أحدث المشاركات

الوطن» بقلم حلمي عدوي » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» بقايا / ق ق ج» بقلم كاملة بدارنه » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» أحجية 16» بقلم ماجد وشاحي » آخر مشاركة: محمد حمود الحميري »»»»» ٨» بقلم ابن الدين علي » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» طَلاق» بقلم آمال المصري » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» إنصهار ..! ق.ق.ج !» بقلم لبنى علي » آخر مشاركة: أسيل أحمد »»»»» سمفونية البن والبخور» بقلم محمد حمود الحميري » آخر مشاركة: محمد حمود الحميري »»»»» غريب» بقلم د. سمير العمري » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» صا روخك طار يا غزة» بقلم جمعة عبد العال » آخر مشاركة: ناديه محمد الجابي »»»»» فديت محمدًا بأبي وأمي» بقلم زيد الأنصاري » آخر مشاركة: حاتم على حاتم »»»»»

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 13

الموضوع: قراءة نقدية لقصيدة (على أعتاب ذاكرة ) للشاعر د. سمير العمري

  1. #1
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي قراءة نقدية لقصيدة (على أعتاب ذاكرة ) للشاعر د. سمير العمري

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. سمير العمري مشاهدة المشاركة
    دَنَــا مِــنَ الْــعَيْنِ قَــابَ اثْنَيْنِ ثُمَّ نَأَى
    وَدَانَ بِــالــعَوْنِ فِــي الْـحَالَيْنِ ثُــمَّ لَأَى
    وَدَعْـــتُــهُ كَــرْبَــلَائِــيَّ الْأَنِــيــنِ إِلَـــى
    غَــدٍ شَــهِــيدٍ عَــلَــى أَحْــزَانِــهِ انْــكَــفَأَ
    تَــلَــعْثَمَ الــدَّرْبُ بِــالْعُنْــوَانِ وَارْتَــبَكَتْ
    مَــلَامـِـحُ الــلَّهْفَـــةِ الْـثَّــكْلَــى بِـمَا رَزَأَ
    مَضَى وَفِــيَّ الْـمَدَى الْـمَنْفِيُّ شَاخَ وَلَـمْ
    يُــجْــدِ الْإِبَـــاءَ لِــصُلْبِ الْــعُمْرِ مُــتَّكَــأَ
    مُــسَــافِــرٌ يُـبْـحِــرُ الْــمِــينَاءُ فِــي دَمِــهِ
    وَزَوْرَقُ الْــهَــمِّ فِـــي أَضْــلَاعِــهِ رَفَـــأَ
    وَحَــــائِــرٌ نَــادَمَــتْــهُ الــبِــيــدُ غُــرْبَــتَــهُ
    فَــلَمْ يَــجِدْ غَــيْرَ رَحْــمِ الْــغَيْبِ مُــلْتَجَأَ
    لَـمَّــا وَقَــفْـتُ عَــلَـى أَعْـتَابِ ذَاكِرَتِـي
    تَــوَضَّــأَ الْـــحُــزْنُ فِـــي عَــيْــنَيَّ وَادَّرَأَ
    نَـفَضْتُ عَــنْهَا غُـبَـارَ الْوَقْتِ فَافْتَرَشَتْ
    سَــجَّادَةَ الـصَّمْتِ تَــتْلُو بِــالْجَوَى الـنَّبَـأَ
    لَــمْ أَدْرِ كَــيْفَ تَـعَرَّى وَجْــهُ دَمْعَتِهَـا
    وَكَـيْــفَ إِقْــدَامُهَا فِــي خَــوْفِهَا اخْــتَبَـأَ
    مَا رَفْرَفَ الْـهُدْهُدُ الْمَشْدُوهُ فِي خَلَدِي
    إِلَّا وَحَــذَّرَ مِــنْ خَــمْطِ الْــهَوَى سَــبَأَ
    هُــنَاكَ فِــي شُــرْفَةِ الْــقَلْبِ اسْــتَقَرَّ عَلَى
    غُصْنِ التَّوَجُّسِ يَرْوِي الرَّأْيَ مَاءَ نُؤَى
    لَــمْ يَأْتِ بِالْعَرْشِ عِفْرِيتٌ وَلَا أَثِـمَتْ
    فِــي لُـجَّةِ الشَّوْقِ يَا بِلْقِيسُ مِنْكِ رُؤَى
    تِـلْكَ الْـمَزَامِيرُ لَـمْ تُــحْشَرْ إِلَيْكِ ضـُحَى
    إِلَّا لِــتَــسْفَعَ عَــنْ مِــحْــرَابِكِ الْــخَــطَأَ
    وَمَــا امْــتِرى الــظَّنُّ فِي صَحْرَاءَ حِكْمَتِهَا
    إِلَّا وَأَسْــدَى سُــلَيْمَانُ الــنَّدَى الْــكَـلَأَ
    حَــطَمْتِ مِــنْ أَمَــلِي الْــمَهْزُومِ سُــنْبُلَةً
    وَصِـبْتِ مِـنْ أَلَـمِي الْــمَكْتُومِ مَــا نَــكَأَ
    وَغِـبْـتِ عَـنِّــي كَـأَنِّي مَـحْضُ أُحْـجِيَةٍ
    تَــنْــسَلُّ عَـــدْوًا لِــمَا قَــدْ خِــلْتِهِ رَشَــأَ
    وَإِذْ تَــأَذَّنَ شَــطْــرُ الْــبَـوْحِ فِــي لُــغَتِـي
    أَلَّا يَـــؤُودَ وَلَـــكِــنَّ الْــــوَفَــاءَ وَأَى
    مَا انْفَكَّ يَجْلِدُ سَوْطُ اللَّوْمِ صَوْتَ دَمِي
    كَــأَنَّــهُ ارْتَـــدَّ كُــفْــرًا عِــنْدَمَا اجْــتَرَأَ
    فَــهَــلْ تَـــأَبَّــطَ شُـــحْــرُورٌ مَــنِــيَّــتَــهُ
    حِــينَ اشْــتَهَى الضَّوْءَ نَايًا أَيْقَظَ الـحَدَأَ
    يَــلُــوكُ طَــعْمَ الــرَّحِيلِ الْــمُـرِّ مُــنْهَمِكًا
    فِــي دَهْــشَةِ الْـنَوحِ مِـمَّنْ بِــالنُّهَى هَـزَأَ
    لَــمْ يَـفْقَـأِ اللُّبُّ عَيْنَ الـْحُبِّ حِينَ أَرَى
    عَــيْــنَ الْــعِــنَادِ وَلَــكِــنْ عَــيْــنَـهُ فَــقَــأَ
    وَالْــمَرْءُ حِــلْمٌ وَوِجْــدَانٌ يُــضِيءُ عَــلَى
    عَتْمِ الْـمَعَانِي وَلَيْسَ الْـمَرْءُ كَيْفَ رَأَى
    لَا رَأْيَ يُــثْـمِرُ فِــي نَــيْــرُوزِ ذِي أَرِبْ
    إِنْ دَارَ حَــوْلَ سِــيَاقِ الــزَّهْـرِ وَاجْــتَزَأَ
    وَلَا رَحِــيقَ لِــنَحْلِ الْــحُبِّ فِــي جَدَلٍ
    لَـمْ يَـفْـرِشِ الصَّـدْرَ نِسْرِينًـا وَإِنْ صَبَــأَ
    مَا النَّفْسُ إِلَّا مِزَاجٌ مِـنْ سِرَاجِ هَــوًى
    فَــالــنَّارُ وَالـنُّـورُ كُـنْــهٌ خَــالَطَ الـحَمَأَ
    فِــيـهَــا الْــخَــيَالَاتُ أَحْــلَامٌ مُــؤَجَّــلَةٌ
    فَــكَــيْفَ يَــأْثَـمُ مِــنْــهَا خَــاطِــرٌ طَــرَأَ
    مَـــا زَالَ يَــنْـمُو عَــلَــى شُــبَّاكِ أُمْــنِيَتِي
    طَــيْفٌ يُــدَاعِبُ بِــالنَّجْوَى الَّذِي ذَرَأَ
    يَــمْــتَدُّ فِــي نَــشْــوَتِي ظِـــلًّا وَيُــرْهِفُنِي
    طَـــلَّا وَيُــؤْثِــرُنِي فِـــي رحْــبِــهِ حَــبَأَ
    فَـفِـيمَ يَــحْــمِلُنِي الـمَعْنَـى إِلَــيْكِ هُــدَى
    وَيَــجْــتَبِيكِ عَــلَــى مَــنْ أُزْلِــفُـوا مَــلَأَ
    وَفِـيـمَ مَــاؤُكِ مَـهْمَا شَـحَّ مِـنْكِ رَوَى
    وَمَـــاءُ غَــيْــرِكِ رَغْـــدًا عُــفْــتُـهُ ظَــمَأَ
    وَإِنَّ فِــي لَــوْعَةِ الْــحِرْمَانِ مِــنْكِ أَسًــى
    لَــوْ صـبَّ فِــي مُــلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ لَامْتَلَآ
    يُـلِــحُّ بِــالــرَّيْبِ لَــهْــفًا كُــلَّــمَا أَمِــنَتْ
    وَيُــشْعِلُ الْــقَلْبَ عَــطْفًا كُــلَّمَا انْــطَفَأَ
    مَـهْـمَا جَـفَوْتِ فَـمَا إِلَّاكِ فِــي فَـلَكِـي
    يُــثِـيــرُ دِفْءَ فَــوَادِي كُـلَّـمَـا هَـــدَأَ
    بِــهِ كَــتَبْتُ الْــهَـوَى الْــعُذْرِيَّ فَــلْسَفَــةً
    فَــكَيْفَ يَــقْسُو عَــلَى الأَسْفَارِ مَنْ قَـرَأَ
    أَفْـدِيــكِ قَــلْبِي الَّــذِي ضَــحَّى بِــبَسْمَتِهِ
    كَــيْ يَــخْتِمَ الْــعَهْدَ نُــبْلًا مِــثْلَمَا ابْــتَـدَأَ

    على أعتاب ذاكرة
    يحدد الشاعر بعنوان القصيدة سياقها العام . ويعلمنا بأن ما سيأتي به الشعر من أخبار، إنما هو محض ذاكرة . فالشاعر واقف على أعتاب ذاكرته ينوي الدخول إليها . وقد نستنتج أنها ليست بالذاكرة البعيدة النائية ، بدليل وقوفه على أعتابها لقربها. فالوقوف على الأعتاب يدني تصور البناء، حتى لو كان البناء محض ذاكرة .
    لكن لأن القارئ سيفكر بأن لكل بناء أعتابه ،والذاكرة البعيدة أيضا لن تتجرد عن أعتابها . نستطيع القول إن الشاعر قد وكَّل للعنوان مهمة تمويه زمن الحدث الشعري . وأن ليس المطلوب من لفظة " أعتاب " تحديد بُعد الذاكرة عن الشاعر, وإنما التأكيد على أن الشاعر متأهب للدخول فيها .

    دَنَــا مِــنَ الْــعَيْنِ قَــابَ اثْنَيْنِ ثُمَّ نَأَى=وَدَانَ بِــالــعَوْنِ فِــي الْـحَالَيْنِ ثُــمَّ لَأَى

    دَنَــا مِــنَ الْــعَيْنِ قَــابَ اثْنَيْنِ ثُمَّ نَأَى

    الداني من العين مرئي، ومعتنى به .
    ففي إطار الرؤية والعناية معا : ينبغي لفهم معنى (الدنو من العين) عكس الوضع.
    أي أن عين الناظر هي التي تتابع وتلاحظ وتركَز على المرئي المنظور حال وجوده في مجال رؤيتها، فبذلك فقط يتمكن من الدنو منها .
    ولو أشاحت عنه وهو في المجال المنظور نفسه لما رأته لإشاحتها عنه، ولما أمكنه الدنو منها.
    وهنا دنا الداني من العين " قاب اثنين" :
    القاب : هو المقدار .
    وأما "الاثنين " فهما الإشارتان العامتان إلى شدة القرب . ولا يبعد عن ذهن القارئ أن الشاعر قد استنبطهما من "القوسين" في الآية الكريمة من سورة النجم
    فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) .
    لكن ماذا فعل الداني من العين بعد كل هذا القرب؟
    الجواب : " نأى " وابتعد .
    ونحن الآن بين حالين هما القرب الشديد والابتعاد.
    وَدَانَ بِــالــعَوْنِ فِــي الْـحَالَيْنِ ثُــمَّ لَأَى
    وفي كلا الحالين كان المقترب والمبتعد مدينا بالعون لصاحبه .
    فكيف دان بالعون في الحالين ؟
    "دان" التي جاء بها الشاعر كجناس ناقص مع " دنا" لها احتمالان في الدلالة المعنوية هنا :
    الأول دان : أي أصبح
    مَدينا، وعليه تسديد دَيْنه .
    فما دَينُه؟َ
    دَينُه "العون" أو المساعدة .
    وكيف يسدد دينه ؟
    يسدد دينه بتقديم العون للمحبوب في الحالين (قربه الشديد منه وابتعاده عنه).
    فالمحبوب لا يستطيع تحمل القرب دون مساعدة، ولا يستطيع تحمل البعد دون مساعدة.
    ولكن المشكلة أن المدين قد " لأى" ، أي أنه احتبس وتباطأ عن تسديد ديونه .
    وهكذا يصبح حال المحبوب معلقا في الحالين ، ويبقى غير قادر لا على القرب ولا على البعد.
    لقد أدهشني جمال المعنى الضارب في العمق في البيت .

    لكن أدهشتني أكثر صياغة هذا المعنى بقليل كلام ، لا يكاد يفصح عن مخبوئه المعنوي إلا بفك شيفرة لفظة الفعل " لأى " في علاقته مع الفعل " دان" والتي احتكرها عجز البيت
    وَدَانَ بِــالــعَوْنِ فِــي الْـحَالَيْنِ ثُــمَّ لَأَى مع تعلقه واتصاله بمضمون الصدر،عبر الرابطة في تعليق الجار والمجرور( في الحالين ).

    والاحتمال الثاني أن معنى "دان" (
    اعترف) بالعون .
    أي أن المحبوب (الشاعر)هو من أعان الداني على دنوه ، وعلى ابتعاده ( في الحالين ) ، ومع هذا المعنى يبقى معنى الفعل " لأى" مناسباَ من حيث التباطؤ والاحتباس عن إكمال واجب الاعتراف بتلقي العون بعدم التنكر له ، وليس الابتعاد عن المحبوب إلا جحودا وتنكرا لما سبق واعترف به المدين .
    فهل جزاء الإحسان " العون" إلا الإحسان ؟
    وقد يكون الشاعر قصد أحد المعنيين ، أو قصدهما معا . فقد تعودنا تعدد مذاهب المعاني في اختياره لألفاظه، وهي إحدى سمات أسلوبه الخاص.

    هذا ولا يفوتني التنبيه إلى جماليات الطباق المعنوي بين
    دنا ونأى ، ودان ولأى
    وما ترتب عليهما من مقابلة معنوية بديعة، شحنت عاطفة البيت بتوتر التناقضات العاطفية ، ومنحته بطاقة حسن الاستهلال، ليكون أول عتبة إلى ذاكرة جميلة تسكن القصيدة.

    يتبع بإذن الله


  2. #2
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي




    وَدَعْـــتُــهُ كَــرْبَــلَائِــيَّ الْأَنِــيــنِ إِلَـــى=غَــدٍ شَــهِــيدٍ عَــلَــى أَحْــزَانِــهِ انْــكَــفَأَ

    أقرأ " وَدَعْـــتُــهُ "بتشديد الدال ، لتكون " كربلائيَّ " حالا منصوبة من الفاعل ، مع إضافتها إلى " الأنينِ" .
    فالشاعر يئن أنينا كربلائيا وهو يودِّع المحبوب الذي رأيناه قد نأى ولأى في مطلع القصيدة .
    وتذهب الدلالة المعنوية بالأنين الكربلائي إلى الحدث المروّع الذي استشهد فيه الإمام الحسين بن علي- رضي الله عنهما- فخلّف حسرة أوأنينا استغرق ما تلاه من الزمن.
    ولهذا كان من المناسب أن يمدّ الشاعر زمن أنينه الشبيه بالأنين الكربلائي إلى غد شهيد انكفأ على أحزانه انشغل بها عن كل ما عداها.
    وبناء على هذا الانكفاء الذي أودى بالغد وأفقده فاعليته فقط يمكننا قبول وصفه بأنه " شهيد" .

    وَدَعْـــتُــهُ كَــرْبَــلَائِــيَّ الْأَنِــيــنِ إِلَـــى=غَــدٍ شَــهِــيدٍ عَــلَــى أَحْــزَانِــهِ انْــكَــفَأَ

    على أن المبالغة في الإسقاط على الحدث التاريخي وارتداداته ، تضع الشاعر في خانة مطالبته بإثبات استحقاق المبالغة، وإقناع القارئ بها، فيما يأتي من أبيات.
    يقول الشاعر:
    تَــلَــعْثَمَ الــدَّرْبُ بِــالْعُنْــوَانِ وَارْتَــبَكَتْ= مَــلَامـحُ الــلَّهْفَـــةِ الْـثَّــكْلَــى بِـمَا رَزَأَ
    كان درب الشاعر قد سار إلى المحبوب مسترشدا بما يقرؤه من مفردات عنوانه، لكنه – وربما فجأة - تلعثم بقراءة العنوان، وارتبكت ملامح لهفته للوصول إليه، حتى وصفها الشاعر بالثكل.
    والثكل من خصائص أوصاف الأمهات حينما يفقدن أولادهن ! وقد كان ذلك بتأثير ما "رزأ" أو (أصاب) المحبوب بخبر ابتعاده .

    مَضَى وَفِــيَّ الْـمَدَى الْـمَنْفِيُّ شَاخَ وَلَـمْ= يُــجْــدِ الْإِبَـــاءَ لِــصُلْبِ الْــعُمْرِ مُــتَّكَــأَ

    في الأصل كان المدى منفيّا في الشاعر.
    فإذا كان المدى رمزا للتطلع أو للانفتاح على المُقبِل، فإن حضوره في نفس الشاعر منفيا يعكس من الاغتراب النفسي ذلك الجزء المتعلق بفقدان الثقة بالمستقبل .
    وإذا شاخ المدى المنفي مع التقدم في العمر، واحتاج متكأ يسند إليه صُلْبه ، ولم يكن ذاك المتكأ إلا الإباء الذي يحفظ عزة النفس وكرامتها ، فإنه يخشى أن لن يجد متكأه الذي يريد بعدما مضى المحبوب وابتعد.
    مَضَى وَفِــيَّ الْـمَدَى الْـمَنْفِيُّ شَاخَ وَلَـمْ=يُــجْــدِ الْإِبَـــاءَ لِــصُلْبِ الْــعُمْرِ مُــتَّكَــأَ
    إن الصورة الشعرية التي رسمت هذا الارتجاف المعنوي ، وجسدت هذا المعنى العميق الذي يتخلى فيها الإنسان عن مكابرته وجبروته لحظة إعلانه عن خوفه من استناده إلى الفراغ العاطفي ، تمثل في رأيي شعراً إنسانيا وجدانيا خالدا، لأنه يتجاوز ظروف قوله ليعبر عن ضعف البشر في كل الأزمنة.

    مُــسَــافِــرٌ يُـبْـحِــرُ الْــمِــينَاءُ فِــي دَمِــهِ=وَزَوْرَقُ الْــهَــمِّ فِـــي أَضْــلَاعِــهِ رَفَـــأَ
    ذاك المسافر يحمل معه مشروع سفره الدائم "الميناء" أينما حل وارتحل . فالميناء الذي يبحر في دمه يرافقه ويلازمه.
    وإذا كان يتعذر عليه أن يتوقف عن إبحاره يوما في مرفأ ما، فإن زورق الهم قد رفأ في أضلاعه وسكن فيها.
    لقد وزّع الشاعر الأدوار في البيت توزيعا سرياليا مدهشا ، فأعطى للميناء دور الإبحار في دم المسافر.
    وبدلا من أن يسمح للمسافر المبحر باللجوء إلى مرفأ يحتاجه، قاد إليه زورق الهم لتكون أضلاعه مرفأ له.
    وهذا هو الشعر الذي ينصت له الشعور فيضطرب اللاشعور ويقلق.

    وَحَــــائِــرٌ نَــادَمَــتْــهُ الــبِــيــدُ غُــرْبَــتَــهُ= فَــلَمْ يَــجِدْ غَــيْرَ رَحْــمِ الْــغَيْبِ مُــلْتَجَأَ

    ينادم الجليس جليسه ويسامره، لكن الأراضي البيد القاحلة الآن هي الجليس المحيط بالمسافر الحائر، وقد نادمته غربته نفسها، ولم تأت بجديد يسليه عنها، ولعلها زادته غربة على غربته .فلم يجد غير رحم الغيب ملتجأ : وهو انسحابه من عالم الخلق المشهود إلى عالم الغيب أو السر الذي تسلم فيه الأمور كلها لخالقها.

    يتبع بإذن الله

  3. #3
    الصورة الرمزية محمد حمود الحميري مشرف قسم الشعر
    شاعر

    تاريخ التسجيل : Jan 2013
    الدولة : In the Hearts
    المشاركات : 7,613
    المواضيع : 146
    الردود : 7613
    المعدل اليومي : 3.02

    افتراضي

    إبداع + نقد = صورة جمالية مكتملة

    الأخت الفاضلة الأديبة والشاعرة والناقدة ــ
    ثناء صالح
    سلام الله عليك وعلى قلمك الملم بالأدب وأدواته ،

    راق لي كثيرا رصدك النقدي ، وتسليطك الضوء على قصيدة من الصعب الجميل الماتع حد توصيفك ،
    لا أخفيك أنني أكثر من معجب بفلسفتك النقدية قدر إعجابي بفلسفة العمري الأدبية .

    متابع وبشغف .
    تقديري لرهافة حسك ، ولحصافة نقدك .نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نَحْنُ اليَمَانُونَ ،مَنْ يَجْرُؤْ يُسَاوِمُنَا*****على الأصَـالَةِ نَسْتَأصِلْهُ كَالـوَرَم

  4. #4
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد حمود الحميري مشاهدة المشاركة
    إبداع + نقد = صورة جمالية مكتملة

    الأخت الفاضلة الأديبة والشاعرة والناقدة ــ
    ثناء صالح
    سلام الله عليك وعلى قلمك الملم بالأدب وأدواته ،

    راق لي كثيرا رصدك النقدي ، وتسليطك الضوء على قصيدة من الصعب الجميل الماتع حد توصيفك ،
    لا أخفيك أنني أكثر من معجب بفلسفتك النقدية قدر إعجابي بفلسفة العمري الأدبية .

    متابع وبشغف .
    تقديري لرهافة حسك ، ولحصافة نقدك .نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    الأستاذ الشاعر الكريم محمد حمود الحميري
    كل الشكر والتقدير لمروركم الجميل .
    وتقييمكم الثمين مصدر لاعتزازي .
    شرف لي حضوركم
    ومدعاة لسروري ومتابعتي متابعتكم

    وكل الاحترام
    وأجمل تحية

  5. #5
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي


    لَـمَّــا وَقَــفْـتُ عَــلَـى أَعْـتَابِ ذَاكِرَتِـي=تَــوَضَّــأَ الْـــحُــزْنُ فِـــي عَــيْــنَيَّ وَادَّرَأَ

    لَـمَّــا وَقَــفْـتُ عَــلَـى أَعْـتَابِ ذَاكِرَتِـي توضأ الحزن في عيني .
    لماذا يتوضأ الحزن في عينيه إذا وقف الشاعر على أعتاب ذاكرته ؟ ولماذا يدَّرئ بعد وضوئه؟
    الفعل ادّرأ يعني فيما يعنيه اتخاذ الستر أو الدريئة للاختباء .
    ويبدو أن الشاعر الواقف على أعتاب ذاكرته يشكِّل تهديدا بطريقة ما للحزن ، ولعل الدخول إلى الذاكرة ينبش الحزن أو يثيره أو على الأقل يكشف عن مكمنه . وعند ذلك يتوضأ الحزن بعد مباغتته ليحافظ على طهره أو بعدما خاف انكشاف ستره ، ثم يدّرئ ويتستر ويختبئ من جديد .

    نَـفَضْتُ عَــنْهَا غُـبَـارَ الْوَقْتِ فَافْتَرَشَتْ = سَــجَّادَةَ الـصَّمْتِ تَــتْلُو بِــالْجَوَى الـنَّبَـأَ
    غير أن الشاعر يصر على المضي في مباغتة ذاكرته فينفض عنها غبار الوقت ، وهنا يمكننا أن نستنتج أنها ذاكرة بعيدة، من اختيار لفظي " غبار الوقت" فالغبار لا يتشكل سريعا بل يحتاج إلى زمن طويل وكاف لتراكمه، وعندما ينفض الشاعر عن ذاكرته غبار الوقت فليس ثمة سوى احتمال وحيد هو الذاكرة البعيدة التي يثيرها الشاعر ليستدرجها إلى البوح بمكنوناتها ، غير أنها تأبى عليه وتمتنع عن البوح مستعرضة مظاهر صمتها التي بافتراشها سجادة قد تستخدم للصلاة وقد تستخدم لستر ما تحتها . وتتلو الذاكرة بالجوى – وهو شدة العشق وما يورثه من الحزن_ النبأ ( رحيل المحبوب) في الوقت نفسه ، فهو نبأ وحيد يغنيها عن مزيد من الكلام .

    لَــمْ أَدْرِ كَــيْفَ تَـعَرَّى وَجْــهُ دَمْعَتِهَـا=وَكَـيْــفَ إِقْــدَامُهَا فِــي خَــوْفِهَا اخْــتَبَـأَ
    وعلى الرغم من محاولات تلك الذاكرة ستر نفسها عن الشاعر فقد تعرّى وجهها الباكي (وجه دمعتها ) تعريا مفاجئا للشاعر ، حتى أنه هو نفسه لم يستطع تفسيره مدللا على ذلك بعدم درايته عن الكيفية ( لم أدر كيف....وكيف ) وكل الذي يدركه الشاعر أنه قد شهد الصراع بين الإقدام والخوف . و مع هذا الإغماض المتعمد لم يعرِّف الشاعر قارئه على ما يتبع الإقدام والخوف من الإضافة . والتي كانت ستجيب عن السؤالين : إقدام على ماذا ؟ والخوف مم؟ وكل الذي عرفناه أن الإقدام قد اختبأ في الخوف .
    فكان الشاعر مصرا على تجنب التعيين أو التحديد كي تأخذ المعاني صفة الإطلاق ، ويبقى الإقدام إقداما مطلقا ، والخوف خوفا مطلقا. ويبقى اختباء أحدهما بالآخر سرا من أسرار النفس البشرية لا يدركه إلا صاحبه.

    مَا رَفْرَفَ الْـهُدْهُدُ الْمَشْدُوهُ فِي خَلَدِي=إِلَّا وَحَــذَّرَ مِــنْ خَــمْطِ الْــهَوَى سَــبَأَ
    الخَمْطُ : كُلّ شجرة لها شوك وثمرتُها مُرَّة ، كلُّ نَبْت أخذ طعما من مرارة حتّى لا يمكن أكْلُه ( والخمط أيضا شجر الأراك وتعد أوراقه غذاء للماشية لا للبشر ). والهدهد المشدوه كان مشدوها (مندهشا حائرا) بما رآه من أمر بلقيس في مملكتها سبأ والذي يلخصه عصيان أهل سبأ لها واستعصاؤهم على أوامرها واقتتالهم على ماء واديهم حتى أبدلهم الله بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط عقابا لهم ، والاقتباس واضح من قوله تعالى:
    فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)سبأ)
    غير أن الخمط الذي حذر منه الهدهد في القصيدة هو خمط الهوى . والعقوبة فيه تخص الهوى ولا شيء آخر عداه ، ولهذا فقد بدا واضحا أن الهدهد كان حكيما وكان قادرا على رؤية مستقبل الهوى وما سيحل به من خمط قياسا لمفردات لآية الكريمة .

    هُــنَاكَ فِــي شُــرْفَةِ الْــقَلْبِ اسْــتَقَرَّ عَلَى=غُصْنِ التَّوَجُّسِ يَرْوِي الرَّأْيَ مَاءَ نُؤَى
    هناك في شرفة القلب عند الشاعر وقف الهدهد القادم من سبأ على غصن التوجّس أو التخوّف يروي أو يسقي الرأي رأي الشاعر أو رأيه من ماء نؤى ,
    والنؤى : جمع النؤي وهو مجرًى يحفر حول الخيمة أو الخِباء يَقيها السَّيْلَ ,
    وإن كان الشاعر قد قصد من "ماء النؤى" خصيصة الوقاية أو التحذير كما يتفق مع لفظة التوجس ،فإنني قد وجدت في الصورة الشعرية غموضا يفرضه الفعل " يروي" وفق معناه من (يسقي) ، إذ كيف يسقي الهدهد الغصن ؟
    ويبقى احتمال آخر للفعل " يروي" وفق معناه من (يحكي ) الذي قد يفيد بأن الهدهد يحكي رأيه الذي يحذر فيه من خمط الهوى سبأ على سبيل الوقاية . وهي الوقاية التي يوفرها ماء النوى للخيمة أو للمكان الذي يتوقع فيه خمط الهوى (سبأ).

    لَــمْ يَأْتِ بِالْعَرْشِ عِفْرِيتٌ وَلَا أَثِـمَتْ=فِــي لُـجَّةِ الشَّوْقِ يَا بِلْقِيسُ مِنْكِ رُؤَى
    ويستمر الشاعر في استخدام عناصر الإسقاط على سيرة سبأ وملكتها بلقيس ، وبينما كانت بلقيس محقة في اشتباهها بعرشها بعد أن أحضره العفريت لسليمان عليه السلام ، فإن بلقيس التي يخاطبها تبدو غير محقة في اشتباهها بأن الشاعر قد أحضر عرشها لعنده بفعل الجن أو العفاريت , إذن فلتهنأ بالا ولتقتنع أن محبة الشاعر لها إنما كانت أمرا تلقائيا طبيعيا لا دخل للجن أو للسحر فيه . لذا فإنها إذا ما شاقها المحبوب فلا ضير عليها أن تشتاقه ، ولا إثم عليها في أن تتطلع للقائه وهذا يلخصه قول الشاعر ببراعة"وَلَا أَثِـمَتْ=فِــي لُـجَّةِ الشَّوْقِ يَا بِلْقِيسُ مِنْكِ رُؤَى".

    تِـلْكَ الْـمَزَامِيرُ لَـمْ تُــحْشَرْ إِلَيْكِ ضـُحَى=إِلَّا لِــتَــسْفَعَ عَــنْ مِــحْــرَابِكِ الْــخَــطَأَ
    المزامير: جمع مزمور وهو كتابٌ جمعت فيه مزامير داود وسليمان ويسمى الزبور . وفهم حشر المزامير( لعلها التعاليم في قصائد الشاعر) في قصيدة الشاعر د. سمير العمري هذه ، يتأتى مما حشر لسليمان عليه السلام في الآية الكريمة وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (النمل 17)ومن وقت الحشر في سورة طه في قوله تعالى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) والرابط بين الحشرين هو الأعمال الخارقة التي سيشهدها الناس الذين سيحشرون ضحى على أيدي السحرة ، والأعمال الخارقة التي يقوم بها جنود سليمان من الجن . غير أننا لن نجد رابطا واضحا بين المزامير و"سفع الخطأ "عن محراب بلقيس ، بعد أن نعلم أن سفع الخطأ هنا هو إبعاده بقوة , ويصبح مراد الشاعر من معنى البيت أوضح فيما لو تجنبنا الاقتباس من الآيتين الكريمتين . على أن الذهن سيسبق القارئ للمقارنة مع الاقتباسين منهما بسبب استمرار الشاعر في الإسقاط على قصة سليمان مع سبأ . هذا الإصرار الذي يؤكده البيت التالي
    وَمَــا امْــتِرى الــظَّنُّ فِي صَحْرَاءَ حِكْمَتِهَا=إِلَّا وَأَسْــدَى سُــلَيْمَانُ الــنَّدَى الْــكَـلَأَ

    ومعناه أن حالة الشك التي يُمترى فيها موضوع الشك عند بلقيس إنما تتوقف على حالة صحراء الحكمة عندها . فحكمتها هنا أشبه بالصحراء القاحلة التي أورثتها عقم الرأي في الفعل المبني للمجهول ونائب فاعله " امتري الظن " . هذه الحكمة القاحلة سيسعفها سليمان (الشاعر) بما لديه من الندى أو الخصب الذي يورث الكلأ في حكمته عبر ما يسديه إليها من نصائح ، كما يقتضي معنى الفعل " أسدى " الذي أسنده الشاعر للفاعل سليمان .

    يتبع بإذن الله



  6. #6
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي


    حَطَمْتِ مِنْ أَمَلِي الْمَهْزُومِ سُنْبُلَةً = وَصِبْتِ مِنْ أَلَمِي الْمَكْتُومِ مَا نَكَأَ
    حَطَمْتِ مِنْ أَمَلِي الْمَهْزُومِ سُنْبُلَةً
    يقول الشاعر مخاطبا الحبيبة التي ابتعدت : كسرتِ برحيلك إحدى سنابل الأمل وهو أمل مهزوم فيَّ ، وأرى أن الشاعر قد قلّل كثيرا، وعن غير قصد، في هذا البيت، من المبالغة، التي كنا نتوقع استمراره فيها، لخدمة الصورة التي رسمها بأنينه الكربلائي الممتد في الزمن ،وقد وقع الشاعر في غلطين فنيين أدّيا إلى التقليل من المبالغة في وقت حاجته الماسة إليها :
    الغلط الأول: استخدم لفظة المفرد المؤنث ذات المدلول العددي (سنبلة ) ،يعني هي سنبلة واحدة، والحبيبة لم تحطم برحيلها سوى سنبلة واحدة فقط ، ولا ريب أن ما تبقى للشاعر من السنابل بعدها يخفف من ألم تحطيم هذه السنبلة.
    ولا يمكن تجريد اللفظ المؤنث المفرد عن مدلوله العددي إلا في حالة كونه ( اسم جنس )، ولعل الشاعر قد أراد فعلا استخدام لفظة (سنبلة ) كاسم جنس ،ولكنها في الواقع ليست اسم جنس .
    وكان عنده كي يخرج فنيا من مشكلة المدلول العددي للفظ المفرد المؤنث حلاّن : أن يستخدم اسم الجمع لسنبلة (سُنبُل ) فيقول مثلا : حَطَمْتِ مِنْ أَمَلِي الْمَهْزُومِ (سُنْبُلَهُ)
    فهكذا يكون تحطيم الحبيبة للأمل شاملا جميع سنابله وليس مجرد سنبلة واحدة، وهو ما لا نتمناه بالطبع للشاعر في الواقع ، ولكنه الشعر ومتطلباته الفنية . أو أن يستخدم اسم جنس آخر يؤدي لفظُه المعنى مع متطلبات وزن التفعيلة .
    الغلط الثاني : استخدام الشاعر حرف الجر
    ( من ) الذي يفيد الجَزْء والتجزيء قبل الاسم الذي ارتكز عليه المعنى: فقوله " حطمتِ من أملي المهزوم " يعني أن الحبيبة إنما حطمت جزءا من أمله المهزوم ولم تحطم أمله كاملا ، وقوله " وصبت من ألمي المكتوم " يعني أنها أصابت جزءا من ألمه المكتوم وهو الجزء الذي نكأ هذا الجرح . ولا ريب أن هذا التعبير عن التأثر الجزئي لا يتناسب مع سبق من المعاني شديدة المبالغة في الأبيات السابقة.
    وَصِبْتِ مِنْ أَلَمِي الْمَكْتُومِ مَا نَكَأَ
    الألم المكتوم جرح مندمل ولا ريب ، وقد أصابت الحبيبة برحيلها هذا الجرح المندمل فنكأته . ويشفع للحبيبة هنا أنها ليست هي من تسبب أصلا في الجرح الذي نكأته ، فهو جرح قديم ويعود إلى ما قبل رحيلها ، وذلك لأنه كان قد وصل إلى مرحلة الكتمان حينما أصابته ونكأته ، ولا ريب أنه قد مر قبل الكتمان بمرحلة الإعلان ما يعني أنه قديم .

    وَغِبْتِ عَنِّي كَأَنِّي مَحْضُ أُحْجِيَةٍ = تَنْسَلُّ عَدْوًا لِمَا قَدْ خِلْتِهِ رَشَأَ

    الأحجية هي اللغز .
    واللغز يحتاج إلى حل .
    وأرى في معنى البيت انقطاعا معنويا سبّبه عدم توظيف الشاعر للفظة " أحجية" توظيفا يناسب معناها .
    فالحبيبة غابت عن الشاعر كأنه محض لغز ينسل عدوا أو ركضا لما قد خالته الحبيبة رشأ .
    والرَّشَأُ : ولد الظَّبية إِذا قويَ وتحرك ومشى مع أُمِّه ، ويستخدم الشعراء هذا اللفظ اليوم بمعنى "الظبي "عموما .
    فإذا تأملنا في معنى البيت نجد انقطاعا معنويا عند لفظة ( أحجية). لأن الأحجية لغز ، وكان على الحبيبة أن تغيب عن الشاعر وكأنه محض لغز غير قابل للحل ، أومحض لغز ذي حلّ معلّق مؤجّل مثلا ، إلى آخره من المعاني التي تستوجبها علاقة التلازم بين الأحجية و( الحل) المفقود أو الموجود.
    أما أن يكل الشاعر (للأحجية) وظيفة الانسلال والعدو، فذلك خارج عن خصائص اللفظة، في دلالتها المعنوية .
    والمسمى الذي ينسل ويعدو إلى رشأ ما، يناسبه أن يسمى بتسمية أخرى تناسب الدلالات المعنوية لفعلي " الانسلال والعدو" غير " الأحجية".

  7. #7
  8. #8
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد حمود الحميري مشاهدة المشاركة
    الله الله الله
    كم أنت رائعة ومبدعة ومتألقة ..
    استفدت كثيرًا ، وتعلمت درسًا ثمينًا
    متابع ، وبانتظار نقدك لبقية النص .
    تقديري وشكري الكبيرين .
    الشكر والتقدير لحضوركم
    أهلا بالأستاذ الشاعر محمد حمود الحميري
    مع التحية

  9. #9
    ناقدة وشاعرة
    هيئة تحرير المجلة

    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,219
    المواضيع : 61
    الردود : 1219
    المعدل اليومي : 0.52

    افتراضي


    وَإِذْ تَأَذَّنَ شَطْرُ الْبَوْحِ فِي لُغَتِي = أَلَّا يَؤُودَ وَلَكِنَّ الْوَفَاءَ وَأَى
    الفعل (تأذن) يتأذن فهو متأذِّن . أي: أقسم. أو أعلم غيره بصورة مؤكدة .
    وهنا يتأذن شطر البوح في لغة الشاعر ألا يؤود ، أي أن الشاعر قد أقسم في بعض قوله ، أو أكّد في جزء من كلامه على أنه لن يرجع إلى الحبيبة التي ابتعدت وغادرت. وقد جاء في معجم لسان العرب في معنى يؤود" آد النهارُ يَؤود أَوْداً إِذا رجع في العشيّ " .
    ولكن الشاعر يبين لنا سبب عدم تنفيذه لما أكّد عليه بقوله : "ولكن الوفاء وأى " أي لأن الوفاء كان قد سبق بالوعد بعدم الابتعاد ،فكان الشاعر أمضى في تنفيذه وعد الوفاء بعدم الابتعاد، منه في تنفيذه وعده هو .
    ويتبين لنا هذا المعنى العميق وهذا العذر الدقيق مما جاء في مادة (وأى) في لسان العرب .
    وفي حديث عمر ، رضي الله عنه : من وأَى لامْرِئٍ بوَأْيٍ فَلْيَفِ به ، وأَصْل الوأْي الوَعْدُ الذي يُوَثِّقُه الرجل على نفسه ويَعْزِم على الوفاء به .
    إذن فالشاعر قد عاش صراعا، بين رغبته في تنفيذه الابتعاد الذي ألزم به نفسه ، وبين ما ألزمه به الوفاء من الوعد بعدم الابتعاد . وكانت النهاية بأن حسم الشاعر الصراع لصالح وعد الوفاء لا وعد نفسه.
    والحقيقة إنني وجدت في تركيب هذا البيت لغويا ومعنويا ما يحيِّر العقل ويمتعه من نتائج تداخل البساطة في التعقيد .
    إذ أن الفهم البسيط للبيت يلخص المعنى بأن الشاعر كان سيبتعد عن الحبيبة لولا أنه سبق ووعدها بالوفاء، لذا فهو لم يبتعد .
    أما الفهم الأعمق فيؤدي إلى فكرة مفادها أن الشاعر يلزم نفسه مع الحبيبة بسلوك( القيمة أو المثال) لا بالسلوك المتوقع منه كبشر . لذا يبدو تمثُّله لردِّ اعتباره الشخصي، كردِّ فعل بشري طبيعي يناسب معاقبة الحبيبة على ابتعادها، أقل أهمية عنده من تمثِّله لمستلزمات قيمة الوفاء المثالية.

    وسواء أقرأنا البيت بمعناه البسيط أو بمعناه العميق، فإن التراكيب اللغوية في البيت تتجاوب مع قراءتنا وتصل بنا إلى قرار المعنى بصفائه المطلوب. وهذا من بعض الخصائص المميزة العبقرية في أسلوب الشاعر د. سمير العمري.

  10. #10
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة