أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 13 من 13

الموضوع: روايتي الساخرة ( فردة حذائي الضائعة)

  1. #11
    ناقدة وشاعرة
    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,081
    المواضيع : 53
    الردود : 1081
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    لا تتصوري مدى استمتاعي بقراءة قصتك ـ ارتشف الحروف ارتشافا
    يقال أن لكل ثورة أدباؤها، ومن يشتغلون على تدوينها حتى تخلد وتبقى ارثا مسجلا
    موثقا للأحداث العظيمة حتى لا تنسى.
    فالأكيد أن أدبيات الثورة والحروب لها دور كبير في التعريف بها
    أو هى الصورة الصادقة التي تنعكس عليها أفكارها .. وقد برعت بأسلوب تهكمي
    ساخر احيانا، وبأسلوب حزين يمثل عمق التجربة أحيانا اخرى.
    كل الأحداث التي تحدثت عنها في حلب عشناها هنا في بنغازي ـ فقدنا الأمن وعشنا الرعب
    مع كل قصف وتفجير ـ وعرفنا كيف نفرق من صوت الإنفجار .. هل هي قنبلة دبابة
    أو قذيفة هاون او هاوزر ، أو مدفع رشاش عيار 14.5 ملل ، أو هى ضربة طيارة
    وانقسم الناس أما نازح أو منزوح عنده ممن يقطنون بعيدا عن أماكن الإشتباكات.
    واتسائل بألم .. أما كانت إسرائيل أجدر بتلك الأسلحة وتلك الحروب
    ولكنها وللأسف حرب الغباء العربي..

    وتبقى قصتك قطعة أدبية رائعة ـ نص ولا أجمل
    تحفة فنية رائعة بأسلوبها ، كبيرة بلغتها وبلاغتها.
    وما زلت أتابع بكل الإهتمام والشغف
    فرج الله كرب سوريا وسائر بلاد المسلمين
    تحياتي وكل تقديري وودي.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    أستاذتي الرائعة الغالية على قلبي الأديبة نادية محمد الجابي
    عندما أقرأ تعقيبك الجميل دائما، والحار في تفاعله دائما ،على كل مقطع أكتبه من هذه الرواية ، أشعر بالخوف من فقدان حماسي للمتابعة والاستمرار في الكتابة .
    فإن قراءتك المتعمقة وارتشافك الحروف ارتشافا، يجعلني أشعر بالمسؤولية تجاه ذائقة كبيرة كالتي تملكين .
    وإن سعادتي بحضورك الوارف وما يتركه في روحي من أُنس لأكبر مما تتخيلين .
    فلك الشكر الذي يليق بحضورك ومقامك الكريمين
    ولك التقدير والاحترام
    مع محبتي الدائمة وأحلى تحية

  2. #12
    ناقدة وشاعرة
    تاريخ التسجيل : Jun 2013
    الدولة : في المغترب
    المشاركات : 1,081
    المواضيع : 53
    الردود : 1081
    المعدل اليومي : 0.48

