أحدث المشاركات
صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 56

الموضوع: الجامع لأحكام الصّلاة

  1. #11
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي الماءُ المستعمَل3

    الماءُ المستعمَل3
    وأُضيف من وجه ثالث أنهم قالوا إن اقتران النهي عن البول بالنهي عن الاغتسال في الماء يقتضي التسوية في أصل الحكم لا في تفاصيله ، وجعلوا المنع من الوضوء في حالة البول في الماء متساوياً مع المنع من الوضوء في حالة الاغتسال فيه ، أي أنهم قالوا إنه لا يجوز التوضؤ بالماء الذي اغتسل فيه لأنه لا يرفع الحدث، كما أن الماء الذي خالطه البول لا يرفع الحَدَث، ونفَوْا التسوية في التفاصيل.

    فنجيبهم بأننا أثبتنا أن الاغتسال في الماء لا يمنع الاغتسال منه ثانية كما في حديث الجَفْنة وهذا يدل على عدم التسوية في هذا الحديث بين الأمرين، فالاغتسال في الماء لا يمنع رفع الحدث به بينما البول في الماء يمنع رفع الحدث، فزالت التسوية من هذا الوجه. ونحتاج إلى إثبات هذه التسوية مع شيء آخر ، فنقول إن هذا الأمر الآخر هو الاستقذار كما أسلفنا، ونبسط الموضوع قليلاً.

    قلنا إن الماء إما أن يكون دون قُلَّتين وإما أن يكون قُلَّتين فأكثر ، ولا ثالث لهما، فإن كان الماء دون قُلَّتين، فإن النهي عن البول فيه إنما هو لأجل تحاشي منع رفع الحدث به، لأن نجاسة الماء تمنع رفع الحَدَث به، وفي هذه الحالة فإن النهي عن الاغتسال من هذا الماء إنما هو لبيان أن الماء لا يصلح له لنجاسته. وإذن فإن النهي عن الاغتسال منه إنما هو لنجاسة هذا الماء قبل بدء الاغتسال منه أو فيه، ولا يزيده الاغتسال شيئاً، فالنجس لا ينجس، ولا ينجس إلا الطاهر ، ولذلك جاءت ألفاظ الحديث (منه) و (فيه) أي لا يحل التوضؤ بالماء الذي خالطته نجاسة وكان دون قُلَّتين، يدل على ذلك أن النهي عن الاغتسال منه ولو بالاغتراف قد بقي وهذا التعليل يصرف علَّة الاستعمال.

    وإذا كان الماء قُلَّتين فأكثر فإن البول فيه لا ينجِّسه، وبالتالي يجوز التوضؤ منه، فلما نُهينا عن التوضؤ منه أو الاغتسال فيه، وقد أُجيز لنا التوضؤ والاغتسال في الماء المستعمل كما جاء في حديث الجَفْنة، فهمنا من ذلك أن ذلك كان لأن الماء صار قذراً فقط ولم يصِر نجساً، فيكون النهي للاستقذار وليس للنجاسة ، وبالتالي يكون حكم النهي عن الاغتسال فيما دون القُلَّتين للتحريم، ويكون فيما فوق القُلَّتين للتنزيه فحسب. ولولا أن الماء قد خالطه بول لما كان هناك نهي، بدليل حديث الجَفْنة ، فإن الجَفْنة لما لم يكن فيها بول لم يمتنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الاغتسال منها، وقال «إن الماء لا يُجْنِب» أو قال «إن الماء ليس عليه جنابة » كما ورد في روايةٍ لأحمد. وهذا يعني أن الماء النازل من أعضاء المتوضِّيء أو المغتسِل يبقى على حاله وهو الطُّهورية.

    وإن أصرَّ هذا الفريق على الاستشهاد بحديث انفراد النهي عن الاغتسال في الماء، أجبناهم بحملِهِ على النظافة ومنع الاستقذار ، لأن المغتسِل عموماً لا يخلو بدنه من وسخ ودرن يَعْلق بالماء، فاستحبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أن يخلو ماء الوضوء والغسل من القذارة ، ولو بكمية قليلة بقرينة ما جاء في الحديث «يتناوله تناولاً» وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث على اختلاف رواياته على ما ذهبوا إليه من أن المستعمل في رفع الحدث لا يرفع حدثاً. فالحديث ينهى عن الاغتسال في الماء الذي فيه بول وينهى عن التبول في الماء الذي يغتسلون فيه، هذا هو معنى الحديث وهذا هو الفقه فيه.

    6) بقي للنقاش من الأحاديث: الخامس والسادس والسابع.

    الحديثان الخامس والسادس ، موضوعهما واحد، هو مسح الرأس بماء غير مستعمَل، فالرسول عليه الصلاة والسلام حين أراد مسح رأسه في الوضوء أخذ له ماء جديداً من غير فضل يده، أي أنه بعد أن غسل يده اليسرى في الوضوء، تناول ماء جديداً لمسح الرأس، ولم يمسحه ببقية الماء في يديه ، فقالوا لولا أن الماء المستعمَل في غسل يديه لا يرفع حدثاً، ولا يُستعمل في الوضوء لمسح الرسول عليه الصلاة والسلام رأسه به دون حاجة منه إلى غَرفة ماء جديد لمسح الرأس. هكذا علَّلوا الحديثين، وقالوا إنهما صحيحان يُحتجُّ بهما.

    وجوابنا على ذلك هو أن الرسول صلىى الله عليه وسلم كما فعل هذا الفعل قد فعل عكسه أيضاً، وجاء ذلك بأحاديث صحيحة أيضاً ، فعن ابن عباس رضي الله عنه «أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غَرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غَرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرفة من ماء ، فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرفة أخرى فغسل بها رجله - يعني اليسرى - ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلىى الله عليه وسلم يتوضأ» رواه البخاري. فهذا الحديث يصف فيه ابن عباس فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الوضوء، وفيه أنه كان يغرف غَرفة ماء لكل عمل من أعمال الوضوء، فغَرفةٌ للمضمضة والاستنشاق، وغَرفة لغسل الوجه، وغَرفة لغسل اليدين وغَرفة لغسل الرجلين ، ولم يذكر أنه اغترف غَرفة لمسح الرأس، مما يدل على أن الرسول صلى الله غليه وسلم مسح برأسه بماءٍ فَضَل في يديه ولم يمسحه بماء جديد.

    نعم قد يقال إن هذا ردٌّ على المنطوق بالمفهوم وهو ضعيف ، فنقول : هو ضعيف لو كان المفهوم يعارض المنطوق ولا يمكن الجمع بينهما، وهنا لا تعارض ، فالرسول عليه الصلاة والسلام وقد مسح رأسه بماء جديد، ثم جاء عنه أنه مسح رأسه بماء مستعمَل لا يقال عنه هذا تعارض، وإنما يقال إن الفعلين جائزان لوقوعهما منه عليه الصلاة والسلام فلا يقبل ردهم على هذا القول .

    وعلى أية حال فإننا كي نقطع الحُجَّة عليهم نورد لهم حديث الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء الذي يصف كيف كان الرسول  يتوضأ ، وجاء في الحديث «ومسح - أي الرسول عليه الصلاة والسلام - رأسه بما بقي من وَضوئه في يديه مرتين، بدأ بمُؤَخَّرِه، ثم ردَّ يده إلى ناصيته وغسل رجليه ثلاثاً ... » رواه أحمد. ورواه أبوداود بلفظ «أن النبي صلىى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده» ولم يختلف الأئمة في رُواة سنده إلا في عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وقد رد عليهم الترمذي فقال (عبد الله ابن محمد بن عقيل صدوق ولكن تكلم فيه بعضهم من قِبَل حفظه ) وقال فيه البخاري (كان أحمد وإسحق والحُمَيدي يحتجُّون بحديثه) وبذلك صلح هذا الحديث للاحتجاج.

    فهذا الحديث ردٌّ بالمنطوق على المنطوق، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مسح رأسه من فضل ماء كان بيديه، فماذا بقي بعد ذلك من حجة في الاستشهاد بالحديثين على أن الماء المستعمَل في الوضوء لا يصلح للاستعمال؟ فيسقط احتجاجهم بالحديثين، ولم يبق لهم إلا حديث واحد هو السابع، وهو حديث جارية الذي رواه الطبراني، وهو قول من الرسول عليه الصلاة والسلام «خذوا للرأس ماءً جديداً» فهذا هو بقية شُبُهاتهم في منع استعمال المستعمل. هذا الحديث قال عنه الهيثمي: فيه دهثم بن قران ضعفه جماعة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات، فهو إذن مختَلَف فيه، حتى إن ابن حِبَّان هذا لم يُثْبته في صحيحه ، ومع ذلك فلآخذه على أنه صالح للاحتجاج. هذا الحديث هو في موضوع الحديثين السابقين نفسه باستثناء أن الحديثين السابقين وردا في فعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهذا نص في قوله عليه الصلاة والسلام ، فالموضوع واحد . وقد روينا حديثين عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لم يأخذ لمسح رأسه ماء جديداً، أحدهما جاء فيه «مسح برأسه من فضل ماء كان في يده» وهو منطوق، وجاء في الآخر أنه لم يغْرِف لرأسه غَرفة جديدة كما كان يفعل في كل عمل من أعمال الوضوء وهو مفهوم، وقد تضافر المنطوق والمفهوم على مغايرة حديثي الباب «مسح برأسه بماء غير فضل يده» و «أخذ لرأسه ماء جديداً» وهما منطوقان، وتغايُرُ الأحاديث هنا يدل على نفي علَّة الاستعمال، إذ لو كان المستعمَل لا يُستعمل لما ورد استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم فضل الماء في حديثين.

    يتبع /4
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #12
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي الماءُ المستعمَل4

    الماءُ المستعمَل4
    وقد يقال إن هذا منه يدل على أنه من خصوصياته، فنجيب بأن هذه دعوى غير صحيحة، لأنه لا يصح اعتبار ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من خصوصياته إلا أن يقوم الدليل على أن الفعل هو من خصوصياته، ولم يقم الدليل هنا على ذلك . والمعلوم للصحابة ومَن بعدهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي فيأخذ الصحابة عنه كيفية الصلاة ، وكان يتوضأ فيتعلم منه المسلمون الوضوء، وإن معظم أحاديث الوضوء التي عمل بها المسلمون هي أفعال منه عليه الصلاة والسلام ، أو أفعال من الصحابة ذكروا أنها تشبه أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانوا يجاهرون صراحة حين يتوضَّأون بأنهم توضَّأوا كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ، وكان منهم من يقول: إني أَشْبَهُكم وضوءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الفرض الشرعي أُخذ من الرسول عليه الصلاة والسلام من فعله أكثر مما أُخذ من قوله ، ثم يأتي من يقول إن هذا المسح للرأس من فضل ماء اليدين هو من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ، ما هكذا تفهم النصوص!
    من هذه الأرضية السابقة ننطلق إلى القول بأن حديث جارية على فرض صحته يُحمَل على مَحْمل الأحاديث السابقة لأنه في موضوعها، والمقصود منه واضح وهو أن يمسح المسلم رأسه بماء جديد، أي بغير ما فضل في يديه، وهذا يضاف إلى الحديثين السابقين اللذين يذكران ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وليس فيه جديد، فقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المسلم المخاطَب بأن يفعل في مسح رأسه كما مسح هو رأسه بماء جديد ، كما جاء في حديثي الباب وهما اللذان خالفهما حديثان آخران، واختلاف الأحاديث يدل على إباحة مسح الرأس بماء جديد وإباحة مسحه بماء يفضل في اليدين، فالأمر فيه سعة.
    هكذا يجب أن تفهم النصوص، لا أن تُحَمَّل ما لا تحتمل، حتى استنبطوا منها علَّة الاستعمال، وهي غير موجودة في النص لا منطوقاً ولا مفهوماً اللهم إلا لرجلٍ وضع هذه العلَّة في ذهنه وبدأ يبحث لها عن سند.
    ولقد اختلف الفقهاء كثيراً في موضوع مسح الأذنين، واستشهدوا بالأحاديث وأعمال الصحابة واستعانوا بمعاجم اللغة، ومدار النقاش يدور حول: هل الأذنان من الرأس، أم هما مستقلَّتان عنه؟ فمَن قالوا إنهما من الرأس، وإنهما بالتالي جزء من عضوٍ، قالوا: إن الأُذُنين تُمسحان مع الرأس مسحة واحدة مشتركة ولا يُؤخذ لهما ماء جديد، ومَن قالوا إن الأُذُنين ليستا من الرأس قالوا بوجوب أخذ ماء جديد لهما. وهكذا أوجبوا لكل عضو مستقلٍّ في الوضوء أن يُؤخذ له ماءٌ جديد، وذلك من أجل الفصل بين الأعضاء، واعتبروا الفصل علَّة لأخذ الماء الجديد، وتركوا هنا علَّة الاستعمال، وبما أن الرأس عضو مستقل فقد وجب عندهم أن يُؤخذ له ماءٌ جديد مستقل عن ماء اليدين، وهكذا أخذوا علَّة الاستعمال مرة وعلَّة الفصل بين الأعضاء مرة أُخرى.
    وكمثال على ذلك أقدِّم لكم مقطعاً من كتاب المغني لابن قُدامة (مسألة : قال: [وأَخْذُ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما] المستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً، قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً، كان ابن عمر يأخذ لأذنيه ماء جديداً، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال ابن المنذر: هذا الذي قالوه غير موجود في الأخبار، وقد روى أبو أُمامة وأبو هريرة وعبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجة، وروى ابن عباس والرُّبيِّع بنت مُعوِّذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي  مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، رواهن أبو داود، ولنا أن إفرادهما بماء جديد قد رُوي عن ابن عمر ، وقد ذهب الزُّهري إلى أنهما من الوجه، وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثَوْر: ليس من الوجه ولا من الرأس ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان أولى، وإنْ مسحهما بماء الرأس أجزأه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله). فهذا القول الذي ذكره صاحب المغني عن الشافعي وأحمد وغيرهما صريح في أن ما كان عضواً مستقلاً في الوضوء يُؤخذ له ماء جديد، وهم أصحاب القول بفقد المستعمَل في الوضوء للطُّهورية، فقد ذهبوا إلى أن العضو المستقل يؤخذ له ماء جديد، وهذا دليل واضح على أنهم فهموا من أخذ الماء الجديد ابتداء العمل بعضوٍ جديد مستقل في الوضوء، فعلَّة أخذ الماء الجديد عندهم هي الفصل بين الأعضاء، ثم هم مع ذلك يقولون إن طلب الرسول عليه الصلاة والسلام أخذَ ماءٍ جديد للرأس يدل على منع المستعمل في الوضوء من رفع الحدث؟!.
    نخلص من ذلك كله إلى أن المستعمَل يجوز استعماله في الوضوء لأنه يظل ماء، وحكم الماء أنه لا يُجنِب وأنه طَهور، إلا ما غُلب على صفاته وسُلب اسمُه ، والوضوء لا يغيِّر صفات الماء ولا يسلبه اسمه، ولذا يظل طَهوراً وإن أصابه بعضُ الدنس القليل من أعضاء الوضوء، إلا أن يكون المتوضِّيء ملطَّخاً بالقَذَر، فيخرج ماء وضوئه ملطخاً وقد غُيِّرت صفاتُه وسُلب اسمه، فحينذاك لا يجوز التوضؤ به، أو أن يكون المتوضيء مُلطَّخاً بالنجاسة فيخرج ماء وضوئه نجساً، وهذا أندر من الكبريت الأحمر . وبذلك نفرغ من مناقشة رأي القائلين بأن المستعمَل في رفع الحدث طاهر غير مطهِّر، وقد بان الصواب في هذه المسألة .
    7- وننتقل الآن لمناقشة الرأي الأخير. اعتمد أبو يوسف القاضي وشيخه أبو حنيفة في رواية عنه على حديث «لا يبولَنَّ أحدكم ...» فقالا: اقترن النهي عن الاغتسال من الماء الدائم بالنهي عن البول فيه، وبدلالة الاقتران والتسوية بين الأمرين نخرج بحكم تنجيس الماء بالاغتسال فيه مثل تنجيسه بالبول فيه ، وعند هذين الإمامين أن دلالة الاقتران تفيد التسوية في أصل الحكم، وفي تفاصيله.
    ونجيب على هذه الشبهة إضافة إلى ما سبق بأن دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، وحتى من يقولون بها، لا يشترطون التسوية بين طرفي الاقتران ، فقد يقترن نهيان أو أكثر، ويكون حكم الأول التحريم وحكم غيره الكراهة، وقد يقترن أمران أو أكثر، ويكون حكم أحدهما الوجوب وحكم الآخر الندب أو الإباحة، فهذه القاعدة التي استندا إليها ضعيفة بل خاطئة لا يجوز أن يُعوَّل عليها، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه النقطة بما يكفي.
    ثم إن هذا التنجيس من الاغتسال في الماء ليس منطوقاً، وإذا عارضه منطوق نفاه، لأن المنطوق أقوى في الحجة والعمل، وحديث الجَفْنة المار وهو «إن الماء لا يُجْنِب» منطوق فيُعمل به ويُترك العمل بالمفهوم من حديث «لا يبولَنَّ ...» هذا على فرض التسليم بصحة هذا المفهوم وبذلك يسقط الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه.
    يتبع /5

