أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ذات فخر

  1. #1
    الصورة الرمزية مامون احمد مصطفى أديب
    تاريخ التسجيل : Jan 2016
    المشاركات : 60
    المواضيع : 35
    الردود : 60
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي ذات فخر

    ذات فخر
    مأمون أحمد مصطفى
    أهذا الحمال أبوك؟ سؤال مقتطع من دهشة موجة تتواصل مع سماء يلفُّها ضباب معقود، وكأنها كانت على موعد مع انبلاج فراخ اليمام من كلس يشق الظُّلمة، لا لشيء سوى أخذ حمّام بماء الشمس وهي تغسل القمر. نعم؛ مطهمة ومطعمة بفخْر مولود من فخر، مُتناسل من فخر يضرب عميقًا في ساق سنبلة سقطت على صحراء، كانت فيما مضى تتوسَّل الحياة والانفتاح والانتشار والنشوى، فانشقَّت بنعم الفخر عن فيض ينابيع وأودية وغدران وجداوِل، نهضت كلها من قاع الفَناء المَلفوح بقيظ العذاب والتصوُّح لتقول بهتاف لا يختلف، ويأتلف مع هتاف أمهات الشهداء، نعم موصولة بعبق الكواكب وهي تستأنس بالنجوم، وتمتصُّ حليب النور والتوهُّج واللمعان، نعم هذا الحمال المحمول على أنامل الندى وأصابع الكروم وحليب اليمام والحمام، نعم، هذا الحمال المرفوع على هامات السحاب وقِمَم السرْوِ والصنوبر، وعلى أكتاف الرواسي ورائحة الليمون وبياض النرجس، نعم هذا الحمال أبي.. لم يكن يشبه شيئًا، كان استثنائيًّا، كما الاستثناء ذاته، يُوقظ الحدس، ويستفزُّ حالة الاعتقاد بإدراك الغامض، المنبثق من التفرد والاختلاف وغير المعهود، كلما اقتربت منه، تمكَّن منك الأوم واستعمرك الصدى، لكنك تشعر في نفس الآن بأنك أشبعت بالشِّبَع والارتواء، وتبقى مرهونًا رغم التناقض بالإدمان على التوزع بين العطش والارتواء، وكأن الحياة لا تستقيم بغير ذلك، كل الأشياء كانت تستجدي التشابه مع شيء منه وفيه، فهو خفيف كنسمة تنساب بين غصن وغصن، شفاف، حتى اشتاقت الشفافية للتوحد فيه، لطيفٌ يمر بين حبّات البرد دون أن تُلامسه أو يلامسها، ويخطو بين زخات المطر دون أن يُبلِّلها أو تبلله، يختطف اللمعان من البرق ليضعه في نقطة سواد تُضلِّل أو تحاول أن تُضلِّل قبسًا يتوقَّد فوق منارة تستهدي بها الجواري. من الآحاد، استقبل الحياة بهدوء مفرط بالهدوء، واستقبلت الدنيا ولادته بلمس رفيق رقيق، لم يجرح أو يشأ أن يخدش الهواء حين يمرُّ بلا انعطاف على جسده المشعِّ المضيء، بل يرفق به خوفًا وفرَقًا من أن تُصيبه دهشة مفاجئةٌ او انشداه خَجِل، هو أتى من بعيد، من قمم تكسر حواف الضباب وتشظي الغيوم، كأسطورة خارجة من غيب متخفٍّ بالتجلِّي، وتجليات ترسخ غيبها بالمجهول، كنقطة نور تصافح نقطة ظلمة، أو كخاطرة تمتدُّ من حنجرة الزمن إلى صهيل ناي في فمِ راعٍ يَعرِف كيف يُدلِّل الذئاب قبل أن يُدلِّلَ الماعزَ. عصيٌّ هو على اللغة بما فيها من تشبيهات وجناس وطباق وبلاغة، فلا اللغة قادرة على ابتكار أو توليد أو نحت مُفردات، يُمكنها أن تَرتقي أو حتى تُحاول الوصول إلى مساحة وصف تتَّسع لتعصِّيه وتعاليه عن الوصف، ولا المفردات أو التشبيهات والاستعارات قادرة على التواصل مع الجرس من أجل الخروج بصورة تتناسق وتتساوَق مع مُكوناتها لترسم صورته الواحدة التي لا تقبل قسمة على شيء، ولا تقبل زيادة على شيء، أو نقصانًا من شيء، هو في ذاته لغة تَسير بين الحروف قبل تشكُّلها وتكوُّنها، وهو مفردات تجول بين الجمل تَفحصها وتُمحِّصها، تُزيِّنها وتدقِّقها، تَمنحها جماليات الشكل والجرس والإيقاع والموسيقا، وهو جُمل تبحث في الوصف المركب والمفكَّك، كعصفور يمسح المسافات بحاسة ولادة الغيب من الغامض، لتُعطي اللحن أوتارَه المُتعانقة مع خرير نهر وسط غابة بِكر مكتظة بالصمت والوقار والهيبة، هو اكتمال ونضج واستواء الوصف في أعلى حالاته، وهو شكل الشكل النهائي لعقوبة الإيقاع المؤتلف مع حالة الانتشاء مع قمة الذروة للذة الحاضرة المحيرة. كان يَحنو على الورد، وفي نفس الوقت يَحنو على الآفة التي تفتِّت الورد، حنو خَلُوج معذبة، كان يفرز بأنامله العذبة نسيم الصباح عن نسيم الظهيرة، يوزعه على الغروب قبل ارتحاله نحو العتمة، ويُمسك بفرحة النور وأنفاس الصباح ليدمجها ويَمزجها مع حبات الظلمة التي تتكاثف وتتكوَّر وتتكاتف لاحتمال وجع السواد، فيخلصها من شعور الخوف والتحسب والتوقع، فهي تُدرِك من رائحته، ورائحة أصابعه، بأن الفجر يتلوه فجر، وأن أنفاسه، كافية لتخلق توحدًا من الرضى بين الظلمة والنور. أهذا الحمال أبوك؟ سؤال فيه رغبة جامحة للتخلص من حرج وحياء ما يستتر خلف الأنفاس المتوتِّرة اللاهثة، التي تكاد تفجر التحسُّب والتوقع من انهيارات ستتخطى الحياء والحرج، تمامًا كانهيار الجليد بفعل المياه التي تقضمه من الأسفل، بعيدًا عن الرؤيا الداعمة للإدراك. وهل يحتاج السؤال إلى جواب، ربما، للذين لا يعرفون كيف تتكون الشموس بعيدًا في الآفاق، ولمن لا يعرفون معنى أن يصبَّ النهر في المحيط المالح؛ ليستعيد ذاته من تكون الشموس، ويعود ليدفع بمحتواه العذْب في ملوحة، هو التوافق والتزاوج والترابط، بين الشيء ونقيضه، بين ما نودُّ أن نُخرجه من محتواه المركّب المعقّد، إلى محتوانا القاصر تمامًا عن العيش مع ما يبدو أنه مختلف متضاد، لكنه في الحقيقة عناصر التداخل والتشابك والتلامس الناعم كحرير شجرة التوت التي عرفت بحاسة السبر والتنقيب كيف تستطيع احتضان دودة، لولاها لما تمكن الإنسان من امتلاك الغرور والصلف. نعم؛ هذا الحمال المغسول بالشرف والكبرياء ويفاعة العزة وشباب الفخر، نعم هذا المتداخل في الشيء واللاشيء، الفاصل بين الوجود والعدم حين تنهض الذكريات من مهاجع الموت والحياة! نعم، بفم يضج بالامتلاء والفخر، نعم تمنح الشموس نورها وقوتها، نعم تمنح الأقمار ألَقَها وتوهُّجها، نعم تغطي الأكوان مرات ومرات بفخر لا يعلوه فخر، نعم هذا الحمال أبي.
    15/1/2015 ميلادي - 24/3/1436 هجري

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 12,832
    المواضيع : 182
    الردود : 12832
    المعدل اليومي : 5.19

    افتراضي

    نعم، هذا الحمال المرفوع على هامات السحاب وقِمَم السرْوِ والصنوبر، وعلى أكتاف الرواسي ورائحة الليمون وبياض النرجس، نعم هذا الحمال أبي..


    الله .. ما أجمل هذا الفخر ـ بركان هادر من الفخر الممزوج بالحب الطاغي الخالص ، والوفاء لذكراه ، والإعجاب اللا متناهي بشخصيته ,,
    تتحدث عنه بفلسفة تصل إلى حدود القوة والبلاغة والعبقرية وبمفردات هى الأكثر جمالا وقوة على الإطلاق.

    كلماتك الساحرة تأسر القلب، ومشاعرك نابضة بالصدق والجمال وحروفك نورانية تعكس شفافية روحك وحسك
    لغتك أنيقة، ومشاعرك كبيرة سكبتها في حروف تداعب وجدان القارئ.


    نعم؛ هذا الحمال المغسول بالشرف والكبرياء ويفاعة العزة وشباب الفخر، نعم هذا المتداخل في الشيء واللاشيء، الفاصل بين الوجود والعدم حين تنهض الذكريات من مهاجع الموت والحياة! نعم، بفم يضج بالامتلاء والفخر، نعم تمنح الشموس نورها وقوتها، نعم تمنح الأقمار ألَقَها وتوهُّجها، نعم تغطي الأكوان مرات ومرات بفخر لا يعلوه فخر، نعم هذا الحمال أبي.


    طاقة زهر لروح أبيك ـ ودام النبض لقلم يطربنا بوحه.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية كاملة بدارنه عضو اللجنة الإدارية
    مشرفة المشاريع
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 9,823
    المواضيع : 195
    الردود : 9823
    المعدل اليومي : 2.79

    افتراضي

    برّ وفخر ممزوجان بجمال الوصف واللّغة!
    بوركت
    تقديري وتحيّتي