    افتراضي

    حظُّكم يَفلُق الصخر

    الرقة 19 كانون الأول / ديسمبر 2012

    في هذه اللحظات المرتقبة، توشك شمس لا كالشموس أن تشرق في صباح مدينة الرقة الذاهلة عن شروق الشمس. وقفتُ في الفناء المحاط بالجدران من جهاته الأربع ،بعد أن صليتُ الفجر على حصيرٍ مازال مفروشاً على المصطبة منذ ليلة الأمس ، أنظر إلى بدايات أشعةٍ متجهةٍ صعوداً من أفقٍ لا أستطيع رؤيته. فشعرت بالضيق، ثم بالغيظ، من كل جدارٍ سمح لنفسه بأن يحجب قرص الشمس عن عيني .
    - من أعطاكِ الحقَّ أيتها الجدران بأن تحدِّي من رؤيتي ؟ من أعطاكِ الحقَّ بأن تَقُصِّي امتداد نظري. لا تقنعيني أنك تفعلين هذا لكي تقيني العمى الذي سأصاب به إذا حدَّقت بقرص الشمس . فأنا وحدي التي أقرر إن كنت سأنظر، أو لا أنظر، أو أستخدم نظارات تقيني العمى، أو أختار العمى . العمى !
    ولأنني أعلم كما يعلم الجميع أنك ذات آذان خفية قادرة على التنصت ،فعلِّقي كلامي هذا حلقة تخشخش في أذنك المتنصتة: "وجهة نظرك لا تهمني بتاتاً . وليس عندي استعدادٌ لتفهُّم موقفك أبداً .وسأكون سعيدةً بأن يجيئني خبرُ انهيارك وتحطُّمك ."
    - لا هذا كثير ، هذا تطرُّف واضح ! (قال جزئي العاقل وهو يتثاءب، ويفرك عينيه من آثار النوم) .
    - وأنتَ من أيقظَك ؟ ومن طلَب منكَ أن تتفوَّه وتُدلي برأيك ؟ . إسمع إذن! إمّا أن تؤيِّدَني وتقفَ في صفّي، أو أن تؤيِّدَ الجدرانَ وتقفَ في صفِّها . لا خيارَ ثالثَ لك . فاحسم أمرَك الآن ، وتذكَّر أنك إن لم تكن معي فأنت ضدي .
    - صراخك هو الذي أيقظني من النوم ،وأنت أصبحتِ لا تطاقين !فكُفّي عن التهديد والوعيد! أنت لستِ أمريكا لأخضعَ لقراراتك المتغطرسة . لن أكونَ معكِ، ولن أكونَ مع الجدران . وانتبهي إلى نفسك وأنتِ تنزلقين في مستنقع التطرُّف.
    - بل انزلق أنتَ في ساقية التوسُّط التي يستطيع الكل القفز من فوقها، ثم ينكرون وجودها ! أنت عديم المشاعر .ولا تشعر بلوعة الشغف الذي يدفعني لشهود شروق الشمس.ولا تشعر بقَرَفي من استمرار تملُّق الجدران الغبية التي نصبت نفسها وصيَّة على عينيَّ. فوفِّر عليك وصاياك التي حفظتُها عن ظهر قلب! وأسمعني صوت سكوتك !
    أما أنت يا جزئي الحالم ، فارفع صوت همساتك الناعمة الخجولة أكثر لأسمعك جيدا . وتكلَّم وأَشِرْ عليَّ بما ينعشك ويسرُّك .وخذ مجدك !
    - امممممم ، حسنا ، أنظري إلى برج المراقبة هناك القابع خلف الجدار الفاصل بيننا وبين كتيبة حفظ النظام . هل ترينه ؟ قال (جزئي الحالم بدلال )
    - نعم أراه جيداً .(أجبته)
    - إذن فاقفزي من فوق هذا الجدار ، ثم اصعدي إلى أعلى برج المراقبة بثقة، وقفي هناك متحدّية كلّ الجدران البغيضة . وامتلئي حبوراً برؤية تفاصيل مرور موكب شروق الشمس، وهو يصعد في السماء الناصعة المفتوحة لكل ضوء .
    - يا الله! ما أروعك ما أروعك ! تعال كي أقبِّلك أيها الحبيب ! فأنت حقاً تشبهني ، وتصلح جداً لأن تمثِّلني وتمثِّل روحي .
    - هيه هيه مهلاً ! (تدخَّل جزئي العاقل الذي يشعر بالغيرة الآن، وقال ) لأي وسوسة شيطانية تصغين ؟ وأنت أيها الجزء الواهم المجنون !أوصلت بك المواصيل إلى أن تغريها بالقفز من فوق الجدار ؟ ألا تعلم بأنك ستؤدي بها إلى الهلاك هي وعائلتها وكل من يشدُّ على يديها ؟ (والتفت إلي موبخاً ومسفِّها ) وأنتِ ما بكِ ؟ ماذا أصابَكِ ؟ هل تظنين نفسَكِ في حلم ؟ استيقظي أفيقي ! افتحي عينيك ! إنه الواقع يا عزيزتي .
    - لا رغبة لي بمجادلتك أيها الجزء العاقل ، وكلامك ثقيلٌ على قلبي. ولكن اطمئنَّ ولا تخف كثيراً ! فأنا لم أرَ أحداً خلف الجدار منذ جئنا إلى هنا قبل شهر. وأعتقد أنهم قد أخلَوا المكان تحسُّباً واحتياطاً لحدَثٍ ما بعد أن شعروا بالاحتقان الذي يضمره الناس من حولهم .ولعلهم انتقلوا إلى مكان آخر . وهذا هو أغلب الظن . وأنا ذاهبة لأنظر من فوق الجدار وأستطلع الأمر. ثم آتيك بالخبر اليقين.
    - توقَّفي توقَّفي! تعالي والبسي حذاءك فالأرض مليئةٌ بالحصى الخشنة والأشواك الناعمة . وتذكري دائماً أن تلبسي حذاءك. فجرح قدمك لم يلتئم بعد . ثم كيف ستنظرين من فوق الجدار وهو أعلى منك بكثير؟
    - اممممم، أفحمتَني والله ، الحق معك ، الجدار أعلى مني بكثير .( أخذت أتحايل على جزئي العاقل) يجب علي أن أغيِّر رأيي إذن ، فمن الصعب علي النظر من فوق الجدار ،فكيف لي بالقفز من فوقه ؟ لا لا هذا صعب عليَّ ، لا بل هذا مستحيل . لكنني سألبس حذائي استعدادا فقط . لنفترض فرضاً أنني لم أغيِّر رأيي ، فعندها ، على الأقل، سأضمن أنني لن أسير حافيةً على الحصى والأشواك الناعمة قبل أن أقفز من فوقه .
    بدأ قدماي يخطوان باتجاه الجدار. (وهمس جزئي الحالم بأذني لإغرائي وتشجيعي على المتابعة، ولإغاظة جزئي العاقل أيضاً):
    - هل تشعرين بالأثير الشفيف الناصع الذي يغمر الكون من حولكِ ؟ أنتِ تسيرين الآن تحت شلالات من البلاسما الضوئية التي تتدفق فوقك، وتنعكس عنك لتملأ الكون ؟
    - نعم أشعر. أشعر بالضوء الزئبقي المصهور البارد المنعش يتسرب من مسامات جلدي إلى أعماق روحي ، وأشعر مع كثافة الضوء الذي تجمع في داخلي، أنني قد أصبحت منبعاً ضوئياً مشعاً . وأنت أيها الجزء الحالم اللطيف الرائع هل تسمع أصوات العصافير ؟ إنها قادرة على اختراق هذا الأثير الشفيف البلاسمي وإحداث أنفاقٍ صوتيةٍ متعرجةٍ لامعةٍ فيه . هذه الأنفاق الصوتية اللولبية في أثير الكون هي التي ستعبر بنا إلى زمن آخر . ولا أعرف بالضبط ما علاقة هذا برغبتي في شهود موكب الشروق . ولكنني متأكدةٌ من وجود تلك العلاقة . في الحقيقة ، عليَّ أن أسأل جزئي العاقل تفسيراً لها ، إلا أنني لن أسأله خشيةً من تنكيده عليَّ ؟
    خطوتُ خطواتٍ أخرى باتجاه الجدار. وجزئي العاقل يراقب وهو مطمئنٌّ إلى أنني لن أستطيع حتى النظر من فوق الجدار بسبب ارتفاعه. فكيف لي بالقفز؟ ثم قال ساخرا ومغتاظا :

    - كفاكما أوهاماً! هل يؤثر فيكِ انقطاع الكهرباء إلى درجة بتِّ تحلمين فيها بأن تصبحي أنت مصباح النور (لمبة )؟ ثم إن الذي اخترق مساماتِ جلدك ليس (بلاسما) ضوئية كما تحلمين . بل هي حبات التراب الأحمر الجاف التي تحملها الرياح من حفر الشوارع ،وتنسفها على وجهك نسفاً .
    - أنتَ بالذات لا يهمُّني رأيُك.وكفاك تنكيداً عليَّ. جزئي الحالم يعلم جيداً أنني سأجد حلاً يسمح لي باستطلاع ما خلف جدار كتيبة حفظ النظام ،تمهيداً للقفز من فوقه، والصعود إلى برج المراقبة لكي أشهد شروق الشمس.

    وقفتُ أمام الجدار حائرة ، وأخذت أبحث عن شيء يصلح لأقف عليه فأزداد طولاً. ليس لدينا كَراسٍ هنا . على ماذا أقف إذن ؟

    - وجدتُها . أقف على برميل المازوت الفارغ الذي استعمله البنَّاؤون لصنع السقالة. وهو ليس بعيداً جداً عن الجدار ، فيمكنني تقريبه بسهولة . بدأتُ أحرِّك البرميل . ولكن تحريكه ليس سهلاً أبداً .وهو ثقيلٌ وغائصٌ بين حبات الحصى الخشنة ، وكلما حركتُه أحدث صوتاً مزمجراً في هذا الصباح الهادئ . وأنا لا أعرف بصراحة، ما الذي سيزعج زوجي إن هو أفاق على صوت برميلٍ فارغٍ يزمجر في الفناء ،طالما أنه ليس برميلاً ممتلئاً بالبارود وهابطاً من السماء. ولماذا سينزعج إذا أفاق للحظاتٍ طالما أنه قادرٌ على العودة للنوم متى شاء ؟ بدأتُ أفكِّر بحلٍّ يسهِّل لي تحريكَ البرميل ، نظرتُ حولي لتفحُّص ما يمكنني استخدامه باعتباره مفيداً من أدوات البنَّائين ، وأثناء النظر حولي مررتُ بنظري بسرعةٍ على الجدار ،فكأنني لمحتُ رأس شخصٍ وهو يهبط بسرعةٍ خلف الجدار.
    - ما كان هذا ؟ ماذا رأيتِ ؟ هل كان ثمة من يراقبك ؟ (صرخ بي جزئي العاقل منبِّهاً )

    وقفتُ ساكنةً في مكاني لا أجيب. لا أنا ولا جزئي الحالم . كـأننا ننتظر شيئا ما. ثم سمعتُ صوت جلبةٍ وحركةٍ من خلف الجدار . تراجعتُ بسرعةٍ شديدةٍ عن خطتي العنيدة ،وهرولتُ لأقفَ حيث كنتُ أُصَلِّي على المصطبة . وحينها استطعت أن أنظر جيداً وبوضوح، وتأكدتُ من أنني أرى جندياً يتسلَّق على سلَّم برج المراقبة وهو ينظر باتجاهي .

    - هل أَثَرتِ الثعبان وجررتِه من جحره ؟ ويحكِ! (صرخ جزئي العاقل) أدخلي بسرعة إلى الغرفة واختبئي.

    دخلتُ بسرعةٍ إلى الغرفة، وقلبي يخفق اضطراباً وقلقاً . واندسستُ في فراشي كما يندسُّ المندسّون الذين يضبطهم النظام في أثناء اندساسهم في المظاهرات .
    - أين أنتَ يا جزئي الحالم ؟ أين اختفيت ؟
    -......
    - حظُّك يفلقُ الصخر فعلاً ، لا بل حظُّك وحظُّ عائلتك وحظُّ الذين خلَّفوكِ ، (قال جزئي العاقل ) تخيَّلي ما كان سيحدث لكم، لو أنك استطعتِ تقريب البرميل، ووقفتِ فوقه ثم ضبطوكِ بالجرم المشهود وأنت تتلصصين عليهم. تخيَّلي ما كان سيحدث وقتها .
    - أخاف أن أتخيل ما سيحدث. فلا تجبرني على التخيُّل ،أيها الجزء العاقل الواعي الحكيم . لكن فكِّر معي من فضلك .أليس ما حدثَ أمراً غريباً ! أين كانوا مختفين عن الأنظار طوال الوقت ؟وكيف شعروا بنِيَّتي في القفز من فوق جدارهم، وتسلُّق برجهم، فتحركوا في التو واللحظة؟ هل كانوا طوال الوقت يراقبوننا ويتنصتون علينا ونحن لا ندري ؟
    - بالطبع . حتماً . وهل تظنين أنهم غافلون عنكم ؟ أم هل تظنين أنهم قد وضعوا برجهم لكي يصعد عليه كل من يريد مراقبة شروق الشمس؟لم أكن أظنك ساذجة إلى هذه الدرجة . خيَّبتِ أملي فيكِ. حَيْفٌ عليكِ ،وعلى شهاداتك العلمية !يا ضياع تعبي معك ! ولكن فقط ،احمدي الله على حظّكم الذي يفلق الصخر .
    - الحمد لله . الحمد لله .لكن أرجوك أرجوك دعني أعود إلى النوم وأغرق فيه مثل زوجي.
    - نعم سأدعك لتنامي , نامي فنوم الظالمة عبادة!
    ونمتُ وأفقنا ،وخرجتُ وعدنا ،وطبختُ وأكلنا . ومرَّ نهارٌ آخرُ مرهَقٌ مرهِقٌ من النوم واليقظة، ومن العقل والخيال ،ومن الواقع والحلم . وثار في شوارع الرقَّة غبارٌ ملأ مسامات الأثير وسَدَّ أنفاقه اللولبية . وحان موعد السهرة . وها نحن نسير في ظلمة الليل، في شوارعَ ترابيةٍ تلفحنا الرياح بترابها الزراعيِّ الأحمر ليتسرب عبر مسامات جلودنا إلى أرواحنا .أنا متشائمة . أنا مرهقة . و لو لم أعد ياسمين بالحضور لما خرجت من البيت. فعضلات رجلَيَّ ما تزال تؤلمني، أشعر بالتعب ، لقد قضيت اليوم أربع ساعاتٍ أمشي مع ياسمين (زوجة الدكتور خليل ) نسير ذهاباً وإياباً، ومن مَحَلٍّ إلى آخر ،ودونما استراحةٍ، في سوق (شارع تل أبيض). وكالعادة ،لم نكن نعرف كلتانا ما الذي نحتاج شراءه بالضبط .
    ويمكنني القول: إن تخطيطنا لهذا التسوُّق مؤامرة حقيقية .ولكنها مؤامرةٌ مختلفةٌ تماماً عن المؤامرة الكونية التي يتعرض لها النظام البريء اللطيف الجميل المقاوم الممانع كامل الأوصاف في سورية. فضحايا مؤامرتنا أنا وياسمين كُثُر. ومع أنهم لا يستحقون التعذيب على أيدينا .إلا أن حظَّهم الأسود جعلهم ضحايا لنا . لماذا هم ضحايا لنا ؟ أنتم حتما تسألون .والجواب واضحٌ وصريحٌ ومباشرٌ : لأننا نستطيع . وهذا هو واقع الحال . وهم مكتوبٌ عليهم العذاب .وقَدَرُهم الذي جعلهم باعةً في سوق شارع (تل أبيض) هو نفسه الذي جعلهم ضحايا لنا . ومنحنا فرصة تعذيبهم .لكننا نحن (المتحضِّرتين) نوزِّع الأدوار بيننا حسب الاختصاص . أنا اختصاصي تعذيب باعة الأحذية . أما اختصاص ياسمين فتعذيب باعة الأقمشة والمنسوجات . وخطتنا التآمرية تقضي بأن لا نترك هؤلاء الباعة المساكين بعد زيارتنا الغادرة لمحلاّتهم إلا والفوضى تعمُّهم وتحيط بهم من كل جانب . كي ينهضوا بعد مغادرتنا للترتيب والعمل الجاد الدؤوب . بعد أن ينزِّلوا لنا كلَّ ما هو معروضٌ ، ويستخرجوا لنا كلَّ ما هو غير معروضٍ من الأحذية والملابس الجاهزة والأقمشة، التي لن ترضي بأية حال ذوقنا. فترون عُلَب الأحذية تنزل عن الرفوف تباعاً وتُفتَح أمامي، ويستخرج البائع ما فيها من الأحذية ،ويقدمها إليَّ صاغرة ، لأقيسَ ،وأجرِّب، وأنظر في المرآة إلى قدميَّ، وأنا أتمشَّى بالحذاء خطواتٍ إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف، ثم أقول له : " آسفة ! (الموديل) لا يعجبني ، ارتفاع الكعب غير مناسب، الحذاء الأسود أو الأبيض في شوارع الرقة الترابية، كلاهما غير عمليين .هل لديك الحذاء نفسه بلون عسليٍّ .؟ بنيٍّ ؟ لا ؟؟ هذا الحذاء الذي أعطيتَنيه للتَّو عجيب ! فردة الحذاء اليمنى مريحةٌ تماماً ، أما الفردة اليسرى فتعصُّ على قلبي ، أقصد على أعصابي، أقصد على جرحي. مشكلتي الدائمة التي لا تعرفونها أيها السادة البيَّاعون فردة الحذاء اليسرى. لقد فاتكم لسوء حظِّكم، أن تعرفوا أن قدمي اليسرى ما تزال متورمةً من جرحٍ في باطنها يرفض الالتئام.وأنكم مهما بحثتم، ومهما أنزلتم لي من علب الأحذية عن رفوفها ،ومهما جرَّبتُ ولبستُ منها، فلا أمل لكم في أن أجد فردة حذائي الضائعة عندكم.
    كما أنكم أيها السادة الذين (أعطيتمونا وجهاً، فصرنا نريد بطانةً) لا تعرفون أن ياسمين تبحث عن نسيج عباءةٍ لم يَنسُج خيوطَه نسَّاجٌ بعد .
    المسألة بيننا ليست مسألة بيع وشراء. المسألة مسألة (فرعنة وفهلوة) وإثبات ذات . فكم من بائعٍ لطيفٍ حاول إيقاعنا في مأزق اللطف ليضطرنا إلى الشراء،ثم ما لبث أن انسحب من التحدي. وكم من بائعٍ ذكيٍّ أصرَّ إصراراً وألَحَّ إلحاحاً بعد أن أعلنَّا رغبتنا بمغادرة محلِّه لأننا لم نجد -وللأسف الشديد - طَلَبَنا عنده ، على أنه سيؤمن لنا طلبنا. فأرسلَ الولد على وجه السرعة إلى جيرانه من أصحاب المحلات الأخرى، لطلَب عيِّناتٍ مما عندهم، يتوقع أنها هي التي ستحوز على رضانا . ظنَّاً منه أن شفقتنا عليه ورثاءنا لحاله سيُضطرانا فعلاً لشراء ما لا نريد شراءه ، وإذ بنا نصرِّح له بعد عودة الولد وتفحُّصِنا لما أحضره، أننا إذا كنا سنشتري قطعةً ما، فما ذلك إلا لاستحيائنا منه. فليس حلواً بحقِّنا أن نتسبب في قلْب المحلِّ فوقانيَّاً تحتانيّاً . ونتعب الولد في إحضار ما أحضره، ونتعب البائع وجيران البائع ، ثم لا نشتري شيئا. وهكذا يجيء ردُّ فعله الطبيعيُّ على كياستنا ولباقتنا، أنه ليس من اللياقة من ناحيته أيضاً أن يستمر في إحراجنا والضغط علينا، إلى درجة أن يدفعنا لشراء ما لا نريد شراءه لاستحيائنا منه . وحينها يقول لنا ما لا بد له من قوله وبكل لطف : لا تهتما . المحلُّ محلُّكما وشرَّفتما المحلّ . لكن مشكلتنا الحقيقية أننا ما أن نشعر بانتصارنا عليه، وباضطهادنا له، وهو الذي لا ينقصه اضطهادٌ، حتى نحُنَّ عليه فعلاً،ونتمنى أن يعود الزمن بنا إلى الوراء كي نجبر خاطرَه المكسور أبداً ، ونشتري منه.
    غير أن الزمن لا يعود إلى الوراء. فنخرج ونحن نلوم أنفسَنا ،ونستنكر تصرفاتِنا الشنيعةَ وعاداتِنا السيئةَ التي لا نرغب بالتخلص منها ! انتقاماً منا ممن يدفعنا للانتقام ،ولا نستطيع الانتقام منه ؟
    اليوم كنت أنا المشدودة من أذني (للتفرعن )على المستضعفين في السوق ،وكانت ياسمين هي الشريرة صاحبة اقتراح (الفرعنة) التي لا يتحقق توازننا النفسي إلا بها.فقد أرسلت إليَّ في الساعة العاشرة صباحاً رسالةً عاجلةً (sms) أيقظتني فيها من أضغاث أحلامي المرعبة، تقول فيها : " صباحَ الخير يا فُلَّة ! ،هل نذهب للتسوُّق اليوم لأنني جدُّ مقهورةٍ وجدُّ مقموعةٍ ؟
    فأرسلت إليها : " صباحَ النور والسرور يا بنفسجة! احملي نفسك وتعالي لعندي، وسنشرب القهوة معاً، ونخطط لرفع القهر عنكِ " .
    فأرسلت إلي : " لا . لنذهب للتسوُّق فهذا أفضل لنا"
    فأرسلت إليها : "أفضلُ لنا، ربما. ولكنه بالتأكيد ليس أفضلَ للباعة وأصحاب المحلاّت الذين طفَح بهم الكيلُ وضاقوا بنا ذرعاً . وإنني أحذِّرك تحذيراً شديدَ اللهجة . فقد بلغ الاحتقان أشُدَّه، وقد أخطأ من قال:" إن الأزمة قد خَلَصَت" ، بل ستنفجر الثورة ،وعلى أغلب تقديرٍ، وكما يقول المحللون ،ستنفجر اليوم في وجهنا أنا وأنت. وستنطلق شرارتها، على أغلب تقديرٍ ، في أحد محلات الأحذية في شارع تل أبيض .

    - إذن فلا تتخلَّفي عن هذا الشرف التاريخي يا نرجسة .
    - أتعلمين ؟ لن أستجيب لدعوتك خوفاً من التخلُّف عن الشرف التاريخي ،بل لأنني أشعر حقَّاً وصدقاً بالحاجة لشراء شيء ما.
    - ما هو ؟ أليس حذاءً ؟ (سألتني)
    - لا أعرف بالضبط فيما إذا كان حذاءً أو ليس حذاءً . (أجبتها ) ،ولكنني قد أعرف عندما أرى الأشياء القابلة للشراء.
    - عجباً! أنا أيضا أشعر اليوم بالحاجة الحقيقية لشراء شيءٍ ما ، وقد لا يكون قُماشةَ عباءة .إذن اعترفي ! هل أنتِ اليوم مثلي، مقموعةٌ جداً، ومقهورةٌ جداً يا زهرة الدُّفلى ؟
    - بل أنا اليوم خائفةٌ جداً . لأنني جررتُ حيَّةً بسبعة رؤوسٍ من جحرها .وهي الآن متربصةٌ بي.
    - فتعالي واسأليني عن سبب قهري لأجيبك عن سبب خوفك.
    - ما الذي يقهرك يا ياسمينة ! (سألتها في السوق المكتظ بالناس المقهورين الخائفين أمثالنا ) فردَّت بيأس:
    - قرر خليل العودة إلى حلب بمفرده . ولن يأخذني معه.سيعمل في أحد المشافي الميدانية التي تعالج الجرحى من الثوار والمدنيين. ويقول إنه من الأفضل لي وله أن أظلَّ بعيدة عنه؟
    - ولماذا يرى أن الأفضل بقاؤك بعيدةً أيتها الجورية الشامية ؟
    -لأنني أرغب بالتطوع والعمل معه في المشفى الميداني كممرضة .يقمعني قمعاً يا أختي .يقهرني قهراً يا أختي ، اللهم إني أعوذ بك من الجبن والكسل وقهر الرجال !وأعوذ بك من قهر خليلٍ يا ألله .
    - الدكتور خليل يقمعك قمعاً ؟ فلماذا يبدو لي طيباً ومسالماً إذن ؟
    - أقصد أنه يبيح لنفسه ما يحرِّم علي. هل المسألة مسألة فرض رأيٍ وحَسْب ؟ أم هل يجب علي أن أطيعه لأنني امرأة وحسب ؟ يلعن روحك يا (خافِس)!
    - أنت متوترة جداً يا زهرة الغار! لمَ لا تستمعين لوجهة نظره ؟ فقد تكون لديه أسباب جديرة باهتمامك ، وأنت عنها غافلة .
    - السبب الوحيد هو أنني امرأة. وهو يخشى عليَّ من الاعتقال أو الاغتيال في حال علم النظام بأمرنا .ولكن إذا قال الكلُّ قوله هذا فلن يتطوَّع أحد. ولن يجد الجرحى من يسعفهم. هناك الكثير من الممرضات المتطوعات في المشافي الميدانية وخليل يعرفهن ويتعامل معهن ويحدثني عنهن ،أليس لديهن من يخاف عليهن ؟ هل هن مقطوعات من أشجار النخيل ؟ أم من أشجار البلوط ؟ فلماذا يفعلن ما لا أستطيع فعله؟ صحيح، أريد أن أسألك: ماذا تعرفين عن شجر البلوط ؟ (باعتبارك مدرسةَ علوم يعني) .
    - أخشى أن أتكلم فأفسد أمراً . لو لم تكونا زوجين لتكلمت .
    - تقصدين الكلام عن شجر البلوط خطير إلى هذه الدرجة ؟ آخ فهمت. بل تقصدين الكلام عنا . تكلَّمي أرجوكِ . ماذا تفعلين لو كنت مكاني يا زنبقة ؟ هل أنفخ في المشكلة وأدعها تكبر لأضغط عليه أكثر وأكثر فيوافق؟
    - وهل من عادته أن يوافق إذا كبَّرتِ المشاكل، وضغطتِ عليه أكثر وأكثر ؟
    - نعم من عادته ذلك. هو يسايرني ولا يرغب بأن يخسرني على الإطلاق.
    - على أية حال ،لا أرى هذا أسلوباً صحيحاً للتعامل بين أي زوجين . مع احترامي لكما . أيتها السوسنة!
    - في الحقيقة أنا مشفقةٌ عليه . خاصة بعد اعتقاله وخروجه من السجن مضطرباً قلقا . وقد أصبحت أنا التي أحاول تلافي المشاكل والخلافات بيننا لإرضائه. هو ما يزال - يا حبَّةَ عيني - مرهقاً نفسياً منذ اعتقاله .
    - إذن فلا أنصحك بأن تكبِّري المشكلة . صحيح ، أنا سمعت الأستاذ عمر يتكلم عن حادثة اعتقال الدكتور خليل في مشفى حلب الجامعي ، لكنني لم أفهم القصة ، حدثيني كيف تم اعتقاله يا أقحوانة!

    - كان خليل يعمل طبيباً جراحاً في مشفى الجامعة. وهو يقع في المنطقة الغربية من حلب، حيث ما يزال يسيطر النظام كما تعلمين .ولكن بعد اعتقاله والإفراج عنه أصدرت المخابرات الجويَّة أمرا بفصله عن العمل.
    - المخابرات الجوية ؟! وما شأن المخابرات الجوية بعمل الأطباء كي تصدر أمرا بفصله ؟
    - هههههه ،ضحَّكتِني وقلبي ما يشتهي الضحك ! تسألين عن المخابرات الجوية ما شأنها ؟ المخابرات الجوية مع الشبيحة ،يا منثورة ، لهم علاقةٌ بكل شيء. .أين تعيشين أنت ؟ لا سلطة في البلد إلا للمخابرات الجوية والشبيحة التي تعمل تحت أمرة المخابرات الجويَّة ، ألم يخبرك أحد أن نظام الأسد هو نظام مخابراتي في أساسه؟ ألا تعلمين أنه لولا الأسلوب المخابراتي لما استمر الحكم أكثر من أربعين عاما ؟ يلعن روحك يا (خافِس)!
    – أكملي من فضلك . هو سؤال وسألناه ، لم تخرب الدنيا بعد، يا زهرة الحُمَّيْضة!

    -كل هذا ولم تخرب الدنيا بعد ؟! أظنها قد خربت يا زهرة (الأرملة وبناتها الأربعة). سأخبرك كيف اعتقلوه : كان يوم اعتقاله ككل يومٍ منذ بدء خروج المظاهرات في حلب ،كانت عناصر الشرطة و(الشبيحة) يتجولون بكامل أسلحتهم في الممرات، وغرف الانتظار، وغرف الإسعاف، في مشفى حلب الجامعي. وكانوا يطوقون الأطباء، ويقفون فوق رؤوسهم ( ورفعت رأسها إلى الأعلى ودَعَتْ عليهم :- اللهم كسِّر رؤوسَهم يا ربِّ! اللهم كسِّر رأس رئيسهم. ثم تابعت وكأنها لم تفعل شيئا ) وكانوا يعطون الأطباءَ والممرضاتِ الأوامر، ويتدخَّلون في عملهم ويدسُّون أنوفهم ( ورفعتْ رأسها إلى الأعلى ثانيةً، ودَعت عليهم ثانية :اللهم لا تُبقِ الله لهم أنوفاً مرفوعةً يدسُّونها في كل شيء ، اللهم مرِّغ أنوفهم في الزفت ، ثم توقفت لتنتظر تعقيبي على دعائها) .
    - اللهم آمين !(قلتُ وزدتُ ): اللهم ! مرِّغ أنوفَهم في الزفت والقَطِران واسحبهم عليها في الشوارع الحارَّة في عزِّ الصيف ، تفضلي، أكملي!
    - سأكمل . وكان الأطباء والممرضات يتعرَّضون لضغوطٍ شديدةٍ عند معالجتهم جرحى المظاهرات المصابين بطلقاتٍ نارية، منها التهديدُ بالقتل المباشر، وبكذا وكذا
    - ماذا تقصدين بكذا وكذا، يا زهرة السحلبية ؟
    - أقصد ما أقصده ، دعيني أكمل . ومنذ سبعة أشهر تقريباً اعتقلت الشرطة أحد الأطباء العاملين في المشفى لإصراره على معالجة طفلٍ أصيب في عينيه، نتيجة استخدام الغاز المسيِّل للدموع، من قبل الشرطة، في إحدى المظاهرات،
    - ويحي ! طفل صغير ؟ ماذا حدث لعينيه بتأثير الغاز المسيِّل للدموع؟ اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم أسِل دموعهم أنهارا يغرقون فيها.
    -لا أعرف بالضبط ماذا حدث لعيني الطفل ، وليس هذا أصل موضوعنا يا شقيقة النعمان ! المهم ، اسمعي ! بعد اعتقال الطبيب الذي حاول معالجة الطفل غضب زملاؤه الأطباء واتفقوا أن يقفوا في صفه ويناصروه . فاعتصموا في المشفى ورفعوا لافتات يطالبون بالإفراج عنه.
    - نعم ، رأيتُ مشهد اعتصامهم في قناة الجزيرة .
    - نعم . ثم انتقل خبر اعتصامهم ( لا عاصم إلا الله ) إلى عناصر الأمن العسكري والشبيحة الذين اقتحموا المشفى وأخذوا يشتمون الأطباء ويضربونهم بالعصي والسياط .حتى كسروا عظامهم ، فتخلوا عن اعتصامهم وأخذوا يعالجون جراحهم بعضهم بعضا . وهذا ما لم يره أحد لا في قناة الجزيرة ولا في غيرها. يا زهرة الصبَّار!
    - الحمد لله أنهم أطباء واعون وناضجون ويجيدون معالجة أنفسهم.يا زهرة الخشخاش ! ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ أكملي!
    - بعد ذاك بدأ خليل يفكر بأنه في هذا العمر لن يسمح لأحد بإهانته. وبأنه لن يستطيع البقاء في هذا المشفى أكثر. وبدأنا نتناقش معا أنا وهو في كيفية إيجاد طريقة يقدم فيها استقالته دون لفت الأنظار أو إثارة الشكوك .
    - نعم. فتقديم الاستقالة يعني المعارضة. وما كان النظام ليمرر له تقديم طلب باستقالته دون تحقيق وسين وجيم .يا سوسنة!
    - وفي ذلك الوقت اقترحت أنا على خليل تحويل بيتنا إلى مشفى ميداني للثورة ، خاصة وأننا نسكن في منطقة عامرة بالمظاهرات. كنا نفكر ونخطط فقط . ولم تكن لدينا الجرأة والثقة بأننا قد ننفذ خطتنا.
    -المهم؟
    -المهم. لم تمهله قوات الأمن ليقدم استقالته، يا زهرة الريحان ! فما هي إلا أيام قليلة حتى اقتحمت المشفى، ودخلوا عليه غرفة العمليات هذه المرة .وكان خليل وقتها قد أنجز لتوه مع الممرضين عملية جراحية لشاب هو جار لنا ويسكن في بنايتنا أصيب بطلق ناري في كتفه في إحدى مظاهرات حي بستان القصر ، وما كاد خليل ينتهي من خياطة جرحه حتى وجد نفسه محاطاً بوجوه وعيون وقبضات بواريد وأرجل ترفسه وترفس الشاب الجريح الذي سقط عن سرير العملية على الأرض فتمزق جرحه وعادت دماؤه للسيلان دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منه .
    - يا ويلي! (لطمت خدي لطمة مجانية مؤلمة ندمت عليها بعد أن شعرت بالألم ) وسألت :والدكتور خليل ؟

    - أما خليل فقد قبضوا عليه في ساعتها بتهمة معالجة الإرهابيين وعناصر العصابات المسلحة والتعاون معهم. ثم قاده عناصر الأمن العسكري إلى مكان علمنا فيما بعد أنه فرع المخابرات الجويَّة . وبعد أن قضى في السجن أكثر من ثلاثة أشهر ذاق فيها كل أنواع الإهانة والجلد والتعذيب في الداخل . وشبعنا فيها أنا وأبواه وأخوته في الخارج ذلا وإهانة وتهديدا ووعيدا خلال البحث عنه في مراكز الأمن العسكري دون أن يرشدنا أحد إلى مكانه ، وبعد أن كدنا نفقد الأمل في حياته ،استطاع أحد أصدقائه من المحامين أن يعلم بطريقته الخاصة أنه ما زال حيَّا يرزق في السجن المركزي يا زهرة اللبلاب! ثم استطاع المحامي عن طريق بعض معارفه من المسؤولين ، أن يثبت للمخابرات الجويَّة أن خليل شخصٌ حياديٌّ. وهو ليس من أصحاب السوابق .ولم يشارك بالمظاهرات. ولا أعرف بماذا ادَّعى وكذب عليهم أيضا حتى أفرجوا عنه يا زهرة (فم السمكة) !
    - يؤلمني جداً أن أسمع هذا ، فإياك يا زهرة (آذان الدُّب) وأن تكبِّري المشكلة بينك وبينه بعد تلك المعاناة التي مررتما بها.بل عليك أن تقفي إلى جانبه وتخففي عنه دائما وأبدا؟

    - إذن بماذا تنصحينني يا زهرة (لسان الحماية) ؟ ماذا أفعل ؟ وكيف أتصرف كي أرد على قمعه لي ؟
    - أنصحك بأن تصلِّي صلاة الاستخارة مراراً وتكراراً يا زهرة (إبرة آدم ) . ثم تتركي الأمر لله وهو ييسر لك الخير .
    - أصلي صلاة الاستخارة ؟ هل تقصدين أن أستخير الله في تكبير المشكلة بيني وبين خليل؟ أم ماذا ؟
    - نعم . بالضبط.
    لا أفهمك ...ألم تنصحيني قبل قليل بعدم تكبير المشكلة يا زعفرانة ؟!
    - تلك كانت نصحيتي أنا لك . ولكن لعل لله شأناً آخر معك يخالف نصيحتي . وما أدراني وما أدراك؟! يا نوَّارة!
    - إذن هيا لنسرع إلى البيت كي ألحق وأصلي صلاة الاستخارة مراراً وتكراراً قبل الغد. فخليل سيسافر غدا ، وأرجو أن أكون بصحبته ،واليوم ستكون السهرة لوداعه وعلى شَرَفِه
    - إذن ألتقيك في السهرة الأخيرة يا زهرة اللوتس!

    في السهرة الأخيرة حيث جلسنا على البساط البدوي الكبير المفروش على الحصى الناعمة، في فناء لا تتجاوز جدرانه ارتفاع متر واحد ، كانت تستطيع طفلة فضولية إحصاء عدد رؤوسنا لتصل إلى العدد عشرين , ثم يكلِّمها أحد ما ، فتخطئ بالعدِّ وتقرر البدء من جديد .
    وحينذاك تنهرها أمها وتقول : لا تعدِّي رؤوسنا يا حسناء ! فالعدُّ يذهِب البركة .
    - فألُ الله ولا فألك يا ابنتي ! (تقول أم عمر ). قولي:" ما شاء الله" وصلِّي على النبي .
    هبت الريح وانطفأت الشموع مراراً. حتى قررنا الاستغناء عنها نهائياً والجلوس هكذا بلا ضوء، تحت سماء لا يستطيع المرء تحديد طريق مجرة (درب التبانة) فيها، على الرغم من ظلمة الأرض تحتها،وذلك بسبب وجود القمر المنير .كان الليل غامضاً مخيفاً . والجميع حاضرٌ إلا ياسمين ، وكنت أريد الاتصال بها لأسألها عن سبب عدم حضورها . ولكن أبا مُضَرٍ الذي انضم إلى الجيش الحرّ في الرَّقة منذ أسبوع تقريباً، وهو زوج أخت الأستاذ عمر، بدأ يتكلم كلاماً لم أشأ تجاهله ؟ كان يظن أننا لا نعلم بقصة انضمامه للجيش الحرّ . وكان يريد أن يحدِّثنا عن الاحتقان الذي يعيشه الناس في مدينة الرَّقة وريفها، منذ تحرير بلدة (تل أبيض) قبل ثلاثة أشهر من أيدي جيش النظام ، وهي البلدة المتاخمة لتركيا في شمال الرَّقة ،فأبو مضر يعتقد أن الناس في الرَّقة قد بدؤوا فعلياً يتفاءلون بإمكانيات الثوار ويميلون لدعمهم بعد تحرير (تل أبيض) وأبو مضر يعتقد جازماً وعن يقين أيضاً أن الألم الذي خلَّفه إسقاطُ الشهداء على أقدام تمثال الرئيس الخالد ، في تلك المظاهرة، التي حدثت عقب تشييع جنازة الشهيد علي البابنسي، هو البركان الحقيقي الذي يوشك على الانفجار اليوم أو غداً.
    وفي تلك العتمة قام أحمد ابن الأستاذ عمر وابن العشرة أعوام، يدير علينا كؤوس الشاي . وهو شاي غريب الأطوار. إذ لا يذيق شاربَه سوى طعم السُّكر الساخن ،في حين يحتفظ لنفسه وفي أعماق روحه بطعم الشاي. ويبدو أنه قد شعر بانتقادي لأسلوبه الذي يستخدمه مع شاربيه، فأبى علي شربَه ،وانسكب بكلِّ ما لديه من سخونة في حضني . غير أني وجدت في تصرفه الطائش فرصةً سانحةً لي، كي أعلن عن رغبتي بالعودة إلى البيت بحجة تغيير ثيابي ،وهو ما وافقني عليه في الحال زوجي الذي يشرب الشاي مرَّاً. غير أن أبا مضر –بارك الله فيه وبمضر - أصر على استبقائنا حتى ينهي حديثه المهمَّ حول محاولات النظام الخبيثة، في نشر عصابات الشبيحة المتنكرة في صفوف الجيش الحرّ. فمن يدري؟ لعلَّ حديثه هذا هو الفرصة الوحيدة المتاحة لنا ، لنتفهم الوضع ونأخذ الحيطة .ولعل أحدا لن يحدِّثنا حديثه هذا، بعد يومنا هذا .
    هذه العصابات يشكِّلها النظام تحت تسميات الكتائب الإسلامية ، بهدف الإساءة للثوار وأخلاقيات الثورة،( قال أبو مضر ). وعناصرها مهمَّتهم سلبُ الناس أموالهم بمبرر أو بدون مبرر، بحجة أنها (غنائم) للثوار. وهم يختطفون بعض الشخصيات المحترمة والمحبوبة شعبياً بتهمة ( التشبيح) ،أو بتهمة التعامل مع جيش النظام، ثم يطلبون من ذويهم مبالغ كبيرة من الأموال فدية لهم.
    وثمة من أخذ يستوضح عن هذا الأمر أكثر من الحضور الساهر في ضوء القمر، غير مكترث بثيابي الرطبة، التي هبت عليها الرياح المحملة بالتراب، فشكَّلت طبقةً رقيقةً من الطين البارد، الذي أخذ يغلَّفني في حالةٍ مناسبة لوصف الوضع مع تلك العصابات، وبدون مجازٍ، بأنها حالة مُطيَّنَة .
    ولم يُنهِ أبو مضرٍ حديثه إلا بعد أن حذَّرنا خصوصاً ،وحذَّر الجميع عموماً، من أن يفتح أحدٌ فمه لينقل ما قيل هنا إلى خارج هذا المكان المسوَّر بجدرانه التي لا يجاوز ارتفاعها المتر الواحد .
    خرجنا من السهرة وأعصابنا متشنجة من محاذير أبي مضر وتنبيهاته. وكانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ليلا ، وكان الظلام دامساً والسكون يعمُّ الشوارع. لولا أن صفير الرياح البعيدة كان يمزق السكون ،منذرا بهبوب عواصف لا قِبَل لنا بها . وما أن وصلنا إلى البيت حتى أسرع الجميع إلى النوم .