  3. #13
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي الماءُ المستعمَل5

    الماءُ المستعمَل5
    أما قولهما إن الماء الذي تُزال به الجنابة أو يُتوضأ منه هو ماء يُزال به مانع من الصلاة فانتقل المنع إليه كغُسالة النجس المتغيرة ، فإن هذا حكم عقلي وليس حكماً شرعياً، ثم إن هذا الحكم يقابله نص فلا يصح، وهذا مُجمَع عليه عند جميع الفقهاء والأصوليين ، قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا برأيي عُرضَ الحائط. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على طهارة الماء المستعمَل ، فيُعمل بها ويُترك العمل بالقياس.
    أما قولهما الأخير إن الغسل أو الوضوء يسمى طهارةً والطهارةُ لا تكون إلا عن نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يُعقل، فإنا نقول إن هذه القاعدة خطأ، فما يُبنى عليها لا يصح، إذ الطهارة ليست بالضرورة عكس النجاسة ، فقوله تعالى فمَن شاءَ ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مرفوعةٍ مُطَهَّرة  وقوله تعالى رسولٌ من الله يتلو صُحُفَاً مُطَهَّرة وقوله سبحانه خُذْ من أموالِهِم صَدَقةً تُطهِّرهم وتُزكِّيهم بها  وقوله جل جلاله أولئك الذين لم يُرِد اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قلوبَهم وقوله سبحانه لآل الرسول عليه الصلاة والسلام  ولكنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نعمتَه عليكم وقوله سبحانه  أَخْرِجوا آلَ لوطٍ من قريتِكم إنهم أُناسٌ يَتطهَّرون وكثيرٌ غيرها في كتاب الله لا تعني أن الطهارة هي ضد النجاسة الحسية، فالله سبحانه لم يُرد من وصف الصحف بأنها مطهَّرة أنها أُزيلت منها النجاسة، ولا أراد سبحانه أن تكون الصدقة مزيلةً من الناس النجاسة، ولا أراد من قوله أنْ يُطهِّر قلوبَهم أن يزيل النجاسة من القلوب، ولا إلى آخر ما ورد، فهذه كلها طهارات ليست مقابلةً للنجاسة ولا بوجه من الوجوه.
    وحين جاء مسلمٌ خاطيء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له : يا رسول الله طهِّرني ، لم يكن يقصد أن يزيل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام نجاسته، بل قصد إقامةَ الحد عليه وسماها طهارة وهذه معلومة بالضرورة، فالطهارة تكون ضد النجاسة الحسية وتكون ضد النجاسة المعنوية ، وتأتي بمعان متعددة ، فتخصيصُها بالنجاسة الحسية في رفع الحدث يحتاج إلى مخصِّص ولا مخصِّص. بل إن عندنا أحاديث تنفي النجاسة الحسية عن المسلم وهو جُنُب، وعن المرأة وهي حائض، ونمثِّل للحالتين بما يلي:
    أ- روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جُنُب فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جُنُباً ، قال : إن المسلم لا ينجَس» رواه مسلم . ورواه أحمد والبخاري من طريق أبي هريرة.
    ب - وعن عائشة رضي الله عنها قالت «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناوليني الخُمْرةَ من المسجد، قالت : فقلت : إني حائض ، فقال: إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
    ج - وعن عائشة رضي الله عنها قالت «كنت أشرب وأنــا حائـض، ثم أُناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ وأنا حائض، ثم أُناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. ورواه أبو داود بتقديم وتأخير.
    فالحديث الأول يدل بمنطوقه على أن الجُنُب غير نجس، والحديثان الثاني والثالث يدلان بمفهومهما على أن الحائض ليست نجسة، وإذن فمجيء الأحاديث بألفاظ الطهارة والتَّطهُّر على إزالة الجنابة لا يعني أنَّ الطهارة والتطهُّر يعنيان إزالة النجاسة، وإنما يعني شيئاً آخر هو التخلص من الآثام وإزالة المانع من الصلاة، يدل عليه الحديث التالي: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال «إذا توضأ العبدُ المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قَطْر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء ، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب» رواه مسلم ومالك. وروى الدارمي جزءاً منه . فالوضوء يغسل الخطايا والذنوب وليس النجاسة كما يتوهَّمون.
    ثم إن المسلم لو كان بالوضوء يتطهَّر من النجاسة، لقلنا إنه نجسٌ قبل الوضوء، وهذا منافٍ لقوله عليه الصلاة والسلام وقد مرَّ «إن المسلم لا ينجَس» ولكان مَن يلمسُه من المسلمين يتنجس وهذا لا يقوله مسلم . وبذلك يسقط الاحتجاج بهذه القاعدة ويسقط الرأي المبني عليها، هذا إضافةً إلى أنها حكمٌ عقليٌّ محض (إذ تطهير الطاهر لا يُعقل) والأحكام الشرعية لا تُستمدُّ من العقل، وإنما تستنبط من نصوص الشرع.
    وأخيراً نقول إن كل الردود التي أوردناها على أصحاب الرأي الأول هي ردود على أصحاب هذا الرأي، وبذلك يظهر أنه لا وجه لقول من يقول بعدم طُهورية الماء المستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر من أصحاب الرأي القائلين بطهارته دون طُهوريته، ومن أصحاب الرأي الذين تطرَّفوا فقالوا بنجاسته . والصواب هو أن الماء المستعمَل في رفع الحدث طاهر مطهِّر طَهور، وهذا هو رأي الفريق الثالث، وقد بانت صحته.
    8- وعوداً على بدء نقول إنهم قسموا الماء إلى ستة أقسام هي: الماء الطَّهور والماء الطاهر والماء النجس والمستعمَل الطَّهور والمستعمَل الطاهر والمستعمَل النجس. وقد بينا القسم الأعظم ، وبقي القليل.
    لقد قالوا إن الماء المستعمَل في رفع الحدث إذا كان في المرة الثانية أو الثالثة في الوضوء يظل طَهوراً ، على خلافٍ بينهم، لأنه لم يُستعمل في رفع الحدث ، بل الحدث ارتفع في الغسلة الأولى لأعضاء الوضوء ، أما الثانية والثالثة فليستا واجبتين ، وبالتالي لم تشاركا في رفع الحدث ، فيظل الماء المستعمَل بهما طَهوراً أشبه ماء التبرُّد. وذلك يعني أنهم اشترطوا في الماء المستعمَل الذي يفقد طُهوريته أن يكون مستعمَلاً في الأغسال الواجبة دون المسنونة (على خلاف بينهم كما قلت) .
    فالوضوء واجب ويحصل الوجوب بغسلته الأولى وما سواها فمستحبة، وأغسال الجنابة والحيض والنفاس واجبة، وبهذه الأغسال الواجبة يفقد الماء المستعمَل فيها طُهوريته. هكذا يُفرِّعون وهكذا يفكِّرون دون أن يأتوا بأي دليل من القرآن أو الحديث. ولا بأس بأن أعرض عليكم صورة لهذه التفريعات لتجدوا فيها الخلافات والآراء المختلفة دون وجود أدلة تدل عليها. قال ابن قُدامة في كتاب المغني ما يلي (وجميع الأحداث سواء فيمـا ذكرنا - الحدث الأصغر والجنابة والحيض والنفاس، وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته، واختلفت الرواية في المنفصل عن غسل الذمية من الحيض، فرُوي أنه مُطهِّر لأنه لم يُزل مانعاً من الصلاة أشبه ماءً تبرَّد به، ورُوي أنه غير مطهِّر لأنها أزالت به المانع من وطء الزوج، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة، فإن اغتسلت به من الجنابة كان مُطهراً وجهاً واحداً، لأنه لم يُزل مانعاً من الصلاة ولا استُعمل في عبادة أشبه ما لو تبرَّد به - ويحتمل أن يُمنع استعماله لأنه استُعمل في الغُسل من الجنابة، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة . [فصل] وإن استعمل في طهارة مستحبة غير واجبة كالتجديد والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والغسل للجمعة والعيدين وغيرهما ففيه روايتان [إحداهما] أنه كالمستعمَل في رفع الحدث لأنها طهارة مشروعة أشبه ما لو اغتسل به من جنابة، [والثانية] لا يمنع لأنه لم يُزِل مانعاً من الصلاة أشبه ما لو تبرَّد به، فإن لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر استعمال الماء فيها شيئاً وكان كما لو تبرَّد به أو غسل به ثوبه، ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التَّبرُّد والتنظيف أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافاً. [فصل] فأما المستعمل في تعبُّد من غير حدث كغسل اليدين من نوم الليل فإن قلنا ليس ذلك بواجب لم يؤثر استعماله في الماء، وإن قلنا بوجوبه فقال القاضي هو طاهر غير مطهِّر ، وذكر أبو الخطاب فيه روايتين [إحداهما] أنه يخرج عن إطلاقه لأنه مستعمل في طهارةِ تعبُّدٍ أشبه المستعمَل في رفع الحدث، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل غسلها فدل ذلك على أنه يفيد منعاً [والرواية الثانية] أنه باقٍ على إطلاقه لأنه لم يرفع حدثاً أشبه المُتبرَّد به، وعلى قياسه المستعمَل في غسل الذكر والأنثيين من المذي إذا قلنا بوجوبه لأنه في معناه). وليس عندي من تعليق على ما سبق فيما يتعلق بالماء المستعمَل أفضل من كلمة قالها الشوكاني في نيل الأوطار (وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمَل ليس عليها أثارةٌ من علم وتفصيلاتٌ وتفريعاتٌ عن الشريعة السمحة السهلة بمعزل، وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمَل عن الطُّهورية مبنية على شفا جُرُفٍ هارٍ).
    يتبع /6

  4. #14
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي الماءُ المستعمَل6

    الماءُ المستعمَل6
    رابعاً : قلنا في بداية البحث ما يلي: [الماء المستعمَل قسمان : قسم مستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر ، وقسم مستعمَل فيما سوى ذلك، ونحن سنناقش القسم الأول ثم ننتقل لمناقشة القسم الثاني] وها قد فرغنا من مناقشة القسم الأول، وهو الماء المستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر، وتوصلنا إلى الرأي القائل بأن المستعمَل في رفع الحدث بقسميه طاهر طَهور. وننتقل الآن إلى موضوع القسم الثاني، وهو الماء المستعمَل فيما سوى رفع الحدث.

    الماء المستعمَل في غير رفع الحدث يُحصر في حالات ثلاث، حالة إزالة النجاسة، وحالة إزالة القذارة والأوساخ، وحالة ثالثة غير هاتين الحالتين:

    1- أما الماء المستعمَل في إزالة النجاسة فنقول فيه: إذا حمل محلٌ كثوبٍ مثلاً نجاسةً وأُريد تطهيره بالماء وأخذنا في صبِّ الماء عليه نُظر ، فما انفصل عن المحلِّ والنجاسةُ باقيةٌ فهو نجس، سواء تغير بالنجاسة تغيراً ظاهراً أو خفيفاً، لأن الماء إذا كان دون قُلَّتين، وأصابته نجاسة ولو يسيرة تنجس لحديث القُلَّتين، وهذا ماء أصابته نجاسة، فصار نجساً. أما ما انفصل بعد ذهاب عين النجاسة فقد مرَّ على مكان طاهر، ولم يتغير بنجاسة ولم تصبه ولم يُسلَب اسمُه ولم تتغير أوصافه، فيظل طَهوراً على أصله.

    أما إذا كانت النجاسة واقعة على الأرض ، فإن الماء الذي يُراق عليها بحيث يزيل أثرها يُتجاوَز عن حاله، ويُحيل المكان طاهراً، ودليل ذلك حديث بول الأعرابي الذي رواه أنس بن مالك قال «بينما نحن في المسجد مع رسول الله  إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تَزْرِمُوه، دعوه ، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لذِكْرِ الله عزَّ وجلَّ والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنَّه عليه» رواه مسلم والبخاري وأحمد وابن حِبَّان.

    2- وأما الماء المستعمَل في التنظيف من القذارة والوسخ فيُنظَر فيه، فإن كان الماء الذي أزيلت به قذارة المحل كالثوب مثلاً وقد تلطخ بالأوساخ قد انفصل عنه وقد تغير كثيراً من القذارة، بحيث غلبت على اسمه وغيرت أوصافه، فإنَّ ما انفصل لا يُعدُّ ماء، وأما إن هو انفصل عن المحل وقد تغير قليلاً أو لم يتغيَّر فإنه يظل على أصله من الطُّهورية سواء بقيت القذارة أو لم تبق.

    3- وما سوى هاتين الحالتين من استعمالات الماء فإن ظل الماء ماء، أي لم يتغير وصفه ولا سُلب اسمه، بقي طَهوراً دونما حاجة إلى تفصيل، وما سوى ذلك لا يكون ماء. ولْنكتف بمثال واحد عليه: إذا وضعنا حبوب الحمَّص في إناء فيه ماء لتطريتها قبل أكلها، ثم أخرجناها بعد فترة من الإناء ، ونظرنا في الماء، فإن وجدناه ماء لم يتغيَّر وصفه وظل يحمل اسمه، ولم تخالطه الصُّفْرة كثيراً حكمنا عليه بالطُّهورية على أصله، وأما إن وجدنا الماء قد صار أصفر ظاهر الصُّفْرة ، أو شممنا رائحته فوجدناها رائحة الحمص المنقوع ، أو ذقناه فوجودنا له طعماً ، حكمنا عليه بأنه ماء حمص، وأخرجناه آنذاك من أقسام الماء، وهكذا في كل استعمالٍ للماء. ودليل هذه المسألة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «الماء طَهور» وهو ما سبق وبيناه عند تحقيق مناط الماء.

    هذه هي حالات استعمال الماء في غير العبادات ، وبالتدقيق فيها يتبين أن الماء في الأمثلة الثلاثة لا يخرج عن إحدى حالات ثلاث ، إما أن يظل ماء طَهوراً ، وإما أن يصير ماء نجساً، وإما أن يخرج عن كونه ماء، وبذلك يظهر تماماً من هذه الاستعمالات أيضاً أنه ليس للماء سوى حالتين أو قسمين لا غير: إما أن يكون طَهوراً، وإما أن يكون نجساً وبذلك أيضاً نكون قد فرغنا من تحديد أنواع الماء، وتوصلنا إلى اختصار الأنواع الستة إلى اثنين فقط، هما الطَّهور والنجس.
    يتبع..........تطبيقاتٌ على الماء

  5. #15
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي تطبيقات على الماءُ

    تطبيقات على الماءُ
    .
    1- قلنا إن الماء إذا بلغ قُلَّتين فأكثر لا ينجس ، ونريد الآن أن نبين مقدار القُلَّتين، فنقول: إن القُلَّتين تعادلان اثنتي عشرة تنكة أو صفيحة مما نستعمله هذه الأيام لحفظ الزيت فيه. وقد وجدتُ البيهقي يروي عن ابن جُرَيْج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز فقيه الحرم المكي في القرن الثاني للهجرة - قوله (وقد رأيت قِلال هَجَر، فالقُلَّة تسع قِربتين، أو قِربتين وشيئاً ) وأضاف، أي البيهقي (قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القربة، أو نصف القربة، فيقول خمسُ قِرَب هو أكثر ما يسع قُلَّتين وقد تكون القُلَّتان أقل من خمس قِرَب، قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القُلَّة قربتين ونصفاً فإذا كان الماء خمس قِرَب لم يحمل نجساً...) إذن فالقُلَّتان خمس قِرب، وقدَّرها الخبراء - أي القِرَب الخمس - باثنتي عشرة تنكة، وهذه تعادل برميلاً كبيراً تقريباً، فإذا وُجد ماءٌ مِلءَ برميل وبال فيه شخص، أو سكب فيه دماً، أو ألقى فيه ميتةً ظل الماء طَهوراً، إلا إذا تغير وصف الماء، فإذا لم يتغير وصفُه ولا سُلب اسمُه ظل الماء على أصله من الطَّهارة.
    2- ما دون قُلَّتين - أي ما دون برميل - إذا وقعت فيه نجاسة نجَّسته، ووجبت حينئذ إراقتُه، قليلةً كانت النجاسة أو كثيرةً، فلو قُطر فيه بضعُ قَطَرات من بولٍ تنجَّس دون اعتبارٍ لتغيُّر اللون أو الطعم أو الرائحة، ويُستثنى من ذلك حالة ما إذا وقعت فيه نجاسة جدُّ يسيرة كنقطة بول واحدة أو نقطة دم واحدة ، أو وقع فه صرصور أرجلُه ملطَّخةٌ بنجاسة، ففي مثل هذه الحالة لا ينجس الماء بل يظل طهوراً. وكذلك إذا وقع في الماء من الدوابِّ ما لا دمَ سائلاً له، كالذبابة والجُنْدُب والخنفساء وأشباهها فإن الماء يظل طَهوراً ، لما روى أبو هريرة أن رسول الله  قال «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فلْيغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً » رواه البخاري وأبو داود. ولما رُوي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله  «أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد ...» رواه أحمد وابن ماجة. وسيأتي بتمامه.
    دلالة الحديث الأول أن رسول الله  لا يأمر بإراقة الطعام الذي يقع فيه الذباب، ولو كان الطعام يتنجس بوقوعه فيه لما أذن بأكله، ودلالة الحديث الثاني أن الجراد وهو ميت يُؤكل، ولو كان يتنجس بالموت لما جاز أكله، وهكذا كل الدوابِّ التي لا دم سائلاً لها ، فكلها طاهرة حيَّة وميتة . وقد روى البيهقي عن إبراهيم النخعي أنه رخَّص في الخنفساء والعقرب والجراد والجُدْجُد إذا وقعن في الرِّكاء فلا بأس به، وقال البيهقي (روينا معناه عن الحسن البصري وعطاء وعكرمة).
    ومن زاوية أخرى فإنه إذا وقع أي حيوان سوى الكلب والخنزير في الماء وخرج حياً ظل الماء على أصله من الطهارة ، سواء أكان فأراً أم قطاً أم طيراً ، لأن جميع الحيوانات الحية طاهرة باستثناء الكلب والخنزير . أما إن وقع فيه الحيوان فمات نُظر، فإن كان من الذباب أو العقارب أو الخنافس أو الصراصير- ومثلها جميع الحيوانات البحرية كالسمك والسرطانات - ظل الماء طاهراً قليلاً كان أو كثيراً ، أما إن كان مما سوى هذه الأصناف التي يطلق عليها وصف [ما ليست لها نفسٌ سائلة] ومثلُها الحيوانات البحرية، إن هي وقعت في الماء فماتت، تنجس الماء وفقد طهارته. وإذا شربت من الماء القليل الحيواناتُ كلها سوى الكلب والخنزير، ظل الماء طَاهراً لا فرق بين الهرة والحمار والضبع وغيرها وسيأتي دليل ذلك في بحث [سُؤْر الحيوان] .
    3- الماء الآجِن، وهو الماء الذي يظهر عليه تغيُّرٌ نتيجة طول المكث، ومثله الماء العَكِر، كلاهما طاهر طَهور ما داما يحملان اسم الماء. قال ابن المنذر (أجمع كل من يُحفظ قوله من أهل العلم على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلَّت فيه جائز غير ابن سيرين فإنه كره ذلك، وقول الجمهور أولى، فإنه يُروى أن النبي  توضأ من بئرٍ كأنَّ ماءها نُقاعة الحنَّاء) وقال ابن قدامة في كتاب المغني (وحكى ابن المنذر عن الزُّهري في كِسَرٍ بُلَّت بالماء غيرت لونه أو لم تغير لونه لم يتوضأ به، والذي عليه الجمهور أولى لأنه طاهر لم يُغيِّر صفة الماء فلم يمنع كبقية الطاهرات إذا لم تغيره، وقد اغتسل النبي  وزوجته من جَفْنة فيه أثر العجين، رواه النَّسائي وابن ماجة والأثرم) .
    4- الأصل في الماء الطُّهورية، ولذا فإنَّ المسلم إن شكَّ في نجاسة الماء أيِّ ماء، لم يمنعه الشك من التوضُّؤ به وإزالة النجاسات به، سواء وجده متغيراً أو غير متغير، إلا إذا غَلَب التغيُّرُ عليه وسلبه اسمه، وعلى هذا فإن ماء الميازيب طاهر طَهور ولو كان متغيِّراً ، لأن المارَّ في الطريق لا يتيقَّن من نجاسته أو طهارته فيبني على الأصل، ولا يجب على المارِّ أن يسأل صاحب الميزاب عن الماء النازل إن كان طاهراً أو نجساً.
    وإذا كان المسلم في مكان وليس عنده سوى إنائي ماء، وأُخبر بأن أحدهما نجس دون تعيين والثاني طاهر وأراد أن يتوضأ، لم يَجُز له التوضؤ من أيِّ من الإناءين، بل يجب عليه إراقتهما وأن يتيمَّم، لأنه ربما توضأ بالنجس فيتنجس ولا يرتـفع حدثه، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن عند المسلم سوى ثوبين أحدهما نجس والآخر طاهر دون تمييز بينهما وأراد الصلاة، فإنه يلبس أحدهما ويصلي، ثم يخلعه ويلبس الآخر ويصلي، ففي هذه الحالة يكون قد ضمن لنفسه صلاة على الوجه الصحيح.
    5- إذا جاء مسلم إلى حوض ماء فأخبره فاسق أو كافر أو صبي أو مجنون أن الماء نجس لم يَقبل قولهم، لأن هؤلاء ليسوا أهلاً للشهادة، أما إن أخبره بنجاسة الماء من هو أهلٌ للشهادة، وهو المشهود له بالعدالة، أو كان غير مجروح العدالة من الرجال أو النساء، وجب عليه قبول خبره إن هو عيَّن سبب النجاسة ، أما إن وصف الماء بالنجاسة دون بيِّنة، فإن المسلم لا يجب عليه قبول قوله، لأن هذا المُخبِر ربما جهل أسباب النجاسات، أو لم يكن متيقناً من نجاسة الماء، وحكم على الماء بالنجاسة خطأً.
    6- إذا تنجس ماء وأُريد تطهيرُه وإزالةُ نجاسته نُظر، فإن كــان دون قُلَّتين، أي دون برميل، نُظر، فإن كان غير متغيرٍ بالنجاسة فيكفــي أن يضاف إليه مــاء طاهــر حتــى يبلـغ قُلَّتين، أي برميلاً ، فيصبح المــاء طاهــراً كله، وإن كان الماء متغيراً بالنجاسة صب عليه الماء حتى يبلغ قُلَّتين، أي برميلاً ، فإن زال التغير فقد زالت النجاسة، وإن لم يزُل التغير يُزَد المــاء حتــى يزول التغير دون اعتبارٍ للكمية المضافـة. أما إن كان الماء قُلَّتين، أي برميلاً فأكثر، فإنه لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ، إلا أن تغيِّره، فإن لم يتغير بقي على أصله من الطَّهارة، وإن هو تغير بالنجاسة أُضيف إليه ماء حتى يزول التغيُّر دون اعتبارٍ للكمية المضافة. ولا فرق في كل ذلك بين أن يُصَبَّ الماء النجس علـى الماء الطاهر أو الطاهرُ على النجس، كما لا فرق بين الصَّبِّ دفعة واحدة وبين الصَّبِّ بالتدريج، فكل ذلك سواء.
    يتبع..........سُؤْر الحيوان

