركها تطول دون حلق أو قصٍّ أو إحفاء، أي افعلوا فيها عكس ما تفعلون في الشوارب، وقد كان من عادة الكفار قصُّ اللحية فنهى الشارع عن ذلك، وأمر بإعفائها وتوفيرها مخالفة لهم.


    وإعفاء اللحية من سُنن الفطرة، وهو سُنَّة مؤكَّدة كقص الشارب، قال القاضي عياض: يُكْره حلق اللحية وقصها وتحليقها. وقال الشوكاني عند كلامه على حديث عشر من الفطرة ما يلي (الكلمات العشر ليست واجبة). وقال شمس الدين بن قُدامة في الشرح الكبير (ويُسْتحب إعفاء اللحية). وما قلته في قص الشارب أقوله في إعفاء اللحية، فحكمهما واحد وقرائنهما واحدة وإن كان التشديد على قصِّ الشارب أكثر منه على إعفاء اللحية لوجود «مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا» فهذا التشديد لا يوجد ما يضارعه في إعفاء اللحية.


    والسُّنَّة أن تُترك اللحية حتى تظهر وتبرز على الوجه. ولا حدَّ لطولها، وإنَّ ما كان ابن عمر يفعله من قص لحيته بحيث لا تزيد على قبضة اليد يمكن الأخذ به، قال البخاري (كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) وهذا الفعل من ابن عمر ليس دليلاً، ولكنه يُعتبر حكماً شرعياً يجوز اتِّباعه. وفي المقابل لا يتحقق المطلوب بتقصيرها تقصيراً يؤدي إلى ظهور لون الجلد تحتها ، ولذلك فالأصل الاعتدال، وحدُّه أن يتوارى لون بشرة الوجه خلف شعر اللحية، وله بعدئذ أن يقص أو يدع ما يزيد على ذلك.


    وإعفاء اللحية اهتم به المتصوِّفـة والمشايخ اهتماماً جاوز حد الاعتدال إلى الغلو، حتى عدُّوا الحليق فاسقاً لا تُقبل شهادته ولا يُصلى خلفه وكأنه أتى معصية من أكبر المعاصي، رغم أن الأحاديث ذكرت إعفاء اللحية ضمن العشر من الفطرة، ولم تحُثَّ عليه بأكثر من مخالفة المشركين كحال الحث على قصِّ الشارب، ومع ذلك لم يُولِ المشايخ اهتماماً بأي من السنن العشر اهتمامهم بإعفاء اللحية، والأصل أن لا تصل هذه المسألة إلى حجم أكبر من حجمها، وأن ما يقوله بعضهم من أنها علامة على الرجولة والفحولة هو قول ساقط متهافت. وكمثال على هذا التَّشدُّد أُورد رأياً للشيخ محمد ناصر الدين الألباني في هذه المسألة أنقله بكامله من كتابه [آداب الزفاف] وأناقشه بالتفصيل:


    حلق اللحى. الخامس: ومثلها في القُبح ـ إن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفِطَر السليمة ـ ما ابتُلي به أكثر الرجال من التَّزين بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل العروس على عروسه وهو غير حليق وفي ذلك عدة مخالفات:


    أ- تغيير خلق الله ، قال تعالى في حق الشيطان لعَنَهُ الله وقال لأتَّخِذَنَّ مِنْ عبادِك نصيباً مفروضاً ولأُضِلَّنَّهم ولأُمنِّينَّهم ولآمُرنَّهم فَلَيبتِّكُنَّ آذانَ الأنعام ولآمُرنَّهم فلَيُغيِّرُنَّ خلقَ الله ومَنْ يتَّخِذ الشيطانَ وليَّاً من دونِ الله فقد خَسِرَ خُسراناً مُبيناً فهذا نص صريح في أن تغيير خلق الله بدون إذن منه تعالى إطاعة لأمر الشيطان وعصيان للرحمن جل جلاله، فلا جَرَم أنْ لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيِّرات خلقَ الله للحُسن كما سبق قريباً، ولا شك في دخول حلق اللحية للحسن في اللَّعن المذكور بجامع الاشتراك في العلة كما لا يخفى، وإنما قلت: بدون إذن من الله تعالى، لكي لا يُتوهم أنه يدخل في التَّغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها مما أذن فيه الشارع بل استحبه وأوجبه.


    ب- مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وهو قوله «أَنهِكوا الشوارب وأَعْفوا عن اللحى» ومن المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة، والقرينة هنا مُؤكِّدة للوجوب وهو:


    ج - التَّشبُّه بالكفار ، قال صلى الله عليه وسلم «جُزُّوا الشوارب وأَرخوا اللحى خالفوا المجوس» ويؤيد الوجوب أيضاً:


    د - التَّشبُّه بالنساء، فقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال» ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته التي ميَّزه الله بها على المرأة أكبر تشبُّه بها، فلعل فيما أوردنا من الأدلة ما يقنع المُبتَلَيْن بهذه المخالفة، عافانا الله وإياهم من كل ما لا يحبه ولا يرضاه.


    وقال في هامش الكتاب ما يلي (ومما لا ريب فيه ـ عند من سلمت فطرته وحسُنت
    طويته - أنَّ كل دليل من هذه الأدلة الأربعة كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية وحُرمة حلقها فكيف بها مجتمعة ؟!).


    والجواب عليه من وجوه:


    أ ـ أقف عند قوله (من التَّزيُّن بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار) فهو قد جعل حلق اللحية زينة ولم يذكر أن إعفاء اللحية زينة هو الآخر، إذ ربما كان إعفاء اللحية أجمل من حلقها، ثم إنه اعتبر التَّزيُّن بحلق اللحية داخلاً تحت تقليد الكفار، وهذا يضطرنا إلى تبيين معنى تقليد الكفار وحكمه.


    تقليد الكفار تقليدان :تقليد في شؤون الدين ، وتقليد في شؤون الحياة، فما كان من تقليدٍ لأفعالهم وأُمورهم المتصلة بدينهم فهو تقليد في شؤون الدين، وما كان من تقليدٍ لأفعالهم وأُمورهم غيرِ المتصلة بالدين عندهم فهو تقليد في شؤون الحياة. أما ما كان من تقليدٍ في شؤون دينهم فهو حرام ، ومخالفته واجبة، وأما ما كان من تقليدٍ لهم في شؤون الحياة فليس بحرام ولا إثم فيه، وإن كان الأَوْلى تركه ، إلا أن يكون ذاتُه محرَّماً في ديننا نحن فيحرم. فتقليدهم بلبس البدلات وربطات العنق، وتقليدهم بإلباس جنودنا ما يلبسه جنودهم من غطاء الرأس، وتقليدهم باستقبال رؤساء الدول الأجنبية بإطلاق إحدى وعشرين طلقة واصطفاف حرس الشرف لهم، وتقليدهم بافتتاح المشاريع الحيوية بقص الشريط، وأمثال ذلك كله تقليد لا إثم فيه وليس بحرام، لأن هذه الأفعال والأمور ليست من دينهم هم، وهم لا يفعلونها ولا يتخذونها امتثالاً لعقيدتهم، ثم هي ليست مما ورد في شرعنا تحريم له ، وما دام ذلك كذلك فتقليدهم فيها لا حرمة فيه، وإن كان الأولى تركه، بينما تقليدهم بجعل التعليم مختلطاً في الجامعات وتقليدهم بتبرُّج النساء حرام لا يجوز، وإن كان ذلك ليس من شؤون الدين عندهم ولكنه حرام عندنا فيظل حراماً.



صفحة 6 من 6 الأولىالأولى 123456