نمر في مراحل حياتنا بحوادث كثيرة منثورة هنا وهناك على صفحات الأيام بل الساعات والدقائق والأنفاس، فمنها حادث يحمل معه الألم وآخر يبث في النفوس اليائسة الأمل. ومنها ما هو مرتبط بالزمان أو المكان أو بكليهما. ومن الحوادث مشاعر دافقة ولحظات بالأحاسيس غامرة. ومنها مواقف لها في سجل الحياة بصمة. وقد يكون منها رسائل قدرية توقظ السادر في سبل الحياة، وأخرى منح ربانية وإن تجلت لنا في قالب محن. وقد تتباين تفاعلاتنا إزاءها وتختلف ردات أفعالنا في مقابل تأثيرها بنا. فمنها حادث نتنبه لنزوله بساحتنا وآخر نصاب عنه بالغفلة أو لا نكترث له ولا نوليه اهتماما، فيمر سدى ويذهب عديم الصدى.

ومن جولات الفكر والتأمل في حوادث دنيا الناس والتي خطها يراع مني وقلم أنه قد:

يحدث وتتجلى من الباري رحماته لعباده تترى فيلامس بردها كل ذي بصيرة، ويُحرم نفحاتها من رانت بنوافذ فكره حجب الغفلة. وأغلق خلده عن التدبر. فلا يدرك لطف الحق به.
ويحدث أن يفيض منك دمع جنانك من حر طوارق الصرفان، فيخفت لشدة وقعه وبليغ أثره بريق الحياة من عينيك، فلا يراك ولا يسمع أنينك أحد، وحديث الأحداق لغة لا يعرفها الكثير. ولا تحرك بوميضها إلا القلوب الدافئة.

ويحدث أن تفقد من متاع دنياك مالا، منصبا، فرصة، حبّا، صداقة ... تتغير مجريات حياتك وتنتكس، فتفقد الكثير مما تتشوف له وتحبه. لكن أشدها أن تفقد نفسك وأنت تصارع الحياة. فكم خسرنا لأجل أزاهيرها الفانية من مبادئ وقيم! وكم تنكرنا بسبب ضروبها لنسق حياتنا وما اكتنفته من منطلقات وغايات سامية.

ويحدث أن تضيق بك الدنيا على سعتها، فتختنق أنفاسك المترددة بين جنباتك. وتحس بغصة الموت كأنها على بضع زفرات منك. وقد اشتملت إحساسك مشاعر الوحدة، تفتك ببنيانك، تنقض عرى كيانك. فلتعلم حينها: أن الدنيا قد أصابت منك بصيرتك. فكثيرا ما تضيق بنا خيارات الحياة ونظن لبرهة من حياتنا أن الأقدار المؤلمة لها مع سعادتنا عروة وصل شديدة لا تنفك. فنحيا على بؤس إنما صنعته أيدينا فقط.

ويحدث أن تتخلل قلبك الغفلة - المتراكمة مع إلف الأيام والليالي - عن حقيقتك وجوهر وجودك. فتهيم بأعمالك وقد ضللت في سبيلٍ مباينة لمصيرك. فإدراك غايتك سوار أمان لسلامة الطريق، ونبراس لسلوك السبيل، وبلاغ مطلوب لتحقيق الذات.

ويحدث أن تظن نفسك في الدنيا وحيد الألم، وأن رحمها عقمت بعدك فلم تلد لكفاح الحياة غيرك. ولا لتحمل وزر معاناتها سواك. وقد جثمت لحظات الوهن على صدرك برهة، انقبضت لها دقات فؤادك عن بث دماء الحياة في جسدك البائس. فتنسيك في خضم ذلك الضغط النفسي، أن لك ربا له الخلق والأمر. وأن لك في الحياة إخوة في الابتلاء والصبر. فلا تزدري بسوء فهمك لجوهر الحياة منح الباري عليك.

ويحدث - في بساط الإنسانية المضرج بالمآسي والدماء والعَبرات - أن يُسرق منك الأمل ويُحتضر بين يديك مولوده كل يوم، فلا ترى من حلة الحياة التي تكتسيها إلا ذاك الرقم الأسود الذي ملأ مرآك وغشي بستاره منك البصر. وهي آية هزيمتك لعلو الباطل، وغفلتك عن مصيره ومدته المؤقتة، ونسيانك العلمي والعملي لدورك وواجبك في حلقة التغيير ودورة الحياة.

ويحدث أن تترى عليك الصروف بألوانها الداكنة المتنوعة، تلازم يومك، تلاصق سعيك، تزاحم أنفاسك، تزيد ليلك الكالح قتامة، لا تكاد تمر بك ضائقة إلا ودعت إليك أختها، كأنما خُلقت لترافقك في دنياك، ولا ندرك في خضم صراعنا مع آثارها ما تحمله تلك المحن لنا من جميل المنح. لا ندرك قيمة الابتلاء الحقيقية وعمق آثاره في صناعة النفوس الأبية والترقي بها، ولا نستثمر تلك الهبات الكامنة فيه لصقل كياننا وتنمية بصيرتنا بالحياة. وعدّه من زادنا يوم اللقاء. فما صفت الدنيا لأكرم الخلق لتصفو لك يا صديقي.

فالأحداث على اختلافاتها ماضية مع الحياة، كنسج يتتابع في نظمه صانعه خيطا في إثره مثيله بألوان متباينة، تتجلى بمجموعها في صورة دنياك، إلى أن يطوى بساطك ويأتيك اليقين. فلن يوقفها حزنك ولن يرفعها تذمرك وعجزك.

فالحياة يا صديقي أمل وكفاح وعطاء.