" رحلة صيف " من ديوان ( نفحات الحياة ) للدكتور العلامة عبد الله مصطفى الهرشمي رحمه الله :

جَمِّلْ خطاكَ لحاضرٍ ولغابرِ
فكلاهما كنزٌ لقلبٍ ذاكرِ
واسترجع الأنفاس من عِطر الصِّبا
وفتىً تنسَّمَ من أريجِ معاطرِ
فلكم وجدته بين هاتيك الربى
يهب العواطفَ من فؤادٍ شاعرِ
ويغالب الأشواق من تقوى الهوى
إلا شفاهًا أرتجتْ بمحاجرِ
فأنالها قُبَلاً تذوب لها هوىً
وتثوب أحيانًا عشيقة ساحرِ
فكأنها هي ذي الحياة تجسَّدت
وكأنه حيٌّ بقلبٍ ناظرِ
وبكلّ مزدهرٍ هناك مباهجٌ
تعطي الحياةَ نضارةً من ناضرِ
تتعاطف الأنسام والأزهار وال
أفواف حول مباسمٍ وغدائر
فتنالها مثل السعادة شيّقًا
وتنيلها نظر المحبّ الشاكرِ
يا للزمان فكل جاريه سدىً
إلا الغوالي من وصالٍ طاهرِ
فخطوت بين الزهر لا فوق الثرى
بل فوق أجنحة الزمان الداهرِ
وأتيت " رومة " ذاكرًا دولاتها
وعهود عبدانٍ وظلمٍ قاهر
ونظرت في الأطلال كيف بناتها
تخذوا " فروق " مقرَّ حكمٍ جائر
ثم انعطفت إلى هداةٍ أرسلوا
بالنصر والدين الحنيف الظاهر
رسل السلام سيوفهم من جُنّةٍ
وتقاهمُ أصلٌ لكل مفاخرِ
فتحوا البلاد فحرروا أبناءها
لا فرق بين أصاغر وأكابر
نقَّى الحضارةَ سيفُهم وكتابُهم
من كلّ واضرةٍ وظلمٍ ماكر
للناس أطيابُ الدنا و ولاتهم
عبرات صبٍّ في الليالي ساهرِ
يا للثلاثين الأعزة ثلثهم
هم فاتحو العهد المنيف الزاهر
كانوا خلائف مغربٍ من مشرقٍ
للنور ملء سباسبٍ وحواضر
عجل الفناء لعهدهم فكأنما
فُنيَ الربيع لعاصفٍ وتناثرِ
وكذاك دولات الزمان خواتم
هُنَّ البداية بعد دور دوائر
ووصلتُ " بادوفا " أناغي معجبا
في روضتيها باسمات أزاهر
بلد أنال الشمس وجه قصوره
من قبل " روما " في الزمان الداهر
وحكت جداوله العديدة ما ترى
في جانبيها من جمال ساحر
وتناسق اللألاء في آفاقه
بنجوم أرضٍ كالسماء زواهر
واعتلّت النفحات في آصاله
تنساب من خدٍّ أسيل عاطر
قد جئت أستشفي فزادتني هوىً
نغماتُ صوتٍ من حديث سواحر
فيهنَّ من بيض الثياب حمائم
يدرجن بين مشاعر ومقاصر
فقفلت أزجي للصبابة حقها
نجوى محبٍّ وابتسامة ساخر
وأتيت " فينيسيا " أثنّي زورةً
من ربع قرنٍ لم تبارح خاطري
صدفٌ فلما انشقَّ فهي مدينة
في شِقّ ماء أو سماء زاخر
وإلى الضفاف السُّمر في " ليدو " انتهت
حورٌ وغلمان وسحر مناظر
آمنت بالباري ونظم بديعه
ورجوت روضًا غير ذات دواثر
فإذا رأيت رأيت ثم عجائبا
وخوالدًا من نور حسنٍ باهر
عجزتْ أخيلة شعرنا عن وصفها
والمعجزات غدت ملاذ الشاعر
هذي " جنيف " هلمّ فاذكر عِشرةً
حيَّوكَ ملء مباسم ونواظر
قد كنت فيهم والصبابة عطرها
ليفوح من أردان خلٍّ زائر
هاموا بقلب فاض نبعا للهوى
وبفكر ذي أدبٍ وعلمٍ سامر
لمحات " لوزان " و " ليمان " وما
حول الجبال الشمّ فيض خواطر
وزها الجمال فصار بين ربوعها
بشرًا تذيب عيونها في ناظري
لا فض فوك ألا نظمت قصائدا
فقن الخيال لشاعر ولناثر
أم قد تعاظمت الخوالج وانتضت
من صيّبِ الذكرى لقلب عامر
فغدوت تقتصد البيان لمرتع
أوفى على الإطناب زين منابر
أعيى يراعتك الوفاء فأي مُد
دكرٍ خلقْت لعهد أنس غابر
وحضرت " لندن " بَيْدَ أن عواطفي
لجمال " أوربا " البديع النادر
محَّضته الود القديم وعشت في
هذي معيشة دارسٍ أو عابر
كم ههنا ذكرى ترفّ لها الهوى
وصلت هناك بموطنٍ وأواصر
الأرض أرضٌ من صخور جزائر
والعهد عهدٌ من خيالٍ سائر
لو كنت أذرف دمعة لمباهج
في الأرض كنت خصصته بجواهري
لكنّ قلبي طائف في مكة
وبروض طيبة نيط كل مشاعري
فهنالك الجنات من فوق الدنا
وهناك حبُّ فوق حب ظواهر
وهنالك العبرات تسكب عن هوى
لم ندر منه أولا من آخر