    أطفأتُ الشمعة في غرفة ولدينا بعد أن أوصيتُهما بقراءة آية الكرسي . ثم نفخت على شمعة غرفتنا نفخةً متنكرةً بزي نفخة تهدف إلى إطفاء الشمعة، إلى أنها في حقيقتها زفرة تأفف وتنفس وتفشش. وبدأت بقراءة سورة ( الملك) ورأسي الذي توسَّد الوسادة يكاد يخترقها ليغوص في الطبقة السطحية للقشرة الأرضية لشدة ثقله . ازداد شعوري بضغط الهواء في الغرفة لدرجة لا تُحتمل. ولولا صوت صفير الهواء العابر في نفق صوتي من فوق سطح غرفتنا، لما أدركت أن هذا الذي يحدث إنما هو مرور قذيفة هاون ستهوي بعد لحظات في الفناء، وستؤدي قوَّة ضغط الهواء الشديد الناجم عن انفجارها إلى خلع نوافذ الغرفة وفتح بابها . كان الصوت شديداً حاداً شعرت معه بالصمم المؤقت المؤلم في أذني ،ولا أستغرب أبداً( والله هو العليم ) أن يكون زوجي قد شعر بشعوري نفسه، وذلك ما خفَّف عني قسوة الحدَث. ومع محاولتي غير الواعية النهوض من الفراش للذهاب إلى غرفة ولدينا للبقاء معهما والاطمئنان عليهما . رأيت في التَّو واللحظة من باب الغرفة الذي انفتح وانخلع بتأثير انفجار القذيفة الأولى،رأيتُ سقوطَ وانفجار القذيفة الثانية في الفناء فوق التواليت. ها قد انهار التواليت وانتشرت شظاياه وارتطمت بباب الغرفة ونوافذها المعدنية ، فلا نامت الأعين، ولا قضى محصورٌ حاجته.
    وبدأت أصرخ وأبكي وزوجي يحاول سدَّ فمي براحة يده، وينادي بأعلى صوته على ولدينا أن يبقيا مكانهما في غرفتهما ولا يخرجان . وما أن رفع زوجي يده عن فمي هممت بالوقوف مرة أخرى، فأوقعني ضغط هواء القذيفة الثالثة، وهي تهوي في الحفرة التي حفرتها القذيفة الأولى في الفناء. وأردت أن النهوض مرة أخرى غير أني شعرت بعدم القدرة مطلقاً على النهوض، ثم تفقدت يدي زوجي فوجتهما يمسكان بكاحلي قدميَّ لمنعي من النهوض, وفي لحظة اكتشافي ذلك فتح ولدانا باب غرفتنا ودخلا بسرعة . وما أن أغلقا الباب حتى صفَّرت القذيفة الرابعة وسقطت. وأظنها قد عرفت هذه المرة طريقها الحقيقي وسقطت في فناء جيراننا (جيران الهنا ).
    لم يكن هذا الذعر أمرا جديدا علينا ،فقد تدربنا عليه جيداً في حلب . لكن منذ أن غادرنا حلب هدأت أعصابنا وهذا هو الغلط الذي ارتكبناه بحق أنفسنا ،فلو أننا لم ننزح إلى الرقة. ولو أننا بقينا في حلب تحت البراميل (أصلحنا الله وأصلح أمثالنا ) لما أرعبتنا بضع قذائف هاون هكذا . ولما تأسفنا على انفجار (التواليت) واحترنا أين سنقضي حاجاتنا الطبيعية .
    عندما خرجنا من الغرفة لاستطلاع نتائج القصف مع طلوع الفجر وزقزقة العصافير ، تأكدت بأن حواسّي تستطيع أن تعمل بمردود عشرة على عشرة تحت وابل القذائف، فها هي فعلا آثار ثلاث قذائف قد سقطت في فناء البيت بالتمام والكمال. وهذا بالطبع ،عدا عن القذائف التي سقطت في فناء كتيبة حفظ النظام، والتي لا يعلم عددها إلا الله وكتيبة حفظ النظام فقط. ثم إن ابنينا استطاعا معا إحصاء عدد عبوات الرصاص الفارغة التي جمعاها من أنحاء الفناء وتقاسماها مناصفة، وكان بعضها تحت نافذة غرفتهما المخلوعة . وتذكَّرتُ الأمَّ التي نهرت ابنتها عن عد رؤوسنا في سهرة الأمس. وحمدتُ الله أنها أخطأت مراراً ولم تكمل العدَّ ، وإلا لكانت طارت البركة ونقص عدد رؤوسنا .
    بدأنا بترتيب حقائبنا لمغادرة البيت. وقبل أن نتساءل أين سنذهب، سمعنا صوت عمر وهو ينادينا ويفتح البوابة الكبيرة،وتدفَّق من الباب حشدٌ كبير من الناس ملأ أنحاء الفناء، جاؤوا جميعا لتفقدنا والاطمئنان علينا .
    لم يكن دماغي قادرا على استيعاب كل ما قالوه دفعة واحدة ، لذا لم أفهم كل ما قيل ، لكني فهمت أنهم قد قرؤوا الخبر العاجل في الشريط الإخباري لقناة (حلب اليوم) : " ثوار الرَّقة ( كتيبة الناصر صلاح الدين) يقصفون بقذائف الهاون كتيبة حفظ النظام في الرَّقة، في الساعة الثانية والنصف ليلا "
    ثم رأيت الأستاذ عمر يقيس المسافة بقدميه، بين الحفرة التي تعاونت قذيفتا الهاون على حفرها، وبين باب الغرفة التي كنا ننام فيها.ويقول عبارة التهنئة بسلامتنا والتي أصبحت مثلاً شائعاً بعد ذلك على ألسنتنا نردِّدها كلما نجونا من القتل، في إثر الغارات اللاحقة ، غارةً بعد غارة " ما شاء الله !حظُّكم يفلُق الصخر " .

  3. #13
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,154
    المواضيع : 183
    الردود : 13154
    المعدل اليومي : 5.19

    افتراضي

    وبين حلاوة أسلوبك التهكمي الساخر، وبين مرارة الأحداث
    ووجع واقعيتها أقضي وقتا ممتعا في القراءة والمتابعة
    طرافة في الحرف، وسلاسة في السرد، وقوة في التعبير والتصوير
    كلها ملامح قصة ناضجة تحمل سمات الإبداع ، وهوية التميز..
    ومازلت أتابع معك بشغف وبقوة.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12