أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: وحدي مع الأيام

  1. #1
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : غزة فلسطين
    العمر : 66
    المشاركات : 1,995
    المواضيع : 318
    الردود : 1995
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي وحدي مع الأيام

    وحدي مع الأيام
    9 / 4 / 2018 م
    أنا لا أقصد هنا ديوان الشاعرة فدوى طوقان ، وإنما أقصد حال أحد الأصدقاء .. تعلم في الجامعة وتخرَّج فيها بأعلى الدرجات .. تزوج وأنجب بنين وبنات ، تعلموا أحسن تعليم ، ومعظمهم اشتغل وتزوج وأنجب .. وعاش الجميع في أحسن حال وأهنإ بال .
    كان من بين أبناء هذا الصديق وبناته ، بنتٌ ذكية ، لمّاحة ، مؤدبة ، مهذبة ، خلوقة ، عفيفة طاهرة . كانت أقرب الجميع إلى قلب أبيها ، تفهم ما يريد دون أن ينبس ببنت شفة ، تناوله ما يريد في سرعة البرق ، تخدمه بعينيها قبل أن تخدمه بيديها .

    تقدم لخطبة هذه الفتاة عدة شباب ، ولكن أباها كان يرفض لأتفه الأسباب ، وهو لا يكره لبنته السعادة ، ولكنه لم يتصور يومًا أن يفترق عن ابنته العزيزة الغالية . وأخيرًا اضطر لما لا بد منه ، فقد تقدم لخطبتها هذه المرة شاب أديب خلوق ، سأل عنه واستفسر ، فكان الإجماع على أنه أفضل من يتقدم لخطبة فتاة كابنته هذه . تمت الخطبة والزواج ، وكانت زيجة موفقة هانئة ، استمرت لأكثر من عشر سنوات ، ولم تبدر من الزوج أو عائلته ما يعكر صفوها ، والكل يحسدها على هذه الزيجة .

    كان الأب يزور ابنته وتزوره ، وينعم بلقائها والحديث معها . وفي أحد الأيام بينما الأب يستعد لزيارة ابنته وإذ بصارخ يستغيث : الحقوا ، لقد هجمت عائلة فلان على أخي ، ولا يجد من ينقذه من بين أيديهم . هب الشيوخ قبل الشباب مدججين بما لاح لهم من سكاكين وأمواس وآلات حادة ، وانطلقوا إلى المكان المقصود . هناك كان الشيطان سيد الموقف، وما إن حضرت الشرطة حتى وقعت إصابات عديدة بين العائلتين ، إحداها إصابة حرجة ، وكانت في الطرف الآخر .

    طبعًا عرفتم من السياق أن العائلة الأخرى كانت عائلة زوج ابنة صديقي هذا . اقتيد العديد من أفراد العائلتين إلى المعتقل ، ونشطت لجان الإصلاح والوجهاء والمخاتير لرأب الصدع ، وما إن وصلت الأمور إلى حافة الصلح ، حتى جاء الخبر بوفاة المصاب بإصابة حرجة ، فثارت النفوس مرةً أخرى ، وبدأت المساعي لدفع الدية وعدم القصاص ، على أساس أنه لم يكن قتلاً مع سبق الإصرار والترصد .

    لا أطيل عليكم .. تمت الموافقة على أخذ الدية ، ولكن وضعت عدة شروط على العائلتين ، كان من بينها – ما يخص موضوعنا – عدم التواصل بين ابنة صديقي وبين أهلها ، وإلا يتم تطليقها ، فوقعت بين نارين : إما أن تضحي بأبنائها من أجل أهلها ، وإما أن تحرم من أهلها وإلى الأبد ، فاختارت الأولى على أساس أن الأيام كفيلة بتغيير النفوس .

    كان هذا الشرط أصعب الشروط على صديقي ، كيف لا وهو قد كان لا يطيق أن يحرم رؤيتها يومًا واحدًا ، حتى أنها حرمت من الجوال الذي يمكن أن تتواصل به معه .. مرت الأيام واشتاق الأب لابنته ، واشتاقت هي لأسرتها – وخاصةً أبيها – فماذا يفعل ؟ اعتزل جميع أبنائه وبناته وزوجته ، وفضل العزلة في غرفته ، لا يكلم أحدًا ، ولا يأكل إلا وجبة واحدة صغيرة في اليوم ، ساءت صحته ، وخارت قواه ، ونحل جسمه ، وأصبح يهذي بكلمات غير مفهومة .

    كنت أكثر من زيارته ، وأحاول أن أواسيه ، فأعود أنا حزينًا كئيبًا من حاله ، كنت أذكِّره بآيات الصبر والأحاديث النبوية التي تحض على الصبر ، وتبين ثواب الصابرين ، وأن الصبر نهايته الفرج لا محالة ، فتتحسن نفسيته قليلاً ، ولكن ما إن أعود من عنده حتى تأتيني الأنباء برجوعه إلى ما كان عليه ، فأشفق عليه . أرسلت من يقوم بالاطمئنان عن ابنته ، فلم يوفقوا بالوصول إليها ، والاطمئنان على وضعها ، بل بالعكس ، وجدوها تعامل وكأنها سجينة لديهم ، وفي أسوأ ما عرف التاريخ من سجون .
    أنا الآن – فعلاً- قد بدأتْ عدوى صديقي تصيبني حزنًا عليه ، فأين أنتم يا أهل الخير ؟ أين أنتِ يا لجان الإصلاح ؟ أين أنتم يا وجهاء البلد ؟ في أي عُرف وبأي منطق يُحرم أبٌ من رؤية ابنته ؟ وتحرم ابنة من رؤية أبيها ؟ وفي أي عرف وبأي منطق تعامل هذه المرأة معاملة السجناء ؟ أليست لكم بنات ؟ أليس لكم قلوب ؟ أليس عندكم إحساس ؟ أدركوا هذا الشيخ قبل أن يموت حزنًا على حال ابنته وشوقًا لرؤيتها . أدركوا هذه المرأة التي تعامل معاملة الأرِقّاء . اللهم إني قد بلَّغت .
    اللهم يا من تعلم السِّرَّ منّا لا تكشف السترَ عنّا وكن معنا حيث كنّا ورضِّنا وارضَ عنّا وعافنا واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 11,463
    المواضيع : 178
    الردود : 11463
    المعدل اليومي : 5.28

    افتراضي

    رسالة معبرة صادقة تمس شغاف الروح والقلب وتتغلغل في الوجدان
    رسالة عظيمة أرسلتها نثرا بلغة قوية وأسلوب واضح مباشر
    وحرف تألق فكره وزهى في نص طيب الأداء
    بورك الشعور والكلمة المعبرة
    انحناءة إعجاب وباقة شكر تليق بالقلم وبالحرف.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : غزة فلسطين
    العمر : 66
    المشاركات : 1,995
    المواضيع : 318
    الردود : 1995
    المعدل اليومي : 0.39

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    رسالة معبرة صادقة تمس شغاف الروح والقلب وتتغلغل في الوجدان
    رسالة عظيمة أرسلتها نثرا بلغة قوية وأسلوب واضح مباشر
    وحرف تألق فكره وزهى في نص طيب الأداء
    بورك الشعور والكلمة المعبرة
    انحناءة إعجاب وباقة شكر تليق بالقلم وبالحرف.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    حياكِ الله أخت نادية .. لقد أخجاتِني بهذا الإطراء الذي لا أستحقه .. دمتِ بألف خير


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة