أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 13 من 13

الموضوع: (*)مراجعة واعادة نظر لكتاب الإرهاصات والبشائر والمعوقات

  1. #11
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي 38 - 40

    ( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الرّاحمين: أنتَ رَبُّ المُسْتَضعين وأنتَ ربي. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أم إلى عدو ملكته أمري ؟ ربِ إن لم يكن بي علي غضبٌ فلا أبالي . ولكنّ عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل عليَّ غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك.)
    كان هذا دعاء وابتهال ومناجاة ، وبث هموم وآلام وعجز، وإعلام من العاجز للعليم علام الغيوب، إعلام له بما هو أعلم، ايصال رسالة وصلت قبل ارسالها، والمقصود من الرسالة المناجا ة والاعتذار ، وبث واقع ما يعتريه من قلة الحيلة والوسيلة، مناجاة تحمل في سطورها وبين طياتها أقوى درجات الإيمان ومراحله. نعم: دعاء كلّه ايمان بالخالق السميع البصير العليم، عالم السِّر وأخفى، دعاء الضعيف الذي لا يملك من أمر نفسه شيئاً ، إلى من يملك بيده ناصية الأمور، دعاء من استنفذ الأسباب إلى من أوجد الأسباب والمسببات، دعاء المضطهد المعذب إلى المعز الناصر المنتقم الجبار ، دعاء من آمن بأنّ الناس مهما بلغت كياناتهم قوة وجبروتاً وطغياناً ، وملأ انفسهم بذرة الشر والانتقام والجبروت موصلة اياهم لحالة العزة بالأثم ، فإنّ فوقهم المالك الحقيقي للعزة والجبروت، ومن له وحده القوة الحقيقية، ومن هو قادر على التغيير متى وأين شاء.
    بعد تلك المناجاة الفريدة في نوعها، الرائعة في أسلوبها، المؤثرة في مناسبتها، مناجاة العبد المتذلل للخالق المعين المنتقم الجبار، مناجاة لا للانتقام والثأر ، لا بل مناجاة ودعاء وتوجه إلى الذي حُقَّ للجبال أن تخرَّ لهُ سُجّداً، فكان لا بُدَّ أن يأتيه جواب السّماء، فمن يسأل ينتظر الجواب، وكان الجواب الحق من ربّ السماء بأنّ الله قد سمع دعاء وابتهالات وتضرع رسوله ، لذا فسيُعَلمَهُ من آياته الكبرى أنّ النصر لا يأتي إلاّ بعد تعسر والأمور وتعقدها، وبعد أن تشتد المحن والكروب والمصائب، والنصر يأتي من الله لا من عمل العبد، فيأتي بعد أن تعيي الانسان الحيلة، ومن البديهي أنَّ الله قادر على أن أن ينعم على رسوله بالنصر المؤزر والتمكين دون أي عناء أو جهد، وبدون امتحان يعقبه صبر، وبدون صبر جائزته المغفرة........
    ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

    ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
    ولكنها سنة الله وإرادته، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فكما أنّ جفاء البشر ومقاومتهم للدعوة لا يعني نقطة المنتهى، وهنا جوهر الرسالة : بشارة السماء أتت بعد استفراغ الجهد في ابتكار الارهاصات : سيُسرى بك إلى القدس لتصلي بالأنبياء في المسجد الأقصى المبارك وما حوله، وإلى السّماء سيعرج بك ، وسترحب بك السماء وتحف بك ملائكتها، وسأريك من آياتي وقدرتي ما يعطيك القوة والدفعة المحركة على معاودة الكفاح والدعوة، والصبر على الصد والأذى، ولتعلم أنّ الله الذي أنعم عليك بالمعجزة لقادر على أن ينصرك ويعزك ويمكنك ، وقادر على أن يدك عروش الشرك والطاغوت وكيانات الجهل وعمي البصيرة. ولكنه تشريع السماء ، تشريع لك طريق سير ملزم لمن يأتي بعدك أن يتعلم منه، وأن يتقيد به لا يحيد عنه قيد أنملة. تشريع بأن يكلك أن تنتهج في عملك الأسباب تربطها بمسبباتها، مجتهداً ومكافحاً وداعياً إلى الله بالحق، حتى إذا آن الأوان أرسلنا اليك النصر، وأنعمنا عليك بالأمن، وتبديل الخوف أمنا.
    ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
    وفي هذا تشريع للمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بأنّ الله قادر على نصر عبده إن شاء ومتى شاء، ولكنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم دالة على طريقته، والطريقة هي حكم شرعي ملزم، لا يجوز الانحراف عنها أو مخالفتها: ( ‏حدثنا ‏ ‏إسمعيل بن بشر بن منصور ‏ ‏وإسحق بن إبراهيم السواق ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن مهدي ‏ ‏عن ‏ ‏معاوية بن صالح ‏ ‏عن ‏ ‏ضمرة بن حبيب ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو السلمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏يقول ‏
    ‏وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏موعظة ‏ ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏ ‏ووجلت ‏ ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال ‏ ‏قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ‏ ‏يزيغ ‏ ‏عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها ‏ ‏بالنواجذ ‏ ‏وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل ‏ ‏الأنف ‏ ‏حيثما قيد انقاد حدثنا ‏ ‏يحيى بن حكيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الملك بن الصباح المسمعي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثور بن يزيد ‏ ‏عن ‏ ‏خالد بن معدان ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏قال ‏ ‏صلى بنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة فذكر نحوه. ) ‏ وواجب المسلمين في كل مصر وعصر هو الإقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فسيرته العطرة الشريفة هي تشريع للمسلمين واجب عليهم التقيد بها، وسيرته تحتم، لا بل تلزم المسلمين بالأخذ بقاعدة الأسباب والمسببات، فليس من الطريقة أن يركنوا للدعاء وحده ، بل يجب أن يقرن الدعاء بالعمل:
    جاء في سنن الترمذي : ‏حدثنا ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد القطان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏المغيرة بن أبي قرة السدوسي ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏يقول ‏: ‏قال رجل يا رسول الله ‏‏ أعقلها ‏‏ وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال ‏‏ اعقلها ‏‏ وتوكل ، ‏‏قال ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏قال ‏ ‏يحيى ‏ ‏وهذا عندي حديث منكر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو عيسى ‏ ‏وهذا ‏ ‏حديث غريب ‏ ‏من حديث ‏ ‏أنس ‏ ‏لا نعرفه إلا من هذا الوجه ‏ ‏وقد روي عن ‏ ‏عمرو بن أمية الضمري ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نحو هذا ‏.
    وإنّ الإتكال على الله هو أمر من صلب العقيدة، كما أنّ الايمان بقدرته من صلب العقيدة أيضاً، والظن بالله ظن الخير من علامات الايمان، إلا أنّ الله لا ينظر لدعاء الخاملين المتواكلين، بل الله متم أمره ولا بد، وناصر جنده المؤمنون العاملون:

    ﴿﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #12
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي

    الاسراء والمعراج جاءت من ضمن البشارات
    ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وءآتَيْنا موسى الكِتابَ وَجّعَلْناهُ هُدْىً لِبَني إسْرائيلَ، ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح " تَقْدِيره يَا ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح فِيهِ تَهْيِيج وَتَنْبِيه عَلَى الْمِنَّة أَيْ يَا سُلَالَة مَنْ نَجَّيْنَا فَحَمَلْنَا مَعَ نُوح فِي السَّفِينَة تَشَبَّهُوا بِأَبِيكُمْ " إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا.﴾
    وكان أن جاء بين الحدثين العظيمين حدث آخر لا يقل عنهما عقائدياً ، فكان حلقة الوصل بين المسجدين الشريفين وبين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين " المسجد الأقصى المبارك " والمبارك حوله، ذلك المسجد المرتبط بظهور دعوات توحيد سابقة ، حملها ودعا اليها رسل السماء من أبناء يغقوب بن أسحق بن ابراهيم عليهم السلام.
    لقد جاء توقيت حادثة الإسراء والمعراج توقيتاً له دلالته وحكمته، مرتبطاً بما قبله، ومبشراً بما بعده من أحداث عظام وذات تأثير سياسي سيكون له وقع مُأثر على الموقف الدولي، ومغيراً للخارطة السياسة في العالم أجمع، وذلك أنّهُ في الوقت الذي فقد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم سندين فاعلين في سنة واحدة، أمّا أول السّندين فكان فقد الزوجة الصالحة – خديجة بنت خويلد - التي يسكن اليها وتسكن، وأول من آمن برسالته وأسلم، من كانت عزاءه ومعينه عن جحود المجتمع وتكذيبه له ولرسالته. وصحبة العشير الحسنة تقوي النفسية وتزيد الطمأنينة، وتعطي الحماس اللازم للعمل، وهكذا كانت منذ لحظة أول نزول للوحي، فأعطته الدفعة الخيرة والعون الشسديد. أمّا ثانيهما فكان موت عمه أبو طالب بن عبد المطلب، ذلك السند الذي غطى له وأمن له الحماية المانعة للأذى وأعطته الحماية من جبروت وطغيان الاستبداد في المجتمع القرشي ، فحصنه من أذى الكفار والمشركين بمكة. فكان الرجل بالرغم من كفره ، له مكانة مرموقة وشرف رفيع في الكيان القرشي ، فهو من أعيان القوم ووجهائهم ومن أشراف القوم وقادتهم ، وأبن قائدهم وزعيمهم عام الفيل، فهو والحالة على ما رأينا أهل لأن يجامله القرشيون قادة وأفراد، فما دام أحد قادة المجتمع المشاهير، فله بقوانينهم وأعرافهم وتقاليدهم وعاداتهم أن يبسط حمايته الفاعلة على ابن أخيه ، يحميه ويبعد عنه الأذى.
    وبموت هذين السندين العظيمين في سنة واحدة ، فَقَدْ فَقَدَ الرسول صلى الله عليه وسلم السند البيتي الداخلي الذي يسكن اليه ويعزيه خيراً على جحود المجتمع الخارجي، وينسيه همومه ولو إلى حين. كما فقد سند الحماية الخارجي المتمثل بعمه أبا طالب، ذلك السند الذي كفاه أذى وتعرض سفهاء الكيان له، فكما يقولون بالأمثال فقد وصل بهذا لمنزلة الوقوع بين السندان والمطرقة. والسند البشري معرض عادة للتغيير والتبديل، ومعرض أن تعصف به عواصف تبدل وتغير المزاج والأهواء، ومعرض لتقلب درجات الحب والكراهية، كما أنه متعرض للزوال والفقدان بموت السند أو فقدانه الوجاهة والنقابة والشرف، ومع تلك المصائب التي تزاحمت تتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثر على حمايته في المجتمع، فقد بقي له السند الحقيقي الأكبر، نعم السند الجحقيقي الأكبر الذي لا يفنى ولا يموت، ولا يخضع لتقلبات المزاج وعوامل الفناء، ذلك السند العظيم الذي بعثه رسولاً وباركه وأنعم عليه بالهداية والرسالة ، والذي لا يمكن أن يتخلى عنه بحال.ومع ايمان الرسول صلى الله عليه وسلم بأنّ الله تعالى وقد أرسله رسولاً مبشراً ونذيراً للبش رية جمعاء، لن يخذله أبداً، بل هو ناصره ومظهر دينه ولو كره الكافرون، فوعد الله قائم ولا بُدّ، وعد الله المتضمن الاستخلاف في الأرض، والمتضمن التمكين، مما يحقق ولا بد تبديل خوف المسلمين أمناً.
    ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.﴾
    و ايمان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمن بضرورة تحقق الوعد الحق ماشاء الله، ومؤمن أن الله تعالى ناصره ولن يخذله بتاتاً، لذا فقد توجه لربه مناجياً ، مناجاة المؤمن بتحقق الوعد ، مهما طال الزمن:
    ( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الرّاحمين: أنتَ رَبُّ المُسْتَضعين وأنتَ ربي. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أم إلى عدو ملكته أمري ؟ ربِ إن لم يكن بي علي غضبٌ فلا أبالي . ولكنّ عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل عليَّ غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك.)
    مع ايمان الرسول صلى الله عليه وسلم بتحقق الوعد، وعد من ناجاه مناجاة من يرى نفسه ضعيف القوة أمام قوة الله، وقليل الحيلة إن لم يسنده الله، وهوانه على الناس إن لم يتحقق الاستخلاف والتمكين، حيث سيتبدل الخوف أمناً. فكان لزاماً ولا بد من ربط الأسباب بمسبباتها، وكان لزاماً ولا بد من له بعد أن فقد السّند البشريّ ، والحماية البشريّة ، ، وكان لزاماً ولا بد وقد بدأ يتعرض لأذي الكفار وعدوانهم، كان لزاماً ولا بد من أن يفتش عن سند أرضي بشري آخر يعطيه ودعوته الحماية البشرية، أي النصرة والتمكين.
    وفي طريق تحقق الحماية البشرية، أي النصرة والتمكين: فقد عرض نفسه على القبائل ومراكز القوى التي تحقق النصرة والتمكين. تلك القبائل التي أصمت آذانها عن سماعه، وأدرات له ظهرها، وأغلقت الأبواب أمام أي حوار في ذلك، فتوجه إلى قبيلة ثقيف بالطائف، علها تكون مركز القوة والمنعة التي تبسط حمايتها ونصرتعا له ولدعوته، وثقيف وهي إحدى مراكز القوى المشركة الملحدة، لم تكن النصير الذي يبغي، ولم تكن المنطلق للدعوة الذي أراد، فقد أصمّت آذانها عن سماع دعوة الحق، فآذته بالقول، بل آذته بالفعل واضطهدته، مرسلة خلفه صبيانها وسفهائها بالحجارة يرشقونه، وبالطرد من الطائف يلا حقونه، وبالشتائم يأذونه
    أمّا وقد أعيته الحيلة في نصرة البشر – بعد استكماله ربط الأسباب بمسبباتها – ففي السماء متحقق ولا بُدَّ النصرة الحقيقية – نصرة ربُّ البشر وخالقهم - ، وإنَّ له من الايمان القطعي بأنَّ من أرسله لن يخذله أبداً، وإن اتفق كافة البشر على خذلانه. فتوجه إلى ربه وخالقه ومصطفيه بالرِّسالة ومحمله الأمانة ضارعاً متذللاً مبتهلاً، باثاً له همومه وآلامه، شاكياً له ظلم البشر وتحجر قلوبهم وعقولهم على الشرك والكفر، مما أضفى على نفسياتهم العناد والعقوق، وشاكياً له عقوقهم وما قابلوه به من أذىً وسفاهاهات ، شاكياً له ما يعلم ونعلم، وما يعلم ولا نعلم، مناجياً إياه مناجاة المؤمن صاحب العزيمة الحديدية التي لا تفتر ولا تكل ولا تمل، ومعاهداً ربّه على مواصلة المسيرة بلا توقف، مسيرة الخير المرتكزة على كلمة التقوى’، التقوى العقائدية المحية للآمال والمطمأنة لنتائج الأعمال؛ بالرغم مما شاهد ورأى من عقوق البشر وتحجر قلوبهم، وشدّة أذاهم له ولصحبه.
    فهو لم يحمل أبداً لواء دعوة مادية، تفتر همته لصد الناس عنها، كما أنه ما حمل لواء دعوة للزعامة والنفوذ، وقد عرضها عليه القوم سابقاً ورفضها بكل إباء، ولا أراد المال الوفير يملكه ولا النفوذ يصاحبه. فلم يكافح من أجل تحقيق مكاسب آنية لنفسه، بل إنّه يجاهد لنشر دعوة التوحيد ، صادعاً بما يُأمر، مؤمناً برسالة الخير الحامل لوائها، لذا فقد حمل المشعل الخالد، مشعل الهداية والنور، مشعل سعادة البشرية وتحقق سلامها وأمنها، المستحيلا التحقق إلا في دعوته وتحت لواء رايتها. فما دام الأمر كذلك، وما دام يحمل لواء دعوة لإسعاد البشرية جمعاء، فهو لا يريد لمن آذوه وخذلوه وعذبوه، وحالوا بينه وبين نشره لدعوته: لا ؤيريد لهم أن يُطبق عليعهم الأخشبين، كما سأله مَلَكَ الاسماء، ولو طلب لتم الأمر، فهو حامل مشعل هداية لتحقق سعادة البشرية وسلامهم وأمنهم، وليس طالب إنتقام وثأر وعذاب. لكل هذا توجه لربه مناجياً إياه بما هو هو به سميع عليم بصير:
    ( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الرّاحمين: أنتَ رَبُّ المُسْتَضعين وأنتَ ربي. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أم إلى عدو ملكته أمري ؟ ربِ إن لم يكن بي علي غضبٌ فلا أبالي . ولكنّ عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل عليَّ غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك.)
    كان هذا دعاء وابتهال ومناجاة ، وبث هموم وآلام وعجز، وإعلام من العاجز للعليم علام الغيوب، إعلام له بما هو أعلم، ايصال رسالة وصلت قبل ارسالها، والمقصود من الرسالة المناجا ة والاعتذار ، وبث واقع ما يعتريه من قلة الحيلة والوسيلة، مناجاة تحمل في سطورها وبين طياتها أقوى درجات الإيمان ومراحله. نعم: دعاء كلّه ايمان بالخالق السميع البصير العليم، عالم السِّر وأخفى، دعاء الضعيف الذي لا يملك من أمر نفسه شيئاً ، إلى من يملك بيده ناصية الأمور، دعاء من استنفذ الأسباب إلى من أوجد الأسباب والمسببات، دعاء المضطهد المعذب إلى المعز الناصر المنتقم الجبار ، دعاء من آمن بأنّ الناس مهما بلغت كياناتهم قوة وجبروتاً وطغياناً ، وملأ انفسهم بذرة الشر والانتقام والجبروت موصلة اياهم لحالة العزة بالأثم ، فإنّ فوقهم المالك الحقيقي للعزة والجبروت، ومن له وحده القوة الحقيقية، ومن هو قادر على التغيير متى وأين شاء.
    بعد تلك المناجاة الفريدة في نوعها، الرائعة في أسلوبها، المؤثرة في مناسبتها، مناجاة العبد المتذلل للخالق المعين المنتقم الجبار، مناجاة لا للانتقام والثأر ، لا بل مناجاة ودعاء وتوجه إلى الذي حُقَّ للجبال أن تخرَّ لهُ سُجّداً، فكان لا بُدَّ أن يأتيه جواب السّماء، فمن يسأل ينتظر الجواب، وكان الجواب الحق من ربّ السماء بأنّ الله قد سمع دعاء وابتهالات وتضرع رسوله ، لذا فسيُعَلمَهُ من آياته الكبرى أنّ النصر لا يأتي إلاّ بعد تعسر والأمور وتعقدها، وبعد أن تشتد المحن والكروب والمصائب، والنصر يأتي من الله لا من عمل العبد، فيأتي بعد أن تعيي الانسان الحيلة، ومن البديهي أنَّ الله قادر على أن أن ينعم على رسوله بالنصر المؤزر والتمكين دون أي عناء أو جهد، وبدون امتحان يعقبه صبر، وبدون صبر جائزته المغفرة........
    ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾
    ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
    ولكنها سنة الله وإرادته، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فكما أنّ جفاء البشر ومقاومتهم للدعوة لا يعني نقطة المنتهى، وهنا جوهر الرسالة : بشارة السماء أتت بعد استفراغ الجهد في ابتكار الارهاصات : سيُسرى بك إلى القدس لتصلي بالأنبياء في المسجد الأقصى المبارك وما حوله، وإلى السّماء سيعرج بك ، وسترحب بك السماء وتحف بك ملائكتها، وسأريك من آياتي وقدرتي ما يعطيك القوة والدفعة المحركة على معاودة الكفاح والدعوة، والصبر على الصد والأذى، ولتعلم أنّ الله الذي أنعم عليك بالمعجزة لقادر على أن ينصرك ويعزك ويمكنك ، وقادر على أن يدك عروش الشرك والطاغوت وكيانات الجهل وعمي البصيرة. ولكنه تشريع السماء ، تشريع لك طريق سير ملزم لمن يأتي بعدك أن يتعلم منه، وأن يتقيد به لا يحيد عنه قيد أنملة. تشريع بأن يكلك أن تنتهج في عملك الأسباب تربطها بمسبباتها، مجتهداً ومكافحاً وداعياً إلى الله بالحق، حتى إذا آن الأوان أرسلنا اليك النصر، وأنعمنا عليك بالأمن، وتبديل الخوف أمنا.
    ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
    وفي هذا تشريع للمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بأنّ الله قادر على نصر عبده إن شاء ومتى شاء، ولكنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم دالة على طريقته، والطريقة هي حكم شرعي ملزم، لا يجوز الانحراف عنها أو مخالفتها: ( ‏حدثنا ‏ ‏إسمعيل بن بشر بن منصور ‏ ‏وإسحق بن إبراهيم السواق ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن مهدي ‏ ‏عن ‏ ‏معاوية بن صالح ‏ ‏عن ‏ ‏ضمرة بن حبيب ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو السلمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏يقول ‏
    ‏وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏موعظة ‏ ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏ ‏ووجلت ‏ ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال ‏ ‏قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ‏ ‏يزيغ ‏ ‏عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها ‏ ‏بالنواجذ ‏ ‏وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل ‏ ‏الأنف ‏ ‏حيثما قيد انقاد حدثنا ‏ ‏يحيى بن حكيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الملك بن الصباح المسمعي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثور بن يزيد ‏ ‏عن ‏ ‏خالد بن معدان ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏قال ‏ ‏صلى بنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة فذكر نحوه. ) ‏ وواجب المسلمين في كل مصر وعصر هو الإقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فسيرته العطرة الشريفة هي تشريع للمسلمين واجب عليهم التقيد بها، وسيرته تحتم، لا بل تلزم المسلمين بالأخذ بقاعدة الأسباب والمسببات، فليس من الطريقة أن يركنوا للدعاء وحده ، بل يجب أن يقرن الدعاء بالعمل:
    جاء في سنن الترمذي : ‏حدثنا ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد القطان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏المغيرة بن أبي قرة السدوسي ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏يقول ‏: ‏قال رجل يا رسول الله ‏‏ أعقلها ‏‏ وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال ‏‏ اعقلها ‏‏ وتوكل ، ‏‏قال ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏قال ‏ ‏يحيى ‏ ‏وهذا عندي حديث منكر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو عيسى ‏ ‏وهذا ‏ ‏حديث غريب ‏ ‏من حديث ‏ ‏أنس ‏ ‏لا نعرفه إلا من هذا الوجه ‏ ‏وقد روي عن ‏ ‏عمرو بن أمية الضمري ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نحو هذا ‏.
    وإنّ الإتكال على الله هو أمر من صلب العقيدة، كما أنّ الايمان بقدرته من صلب العقيدة أيضاً، والظن بالله ظن الخير من علامات الايمان، إلا أنّ الله لا ينظر لدعاء الخاملين المتواكلين، بل الله متم أمره ولا بد، وناصر جنده المؤمنون العاملون:
    ﴿﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

  3. #13
    الصورة الرمزية تقي بن فالح قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Oct 2017
    المشاركات : 517
    المواضيع : 36
    الردود : 517
    المعدل اليومي : 0.83

    افتراضي الاسراء والمعراج جاءت من ضمن البشارات (2)

    ( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الرّاحمين: أنتَ رَبُّ المُسْتَضعين وأنتَ ربي. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أم إلى عدو ملكته أمري ؟ ربِ إن لم يكن بي علي غضبٌ فلا أبالي . ولكنّ عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل عليَّ غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك.)
    كان هذا دعاء وابتهال ومناجاة ، وبث هموم وآلام وعجز، وإعلام من العاجز للعليم علام الغيوب، إعلام له بما هو أعلم، ايصال رسالة وصلت قبل ارسالها، والمقصود من الرسالة المناجا ة والاعتذار ، وبث واقع ما يعتريه من قلة الحيلة والوسيلة، مناجاة تحمل في سطورها وبين طياتها أقوى درجات الإيمان ومراحله. نعم: دعاء كلّه ايمان بالخالق السميع البصير العليم، عالم السِّر وأخفى، دعاء الضعيف الذي لا يملك من أمر نفسه شيئاً ، إلى من يملك بيده ناصية الأمور، دعاء من استنفذ الأسباب إلى من أوجد الأسباب والمسببات، دعاء المضطهد المعذب إلى المعز الناصر المنتقم الجبار ، دعاء من آمن بأنّ الناس مهما بلغت كياناتهم قوة وجبروتاً وطغياناً ، وملأ انفسهم بذرة الشر والانتقام والجبروت موصلة اياهم لحالة العزة بالأثم ، فإنّ فوقهم المالك الحقيقي للعزة والجبروت، ومن له وحده القوة الحقيقية، ومن هو قادر على التغيير متى وأين شاء.
    بعد تلك المناجاة الفريدة في نوعها، الرائعة في أسلوبها، المؤثرة في مناسبتها، مناجاة العبد المتذلل للخالق المعين المنتقم الجبار، مناجاة لا للانتقام والثأر ، لا بل مناجاة ودعاء وتوجه إلى الذي حُقَّ للجبال أن تخرَّ لهُ سُجّداً، فكان لا بُدَّ أن يأتيه جواب السّماء، فمن يسأل ينتظر الجواب، وكان الجواب الحق من ربّ السماء بأنّ الله قد سمع دعاء وابتهالات وتضرع رسوله ، لذا فسيُعَلمَهُ من آياته الكبرى أنّ النصر لا يأتي إلاّ بعد تعسر والأمور وتعقدها، وبعد أن تشتد المحن والكروب والمصائب، والنصر يأتي من الله لا من عمل العبد، فيأتي بعد أن تعيي الانسان الحيلة، ومن البديهي أنَّ الله قادر على أن أن ينعم على رسوله بالنصر المؤزر والتمكين دون أي عناء أو جهد، وبدون امتحان يعقبه صبر، وبدون صبر جائزته المغفرة........
    ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

    ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
    ولكنها سنة الله وإرادته، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فكما أنّ جفاء البشر ومقاومتهم للدعوة لا يعني نقطة المنتهى، وهنا جوهر الرسالة : بشارة السماء أتت بعد استفراغ الجهد في ابتكار الارهاصات : سيُسرى بك إلى القدس لتصلي بالأنبياء في المسجد الأقصى المبارك وما حوله، وإلى السّماء سيعرج بك ، وسترحب بك السماء وتحف بك ملائكتها، وسأريك من آياتي وقدرتي ما يعطيك القوة والدفعة المحركة على معاودة الكفاح والدعوة، والصبر على الصد والأذى، ولتعلم أنّ الله الذي أنعم عليك بالمعجزة لقادر على أن ينصرك ويعزك ويمكنك ، وقادر على أن يدك عروش الشرك والطاغوت وكيانات الجهل وعمي البصيرة. ولكنه تشريع السماء ، تشريع لك طريق سير ملزم لمن يأتي بعدك أن يتعلم منه، وأن يتقيد به لا يحيد عنه قيد أنملة. تشريع بأن يكلك أن تنتهج في عملك الأسباب تربطها بمسبباتها، مجتهداً ومكافحاً وداعياً إلى الله بالحق، حتى إذا آن الأوان أرسلنا اليك النصر، وأنعمنا عليك بالأمن، وتبديل الخوف أمنا.
    ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
    وفي هذا تشريع للمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بأنّ الله قادر على نصر عبده إن شاء ومتى شاء، ولكنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم دالة على طريقته، والطريقة هي حكم شرعي ملزم، لا يجوز الانحراف عنها أو مخالفتها: ( ‏حدثنا ‏ ‏إسمعيل بن بشر بن منصور ‏ ‏وإسحق بن إبراهيم السواق ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏عبد الرحمن بن مهدي ‏ ‏عن ‏ ‏معاوية بن صالح ‏ ‏عن ‏ ‏ضمرة بن حبيب ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو السلمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏يقول ‏
    ‏وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏موعظة ‏ ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏ ‏ووجلت ‏ ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال ‏ ‏قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ‏ ‏يزيغ ‏ ‏عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها ‏ ‏بالنواجذ ‏ ‏وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل ‏ ‏الأنف ‏ ‏حيثما قيد انقاد حدثنا ‏ ‏يحيى بن حكيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الملك بن الصباح المسمعي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثور بن يزيد ‏ ‏عن ‏ ‏خالد بن معدان ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عمرو ‏ ‏عن ‏ ‏العرباض بن سارية ‏ ‏قال ‏ ‏صلى بنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة فذكر نحوه. ) ‏ وواجب المسلمين في كل مصر وعصر هو الإقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فسيرته العطرة الشريفة هي تشريع للمسلمين واجب عليهم التقيد بها، وسيرته تحتم، لا بل تلزم المسلمين بالأخذ بقاعدة الأسباب والمسببات، فليس من الطريقة أن يركنوا للدعاء وحده ، بل يجب أن يقرن الدعاء بالعمل:
    جاء في سنن الترمذي : ‏حدثنا ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد القطان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏المغيرة بن أبي قرة السدوسي ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏يقول ‏: ‏قال رجل يا رسول الله ‏‏ أعقلها ‏‏ وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال ‏‏ اعقلها ‏‏ وتوكل ، ‏‏قال ‏ ‏عمرو بن علي ‏ ‏قال ‏ ‏يحيى ‏ ‏وهذا عندي حديث منكر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو عيسى ‏ ‏وهذا ‏ ‏حديث غريب ‏ ‏من حديث ‏ ‏أنس ‏ ‏لا نعرفه إلا من هذا الوجه ‏ ‏وقد روي عن ‏ ‏عمرو بن أمية الضمري ‏ ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نحو هذا ‏.
    وإنّ الإتكال على الله هو أمر من صلب العقيدة، كما أنّ الايمان بقدرته من صلب العقيدة أيضاً، والظن بالله ظن الخير من علامات الايمان، إلا أنّ الله لا ينظر لدعاء الخاملين المتواكلين، بل الله متم أمره ولا بد، وناصر جنده المؤمنون العاملون:

    ﴿﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12