  6. #16
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي سؤر الحيوان

    سؤر الحيوان
    .السُّؤْر - بالهمز - هو ما يبقى في الإناء بعد شرب الحيوان، أو أكله منه. قال النووي (مُرادُ الفقهاء بقولهم - سُؤر الحيوان طاهر أو نجس - لعابُه، ورطوبةُ فمه). وقال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن سُؤر ما أُكل لحمه يجوز شربُه والوضوءُ به) . وهذا يعني أن سُؤر الإبل والأغنام والأبقار والغزلان وأمثالها طاهر يجوز استعماله في سائر استعمالات الماء. وافترقوا فيما سوى ذلك على ثلاثة آراء:
    أ- ذهب أبو حنيفة والثوري وإسحق بن راهُويه والشعبي وابن سيرين إلى نجاسة أسآر السباع من الحيوان والجوارح من الطير والحُمُر الأهلية والبغال، واستدلوا على رأيهم بالأدلة الآتية:
    1- عن عبد الله بن عمر قال «سمعت رسول الله صلى الله غليه وسلم وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال : فقال رسول الله صلى الله غليه وسلم : إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث» رواه الترمذي وأحمد وأبو داود. فقالوا: لولا أن سُؤر السباع والدواب نجس لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القول، لأن السُّؤر لو كان طاهراً لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام «إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث» معنى ولكان عبثاً، فدل قوله هذا على نجاسة سُؤر السباع والدواب .
    2- عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله غليه وسلم «السِّنَّوْر سَبُع» رواه البيهقي وأحمد والدار قطني. واستدلوا به على نجاسة الهرة، لأن الهرة كما جاء في الحديث سبع، والسبع كما جاء في حديث القُلَّتين سُؤره نجس.
    3- عن أنس قال «لما فتح رسول الله صلى الله غليه وسلم خيبر، أصبنا حُمُراً خارجاً من القرية فطبخنا منها، فنادى منادي رسول الله صلى الله غليه وسلم : ألا إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رجس من عمل الشيطان، فأُكْفِئت القدور بما فيها، وإنها لتفور بما فيها» رواه مسلم والبخاري . فاستدلوا بقوله عن الحمير وهي هنا الأهلية «فإنها رجس» على أن الحمير نجسة.
    4- وقالوا إن السباع حيوانات حُرِّم أكلها، مثلها مثل الكلاب، ولأن السباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات والنجاسات فتنجس أفواهها، ولا يتحقق وجود مطهِّرها.
    ب- وذهب مالك والأوزاعي وداود إلى طهارة أسآر جميع الحيوانات والطيور دون استثناء حتى الكلب والخنزير. وذهب الزُّهري إلى كراهة سُؤر الكلب وقال: يتوضأ به إذا لم يجد غيره. وذهب ابن الماجَشُون إلى كراهة سُؤره وقال: يتوضأ به ويتيمَّم. واستدلوا على رأيهم بالأدلة التالية:
    1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «سُئل رسول الله صلى الله غليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة، فقيل له إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطَهور» رواه الدار قطني. ورواه الطبراني من طريق سهل. والبيهقي من طريق أبي سعيد.
    2- عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله غليه وسلم « أنه سُئل: أنتوضأ بما أفضلت الحُمُرُ؟ قال: نعم وبما أفضلت السباعُ كلها» رواه الشافعي والبيهقي.
    3- عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب « أن عمر بن الخطاب خرج في رَكْب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل تَرِدُ حوضَك السباعُ ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنَّا نَرِدُ على السباع وتَرِدُ علينا » رواه مالك والبيهقي والدار قطني.
    4- عن ابن عمر قال «خرج رسول الله صلى الله غليه وسلم في بعض أسفاره فسار ليلاً، فمرُّوا على رجل جالس عند مِقْراةٍ له - وهو الحوض الذي يجتمع فيه الماء - فقال عمر: يا صاحب المِقراة أَوَلَغت السباعُ الليلة في مِقْراتك؟ فقال له النبي ïپ²: يا صاحب المِقْراةِ لا تخبره، هذا متكلِّف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطَهور» رواه الدار قطني.
    5- عن كبشة بنت كعب «أن أبا قتادة دخل عليها ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وَضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، قال : إن رسول الله ïپ² قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» رواه النَّسائي ومالك وأبو داود وأحمد وابن ماجة . ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح . وصححه العُقَيلي والبخاري والدار قطني وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والحاكم.
    6- وعن حديث ولوغ الكلب قالوا : إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بغسل الإناء سبعاً إحداهن بالتراب تعبُّداً وليس لإزالة النجاسة ، وإن الخنزير لم يرد في نجاسته نص، وحيث أنه لا نصَّ في نجاسة أي حيوان ، فيبقى الحِل والطهارة على الأصل.
    ج - وذهب الشافعي وأحمد وربيعة والحسن البصري وعطاء، ومن الصحابة عمر وعلي إلى طهارة أَسْآر جميع الحيوانات والطيور سوى الكلب والخنزير، إلا أن أحمد كره سُؤر البغل والحمار وقال: إذا لم يجد المسلم غيره يتوضأ به ويتيمَّم. وكره ابن عمر سُؤر الحمار، وكره ابن أبي ليلى سُؤر الهرة ، واعتبر ابن المنذر وطاووس سُؤر الهرة نجساً. واستدلوا على رأيهم بالأحاديث الخمسة الأولى التي استشهد بها الفريق الثاني، وفارقوهم في البند السادس. وسيأتي تفصيل ذلك في أثناء مناقشة رأي الفريق الأول ورأي الفريق الثاني بإذن الله . وأبدأ بمناقشة رأي الفريق الأول فأقول:
    يتبع

  7. #17
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي 33 -35 تابع

    1- من استعراض أدلة هذا الفريق يتبين أن ما يصح اعتباره دليلاً هو الحديث الأول فحسب، والمستغرب أن هؤلاء قد رفضوا هذا الحديث حين بحث الماء النجس والماء الطَّهور، واعتبروه ضعيفاً للاضطراب في سنده وفي متنه، وها هم الآن يحتجون به على ما ذهبوا إليه من نجاسة سُؤر السبع والجارح من الطير، وسنغض الطرف عن هذا التناقض الواضح بين الموقفين. هذا الحديث له منطوق وله مفهوم ، أما منطوقه فهو أن الماء الذي يبلغ قُلَّتين لا يتنجس بحلول النجاسة فيه ، وهذا المنطوق لا يسعفهم في القول بنجاسة سؤر السباع والدواب، وأما مفهومه فهو أن الماء الذي يقل عن قُلَّتين يتنجس بحلول النجاسة فيه، وهذا المفهوم أيضاً لا يسعفهم في القول بنجاسة سؤر السباع والدواب. أما قولهم: لولا أن سؤر السباع والدواب نجس لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فنجيبهم بأننا لا نسلِّم لهم بهذا الاستنتاج ، إذ هناك أمر آخر أراده الرسول صلى الله عليه وسلم، هو إعطاء المسلمين قاعدة عامة في المياه تقول إن الماء الكثير الذي يبلغ قُلَّتين لا يتنجس ، دون أن يذكر إنْ كان سُؤر السباع والدواب نجساً أو لا، ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي يقولونه لبيَّنه.
    ومن ناحية أخرى نقول : إن قولهم محتمل وليس قطعياً، والقاعدة الأصولية تقول: مع الاحتمال يسقط الاستدلال. وإذن فإن هذا الحديث ليس دليلاً على نجاسة سؤر السِّباع والدواب، وإنَّ أقصى ما يقال فيه إن فيه شبهة دليل فحسب. والآن لننتقل إلى الأدلة الأخرى.
    أما الحديث الثاني فهو لا يفيدهم شيئاً ، وغاية ما فيه أن الهرة حكمها حكم السباع، وهذا مسلَّم به، لأن واقع الهرة أنها سبُع ، وأنها من الحيوانات المفترسة ذوات الناب، وحكمها حكم السباع سواء بسواء، ولكنهم أفردوه بالاستشهاد ليُقوُّوا رأيهم في نجاسة سُؤر السباع، إلا أن ذلك لا يُلحَظ، إذ لا يفيد هذا الحديث حكماً، لا بالطهارة ولا بالنجاسة، فليس فيه أن سُؤر الهرة نجس ليقيسوا عليه أسآر السباع ويخرجوا بحكم نجاستها، وكل ما فيه أنه ذكر فرداً من أفراد السباع فقط وسكت عن الحكم، فأيَّة دلالة فيه على ما يدَّعون ؟! إنْ ثبت أنَّ حكم سُؤر السباع الطهارة انسحب هذا الحكم على سُؤر الهرة، وإن ثبت أن سُؤر السِّباع نجس، انسحب ذلك على سُؤر الهرة، وهذا مسلَّم به بدون هذا الحديث، فكان الأَوْلى بهم عدم الاستشهاد به.
    أما الحديث الثالث فهو ليس حجة لهم على دعواهم، فهم يريدون إثبات أن سُؤر الحمير نجس، ولا يتحقق لهم ذلك إلا بطريقتين لا غير: فإما أن يأتوا بنصٍّ يتناول سُؤر الحمير يبين نجاسته، وإما أن يثبتوا أن الحمير نفسها نجسة فيستنبطوا من ذلك نجاسة سُؤرها. هذا هو ما يحتاجون إليه. وبالعودة إلى الحديث لا نجد فيه أياً من الطريقتين، فالحديث ذكر حادثة حصلت مع الصحابة في غزوة خيبر . ولنفسِّر هذا الحديث تفسيراً يزيل اللَّبس تماماً إن شاء الله.
    كان المسلمون يستحلُّون أكل لحم الحمير ، فكانوا يذبحونها ويطبخونها ويأكلونها لأنها حلال لهم طاهرة عليهم ، فحينما نزل حكم التحريم نزل وهم في حالة ذبح الحمير ووضعِها في القدور وطبخِها، فجاء قول الرسول عليه الصلاة والسلام «فإنها رجس من عمل الشيطان» فالقول إنها رجس إنما نزل على لحم الحمير المذبوح المطبوخ وليس على الحمير وهي حية ، إذ المعلوم أن الحمير حين كانت حلالاً كانت طاهرة وهي حية، وكانت طاهرة وهي مذبوحة مُذَكَّاة، ولكنها كانت نجسة وهي ميتة لأن الميتة نجسة بالاتفاق لا أعلم أحداً خالف في هذا. فالحمير وهي حلال الأكل ومذبوحة طاهرة بالاتفاق أيضاً، أما عندما تكون الحمير غير حلال الأكل وماتت أو ذُبحت أو كما يقولون ذُكِّيت فإن ذبحها وذَكاتها لا يجعلانها طاهرة، بل تكون نجسة لأنها تكون ميتة. أرأيتم لو ذكَّينا فأرة أو ذبحناها وسمَّينا عليها أتكون بذلك طاهرة حلال الأكل ؟ قطعاً لا، وهذا لا يخالف فيه أحد أيضاً، فالحمير في هذا الحديث جاء حكمٌ بتحريم أكلها، وإذن فإن ذبحها وذَكاتها - وهي حرامٌ أكلُها - لا يُحِلاَّنها ولا يجعلانها طاهرة، وإنما تأخذ حكم النجاسة لأنها تكون ميتة، وحكمهما في هذه الحالة البطلان. أي أن الذبح لِمُحرَّم الأكل لا يفيد شيئاً، بل يكون المذبوح نجساً لأنه ميتة، فذبح النمر يبقيه نجساً، وذبح النسر يبقيه نجساً، وهذا معلوم بالضرورة، فما جاء به الحديث إنما هو إبطال حكم الحِلِّ للحم الحمير والإعلان بالتحريم، وبذلك يسقط حكم الذبح والذكاة عما كان في قدروهم، ويصير المذبوح من الحمير ميتة والميتة نجسة، فجاء قول الرسول عليه الصلاة والسلام «فإنها رجس» فالقول إنها رجس هو بوصفها ميتة، لأن ما حُرِّم أكلُه لا يعطيه الذبح طهارة ولا يفيده حِلاَّ، بل يظل حراماً ويظل نجساً.
    هذا هو ما يُفهم من الحديث، فالاستشهاد بالحديث على نجاسة الحمير هو استشهاد باطل، فالحديث جاء في نجاسة الميتة، وألحق لحم الحمير الميتة بها، وهذا ينسحب على الشاة الميتة، وعلى الجمل الميت، وعلى الغزال الميت، فكلها وهي ميتة نجسة، وكلها وهي حية طاهرة . ولذا يسقط استشهادهم بهذا الحديث على دعواهم.
    بقي الاستشهاد الأخير وهو قياسُهم السباع على الكلب وإعطاؤُها حكمَه ، وزادوا على ذلك أنها - أي السباع - تأكل النجاسات ولا مُطهِّر لها، فتكون لذلك نجسة. وردُّنا عليهم أن القياس في العبادات لا يجوز إلا أنْ تكون العلة ظاهرة في النص، ولا علة ظاهرة هنا. وإن كان لا بد لهم من القياس هنا فإنه يتوجب أن يتوفَّر في طرفيه التماثل وإلا فلا قياس، فالكلاب نجاسة أسآرها مغلَّظة تجب إزالتها بغسل ما أُصيب بها سبع مرات مع التراب، وهذا مسلَّم به عندهم فلماذا لا يقولون بوجوب إزالة نجاسة أسآر السباع كالأسود والصقور والنمور بالغسل سبعاً مع التراب؟ إن الاختلاف بين الكلب وسائر السباع اختلاف ظاهر يلغي التماثل الذي هو شرط لصحة القياس، فالواجب عليهم أن يقولوا إن السباع كالكلب تأخذ سائر أحكامه في النجاسة، وحينئذ يكون للقياس وجه، أما إنْ هم اعترفوا بوجود اختلاف بينها وبين الكلب، فعندئذ يمتنع القياس.
    أما قولهم إنها تأكل النجاسات ولا مُطهِّر لها فتكون نجسة، فنردُّ عليهم بأن الضِّباع تأكل النجاسات لأنها حيوانات مفترسة طعامها الجِيَف النجسة، وهي لا مُطهِّر لها أيضاً، فلماذا أحلَّ الله لنا أكلها، واعتُبرت من ثَمَّ طاهرة كالشياه والبقر والإبل ؟ عن ابن أبي عمَّار قال «قلت لجابر: الضَّبُعُ أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت : آكُلُها ؟ قال: نعم ، قلت: أقاله رسول الله ؟ قال : نعم» رواه الترمذي وأحمد و النَّسائي. قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) . وبذلك تسقط حججهم، ولا يبقى لهم إلا شُبهتهم فحسب في الحديث الأول.
    2 - أما أصحاب الرأي الثاني فقالوا بطهارة أسآر كل الحيوانات بما فيها الكلب والخنزير. ومن استعراض أدلتهم يتبين أن الدليل الثالث هو قولٌ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي أن الحديث موقوف، وأقوال الصحابة ليست أدلة وإنما هي أحكام شرعية يجوز تقليدها، هذا فضلاً عن أن إسناده منقطع ، فيحيى لم يدرك عمر كما قال النووي. وقال يحيى ابن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل. لهذا فإنه لا يصلح للاستدلال فنطرحه ونطرح كذلك الحديث الثاني الذي رواه الشافعي والبيهقي لأنه ضعيف جداً. قال النووي (هذا الحديث ضعيف لأن الإبراهيمَين ضعيفان جداً عند أهل الحديث لا يُحتج بهما).
    أما الحديث الأول والحديث الرابع فيكادان يكونان حديثاً واحداً، إذ لفظ الرسول عليه الصلاة والسلام فيهما لفظ واحد ، فنعاملهما معاملة حديث واحد. هذا الحديث وإن ضعَّفه بعضهم فقد حسَّنه البيهقي فيصح الاحتجاج به، وهو دليل على طهارة أسآر السباع، ودلالته واضحة، ومثله في وضوح الدلالة الحديث الخامس ، فالهرة حيوان مفترس، وسبع من السباع آكلةِ الجيف، وكون الحديث يقرِّر طهارة سُؤرها، فذلك دليلٌ على طهارة أسآر السِّباع.
    ثم ما لنا نبتعد كثيراً فنبحث عن دليلٍ على طهارة أسآر السباع، وكأن طهارة الأشياء بحاجة إلى دليل ، فالشرع قد أعطى حكم الطهارة لكل شيء إلا ما استثناه، وأسآر الدواب والسباع هي أشياء داخلة في عموم الأشياء الطاهرة، فعلى من يقول إنها نجسة أن يأتينا بدليل، لا أن نُجهد أنفسنا في إثبات طهارتها والبحث عن الأدلة لذلك.

  8. #18
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي

    نخلص من كل ذلك إلى أن أسآر البهائم والسباع والدواب طاهرة، وباستثناء الكلب والخنزير يلتقي أصحاب هذا الرأي مع أصحاب الرأي الثالث في طهارة أسآر جميع الحيوانات. وإذن فإن المناقشة الآتية في حكم سُؤر كلٍّ من الكلب والخنزير ستتناول كلا الرأيين في وقت واحد:
    3- قولهم في حديث ولوغ الكلب إن الأمر بغسل الإناء سبعاً معها التراب هو أمرٌ تعبُّدي وليس بسبب النجاسة ، هذا القول أراه خطأ . نعم ربما قبلنا رأيهم هذا لو كان الحديث الشريف يطلب الغسل فقط ، أما وأن الحديث وردت في رواية له عبارة (فَلْيُرِقْه) مضافةً إلى الأمر بالغسل، فإننا لذلك لا نستطيع قبول رأيهم هذا، وهذه العبارة وردت في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فلْيُرِقْه، ثم ليغسله سبع مِرارٍ» رواه مسلم والنَّسائي. فهذا الأمر بالإراقة ينفي الناحية التعبُّديَّة وأنا لا أعلم أحداً يقول إن الأمر بالإراقة هو أيضاً تعبُّديٌّ. وحيث أن الحديث يأمر بإراقة الشراب أو الطعام الذي يلغ فيه الكلب، ثم بغسل الإناء سبعاً مع التراب، وحيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يأمر بإتلاف مال حلال طاهر، ولا يأمر بإراقة ما يلغ فيه الكلب إلا لأنه لم يعد حلالاً ولم يعد طاهراً يحل أكله أو شربه، فإن ذلك يدل على نجاسة سُؤر الكلب.
    أما استشهادهم على طهارة سُؤر الكلب بالآية فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الآية 4 من سورة المائدة. وبما رُوي عن أبي ثعلبة الخُشني قال «قلت : يا رسول الله إني أصيد بكلبي المُعلَّم وبكلبي الذي ليس بمُعلَّم ، قال : ما صدت بكلبك المُعلَّم فاذكر اسم الله وكل، وما أَصَّدْتَ بكلبك الذي ليس بمُعلَّم فأدركت ذكاتَه فكل» رواه أبو داود. ورواه البخاري وابن ماجة وأحمد باختلاف في الألفاظ، قائلين : لم يُذكر غُسل لا في الآية ولا في الحديث، ولم يفرَّق بين كلب الصيد المُعلَّم وغير المُعلَّم، فهذا دليل على طهارة الكلاب.
    فالجواب عليه أن هذين النصين - الآية والحديث - سكتا عن الطلب من المسلمين غسل ما أمسك الكلب من الصيد، وحديث الولوغ لم يسكت عن هذا الطلب بل نطق بطلب الغسل، والمعلوم أن السكوت لا يقوى على معارضة النطق وإبطاله، ثم إن الآية والحديث قد جاءا في موضوع الصيد من حيث جواز استعمال الكلاب في الصيد، وجواز أكل ما تصيده هذه الكلاب، ولم يأتيا في موضوع الطهارة والنجاسة ، فهذا موضوع وذاك موضوع آخر. ولا يمتنع عقلاً ولا شرعاً أن يعالج نصٌ جانباً من موضوع ويعالج نصٌّ آخر جانباً آخَر ، إذ لا يجب أن يعالج النص جميع ما يتعلق بالموضوع الذي جاء لمعالجته ما دامت هناك نصوص أخرى تكمل المعالجة، وهذا أمرٌ معروف. بل إن عندنا دليلاً على نجاسة الكلب كله وليس سُؤره فقط، هو ما رُوي عن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها «أن رسول الله أصبح يوماً واجماً، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أَمَ واللهِ ما أخلفني، قال فظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جروُ كلبٍ تحت فسطاط لنا، فأمر به فأُخرج ، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له : قد كنتَ وعدتَني أن تلقاني البارحة قال: أجل ولكنَّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فأمر بقتل الكلاب ، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير» رواه مسلم وأبو داود والبيهقي والنَّسائي. قوله الحائط : أي البستان. فكون الرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ بيده ماء فينضح مكان الكلب إنما هو من أجل تطهير الموضع، فهذا دليل على نجاسة الكلب. وبذلك يثبت أن الكلب نجس، وأن سُؤره مِن ثَمَّ نجس، وأن نجاسته مغلَّظة، ويثبت أيضاً أن استثناء سُؤر الكلب من أسآر السباع الطاهرة واجب شرعاً، ويُثبِت الحديثُ بمنطوقه الصريح أن الهرة طاهرة ، وإذن فإن سُؤْرها طاهر.
    بقي سُؤر الخنزير. إنه ليس لدينا نص في نجاسة سُؤر الخنزير، وإنما لدينا نصَّان اثنان في نجاسة الخنزير كله، وإنَّ ثبوت نجاسة الخنزير كله يستلزم ثبوت نجاسة سُؤره بالضرورة، فلنستعرض هذين النصين:
    أ- عن أبي ثعلبة الخُشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنَّا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا ، وإن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء، وكلوا واشربوا » رواه أبو داود بإسناد صحيح. وفي روايةٍ للترمذي «قال أَنْقُوها غُسلاً واطبخوا فيها». وفي روايةٍ للدارقطني «قال : قلت : يا رسول الله إنَّا نخالط المشركين وليس لنا قدور ولا آنية غير آنيتهم قال: فقال: استغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا فارحضوها بالماء فإن الماء طهورها، ثم اطبخوا فيها». وحديث أبي ثعلبة الخُشني رواه البخاري وأحمد والدارمي وابن ماجة وابن حِبَّان بروايات متعددة.
    ب - قال تعالى:  قُل لا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّماً على طاعِمٍ يَطْعَمُه إلا أن يَكُوْن مَيْتَةً أو دَماً مَسْفُوْحَـاً أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه رِجْسٌ أو فِسْقاً أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بِهِ  الآية 145 من سورة الأنعام.
    الحديث يطلب من المسلمين أن يَرْحَضوا القُدور التي طُبخ فيها لحم الخنزير بالماء، والرَّحض معناه الغسل، ويطلب الحديث منهم أن يُنقوها غسلاً، أي يبالغوا في غسلها كما جاء في روايةٍ للترمذي، ولا يكون طلب الغسل والمبالغة فيه إلا لأنها نجسة، وليس أدلَّ على ذلك من أن الرواية الثالثة للدارقطني جاء فيها «فارحضوها بالماء فإن الماء طُهورها» ولا يقال طهَّرتُ الإناء أو طهَّرتُ الثوب أو طهَّرتُ النعل إلا إذا عنيت إزالة النجاسة منها. وأما الآية الكريمة فإنها وصفت لحم الخنزير بأنه رجس، ولفظة رِجس في العربية تعني القذر والنتن، هذا هو أصل معناها، إلا أن العرب توسَّعوا في استعمالها حتى صارت لفظةً محتمِلةً لمعانٍ عدة، فصارت تطلق على الإثم وتطلق على النجاسة وتطلق على السُّخط والغضب وتطلق على معانٍ أخرى، حتى صار ذكرها لا يؤدي معنى محدداً إلا بقرينة تعيِّنه وتنفي غيره، فمثلاً قوله سبحانه وتعالى قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وغَضَبٌ  رجس هنا بمعنى سخط ، وقوله سبحانه وتعالى إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيَراً  لفظةُ (رجس) هنا تعني الإثم والمعصية.
    أما الآية الكريمة التي نحن بصددها فتُفَسَّر لفظةُ (رجس) الواردة فيها بأنها نجس، أما لماذا؟ فلأن المعلوم أن الحديث يفسر القرآن ويبيِّنه، وهنا جاء الحديث مفسِّراً للفظة رجس الواردة في الآية بأنها تعني النجس بمنطوقه وبمفهومه ، فقول الحديث «فإن الماء طهورها» هو منطوق، وكون الحديث يأمر بالمبالغة في غسل القدور التي تحتوي على لحم الخنزير هو مفهوم، ذلك أن المبالغة في الغسل هي قرينة على أن لحم الخنزير نجس، وإذن فقد تضافر المنطوق والمفهوم على اعتبار لحم الخنزير نجساً، وعلى تفسير الآية بأنها تعني نجاسة لحم الخنزير.
    ورب قائل يقول: إن الآية وصفت لحم الخنزير بأنه رجس، ولم تصف عظمه ولا شعره مثلاً بأنه رجس، وكذلك الحديث، فلماذا لا نعتبر النجاسة في النَّصَّين تنسحب على الخنزير الميت والمطبوخ ، وليس على الخنزير الحي ؟ فنجيبه بما يلي:

  9. #19
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي تابع ( 38 - 39 )

    أولاً : ما دام قد ثبت أن لحم الخنزير نجس حتى ولو طبخه أهل الكتاب، فإن ذلك يدل على أن نجاسة لحم الخنزير هي نجاسة أصلية فيه، إذ أن الشرع الحنيف قد أقرَّ ذبحَ أهل الكتاب واعتبر ذبائحهم مُذكَّاة، أي طاهرة ، يحل للمسلمين أكلها، فلما ذكَّى أهل الكتاب لحم الخنزير وجاء الشرع يصف هذا المُذكَّى بأنه نجس، فإن ذلك يدل على أن نجاسة هذا الخنزير هي نجاسة أصلية لم تنفع فيها الذكاة أي التطهير، ولهذا نقول إن لحم الخنزير نجس لأنه نجس، وليس لأنه مذبوح أو ميت.

    ثانياً: إننا لو قلنا إن لحم الخنزير النجس، يعني الخنزير الميت وليس الخنزير الحي، لكان تفسيرنا في غاية التهافت، إذ أنَّ الآية الكريمة مُصدَّرة بلفظة (ميتة) فلا حاجةَ لذكر الخنزير الميت حينئذ، لأنه يكون داخلاً في لفظة (ميتة) في صدر الآية، فإضافة الخنزير الميت إضافة غير مفيدة، فهذا التفسير لا يليق بنا القول به.

    ثالثاً: أمَّا وقد ثبت أن لحم الخنزير نجس، سواء منه ما كان بعد الموت أو قبله، فإن ذلك يدل على نجاسة الخنزير كله، لأن شعر الخنزير وعظمه وسائر أجزائه مختلطة كلها باللحم فلا تُتصور طهارتُها مع نجاسة اللحم ، فنجاسة اللحم تنسحب حتماً على كل أجزاء الخنزير فيكون الخنزير كله نجساً. أما لماذا ذُكِر لحمُ الخنزير في الآية ولم يُذكر الخنزير؟ فلأن الآية تحدثت عن المطعومات المحرَّمة، والمعلوم أن المطعوم في الخنزير هو لحمه فذُكِرَ اللحمُ ليتناسب مع سياق الآية، وذُكِرت نجاسة الخنزير كله زيادة في المعنى. وإذن وقد بان أن الخنزير نجس فإنا نقول إن لحمه وشعره وعظمه وكل جزء فيه نجس، وهذا يستلزم اعتبار سُؤره نجساً أيضاً، وبذلك يسقط رأيهم بطهارة سُؤر الخنزير.
    وفي ختام البحث أُلفت النظر إلى أنني لم استدلَّ على نجاسة الخنزير بما استدل به العديد من الفقهاء من قياس الخنزير على الكلب ، ذلك أن هذا القياس خطأ، لأن لفظة (الكلب) لا تشمل الخنزير، ولأنه لا عِلَّةَ ظاهرةً لنجاسة الكلب فيقاس عليها، فقياس الخنزير على الكلب قياس دون علَّة ظاهرة مشتركة، ودون أن تتوفر فيه شرائط القياس الصحيحة.

    أما الاستثناءات الواردة في رأي الفريق الثاني من قِبَل الزُّهري وابن الماجَشُون في سُؤر الكلب فتسقط هي الأخرى بعدما تبين بوضوح نجاسة سُؤر الكلب.

    وأما الاستثناءات الواردة في رأي الفريق الثالث من قِبَل أحمد في سُؤر البغل والحمار، وابن عمر - فيما رُوي عنه - في سُؤر الحمار فقط ، وابن أبي ليلى في كراهة سُؤر الهرة، وابن المنذر والحسن وطاووس في تحريم ونجاسة سُؤر الهرة فتسقط كلها، لأن طهارة سُؤر البغال والحمير تدخل في طهارة أسآر عموم الدواب. وكما أسلفنا من قبل فإن الطهارة لا تحتاج إلى دليل خاص، وطهارة سُؤر الهرة ورد فيه نص خاص بطهارته، هو حديث كبشة الصحيح الذي رواه أصحاب السنن، وقد مرَّ، إضافة إلى دخوله في طهارة أسآر عموم السباع.

    وثمَّةَ نقطةٌ أخرى هي أننا سجلنا للفريق الأول شُبهة في نجاسة أسآر السباع مأخوذة من حديث القُلَّتين، فردُّنا عليها الآن هو أننا أثبتنا في المناقشة طهارة أسآر السباع مستدلِّين بحديث أبي هريرة الذي أخرجه الدار قطني «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» وهذا منطوق في طهارة الأسآر، وما دام أن حديث القُلَّتين ظني الدلالة على نجاسة الأسآر، فيُعمل بحديث طهارة الأسآر، ويُرجَّح على حديث النجاسة الظني الدلالة، لا سيما إذا علمنا أن الأصل في الأشياء الطهارة ومنها الأسآر، إلا ما استثناه الشرع بدليل خاص، ولا دليل هنا صالحاً على نجاسة أسآر السباع والدواب.

    نخلص من المناقشة إلى صحة رأي الفريق الثالث القائل بطهارة أسآر البهائم والسباع والحيوانات والطيور كلها سوى سُؤر الكلب والخنزير فحسب، بعد إسقاط ما ورد فيه من استثناءات لبعض الأئمة، وهو رأي الفريق الثاني نفسُه باستثناء سُؤر الكلب والخنزير الذين أخطأوا في اعتباره طاهراً .

    وعليه فإن الماء قَلَّ أو كَثُر، إذا شرب منه أيُّ حيوان يُؤكل لحمه أو لا يُؤكل، أو أيُّ طيرٍ جارح أو غير جارح - باستثناء الكلب والخنزير - يظل طاهراً طهوراً يصلح للوضوء والأغسال وإزالة النجاسات، ويُصنَّف في باب أقسام المياه تحت قسم الماء الطَّهور. وما أقوله عن سُؤر هذه الحيوانات أقوله عن سائر أجسامها، فلو غمس أي حيوان نفسه في الماء وخرج منه حياً ظل الماء طَهوراً ، وهذا القول الأخير ربما أتينا على بحثه مستقبلاً.

    بقيت نقطة كان الأصل فيها عدم بحثها لوضوحها ، إلا أن الفقهاء اختلفوا فيها، فرأيت من الواجب إبداء الرأي فيها وهي: هل سُؤر الآدمي طاهر أم نجس؟.

    ذهب عدد من الفقهاء إلى القول بنجاسة سُؤر الكافر، وزاد بعضهم بنجاسة سُؤر الجُنُب والحائض، مستدلين بقوله تعالى إنَّمَا المُشْرِكُوْنَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوْا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا  الآية 28 من سورة التوبة. على نجاسة الكافر ومن ثَمَّ سُؤره، وبالحديث الذي رواه أبو ثعلبةَ الخُشني وقد سأل الرسول صلى الله عليبه وسلم عن آنية الكفار - في روايةٍ من أهل الكتاب، وفي روايةٍ ثانيةٍ من المشركين – «فقال رسول الله صلى الله عليبه وسلم: إنْ وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء ...» الحديث وقد سبق. مستدلين به على نجاسة آنيتهم وقدورهم ومن ثَمَّ على نجاسة أبدانهم، وأخذوا من أحاديث تطهُّرِ الجُنُب والحائض نجاستهما ما داما جُنُباً وحائضاً، ومن الآيات مثل قوله سبحانه وتعالى وإنْ كُنْتُمْ جُنُبَاً فاطَّهَّروا وقوله سبحانه ويَسْأَلُونَكَ عَن المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فإذا تَطَهَّرْنَ فاْتُوهُنَّ مِن حَيْثُُ أَمَرَكُمُ اللهُ الآية 222 من سورة البقرة نجاسةَ الجُنُب والحائض أيضاً، وقالوا إن القرآن الكريم وصف الكافر بأنه نجس، وإنَّ الآيات والأحاديث طلبت من الجُنُب والحائض التَّطهُّر، ولا يكون التَّطهُّر إلا من نجاسة، فدلَّ ذلك على نجاستهما ومن ثم نجاسة سُؤرهما. هذا هو مجمل ما قالوه.

    وقبل الإجابة نُذَكِّر بأن قسماً من قولهم هذا قد سبق ذِكْره في بحث [الماء المستعمَل] ، وكشفنا هناك عن خطأ ما ذهبوا إليه، فلا نعيده بتفصيله، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الحديث يقول «إن رسول الله صلى الله عليبه وسلم لقيه - أي حذيفة راوي الحديث - وهو جُنُب فحاد عنه فاغتسل، ثم جاء فقال : كنت جُنُباً، قال: إن المسلم لا ينجُس» وأن الحديث يقول: عن عائشة قالت «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أُناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليبه وسلم، فيضع فاه على موضع فيَّ» رواهما مسلم وغيره . وقد مرَّا . وهذان دليلان صالحان على طهارة الجُنُب والحائض.

    بقيت نجاسة الكافر، هل الآية الكريمة تفيد النجاسة الحسية أم النجاسة المعنوية؟ إنه لم يَرِدْ في كتاب الله العزيز لفظة (نجس) إلا مرة واحدة فحسب، هي الواردة في قوله سبحانه وتعالى إنَّمَا المُشْرِكُوْنَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا الآية 28 من سورة التوبة وهذه اللفظة الوحيدة في الكتاب العزيز لم تجيء على ظاهر معناها، وإنما جاءت بمعنى النجاسة المعنوية، ومعناها هو نجاسة الاعتقاد وسوء الباطن والسريرة. والأدلة على أن نجاسة الكافر نجاسة معنوية ما يلي:


  10. #20
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.61

    افتراضي 38 - 39 تابع

    أولاً : ما دام قد ثبت أن لحم الخنزير نجس حتى ولو طبخه أهل الكتاب، فإن ذلك يدل على أن نجاسة لحم الخنزير هي نجاسة أصلية فيه، إذ أن الشرع الحنيف قد أقرَّ ذبحَ أهل الكتاب واعتبر ذبائحهم مُذكَّاة، أي طاهرة ، يحل للمسلمين أكلها، فلما ذكَّى أهل الكتاب لحم الخنزير وجاء الشرع يصف هذا المُذكَّى بأنه نجس، فإن ذلك يدل على أن نجاسة هذا الخنزير هي نجاسة أصلية لم تنفع فيها الذكاة أي التطهير، ولهذا نقول إن لحم الخنزير نجس لأنه نجس، وليس لأنه مذبوح أو ميت.
    ثانياً: إننا لو قلنا إن لحم الخنزير النجس، يعني الخنزير الميت وليس الخنزير الحي، لكان تفسيرنا في غاية التهافت، إذ أنَّ الآية الكريمة مُصدَّرة بلفظة (ميتة) فلا حاجةَ لذكر الخنزير الميت حينئذ، لأنه يكون داخلاً في لفظة (ميتة) في صدر الآية، فإضافة الخنزير الميت إضافة غير مفيدة، فهذا التفسير لا يليق بنا القول به.
    ثالثاً: أمَّا وقد ثبت أن لحم الخنزير نجس، سواء منه ما كان بعد الموت أو قبله، فإن ذلك يدل على نجاسة الخنزير كله، لأن شعر الخنزير وعظمه وسائر أجزائه مختلطة كلها باللحم فلا تُتصور طهارتُها مع نجاسة اللحم ، فنجاسة اللحم تنسحب حتماً على كل أجزاء الخنزير فيكون الخنزير كله نجساً. أما لماذا ذُكِر لحمُ الخنزير في الآية ولم يُذكر الخنزير؟ فلأن الآية تحدثت عن المطعومات المحرَّمة، والمعلوم أن المطعوم في الخنزير هو لحمه فذُكِرَ اللحمُ ليتناسب مع سياق الآية، وذُكِرت نجاسة الخنزير كله زيادة في المعنى. وإذن وقد بان أن الخنزير نجس فإنا نقول إن لحمه وشعره وعظمه وكل جزء فيه نجس، وهذا يستلزم اعتبار سُؤره نجساً أيضاً، وبذلك يسقط رأيهم بطهارة سُؤر الخنزير.
    وفي ختام البحث أُلفت النظر إلى أنني لم استدلَّ على نجاسة الخنزير بما استدل به العديد من الفقهاء من قياس الخنزير على الكلب ، ذلك أن هذا القياس خطأ، لأن لفظة (الكلب) لا تشمل الخنزير، ولأنه لا عِلَّةَ ظاهرةً لنجاسة الكلب فيقاس عليها، فقياس الخنزير على الكلب قياس دون علَّة ظاهرة مشتركة، ودون أن تتوفر فيه شرائط القياس الصحيحة.
    أما الاستثناءات الواردة في رأي الفريق الثاني من قِبَل الزُّهري وابن الماجَشُون في سُؤر الكلب فتسقط هي الأخرى بعدما تبين بوضوح نجاسة سُؤر الكلب.
    وأما الاستثناءات الواردة في رأي الفريق الثالث من قِبَل أحمد في سُؤر البغل والحمار، وابن عمر - فيما رُوي عنه - في سُؤر الحمار فقط ، وابن أبي ليلى في كراهة سُؤر الهرة، وابن المنذر والحسن وطاووس في تحريم ونجاسة سُؤر الهرة فتسقط كلها، لأن طهارة سُؤر البغال والحمير تدخل في طهارة أسآر عموم الدواب. وكما أسلفنا من قبل فإن الطهارة لا تحتاج إلى دليل خاص، وطهارة سُؤر الهرة ورد فيه نص خاص بطهارته، هو حديث كبشة الصحيح الذي رواه أصحاب السنن، وقد مرَّ، إضافة إلى دخوله في طهارة أسآر عموم السباع.
    وثمَّةَ نقطةٌ أخرى هي أننا سجلنا للفريق الأول شُبهة في نجاسة أسآر السباع مأخوذة من حديث القُلَّتين، فردُّنا عليها الآن هو أننا أثبتنا في المناقشة طهارة أسآر السباع مستدلِّين بحديث أبي هريرة الذي أخرجه الدار قطني «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» وهذا منطوق في طهارة الأسآر، وما دام أن حديث القُلَّتين ظني الدلالة على نجاسة الأسآر، فيُعمل بحديث طهارة الأسآر، ويُرجَّح على حديث النجاسة الظني الدلالة، لا سيما إذا علمنا أن الأصل في الأشياء الطهارة ومنها الأسآر، إلا ما استثناه الشرع بدليل خاص، ولا دليل هنا صالحاً على نجاسة أسآر السباع والدواب.
    نخلص من المناقشة إلى صحة رأي الفريق الثالث القائل بطهارة أسآر البهائم والسباع والحيوانات والطيور كلها سوى سُؤر الكلب والخنزير فحسب، بعد إسقاط ما ورد فيه من استثناءات لبعض الأئمة، وهو رأي الفريق الثاني نفسُه باستثناء سُؤر الكلب والخنزير الذين أخطأوا في اعتباره طاهراً .
    وعليه فإن الماء قَلَّ أو كَثُر، إذا شرب منه أيُّ حيوان يُؤكل لحمه أو لا يُؤكل، أو أيُّ طيرٍ جارح أو غير جارح - باستثناء الكلب والخنزير - يظل طاهراً طهوراً يصلح للوضوء والأغسال وإزالة النجاسات، ويُصنَّف في باب أقسام المياه تحت قسم الماء الطَّهور. وما أقوله عن سُؤر هذه الحيوانات أقوله عن سائر أجسامها، فلو غمس أي حيوان نفسه في الماء وخرج منه حياً ظل الماء طَهوراً ، وهذا القول الأخير ربما أتينا على بحثه مستقبلاً.
    بقيت نقطة كان الأصل فيها عدم بحثها لوضوحها ، إلا أن الفقهاء اختلفوا فيها، فرأيت من الواجب إبداء الرأي فيها وهي: هل سُؤر الآدمي طاهر أم نجس؟.
    ذهب عدد من الفقهاء إلى القول بنجاسة سُؤر الكافر، وزاد بعضهم بنجاسة سُؤر الجُنُب والحائض، مستدلين بقوله تعالى ïپ*إنَّمَا المُشْرِكُوْنَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوْا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ïپ› الآية 28 من سورة التوبة. على نجاسة الكافر ومن ثَمَّ سُؤره، وبالحديث الذي رواه أبو ثعلبةَ الخُشني وقد سأل الرسول صلى الله عليبه وسلم عن آنية الكفار - في روايةٍ من أهل الكتاب، وفي روايةٍ ثانيةٍ من المشركين – «فقال رسول الله صلى الله عليبه وسلم: إنْ وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء ...» الحديث وقد سبق. مستدلين به على نجاسة آنيتهم وقدورهم ومن ثَمَّ على نجاسة أبدانهم، وأخذوا من أحاديث تطهُّرِ الجُنُب والحائض نجاستهما ما داما جُنُباً وحائضاً، ومن الآيات مثل قوله سبحانه وتعالى ïپ*وإنْ كُنْتُمْ جُنُبَاً فاطَّهَّرواïپ› وقوله سبحانه ïپ*ويَسْأَلُونَكَ عَن المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فإذا تَطَهَّرْنَ فاْتُوهُنَّ مِن حَيْثُُ أَمَرَكُمُ اللهُïپ› الآية 222 من سورة البقرة نجاسةَ الجُنُب والحائض أيضاً، وقالوا إن القرآن الكريم وصف الكافر بأنه نجس، وإنَّ الآيات والأحاديث طلبت من الجُنُب والحائض التَّطهُّر، ولا يكون التَّطهُّر إلا من نجاسة، فدلَّ ذلك على نجاستهما ومن ثم نجاسة سُؤرهما. هذا هو مجمل ما قالوه.
    وقبل الإجابة نُذَكِّر بأن قسماً من قولهم هذا قد سبق ذِكْره في بحث [الماء المستعمَل] ، وكشفنا هناك عن خطأ ما ذهبوا إليه، فلا نعيده بتفصيله، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الحديث يقول «إن رسول الله صلى الله عليبه وسلم لقيه - أي حذيفة راوي الحديث - وهو جُنُب فحاد عنه فاغتسل، ثم جاء فقال : كنت جُنُباً، قال: إن المسلم لا ينجُس» وأن الحديث يقول: عن عائشة قالت «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أُناوله النبي ïپ² فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليبه وسلم، فيضع فاه على موضع فيَّ» رواهما مسلم وغيره . وقد مرَّا . وهذان دليلان صالحان على طهارة الجُنُب والحائض.
    بقيت نجاسة الكافر، هل الآية الكريمة تفيد النجاسة الحسية أم النجاسة المعنوية؟ إنه لم يَرِدْ في كتاب الله العزيز لفظة (نجس) إلا مرة واحدة فحسب، هي الواردة في قوله سبحانه وتعالى ïپ*إنَّمَا المُشْرِكُوْنَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَاïپ› الآية 28 من سورة التوبة وهذه اللفظة الوحيدة في الكتاب العزيز لم تجيء على ظاهر معناها، وإنما جاءت بمعنى النجاسة المعنوية، ومعناها هو نجاسة الاعتقاد وسوء الباطن والسريرة. والأدلة على أن نجاسة الكافر نجاسة معنوية ما يلي:

صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة