أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: 34...34...

  1. #1
    الصورة الرمزية خالد بناني شاعر
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    المشاركات : 527
    المواضيع : 73
    الردود : 527
    المعدل اليومي : 0.14

    افتراضي 34...34...





    34...34



    على مرمى ساعات من عيد ميلادي الرابع والثلاثين، على خط استواء فاصل بين الأشياء وعكسها، أحدق في المرآة التي لم أتعود الوقوف عندها: أجل.. هذا الأسمر الترابي الناظر إلي.. هذا أنا...
    في مارس الرابع والثلاثين أعترف مرة أخرى: نجحت في امتلاك "المهم"، أنا الذي لطالما أخطأتني السبل نحو "الأهم". نجحت أن أكون أنا انا، أن أعيش اختلافي، وأومن بي، وأحقق الكثير مما رغبت فيه، وأحترم أخطائي، وأتقبل الندم...
    في مارس الرابع والثلاثين ألتفت نحو الوراء، نحو عمري الهارب، بعينين دافئتين حزينتين، أرى –من حيث أقف الآن- خطواتي التي اقترفتها عن سبق إصرار وترصد، الحفر التي وقعت فيها سهوا، الأحجار التي تعثرت بها مرارا، المسالك الفرعية التي ضللتني عن الاتجاه الوحيد الصائب، فكلفتني الكثير من الوقت والجهد لأعبر طرقا أطول.. أرى الذين استندت عليهم خلال الطريق، من توسدت سواعدهم في سقطاتي، من أفلتتني أياديهم عنوة حتى لا يتسخوا بي، والذين اكتفوا بالوقوف عن بعد وعيونهم تشع فرحا كل مرة، متوقعين أنها "النهاية"...
    في مارس الرابع والثلاثين أقول لي: ما زلت الرجل الذي يفعل ما يريد، متى يريد، كما يريد، ما زلت ذلك الطفل الكبير، والرجل الصغير، والسائر عكس اتجاه الناس.. ما زلت ألعب الأدوار كلها بذات الإتقان، بتقمص مخيف، بقسوة وحنان، وجد وهزل، وفرح وحزن، وبصدق لطالما دفعت ثمنه غاليا.. وأغلى...
    في مارس الرابع والثلاثين أكاد لا أخجل من أي شيء ولا أخجل مني، لي أخطائي وهفواتي وزلاتي وهزائمي السرية.. لي ليل الأرق ودمع الخلوة والرغبة الدائمة في الانعزال والعزوف المبكر عن الحياة... انهزمت قدر ما انتصرت، أو أكثر... معظم جراحاتي رتقتها بالصبر، أقلها حاولت تضميده بالبوح فالتهب، وتفشى فيه وباء "العَتَب" كالغرغرينا، ليكلفني –كل مرة- بتر جزء مني، ومواصلة العيش بروح ناقصة... أجل.. بي عيوب ككل الناس، وخدوش ككل الناس، وندوب ككل الناس، لكنني لست كالناس أبدا.. ولن أكون...
    في مارس الرابع والثلاثين أجهل كم مارس تبقى أمامي، وأحصي خسارات شهور مارس التي خلفتها ورائي، وأخفق في النسيان. تباغتني الذكريات القوية، يراودني شارع المدارس دون إسمنت ولا مصابيح إنارة كافية ولا محلات كالتي ما عدت أعرف عددها، أراني ألعب البلي أمام بيتنا، بيد مشقق ظهرها متيبس فيها دمي، أمشي حافيا في برك المطر وأنا أحمل حذائي في يدي، أسأل عن الحمَام الذي يحط على بعض الأسطح تحديدا دون الأخرى، ثم أبصرني آتيا من الثانوية بثلاث روايات في يمناي، وفي اليسرى دفتر واحد يجمع المواد كلها، مهتما للأدب متأففا من سخافة المقررات الدراسية.. ثم ها قد صرت رجلا بأثقال، بوقت محجوز كله للـ"أولويات"، حتى وجدتني خارج القائمة، لا رئيسيا ولا ثانويا ولا حتى ملحقا، عند العتبة الدائمة للتوتر، سارقا من الحياة ما يوهب للآخرين بيسر، يسر مبالغ فيه، لا لشيء إلا لأنهم ولدوا بملاعق ذهبية في أفواههم، فأحفر بأظافري نفقي الصخري الخاص وقت يعبرون طرقا حريرية مفصلة على مقاس أحذيتهم الـ"مصنفة"، وأهنئني كما يليق بي، بشقاء الأعوام الأربعة والثلاثين: "أجل.. لقد نجحت حيث أخفقوا"...
    في مارس الرابع والثلاثين أعتذر للذين أحببتهم أقل مما يجب، واعتنيت بهم أقل مما يجب، وبحت لهم بالأقل مما يجب. أعتذر لأن قلبي ضاق بهم وكم تمنيته أوسع، ولأن الحياة أجبرتني على موازنة الحب بينهم حتى أنصفهم، فظلمتهم معي جميعا، ولأن اللغة التي لطالما انتصرت لي وانتصرت بها، خذلتني معهم فغُلِبت.. أعتذر للذين أحببتهم وأرفض اعتذار الآخرين لي، إما لأنهم ظلوا عندي أكبر من أخطائهم، أو لأنهم صاروا أصغر من عفوي.. وأقول لكل هؤلاء وأولئك: كلانا فعل ما اعتقده صوابا، والجروح قصاص...
    في مارس الرابع والثلاثين أموت وأولد للمرة الرابعة والثلاثين، أقطع وعود الدقائق الأولى بثقة كثيرا ما كانت مغشوشة، أبرمج أشياء عديدة لأنجح كما أريد، أودع عاداتي وأختبر عادات جديدة، أضع جدولا للمواعيد وترتيبا للواجبات، أتخلص من مسودات كثيرات ظلت مكدسة هنا وهناك لموسم كامل، أتذكر أصدقائي الذين لم اتصل بهم خلال موسم كامل، أماكن لم أزرها وهوايات نسيت أنني كنت أقترفها.. وأخفق.. أخفق في كل شيء.. وللمرة الرابعة والثلاثين أوقن أنني رجل فوضوي يكره الالتزام...
    في مارس الرابع والثلاثين، وكما لو أنني على قمة بين منحدرين، تتسلل الحياة ويلوح الموت، وأجهل –كما كنت دوما، كما أظل دوما- متى أغادر هذه الدنيا. أغلق عيني فيزول كل هذا العالم الذي لطالما انشغلت بالبحث عن موطئ قدم فيه، يزول في لحظة. عينان بسيطتان تختزلان كل هذا العالم.. كل هذا المدى.. فأية حماقة في تحدي الحياة وأخذ الأمور مأخذ جد حتى يضيع أجمل ما فينا؟ ما الذي قد يستحق؟ أغلق أذني وأصغي إلى صوت جسدي، إلى الدم المتدفق في الأوردة والشرايين والعروق، إلى تلك الخشخشة البسيطة، والنبض ذي الإيقاع المنتظم، فأدرك أن الموت يقع في صلب الحياة، وأنه يكفي أن يتوقف "شيء ما" حتى يتوقف "كل شيء". أيتها الحياة.. ! أضعتك أثناء بحثي عنك...
    في مارس الرابع والثلاثين أواصل العيش بانفعال لأسباب على كثرتها نسيت جلها، متشبثا بالأزمنة والأمكنة والشخوص، بقلب متطرف في ما يحسه، حبا وكراهية، مكتفيا بالقليلين الذين يظلون معي، زاهدا في الكثيرين الذين يخنقونني معهم، وأصر أن أظل صادقا دوما. أدري أن الصدق غالبا ما يكون جارحا، وأنني حين أجرح لا أتوقف حتى أُدْمِي، ولذا أعذر الحذرين من صراحتي وعفويتي ولغتي الصادقة، لغتي القاسية، لغتي القاتلة...
    في العاشر من مارس، مارس الرابع والثلاثين، أعيد: يا أنا.. لستَ كاملا، لكن لا شيء ينقصك. أحبك...




  2. #2
    الصورة الرمزية غلام الله بن صالح شاعر
    تاريخ التسجيل : Jun 2014
    الدولة : الجزائر
    المشاركات : 2,831
    المواضيع : 114
    الردود : 2831
    المعدل اليومي : 1.29

    افتراضي

    رائع هذا البوح
    مودتي وتقديري

  3. #3
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 14,557
    المواضيع : 197
    الردود : 14557
    المعدل اليومي : 5.10

    افتراضي

    هى وقفة تأمل ومراجعة بين عام يرحل وآخر يأتي
    ومحاسبة للنفس وتقييم لها في نثرية شجية الحس ، رقراقة الحرف، رائعة القول
    وقد نبض الحرف بقوة وفاح شذى الكلمات فانطلقنا معك في بستان سنواتك الأربعة والثلاثين
    بإنهزماتك وانتصراتك لنقتطف من بين حروفك ازاهير الإبداع
    وقد جمعت الروعة بين أطرافها.
    تحياتي وتقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي